Полный текст (363 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وأعجب من ذلك قول بعض أكابرهم أنه أراد رب كم.
ومعلوم أن هذه الأقوال لولا أنه يقولها بعض المسرفين من الشيوخ ويضلون بها أكابر من الناس لكان المؤمن في غنية عنها وعن حكايتها وردها لظهور فسادها لكل أحد.
فيقال لهذا: إن صاحب الفصوص عنده قد صرح بمذهبه تصريحا أزال الشبهة في غير موضع فلا حاجة إلى هذا التكليف وقد قال: "لما كان فرعون في منصب التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ أي إن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم قال: ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له اقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ وإن كان عين الحق فقد صرح أنه عين الحق وأن قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ صح مع كون الجميع أربابا بنسبة ما فالعبد عنده هو الرب.
стр. 212
ثم يقال له فرعون قد قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وقال لموسى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأنكر الصانع وذكر الله ذلك عنه فلا حاجة إلى تأويل كلامه.
ويقال له: الله سبحانه ذكر هذا الكلام عنه منكرا له غاية الإنكار مبينا لعقوبته فقال: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .
فقد صح من الله سبحانه أنه أخذ نكالا على ذلك وجعله في ذلك عبرة وجعل المناداة بهذه الكلمة عينها عين الكفر حيث قال: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ .
وقد قالوا إن قوله الآخرة والأولى أي كلمته الأولى وهي قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ .
وكلمته الأخرى وهي قوله ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ فإن هذه أعظم من تلك ثم يقال أوجب ذلك إنه لا يجوز لأحد أن يقول للإنس والجن أنا ربكم غير الله تعالى ولا يجوز لأحد أن يجعل غير الله ربا كما لا يجوز أن يوصف بالربوبية مطلقا إلا الله وحده لا شريك له.
الوجه السادس عشر:
ما ذكر في تفسير قصة موسى والوادي المقدس وتفسير ذلك.
стр. 213
فنقول: هؤلاء المتفلسفة في العقول والنفوس قد أشملوا هذا من الأصول المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى ما لا يتسع هذا الموضع لذكره مع أن دلالة هذه الألفاظ على تلك المعاني أفسد مما رده من التأويلات ونحن نعلم بالاضطرار من ملة المسلمين واليهود والنصارى أن الطور الذي كلم الله عليه موسى هو جبل من الجبال والطور الجبل وعلم بالاضطرار من دين أهل الملل والنقل بالتواتر أن الله لما كلم موسى كلمه من الشجرة وأنه كان يخرج منها نار محسوسة وأن موسى ﵇ لما ضرب امرأته المخاض قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ طلب أن يجيء بجذوة نار أو يجد من يخبره وأنه كلمه وهو بالوادي المقدس طوى وعلم أن هذا التكليم الذي كلمه موسى لم يكلم غيره من الأنبياء والرسل إلا ما يذكر من مناجاة النبي ﷺ ليلة المعراج وعلى ما ذكروه فلا فرق بين موسى وغيره من الأنبياء بل وغير الأنبياء قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا
стр. 214
تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقال تعالى في سباق ذكر الأنبياء: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ .
وقد ذكر مناداته له ومناجاته إياه في مواضع من القرآن ولم يذكر أنه فعل ذلك بغيره من الأنبياء وهذا مما أجمع عليه المسلمون وأهل الكتاب أن تكليم الله تعالى لموسى من خصائصه التي فضيلة بها على غيره من الأنبياء والرسل.
وفي الصحاح من الأحاديث مثل حديث الشفاعة ومحاجة آدم موسى وذكر فضيلته بتكليم الله تعالى إياه.
стр. 215
وكذلك في حديث المعراج من رواية شريك عن أنس وهو في الصحيحين وهذا يطول.
ثم السلف والأئمة ضللوا بل كفروا من قال إن الله خلق كلاما في الشجرة أو الهواء فسمعه موسى كما يقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم.
ومعلوم أن هذا أقرب إلى أقوال الرسل من قول هؤلاء المتفلسفة الذين
стр. 216
يزعمون أن ذلك فيض فاض من العقل على نفس النبي كما يفيض على سائر الأنبياء وغيرهم فإن هذا ليس من مقالات أهل الملل لا سنيهم ولا بدعيهم لكن من مقالات الصابئة المتفلسفة الذين ليس عندهم في الحقيقة لله كلام ولا ملائكة تنزل بكلامه بل عندهم لا تمييز بين موسى وهارون ولا بينهما وبين فرعون.
فكيف يتصور على أصلهم أن يختص موسى برسالاته وكلامه؟ غايته أن القلوب عندهم مثل آنية توضع تحت السماء فيقع فيها المطر أو نبات تنبسط عليه الشمس فتجففه فيكون ذلك بحسب القابل ولهذا يمكن عندهم أن يكلم كل واحد كما كلم موسى.
وعندهم قد يسمع أحدهم ما سمعه موسى وقد ذكر ذلك صاحب المشكاة في غير هذا الموضع.
وهذا القول لا ريب أنه يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه باطل وقد بينا في غير هذا الموضع الشبهة الباطلة التي قالها من قالها من المتكلمين في سماع كلام الله ورؤيته حيث قالوا إن ذلك ليس إلا مجرد إدراك يحصل في نفس العبد من غير أسباب منفصلة عنه.
стр. 217
وهذا مما أوقع الطائفة الاتحادية وغيرهم من المبتدعة في دعوى رؤيته في الدنيا.
وهو أيضا مما يجريهم على دعوى مقام التكليم نعوذ بالله من الضلالة ونسأله الهدى والثبات عليه.
وتجدهم قد فتحوا هذه الجرأة على الله فلا يزال أحد هؤلاء يدعي ما خص به المكلم في شريف مقامه الجليل ولا يميزون لضلالهم ونفاقهم بين ما يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه وبين أوليائه من الإلهام والحديث الذي يجب عرضه على الكتاب والسنة وبين تكليمه لنبيه موسى من وراء حجاب كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ .
ففرق بين ما يوحيه والإيحاء الإعلام الخفي السريع وبين تكليمه لموسى من وراء حجاب نداء ونجاء وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ .
وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ .
وفي الصحيحين عن النبي أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم
стр. 218
محدثون فإن يكن في أمتي فعمر" فهذا وأمثاله مما يكون لغير الأنبياء.
فأما تكليم الله تعالى لموسى فإنه لم يكن لعامة الرسل والأنبياء فضلا عمن سواهم.
ولما كان هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم يجعلون كلام الله كله لموسى وغيره من الأنبياء ما يفيض على نفوسهم من العقل الفعال زادت الإتحادية درجة أخرى فجعلوا كلامه كل ما يظهر من شيء من الموجودات.
وهؤلاء يصرح أحدهم بأن ما يسمعه من بشر مثله أعظم من تكليم الله لموسى لأن ذلك بزعمهم كلام الله من الشجرة وهي جماد وهذا كلام الله من الحيوان والحيوان أعظم من الجماد.
وطائفة أخرى منهم يقولون إن الإلهام المجرد وهي المعاني التي تتنزل على قلوبهم أعظم من تكليم الله موسى لأن هذا بزعمهم خطاب محض بلا واسطة ولا حجاب وموسى خوطب بحجاب الحرف الصوت وأمثال هذا الكلام الذي يتضمن ترفع أحدهم عن تكليم الله لموسى الذي علم بالإضطرار من دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أنه أعظم من خطابه وإيحائه لسائر الأنبياء والمرسلين ولهذا يقولون إن الولاية أعظم من النبوة والنبوة أعظم من الرسالة وينشدون:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
стр. 219
ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته ونبوته أعظم من رسالته ثم قد يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة خاتم الأولياء وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا الولي يأخذ عن الله بغير واسطة والنبي والرسول بواسطة ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم ويجعلونه من باب المخاطبات الإلهية والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن عمران وهو في الحقيقة إيحاءات شيطانية ووساوس نفسانية ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ ولو هدوا لعلموا أن أفضل ما عند الولي ما يأخذه عن الرسول لا ما يأخذه عن قلبه وأن أفضل الأولياء الصديقون وأفضلهم أبو بكر وكان هو أفضل من عمر مع أن عمر كان محدثا كما ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر".
وفي الترمذي: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر" وقال: "إن
стр. 220
الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه" ومع هذا فالصديق إنما كان يتلقى من مشكاة النبوة فهو أفضل مطلقا لأن ما يأخذه عن معصوم من الخطأ والمحدث ليس بمعصوم بل يقع له الصواب والخطأ ولهذا يحتاج أن يزن بالميزان النبوي المعصوم جميع ما يقع له أي لغير الأخذ من مشكاة النبوة فهذا حال محدث السابقين الأولين وهو عمر بن الخطاب وهو أفضل من غيره والصديق أكمل منه وأتم مقاما فهذا حال خير السابقين الأولين وأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين فكيف بهؤلاء الذين فيهم من الباطل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال والإكرام وكذلك جعله أمره بخلع النعلين يتضمن ترك الدنيا والآخرة أمر لا يدل عليه لا حقيقة اللفظ ولا مجازه إن صح المجاز ولم يذكر عن أحد من المسلمين لا من الصحابة ولا التابعين ولا من غيرهم إن ذلك مرادا من هذا اللفظ بل قد ذكروا أن سبب
стр. 221
الأمر بخلعهما كونهما كانا من جلد حمار غير ذكي ثم هذا الخلع صار سنة اليهود عند عباداتهم ونحن قد أمرنا بمخالفتهم في ذلك فكيف يجعل مضمون هذا الخلع مشروعا لنا ونحن نأباه؟.
وفي السنن عن النبي قال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم".
وفي الصحيحين عن أنس قال: "رأيت رسول الله يصلي في نعليه".
وفي المسند وسنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا".
وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما".
стр. 222
وفيهما أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا وطىء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور".
وفي رواية: "إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب".
فكثير من الناس يقول في تفضيل نبينا محمد ﷺ ما مضمونه: إن موسى أمر بخلع نعليه بالوادي المقدس ونبينا لم يؤمر بشيء ليلة المعراج مع علو درجته على موسى.
ولو كان في ذلك أمر بترك الدنيا والآخرة لكان محمد مأمور بذلك وكان ذلك شرعا لنا.
والتعبير عن هذه المعاني بهذه العبارات مع دعوى أنه بهذا المنزل حصل له الخطاب وهو الذي يوقع طوائف في بيداء الضلالات ظنا أن هذا المقام وما يشبهه ينال بالزهد أو غيره فيطلب أحدهم ما لا يصلح للأنبياء فضلا عن أن يصلح لأمثاله حتى يقع فيما هو من جنس حال أعظم المبتدعة بل حال الكفار والمنافقين قال أبو مجلز لاحق بن حميد في قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ قال: "أن يسأل الإنسان منازل الأنبياء".
стр. 223
وبمثل هذا ضل ابن قسي صاحب كتاب خلع النعلين.
حتى ذكر في كتابه من أنواع الباطل ما ذكره وشرحه ابن عربي صاحب الفصوص فتارة يشتمه ويسبه ويقول إنه من أجهل الناس وتارة يجعل كلامه في نهاية التحقيق والعرفان.
ومن المعلوم أنه لا بد في كلامه وكلام غيره من أمور صحيحة ومعان حسنة لكن هي متضمنة من الباطل والضلال ما يفوق الوصف.
فإن أحد هؤلاء إن أمكنه أن يدعي الإلهية أو النبوة ولو بعبارة غريبة لا ينفر عنه الناس فعل حتى كان في زماننا غير واحد ممن اجتمع بي وأنكرت عليه وجرى لنا في القيام عليهم فصول ممن يدعي الرسالة ظانا أن هذا يسلم له إذا لم تسلم له النبوة فيدعون الرسالة فإذا جاء من يخاف منه من العلماء
стр. 224
ادعى أحدهم الإرسال العام الكوني كإرسال الرياح وإرسال الشياطين وتارة يدعي إرسال الرسل كقصة صاحب (يس) أي في فترة صاحب يس.
وقد وضح للعالم أن الرسالة التي وصف بها الأنبياء ممنوعة إذ هي أخص من النبوة وعلم أن النبوة بعد محمد ﷺ منفية بقوله: "إن الله ختم بي النبوة والرسالة".
وأما الإرسال الثاني فلا يكون مع مشافهة الرسول إلا في حياته وأما بعد موته فتبليغ القرآن والإيمان والسنة أمر مشترك.
وتارة يدعي أحدهم أنه خاتم الأولياء ظانا أن خاتم الأولياء أفضلهم قياسا على خاتم الأنبياء ثم يدعون لخاتم الأولياء ما هو أعظم من النبوة والرسالة.
وخاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها وإنما تكلم أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك غلطا لم يسبق إليه ولم يتابع عليه ولم يستند فيه إلى شيء.
стр. 225
ومسمى هذا اللفظ هو آخر مؤمن يبقى ويكون بذلك خاتم الأولياء وليس ذلك أفضل الأولياء باتفاق المسلمين بل أفضل الأولياء سابقهم وأقربهم إلى الرسول وهو أبو بكر ثم عمر إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول أفضل بخلاف خاتم الرسل فإنه الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره فقياس مسمى أحد اللفظين على الآخر في وجوب كونه أفضل من أبعد القياس.
وتارة يدعي أحدهم المهدية أو القبطية ويقول أنا القطب الغوث الفرد الجامع ويدخل في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه
стр. 226
يعطي الولاية من يشاء ويصرفها عن من يشاء والله يقول لسيد ولد آدم: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
وقد بسطنا الكلام في هذه الأمور لحاجة الناس إلى ذلك في غير هذا الموضع.
فصل:
وهذا كله إذا ميز وجود القلم وغيره من المخلوقات عن وجود الرب تعالى كما عليه أهل الملل وجمهور العقلاء من غيرهم.
وأما على قول هؤلاء المدعين التحقيق الذين يدعون أن الوجود
стр. 227
واحد فلا يتميز وجود مبدع عن وجود مبدع ولا وجود خالق عن وجود مخلوق وهم يصرحون بهذا في كتبهم وفي كلامهم ولكنهم في حيرة وضلال فإنهم إذا يشهدون أن بين الموجودات تباينا وتفرقا فيريدون أن يجمعوا بين ما ادعوه من وحدة الوجود وبين التعدد للموجود فاضطربوا في ذلك.
فأما صاحب الفصوص فكلامه يدور على أصلين:
أحدهما: أن الأشياء كلها ثابتة في العدم مستغنية بنفسها نظير قول من يقول المعدوم شيء ولكن هذا لا يفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق إذ ليس عنده ذات واجبة متميزة بوجودها عن الذوات الممكنة وإن كان قد يتناقض في ذلك قولهم فإنهم كلهم يتناقضون وكل من خالف الرسول فلا بد أنه يتناقض قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ .
الأصل الثاني:
أن الوجود الذي لهذه الذوات الثابتة هو عين وجود الحق الواجب ولهذا قال في أول الفصوص في الشيثية.
стр. 228
ومن هؤلاء يعني الذين لا يسألون الله من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله هو ما كان عليه من حال ثبوت عينه قبل وجودها ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به وهو ما كان عليه من حال ثبوته فيعلم علم الله به من أين حصل وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين منهم من يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلم ذلك مفصلا والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا فإنه يعلم ما في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه مما أعطاه عينه من العلم به وإما بأن يكشف له عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناها وهو وأعلى فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد هذا لفظه فهو مع كونه جعل عينه ثابتة قبل الوجود زعم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به فجعل الحق تعالى عاجزا لا يقدر إلا على ما كانت عليه عينه وجعله لا يعلم بمخلوقاته من جهة نفسه بل يراها في حال ثبوتها التي لا تفتقر فيه إليه فيعلم أحوالها حينئذ وزعم أن العبد قد يساويه في هذا العلم ولهذا صرح بحدوث علم الله ومساواة العبد له في ذلك فقال: "لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله تعالى سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك أي على أحوال عينه".
стр. 229
إلى أن قال: "فبهذا القدر نقول إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم ومن هنا يقول الله تعالى حتى نعلم وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له في هذا المشرب شرب".
فبين مساواة العبد له في العلم وإن علم الله حادث كما أن علم العبد حادث وهذا أصل مذهبه أن كل واحد من وجود الحق وثبوت الخلق يساوي الآخر ويفتقر إليه كما ذكره في الخليلية وغيرها ولهذا يقول:
فيعبدني وأعبده ... ويحمدني وأحمده
ويقول: "إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب مع أنه يقول إنهما شيء واحد إذ لا
стр. 230
فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت فهو يقول في الكون كله نظير ما قالته الملكانية من النصارى في المسيح لكنه يزيد عليهم بأن يسوي بين الحق والخلق وأن الحق مفتقر إلى الخلق وأن الأمر عنده لم يزل كذلك مع زيادته عليهم فإنه قال في جميع المخلوقات أعظم مما قالوه في المسيح ثم أخذ يتكلم في منح الحق ذاته وبين أنه إذا منح العبد وجوده فإنما يكون بحسب ما عليه ذواتهم ولا يرون إلا صورة ذواتهم في وجوده ولا يرون الحق أبدا ولا يمكن أن يروه لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ ليس له وجود سوى وجود ذوات المخلوقات وما سوى وجود المخلوقات فعدم".
قال: "فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجلي إلهي والتجلي من الذات لا يكون إلا بصورة استعداد المتجلي له وغير ذلك لا يكون فإذا المتجلي له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ولا يرى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة
стр. 231
في الشاهد إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها فأبرز الله تعالى ذلك مثالا نصبه لتجليه للذوات ليعلم المتجلي له أنه ما رآه وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والمتجلى من هذا وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتة إلى أن قال وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن تترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه فاختلط الأمر وأنبهم فمنا من جهل في علمه وقال والعجز عن درك الإدراك إدراك ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول بل أعطاهم العلم السكوت ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله" هذا لفظه.
ثم أنه لم يكتف بهذا الذي ذكره مما حقيقته جحود الخالق وأنه ليس ثم موجود سوى المخلوقات وهو حقيقة قول فرعون فجعل العالم بذلك أعلى عالم بالله حتى جعل الرسل جميعهم والأنبياء يستفيدون هذا العلم من مشكاة الذي جعله خاتم الأولياء وجعله أفضل من خاتم الرسل من جهة الحقيقة والعلم به وأنه يأخذ عن الأصل من حيث يأخذ الملك الذي يوحي إلى خاتم الرسل وأن خاتم الرسل إنما هو سيد في الشفاعة فسيادته في هذا المقام الخاص لا على العموم.
стр. 232
فقال: "وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ... " "حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء وأن الرسالة والنبوة أعني نبوة الشرائع ورسالته ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه في وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلا وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم وفي تأبير النخل مما يلزم الكامل أن يكون له التقدم
стр. 233
في كل شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة فكان النبي ﷺ تلك اللبنة غير أنه لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة فكان يرى نفسه موضع تلك اللبنة وأما خاتم الأولياء فلا بدله من هذه الرؤية فيرى ما مثل به رسول الله ﷺ ويرى في الحائط موضع لبنتين من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط بهما ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنة فضة ولا بد أن يرى نفسه منطبعا
стр. 234
في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تلك اللبنتين فيكمل الحائط والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهر وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسل فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع فكل بني من أن لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث وكذلك خاتم الأنبياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيل شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمى بالولي الحميد فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم الولاية نسبة الأنبياء والرسل معه فإنه الولي الرسول النبي وخاتم
стр. 235
الأولياء الولي العارف الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد ﷺ مقدم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة فعين حالا خاصا ما عمم وفي هذا الحال الخاص مقدم على الأسماء الإلهية فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين ففاز محمد ﷺ بالسيادة في هذا المقام الخاص فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام إلى أن قال: "وبهذا العلم سمي شيث لأنه معناه هبة الله فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونسبها فإن الله وهبه لآدم أول ما وهبه وما وهبه إلا منه لأن الولد سر أبيه فمنه خرج وإليه عاد فما أباه غريب لمن عقل عن الله وكل عطاء في الكون على هذا المجرى فما في أحد من الله شيء وما في أحد من سوى نفسه شيء وإن تنوعت عليه الصور وما كل أحد يعرف هذا وإن الأمر على ذلك إلا آحاد من أهل الله فإذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه وذلك هو عين صفات خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف وتحنه ما لم يكن قبل ذلك في يده فتلك الصورة عينه لا غيره فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه".
стр. 236
وقال أيضا في الإدريسية: "من أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجوات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو فهو العلي لا علو إضافة لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع فوجود الكثير من الأسماء وهي النسب وهي أمور عدمية وليس إلى العين التي هي الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة فما في العالم من هذه الحقيقة علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة لذلك يقول فيه هؤلاء هو أنت لا أنت قال أبو سعيد الخراز: "وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر في حال
стр. 237
بطونه وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من ينطق عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات".
إلى أن قال: "ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق بالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة فانظر ماذا ترى ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة والد لا بل بحكم ولد والوالد من هو عين الوالد ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فما نكح سوى نفسه فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد فمن الطبيعة ومن الظاهر فيها وما رأيناها نقصت بما ظهر فيها ولا زادت بعد ما ظهر وما الذي ظهر غيرها وما هي عين
стр. 238
ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم فهذا بارد يابس وهذا حار يابس فجمع بين اليبسين وأبان بغير ذلك والجامع الطبيعة لا بل العين الطبيعية بل معالم الطبيعة صور في مرآة واحدة لا بل صورة واحدة في مراء مختلفة فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر ومن عرف ما قلناه لم يحر وإن كان في مزيد علم وليس الأمر إلا حكم المحل والمحل عين العين الثابتة فيها يتنوع الحق في المحل بتنوع الأحكام عليه فيقبل كل حكم وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه ما ثم إلا هذا ثم أنشد:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا ... وليس خلقا بذاك الوجه فلاذكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته ... وليس يدريه إلا من له بصرو
جمع وفرق فإن العين واحدة ... وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر
فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي فيه تستغرق جميع
стр. 239
الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نصيب منها وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة".
فهذا وغيره من كلامه يبين أن الوجود عنده واحد وليس للخالق وجود مباين لوجود المخلوقات بل وجودها عينه ثم يذكر الظاهر الخيالي والمراتب وهي عنده الذوات الثابتة في العدم المساوية للوجود.
وأما أسماء الله تعالى: فهي عنده النسبة التي بين الوجود وبين هذه المراتب وهي في الحقيقة أمور عدمية وكل من الوجود والثبوت لا ينفك عن الآخر ولا يستغني عنه وهو شبيه بقول من يقول الوجود غير الماهية وهو ملازم لها والمادة غير الصورة وهي ملازمة لها.
стр. 240
لكن صاحب الفصوص يجعل وجود هذا الوجود الحق الذي هو وجود كل شيء فهو الموصوف عنده بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل كما هو الموصوف عنده بصفات المدح والكمال فهو العالم والجاهل والبصير والأعمى والمؤمن والكافر والناكح والمنكوح والصحيح والمريض والداعي والمجيب والمتكلم والمستمع هذا كله يذكره في مواضع من كلامه وهذا عنده غاية الكمال وفي هذا المعنى ينشدون:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
وهو عنده هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم وقد يقول لا هو العالم ولا غيره وقد يقول هو العالم أيضا وهو غيره وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها من المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين إذ ليس مذهبه في الغيرين مذهب الصفاتية.
стр. 241
فصل:
وأما صاحبه القونوي فقد كان التلمساني صاحب القونوي وكان هو أحذق متأخريهم يقول إنه كان أتم من شيخه ابن عربي وكان ابن سبعين يقول عن التلمساني إنه أتم تحقيقا من شيخه القونوي.
والقونوي أعرض عن كون المعدوم ثابتا في العدم فإن هذا القول معلوم الفساد عند الأئمة في المعقول والمنقول ولكن سلك طريقا هي أبلغ
стр. 242
في التعطيل مضمونها أن الحق هو الوجود المطلق والفرق بينه وبين الخلق من جهة التعيين فإذا عين كان خلقا وإذا أطلق الوجود كان هو الحق.
هذا وقد علم أن المطلق بشرط إطلاقه لا وجود له في الخارج عن محل العلم فليس في الخارج إنسان مطلق بشرط الإطلاق ولا حيوان مطلق بشرط الإطلاق.
فإذا قال: إن الحق تعالى هو الوجود بشرط الإطلاق فهذا لا وجود له في الخارج وإنما الذهن يقدر وجودا مطلقا كما يقدر حيوانا مطلقا وإنسانا مطلقا وفرسا مطلقا وجسما مطلقا.
وإن قال: إنه المطلق لا بشرط فهذا إما أن يقال أنه لا وجود له في الخارج أيضا.
وأما أن يقال: هو موجود في الخارج لكن بشرط التعيين إذ ليس في الخارج إلا وجود معين.
فعلى أحد التقديرين: يكون وجود الحق هو الوجود المعين المخلوق وعلى الآخر لا وجود له في الخارج.
وكلامهم كله يدور على هذين القطبين إما أن يجعلوا الحق لا وجود له ولا حقيقة في الخارج أصلا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان.
وأما أن يجعلوه عين وجود المخلوقات فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلا ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه وهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
стр. 243
ولما كان هؤلاء نسخة الجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام كان كلام الجهمية يدور أيضا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق إما يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم ليس بداخل العالم لا خارجه ولا مباين له ولا محايث له ولا متصل به ولا منفصل عنه وأشباه هذه السلوب.
فكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين:.
إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.
وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات أو جزء منها أو صفة لها وكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين وإذا حوقق في ذلك قال ذاك السلب مقتضى نظري وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي.
ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما وأما ابن سبعين فقوله يشبه هذا من وجه وهذا من وجه وهو إلى قول القونوي أقرب لكنه يجعله الوجود الثابت الذي يختلف على صور الموجودات فإنه يقول بثبوت الماهيات المطلقة في الموجودات المعينة ولا يقول بانفكاكها عن الوجود وهذا قول ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة.
وهذا كما ترى مع موافقته لقول من يقول المعدوم شيء فهو يخالفه من هذين الوجهين ويقول مع ذلك إن وجوده هو تصور الماهيات فهو
стр. 244
تارة يجعله بمنزلة المادة الجسمية والأشياء بمنزلة صورها والقول بأن الجسم مركب من المادة والصورة قول الفلاسفة المشائين وابن سبعين يحتذي حذوهم ويقول إنه مقدم عليهم وعلى غيرهم ويقول: "إنه أنشأ الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية وبين العلم الذي رامت إفادته الهداية النبوية" وقد تنازعوا في إمكان انفراد المادة عن الصورة.
стр. 245
فأرسطو وأصحابه على أنه يمكن انفكاكها عنها بخلاف أفلاطون ويزعمون أن المادة جوهر روحاني قائم بنفسه وأن الصورة الجسمية جوهر قائم بها وأن الجسم يتولد من هذين الجوهرين.
والعقلاء والمحققون يعلمون أن هذا باطل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
والهيولى عندهم أربعة أقسام الصناعية والطباعية والكلية والأولية.
فالصناعية كالدرهم الذي له مادة وهي الفضة وصورة وهي الشكل المعين وكذلك الدينار والخاتم والسرير والكرسي ونحو ذلك وهذا القسم لا نزاع فيه بين العقلاء ولكن هذه الصورة عرض من أعراض هذا
стр. 246
الجسم وصفة له ليست جوهرا قائما بنفسه وهذا أمر معلوم بالضرورة حسا وعقلا.
وأما الطباعية فكصور الحيوان والنبات والمعدن فإنه أيضا مخلوق من مادة كالهواء والماء والتراب وهذا أيضا لا نزاع فيه لكن هذه الصورة جوهر قائم بنفسه مستحيل عن تلك المواد ليست هي صفة له كالأول.
وإذا تدبر العاقل هذين النوعين علم فساد قول من يجعل الصورة في النوعين جوهرا كما يقوله من يقوله من المتفلسفة ومن يجعل الصورة في الموضعين صفة وعرضا كما يقوله من يقوله من المتكلمة الجسمية.
وأما القسم الثالث: الذي هو الكلي فهو دعواهم أن الجسم له مادة هي جوهر قائم بنفسه لا يحس وإنما هي مورد الاتصال تارة والانفصال العارضيين للجسم تارة وأن هناك شيء هو غير الجسم الموصوف بالاتصال تارة والانفصال أخرى وهذه المادة باطلة عند جماهير العقلاء كما قد بيناه في غير موضع وإن كان أيضا تركيب الجسم من الجواهر الفردة باطل أيضا عند جماهير العقلاء فلا هذا ولا هذا.
ثم هذه المادة قد ذكروا عن أفلاطون أنه قال يمكن انفرادها عن الصورة كما يحكون عنه نظير ذلك في المدة وهي الدهر وفي المكان وهو الخلاء إنهما جوهران قائمان خارجان عن أقسام العالم وفي المثل المعلقة الأفلاطونية المكان والزمان والمادة والصور قول متشابه.
стр. 247
وجمهور العقلاء يعلمون أن هذا الذي أثبته في الخارج إنما هو في الأذهان لا في الأعيان.
ومن المعلوم أن قول من يقول أن هذه المادة المدعاة أنها جزء للجسم يمكن تجردها عن الصورة شبيه بقول من يقول المعدوم شيء ثابت ثبوتا مجردا ليس وجوده.
وفي ذلك المناظرة المعروفة لأبي إسحاق الإسفرائيني مع الصاحب إسماعيل بن عباد رفيق القاضي عبد الجبار وكلاهما تلميذا أبي عبد الله
стр. 248
البصري الملقب القائم بنصر طريقة أبي علي وأبي هاشم لما ذكر له ابن عباد إن الفلاسفة القائلين بقدم الهيولي أعقل من أن يريدوا بذلك الوجود وإنما أرادوا ثبوت الذوات التي تقوله المعتزلة فعارضه الإسفرائيني بأن قال المعتزلة أعقل من أن يريدوا بقولهم إن المعدوم شيء ثابت إلا ما أراده أولئك بقولهم بأن المادة قديمة موجودة فتكون المعتزلة قائلة بقدم المواد التي هي الأجسام.
ومن هنا ذكر الشهرستاني وغيره تقارب القولين وإن كان كلاهما باطلا وإن كان قول هؤلاء الفلاسفة أشد بطلانا إذ هو باطل مكرر فإن دعوى تركيب الأجسام من المادة والصورة اللذين هما جوهران قائمان بأنفسهما دعوى باطلة كما هو قول أرسطو وذويه.
стр. 249
ثم دعوى انفرادها باطل على باطل.
وأيضا فإن هؤلاء المتفلسفة قد يقولون وجود الأشياء زائد على ذواتها في الخارج ويفرقون بين الواجب والممكن بأن الوجود الواجب هو الوجود المقيد بقيد كونه غير عارض لشيء من الماهيات بخلاف الممكن كما يذكره ابن سينا وغيره عن مذهبهم.
وحينئذ فيكون قد جمعوا في هذا أنواع الباطل من الممكن وجعلوا الواجب هو الوجود المطلق الذي لا يتحقق إلا في الأذهان لا في الأعيان وهو في الحقيقة تعطيل لوجود الواجب.
وعلى هذا فقول القائلين من المعتولة والمتفلسفة: بأن الوجود ماهية موجودة في الخارج زائدة على الوجود في الخارج الذي هو الموجود في الخارج وأن الوجود قائم بتلك الماهية هو شبيه بقول من يقول إن الجسم مادة هي جوهر قائم بنفسه وهو محل الصورة الجسمية التي هي أيضا جوهر وهؤلاء يعمدون إلى الشيء الواحد المعلوم واحدا بالحس والعقل يجلعونه اثنين إذ كان له وجود عيني ووجود ذهني فظنوا أن الذهني خارجي.
ثم جاء المدعون أنهم محققوهم إلى ما يعلم أنهما متباينان وهو وجود الخالق سبحانه البائن المتميز عن وجود المخلوق فزعموا أنه هو وأن الوجود واحد لا يتميز منه وجود الخالق.
فقول ابن سبعين يشبه قول ابن عربي من حيث أن قوله يشبه قول أهل
стр. 250
المادة والصورة كما يشبه قول ذلك قول أهل الثبوت والوجود المفرقين بينهما الذين يقولون المعدوم شيء لكن ابن عربي يجعل الوجود الذي هو حال في الثبوت والثبوت محل له هو وجود الحق كما تقدم.
فهو وإن كان يقول بأن الوجود واحد فهو يقول بالإتحاد والحلول من هذا الوجه.
ولا ريب أن القولين متناقضان وهو يذكر تناقض ذلك ويشير إلى أن ذلك هو الحيرة وهو أعلى العلم.
وابن سبعين يجعل وجود الحق هو الثابت بدءا الذي هو كالمادة والخلق هو المنتقل الذي هو الصورة فهو وإن قال بأن الوجود واحد فهو يقول بالإتحاد والحلول من هذه الوجه لكن الحق عنده محل للخلق وعلى قول ابن عربي حال في الخلق وقد تقدم ذكر بعض قول ابن عربي.
وأما ابن سبعين ففي بعض ألواحه يقول: "قد رأى الصورة المحيطة بجميع الصور لها اسم من حيث هي صورة في متصور قائم بذاته وهي قائمة به وللمتصور من حيث هو موصوف بها اسم ولما ارتبطا ارتباطا لا يصح انفكاكه أبدا دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ولم يصح الأخبار عن مطلق الصورة إلا ومطلق المتصور ضمنا ولا
следующие страницы →