← Акыда

Акыда · id 11071

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية

ابن تيمية

Полный текст (363 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إن جعلوا هذه الأعمال وأعمال العقلاء داخلة في مسمى العقل بطل قولهم: هو من جنس العلم فقط. وإن قالوا: أفعال العقلاء دليل على العلم الذي هو عقل وكذلك أفعال المجانين دليل على فوات هذه العلوم. قيل لهم: فحينئذ قد صار العقل يستلزم أمورا ليست داخلة في مسماه فلا يمتنع حينئذ أن يقال هو الغريزة المستلزمة لهذه العلوم كما قلتم هو العلوم المستلزمة لهذه الأعمال. الوجه السابع: إن هذا مما يبين كذب هذا الحديث المروى كما رووه فإن العقل إذا كان في لغة المسلمين هو عرض قائم بغيره لم يكن مما يخلق منفردا عن العاقل وإنما يخلق بعد خلق العقلاء. وأيضا فإن مثل هذا لا يخاطب ولا يقبل ولا يدبر. وأيضا فقوله: "ما خلقت خلقا أكرم علي منك لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى فإنه من المعلوم أن الأنبياء والملائكة أكرم على الله منه إذ كان في بعض صفانهم. ولو قدر أن العقل في لغتهم يكون جوهرا أو ملكا وقدر أن هذا اللفظ قاله الرسول ﷺ لم يجز أن يراد به ما يقوله الفلاسفة ومن سلك سبيلهم لما بينا أنه يدل على أنه خلق قبله خلقا آخر. وأيضا فقوله: "بك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب"

стр. 107

خصه بهذه الأعراض وعندهم هو المبدع لكل ما سواه من العقول والنفوس والأفلاك والنفوس البشرية والعناصر والمولدات فكيف يخصه بأربعة أعراض وأيضا فقوله: "لما خلقه قال له أقبل فأقبل" يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه وعندهم يمتنع أن يكون خلقه في زمان بل يمتنع أن يكون مخلوقا عندهم كما تقدم. الوجه الثامن: أن هؤلاء سمعوا في الحديث "أن أول ما خلق الله القلم" وهذا الحديث معروف ليس مثل الأول رواه أبو داود في سننه عن النبي ﷺ وروى عن ابن عباس وغيره من الصحابة لكن السلف متنازعون

стр. 108

هل المراد بذلك أول ما خلقه من هذا العالم الذي خلقه في ستة أيام وكان عرشه على الماء كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . وعلى هذا القول فالعرش كان مخلوقا قبل ذلك. أو هو مخلوق قبل العرش؟ على قولين: ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره والأحاديث الصحيحة تدل على القول الأول فقال هؤلاء أن ذلك الذي تسميه الفلاسفة العقل الأول هو القلم وهذا كثير في كلامهم وفي كلام صاحب جواهر القرآن وهو من نوع كلام القرامطة.

стр. 109

قال في الجواهر: "واعلم أن القرآن والأخبار تشتمل على كثير من هذا الجنس فانظر إلى قوله ﷺ : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان " فإن روح الأصبع القدرة على سرعة التقليب وإنما قلب المؤمن بين لمة ملك ولمة شيطان هذا يهديه وهذا يغويه والله تعالى بهما يقلب قلوب العباد كما تقلب أنت الأشياء بأصبعيك وانظر كيف تشارك نسبة الملكين المسخرين إلى الله تعالى أصبعك في روح الأصبيعة وخالف في الصورة واستخرج من هذا قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" وسائر الآيات والأحاديث الموهمة عند الجهلة للتشبيه والذكي يتنبه بمثال واحد والبليد لا يزيده التكثير إلا تحيرا ومهما عرفت معنى الأصبع أمكنك الترقي إلى

стр. 110

القدم واليد واليمين والوجه والصورة وأخذت لجميعها أمرا روحانيا لا جسمانيا فتعلم أن روح القلم وحقيقته التي لا بد من تحقيقها إذا ذكرت حد القلم وهو الذي يكتب به وإن كان في الوجود شيء يسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فإن الله تعالى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وهذا القلم روحاني إذ وجد فيه روح القلم وحقيقته ولم يعوزه إلا قالبه وصورته وكون القلم من خشب أو قصب ليس من حقيقة القلم ولذلك لا يوجد في حده الحقيقي ولكل شيء حد وحقيقة هي روحه فإذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لموافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا. ولا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس فإن كنت لا تقدر على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم يسند التفسير إلى الصحابة فإن التقليد غالب عليك فانظر إلى تفسير قوله تعالى على ما قاله المفسرون: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ الآية.

стр. 111

وأنه كيف مثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والينابيع والضلال بالزبد ثم نبهك في آخرها فقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ ويكفيك هذا القدر من هذا المعنى فلا تطيق أكثر منه. وبالجملة فاعلم إن كل ما لا يحتمله فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير واعلم أن التأويل يجري مجرى التعبير" انتهى كلامه. فهذا الكلام ونحوه من جنس كلام الفلاسفة القرامطة فيما أخبر الله به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر ويجعلون ذلك أمثالا مضروبة لتفهيم الرب والملائكة والمعاد وغير ذلك والكلام عليهم مبسوط في غير هذا الموضع. وصاحب الجواهر لكثرة نظره في كلامهم واستمداده منهم مزج في كلامه كثيرا من كلامهم وإن كان قد يكفرهم بكثير مما يوافقهم عليه في موضع آخر وفي أواخر كلامه قطع بأن كلامهم لا يفيد علما ولا يقينا بل وكذلك قطع في كلام المتكلمين وآخر ما اشتغل به النظر في صحيحي البخاري ومسلم ومات وهو مشتغل بذلك.

стр. 112

وإنما المقصود هنا التنبيه على ما ذكروه فإن كثيرا اغتروا بهذا لأنهم وجدوه في كلامه وحرمته عند المسلمين ليست مثل حرمة من لم يدخل في الفقه والتصوف دخوله ولهذا كثر فيه كلام أئمة طوائف الفقهاء والصوفية مثل أبي بكر الطرطوشي وأبي عبد الله المازري المغربي وغيرهما من المالكية.

стр. 113

مثل أبي الحسن المرغيناني وأبي البيان القرشي وأبي عمرو بن الصلاح وابن شكر وأولاد القشيري وغيرهم من الشافعية ومثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي بن الحنبلية مع أن هذين أقرب إلى مذاهب النفاة من غيرهما من الحنبلية.

стр. 114

وأما الحنفية فكلامهم فيه لون آخر وكانت قد جرت له قصة معروفة معهم ومع أصحاب الشافعية. وهذا الذي ذكره باطل من وجوه كثيرة: منها: أن القلم إذا كان أول مخلوق وهو العقل عندهم لم يصح تفسيره بما ينقض العلم في قلوب بني آدم لأن ذلك عندهم إنما هو العقل الفعال وهو العاشر وأول مخلوق على زعمهم هو العقل الأول. الثاني: أن تسمية الملائكة التي يجعلونها هي العقول أقلام إذ تسمية بعضهم قلما شيء لا يعرف في كلام أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا أصلا فالتعبير بلفظ القلم عن ملك يكون عندهم قد أبدع هذا الوجود من أبطل الباطل. الثالث: أن الذي في الحديث أن الله خلق القلم وأمره أن يكتب في اللوح قبل خلق بني آدم بل في صحيح مسلم "أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" فكيف يكون إنما سمي قلما لأنه ينقش العلوم في قلوب بني آدم؟ الرابع: أن خاصية القلم كونه يكتب به فإذا قدر أن خاصية شيء

стр. 115

من الأشياء أن يكتب له أمكن تشبيهه بالقلم أما إذا كانت له أفعال عظيمة غير ذلك فليس تشبيهه بالقلم بأولى من تشبيهه بغير ذلك. والعقل عندهم: قد صدرت عنه الجواهر والمواد والصور وما تقوم به النفوس والأجسام من جميع الأعراض كالحياة والعلم والقدرة والكلام والأكوان والألوان والطعوم والروائح وغير ذلك فلأي شيء يسمى باسم عرض من الأعراض التي تصدر عنه دون أن يسمى بما تقتضيه سائر الأعراض بل والجواهر التي صدرت عنه وهو عندهم قد فاض عنه الألواح التي يكتب فيها فهل يكون القلم مبدعا للوح وهل في الحديث أن اللوح تولد عن القلم؟ أو ما يشبه ذلك. ولئن جاز تسمية هذا قلما فتسمية لسان الإنسان قلما أقرب فإنه جسم مستطيل مستدق الرأس يشبه القلم وهو إذا خاطب بالعلم نقش العلم في القلب وخاصيته هي التفهيم دون سائر الأفعال. وقد يقال للقلم أحد اللسانين فتسمية اللسان قلما أشبه وأنسب ومع هذا فلم يسمع أن النبي ﷺ أو واحدا من الصحابة أراد بلفظ القلم اللسان كلسانه أو لسان الملك الذي نزل عليه فكيف إذا عبر به عما هو أبعد من ذلك؟ الخامس: أن المسلمين يعلمون بالاضطرار أن النبي ﷺ لم يرد بالقلم ما تريده الفلاسفة بلفظ العقل.

стр. 116

السادس: أنه من الذي قال ما يوجد في قلوب بني آدم من العلم إنما هو من فيض العقل الفعال الذي تقوله الفلاسفة فإن دليل الفلاسفة على ذلك ضعيف بل باطل والكتب الإلهية لم تخبر بذلك بل الأخبار الإلهية تدل على تعدد ما يلقى في قلوب بني آدم وأنه ليس ملكا واحدا بل ملائكة كثيرون وقد وكلت بهم أيضا الشياطين فامتنع أن يكون في الوجود ما يلقى العلم في القلوب على ما ذكروه. السابع: أن ما ذكره في حد القلم ليس مستقيما إذ لو صح لصح تسمية كل من علم العلم قلما وإن كان القلم لا يشترط في تسمية أن يكون من مادة مخصوصة فلا بد له من صورة من أي مادة كانت كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ . الثامن: قوله: "لكل شيء حد وحقيقة هي روحه" وهو إنما عنى به مثلا كونه كاتبا كما جعل حقيقة القلم وحده كونه ينقش العلم وجعل هذا الحد والحقيقة موجودة في العقل ومعلوم بطلان هذا بالاضطرار فإن حقيقة الجوهر الموجودة لا يكون مجرد كونه موصوفا بفعل منفصل عنه أو متصل به ولو قدر أن تلك الصفة توجد في حده لكانت فصلا تميزه عن غيره مع مشاركة غيره له في الجنس المشترك وذلك يمنع ثبوت الحقيقة لغيره أما أن يجعل هي الحد والحقيقة وحدها فهذا ظاهر البطلان.

стр. 117

التاسع: أنه قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين كما ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره. أحدهما: أن القلم خلق أولا كما أطلق ذلك غير واحد وذلك هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ أبي عروبة بن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت أنه قال: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني". والثاني: أن العرش خلق أولا قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية:

стр. 118

حدثنا محمد بن كثير العبدي حدثنا سفيان الثوري حدثنا أبو هاشم عن مجاهد عن ابن عباس قال: "إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" ورواه أيضا أبو القاسم اللالكائي في كتابه في شرح أصول السنة من حديث يعلى عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال قيل لابن عباس: إن أناسا يقولون في القدر؟ قال: "يكذبون لئن أخذت بشعر أحدهم لا نصونه أي لآخذن بناصيته إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه".

стр. 119

وكذلك ذكر الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لما ذكر بدء الخلق فذكر حديث عبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وغيرهما وسنذكر هذين الحديثين إن شاء الله تعالى ثم ذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: "على متن الريح".

стр. 120

وروى حديث القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: إ"ن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون". قال البيهقي: "ويروى ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا" قال البيهقي: "وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش القلم" وذلك بين في حديث عمران بن حصين "ثم خلق السماوات والأرض". وفي حديث أبي ظبيان عن ابن عباس موقوفا عليه "ثم خلق النون فدحا الأرض عليها".

стр. 121

وروى بإسناده الحديث المعروف عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: "أول ما خلق الله من شيء القلم فقال له: اكتب فقال: يا رب وما أكتب قال: اكتب القدر قال: فجرى بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة" قال: "ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وأن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة". قلت: حديث عمران بن حصين الذي ذكره هو ما رواه البخاري من غير وجه: منها: ما رواه في كتاب التوحيد في باب (وكان عرشه على الماء) (وهو رب العرش العظيم) .

стр. 122

قال أبو العالية: " (استوى إلى السماء) ارتفع". وقال مجاهد: " (استوى) علا على العرش". وذكر من حديث أبي حمزة عن الأعمش عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال إني عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم " فقالوا: بشرتنا فأعطنا فدخل ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم" فقالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر

стр. 123

ما كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم". ورواه البيهقي كما رواه محمد بن هارون الروياني في مسنده وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما من حديث الثقات المتفق على ثقتهم عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: أتيت النبي ﷺ فعقلت ناقتي بالباب ثم دخلت فأتاه نفر من بني تميم فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا: بشرتنا فأعطنا فجاءه نفر من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذا لم يقبلها إخوانكم من بني تميم" فقالوا: قبلنا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول

стр. 124

هذا الأمر كيف كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض" قال: ثم أتاني رجل فقال: أدرك ناقتك فقد ذهبت فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب وأيم الله لوددت أني كنت تركتها. ففي الحديث الصحيح بيان أنه كتب في الذكر ما كتبه بعد أن كان عرشه على الماء وقبل أن يخلق السماوات والأرض. وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرني أبو هانىء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين

стр. 125

ألف سنة وعرشه على الماء" رواه مسلم أيضا من حديث حيوة ونافع بن يزيد كلاهما عن أبي هانىء الخولاني مثله غير أنهما لم يذكرا "وعرشه على الماء" وقد رواه البيهقي من حديث حيوة بن شريح أخبرني أبو هانىء الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" ورواه البيهقي أيضا من حديث ابن أبي مريم حدثنا الليث

стр. 126

ونافع بن يزيد قالا حدثنا أبو هانىء عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ : "فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة". ففي هذا الحديث الصحيح ما في ذلك من أنه قدر المقادير وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض لكن بين فيه مقدار السبق وأن ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقد ضبط هذه الزيادة الإمامان الفقيهان الليث بن سعد وعبد الله بن وهب. فقوله في الحديث: "فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة" يوافق حديث عبادة الذي في السنن "أنه لما خلق الله القلم قال له اكتب قال وما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة" وكذلك في حديث ابن عباس وغيره وهذا يبين إنما أمره حينئذ أن يكتب مقدار هذا الخلق إلى قيام الساعة لم يكتب حينئذ ما يكون بعد ذلك وهذا يؤيد حجة من جعله أول المخلوقات من هذا الخلق الذي أمره بكتابته فإنه سبحانه كتبه وقدره قبل أن يخلقه بخمسين ألف سنة. وبكل حال فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار التي عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا القلم ليس ما يدعيه هؤلاء أنه الذي يسمونه العقل الأول أو الفعال فإنه أمره أن يكتب فقط لا أن يفعل شيئا غير ذلك.

стр. 127

والعقل عندهم أبدع جميع الكائنات وأمره أن يكتب في الذكر وهو اللوح فيكون اللوح قد خلق قبل أن يكتب القلم شيئا إذ الكتابة لا تكون إلا في اللوح وأيضا فإنه أمره بالكتابة ففرغت تلك الكتابة كما قال: "فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض" وعندهم القلم إذا فسروه بالعقل الذي ينقش العلوم في قلوب بني آدم كتابته دائمة كلما حدث إنسان كتب في قلبه ما يكتبه إلى موته. وكذلك إن فسروه بالعقل الأول فإن كتابته دائمة وأيضا فإنه كتب في الذكر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وعندهم أن العقل مقارن للسماوات لم يتقدمها وأيضا فإخباره في الحديثين الصحيحين بما يوافق القرآن من أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض وذكره فيهما أن التقدير وهو الكتابة بالقلم كان بين ذلك كما جاء عن الصحابة يبطل أن يكون العقل الأول هو أول المخلوقات وإن سموه هم قلما بل يبطل أن يكون القلم الذي ذكره السلف أيضا مخلوقا قبل العرش وفي ذلك آثار متعددة قال عثمان بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال: "بدء الخلق العرش والماء".

стр. 128

وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن صالح المصري حدثنا ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: "لما أراد الله ﵎ أن يخلق شيئا إذ كان عرشه على الماء وإذ لا أرض ولا سماء خلق الريح فسلطها على الماء حتى

стр. 129

اضطربت أمواجه وأثار ركامه فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا فأمر الدخان فعلا وسما فخلق منه السماوات وخلق من الطين الأرضين وخلق من الزبد الجبال" وروى البيهقي من حديث الأشيب حدثنا أبو هلال محمد بن سليم حدثنا خباب الأعرج قال كتب يزيد بن أبي مسلم إلى جابر بن زيد يسأله عن بدء الخلق قال: "العرش والماء والقلم والله أعلم" أي ذلك بدأ قبل.

стр. 130

وروى من حديث سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال: "بدء الخلق العرش والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء" وقال: "بدء الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء وخلق الأقوات ونبات الأرض يوم الخميس وجميع الخلق يوم الجمعة وتهودت اليهود يوم السبت ويوم من الستة كألف سنة مما تعدون" وروى بإسناده عن الشيباني عن عون بن عبد الله عن أخيه

стр. 131

عبيد الله عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه" قال وقال عبد الله بن سلام: "إن الله ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وهي ما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس" والآثار في هذا كثيرة وإن كان قد تنوزع هل كانء بدء خلق هذا العالم يوم السبت أو يوم الأحد؟ وقد روى في ابتدائه يوم السبت حديث رواه مسلم فالذي عليه الجمهور وعامة الأحاديث أن ابتداءه يوم الأحد فإذا ثبت بالنصوص الصحيحة أن العرش خلق أولا وأن التقدير كان لهذا الخلق بطل أصل حجتهم. ومما يوضح ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق فقال:

стр. 132

وروى عيسى عن رقبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال سمعت عمر ﵁ يقول: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه". فهو قد ذكر المبتدأ وجعل المنتهى دخول الدارين ومعلوم أن ما

стр. 133

يكون بعد ذلك من تفاصيل أحوال أهل الدارين لم يدخل في هذا فعلم أنه أريد هذا الخلق. وذكر البخاري أيضا الحديث الذي في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي". فقوله: "لما قضى الله الخلق" أي أكمله وأتمه كما قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ .

стр. 134

ومعلوم أن المراد بالخلق هنا خلق هذا العالم لا خلق الدار الآخرة وهو الإعادة فإنه قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهذا كله يشهد لأن هذا الخلق هو المقدر بالقلم كما تقدم. فإن قيل فقد احتج طوائف من أهل السنة على أن القرآن غير مخلوق بهذه الآثار وهي قوله: "أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب" قالوا فبين أنه أول مخلوق وإن خاطبه بالكتابة ولو كان كلامه مخلوقا لكان يفتقر إلى محل يقوم به ولكان كلامه مخلوقا قبل القلم فإنه خلقه بكلامه. قيل قد يقال حجتهم مستقيمة وإن كان العرش قبله فإن الذين يقولون القرآن مخلوق يقولون هو مخلوق من المخلوقات في هذا العالم كسائر ما خلق فيه من الجواهر والأعراض. وهو عند أكثرهم عرض خلقه قائما ببعض أجسام العالم كما يخلق أصوات الرياح ونحوها. وعند بعضهم هو جسم. وعلى التقديرين هو عندهم جزء من هذا العالم.

стр. 135

فإذا ثبت أن أول ما خلقه من هذا العالم القلم بطل أن يكون خلق قبله شيئا من هذا العالم. الوجه العاشر: أن النصوص والآثار المتواترة عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين متطابقة على ما دل عليه القرآن من أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وإن كان العرش مخلوقا قبل ذلك. وهذا أيضا متفق عليه بين أهل الملل كاليهود والنصارى وهو مذكور في التوراة وغيرها كما ذكر في القرآن. ولهذا شرح الله لأهل الملل اجتماع أهل المدينة في كل أسبوع يوما يعبدون الله فيه ويتخذونه عيدا وجعل للمسلمين يوم الجمعة الذي جمع فيه الخلق ففي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد ".

стр. 136

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون في أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق" وفي لفظ "المقضي بينهم". وفي المسند عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: "لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له". وفي المسند أيضا عن سلمان الفارسي قال قال لي النبي ﷺ : "أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أبوكم قال: لكن أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة

стр. 137

فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " وفي السنن الثلاثة والمسند عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم ﵇ وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي يقولون قد بليت أي صرت رميما فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم". ولما ثبت بهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد

стр. 138

وغيرها أن آدم خلق يوم الجمعة وثبت أنه آخر المخلوقات بلا نزاع علم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد لأن القرآن قد أخبر أن الخلق كان في ستة أيام وبهذا النقل المتواتر مع شهادة ما عند أهل الكتاب على ذلك وموافقة الأسماء وغير ذلك علم ضعف الحديث المعارض لذلك مع أنه في نفسه متعارض. والحديث قد رواه عن طريق بن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: " خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق

стр. 139

المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". فهذا الحديث قد بين ما يوافق سائر الأحاديث من أن آدم خلق يوم الجمعة وأنه خلق آخر الخلق. ومعلوم بنصوص القرآن أن الخلق كان في ستة أيام وذلك يدل على ما وقع فيه من الوهم بذكر الخلق يوم السبت. والمقصود هنا أنه من المعلوم أن الأسبوع ليس له حد موجود في السماء كما يوجد في اليوم والليلة والشهر بل إنما يعد عدا لأن الله خلق هذا الخلق في ستة أيام ثم استوى على العرش فانتشرت أيام الأسبوع في العالم من جهة إخبار الأنبياء ولم يعلم ذلك إلا من أخذ عنهم ولهذا كانت الأمم الذين لم يتلقوا ذلك ليس لأيام الأسبوع في لغتهم ذكر بحال كالترك والبربر وإذا نطقوا بها نطقوا بلغة الفرس مثلا أو العرب فكان في هذا الاجتماع العام حفظ لأيام الأسبوع وفيه تذكير بالأسبوع الأول الذي خلق الله فيه الخلق ومعلوم أن هذا الاجتماع والإخبار بالخلق في ستة أيام معلوم بالاضطرار من دين أهل الملل. وهؤلاء عندهم أن هذه السماوات ما زالت هكذا ولا تزال هكذا متحركة على هذا الوجه من الأزل إلى الأبد ولا يزال العقل الأول أو الفعال الذي يسمونه بالقلم هذا أو هذا مقارنا لها. وليس عندهم قيامة تنشق فيها السماوات وتنفطر.

стр. 140

ويستحيل عندهم أن تكون السماوات مسبوقة سبقا زمانيا بشيء من الأشياء لا بربها ولا بعرشه ولا بغير ذلك فضلا عن أن تكون مسبوقة بتقدير مقاديرها بخمسين ألف سنة فهل يمكن أن يكون ما أخبر به الأنبياء مطابقا لقولهم وأن يكون نبينا محمد ﷺ أراد بما أخبر به ما يريده هؤلاء بما يذكرونه من فلسفتهم هذا مما يعلم كل من فهم الكلامين أنه باطل بالاضطرار وأن الكلامين متنافيان قطعا وإن كان في بعض ما يقولونه ما هو موافق لما أخبر به الرسول فهذا لا بد منه في كلام كل طائفة بل نحن نعلم بالاضطرار أن اليهود والنصارى كفار في دين الإسلام ونعلم بالاضطرار أنهم أكثر موافقة لما أخبر به الرسول ﷺ ولما أمر به من هؤلاء فكيف يمكن دعوى موافقة هؤلاء له بل هذا من أعظم الجهل والنفاق والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وإن كان قد تحقق بعض الكفر والنفاق على بعض المؤمنين ويغفر الله له إذا كان مؤمنا إيمانا صحيحا مع جهله ببعض ما أخبر به الرسول. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم عن معمر قال الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين؟ قال الزهري أخبرني

стр. 141

حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك". وقال الزهري وحدثني حميد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت" قال الزهري: "ذلك لئلا يتكل رجل لا ييأس رجل".

стр. 142

وفي الصحيح أيضا من حديث مالك وغيره عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا أنا مت فحرقوه ثم اذروا نصفي في البر ونصفي في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحد من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فامر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له". وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في مسألة التكفير وما فيها من اضطراب الناس في غير هذا الموضع وبينا أن من تأول قوله في هذا الحديث (قدر) بمعنى ضيق أو بمعنى قضى فلم يصب مقصود الحديث

стр. 143

وبينا أن المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطىء في بعض الأمور العلمية الاعتقادية فيغفر له كما يغفر له ما يخطىء فيه من الأمور العملية وأن حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة وذكرنا حديث حذيفة الذي فيه "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولان: أدركنا آباءنا وهم يقولون: (لا إله إلا الله) فقيل لحذيفة: ما يغني عنهم قول لا إله إلا الله وهم لايعرفون صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا؟ قال: تنجيهم من النار تنجيهم من النار وذكرنا قول النبي ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ دعاء قد استجابه الله كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس ففي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن

стр. 144

أبيه عن أبي هريرة قال: "لما أنزلت على رسول الله ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلا

стр. 145

تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم". وفي صحيح مسلم أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿قال: قد فعلت". الوجه الحادي عشر: قوله: "لا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس" إن أراد أن مثل هذه الإشارة تكون هي معنى الكلام ومقصوده فهذا تحريف الكلم عن مواضعه وإلحاد في آيات الله من جنس ضلال القرامطة وأمثالهم من الملاحدة. وإن أراد أن الآية مع دلالتها على المعنى الذي يدل عليه لفظها قد يكون فيها إشارة إلى معنى آخر يناسبه فهذا هو القياس والاعتبار فالذي
следующие страницы →