Полный текст (363 стр.). Показаны 351–363 · переход к 356.
стр. 351
وتقليدا له ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك فخشي هارون أن ينسب ذلك التفريق بينهم إليه فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ... ".
إلى أن قال: "فكان عدم قوة أرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسلط على العجل كما تسلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية".
فإذا كان الأمتان الكتابيتان اليهود والنصارى اعتقدوا ما تقدم في إنسان وعجل.
وكذلك الغلاة من هذه الأمة المضاهون لكفار أهل الكتاب وهؤلاء الصابئة الفلاسفة وإن انتسبوا إلى الملل يقولون ما هو أبلغ من ذلك من ظهوره في كل صورة فيكيف بمن هو أبعد من هؤلاء الطوائف عن العلم والإيمان ولهذا لا يخلص من فتنة الدجال إلا المؤمنون صرفا من أمة محمد ﷺ .
стр. 352
وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له ابن هود وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الإتحادية زهدا ومعرفة ورياضة وكان من أشد الناس تعظيما لابن سبعين ومفضلا له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية ويعتقدون أن قول النبي ﷺ : "ينزل فيكم ابن مريم" هو هذا وأن روحانية عيسى تنزل عليه.
وقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى ظهرت مباهلتهم وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين هذا مع تعظيمهم لي
стр. 353
بمعرفتي عندهم وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن يخاطب بأسرارهم إنما الناس عندهم كالبهائم حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بنت له حقيقة قولهم فأخذ يستحسن ويعظم معرفتي بقولهم وقال هؤلاء الفقهاء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فقلت له هب أن الفقهاء كذلك أبا لله أهذا القول موافق لدين الإسلام فيتحير المجتهدون ويضطربون إذا شبه عليهم.
وقال لي بعض من كان يصدق هؤلاء الإتحادية ثم رجع عن ذلك فكان من أفضل الناس ونبلائهم وأكابرهم ما المانع من أن يظهر الله في صورة بشر والنبي ﷺ يقول في الدجال: "أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور " فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة لما احتاج إلى هذا في كلام له وأخذ يحتج بذلك على إمكان أن يكون ابن هود الله فبينت له امتناع ذلك من وجوه وتكلمت معه في ذلك بكلام طال عهدي به لست أضبطه الآن حتى تبين له بطلان ذلك وذكرت له أن هذا الحديث لا حجة فيه والله سبحانه قد بين عبودية المسيح وكفر من ادعى فيه الإلهية بأنواع غير ذلك كقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ فأكل الطعام لازم لكل بشر.
стр. 354
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعا﴾ .
وقال تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وأمثال ذلك واعلم أن ما تذكره النفاة المدعون للتنزيه من المتفلسفة والمتكلمة على نفي كونه جسما أو جوهرا أو متحيزا أو منقسما أو كونه في جهة أو متحركا ونحو ذلك لم يفدهم شيئا من هذا العام ولا أوجب اعتقاد نفي الإلهية في المسيح والدجال فإن هؤلاء بعينهم هم الذين يعتقدون إلاهية المسيح الدجال والمسيح بن مريم ونحوهما مع تصريحهم بوصف الرب بتلك الصفات السلبية وذلك أنهم إما أن يقولوا تدرع اللاهوت بالناسوت وحل به أو ظهر فيه أو هذه مظاهر ومجالي الإلهية أو تعات الحق أو نحو ذلك من مقالات الإتحاد والذي شاهدناه أن أحذق الناس في الفلسفة والنفي والتنزيه كان أتبع الناس لهؤلاء إذ هم بزعمهم يجمعون بين التنزيه والتشبيه في كل ما يصفونه به حتى وصفوه بكل عيب وكل نقص وكل صفة لمحدث كما قال صاحب الفصوص: "ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى
стр. 355
المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها وكلها حق له كما هي صفات المحدثات حق للحق".
وقال أيضا: "ومن أسمائه الحسنى العلي، على من وما ثم إلا هو فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو" إلى أن قال: "فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات" إلى أن قال: "ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة ولد لا بل بحكم ولد من هو عين الوالد ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فما
стр. 356
نكح سوى نفسه" إلى أن قال: "فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة".
فصرح بأن الحق المنزه هو الخلق المشبه وصرح بأنه المنعوت بكل نعت مذموم ومحمود وصرح بأنه أبو سعيد الخراز وغيره من أسماء المحدثات كما صرح بأن المسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو وقال أيضا: "إعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق هو في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد فالمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب ولكن إذا أطلقناه وقالا به فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وكذب الحق والرسل صلوات الله عليهم وهو لا يشعر ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض ولا سيما وقد علم أن ألسنة الشرائع الإليهة إذا نطقت عن الحق تعالى لما نطقت به إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول
стр. 357
وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ ثان إن كان في وضع ذلك اللسان فإن للحق في كل خلق ظهورا فهو الظاهر من كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته" إلى أن قال: "وهو الاسم الظاهر كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة فيوجد في حد الإنسان مثلا ظاهره وباطنه وكذلك كل محدود فالحق تعالى محدود بكل حد وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورة فكذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة وهذا محال حصوله فحد الحق محال وكذلك من شبهه وما نزهه فقد قيده وحدده وما عرفه ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه ووصفه بالوصفين على الإجمال لأنه يستحيل ذلك على التفصيل
стр. 358
لعدم الإحاطة بما في العالم من صور فقد عرفه مجملا لا على التفصيل كما عرف نفسه مجملا لا على التفصيل وكذلك ربط النبي ﷺ معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ وهو ما خرج عنك وفي أنفسهم وهو عينك ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ أي للناظر أنه الحق من حيث أنك صورته وهو روحك فأنت له كالصورة الجسمية لك وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك والحد يشمل الظاهر والباطن منك فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنسانا ولكن يقال فيها أنها صورة تشبه صورة الإنسان فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة ولا ينطلق عليها إسم إنسان إلا بالمجاز لا بالحقيقة وصورة العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حيا وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها والمدبر لها كذلك جعل الله صورة العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصورة فالكل ألسنة للحق
стр. 359
ناطقة بالثناء على الحق ولذلك قال الحمد لله رب العالمين أي إليه ترجع عواقب الثناء فهو المنزه المثنى عليه وأنشد:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا ... وإن قلت بالتشبيه كنت محددا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددا ... وكنت إماما في المعارف سيدا
فمن قال بالإشفاع كان مشركا ... ومن قال بالإفراد كان موحدا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيا ... وإياك والتنزيه إن كنت مفردا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه ... في عين الأمور مسرحا ومقيدا
إلى أمثال هذا الكلام الذي يقوله هؤلاء الدجالون الكذابون ويقولون تارة: إن النبي ﷺ أعطاهم إياه وتارة أنهم أخذوا عن الله بلا واسطة والنبي ﷺ وسائر الرسل يستفيدون منهم وتارة أنهم والحق أخذوه من معدن واحد.
ومع هذا فقد جرى للمؤمنين مع أتباعهم من المحنة ما هي أشهر المحن الواقعة في الإسلام ومعلوم أن هذه المحنة هي نتيجة محنة الدجال بل هذه النتيجة أقرب إلى محنة الدجال من غيرها لأن النزاع في مثل دعوى الدجال قد سموا بعد وقد انتصروا غاية الانتصار لما هو قول فرعون والدجال وعادوا من خالفهم ما هو أعظم من معاداة الدجال مع معرفة حذاقهم بأنه قول فرعون وقوله إنا على مذهب فرعون وزعمهم مع ذلك أنهم أكمل الخلق وأعظمهم معرفة وتحقيقا وتوحيدا.
стр. 360
فإذا كان هذا حال بني آدم عوامهم وخواصهم من جميع الأصناف في الإنسان ظهر أن ما ذكره النبي ﷺ من الدلائل على نفي ربوبية الدجال كان من أحسن الأدلة وأثبتها وأنفعها للعامة والخاصة وظهر بهذا أن غيره من الأنبياء وإن لم يقلها لكون الأدلة متعددة فالذي قالها كان أعلم بما ينفع الناس وأحرص عليهم وأرحم بهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فإن الدليل الواضح الظاهر عند اضطراب القلوب واشتباه الحق وافتتان كثير من الخلق أو أكثرهم ينفع ويظهر الحق ويدفع الباطل ما لا تسعه الأدلة الحسية وإن كانت قطعية يقينية والمقصود من الأدلة والأعلام هدى العباد وإرشادهم فكل ما كان من الأدلة أدل على الحق وأنفع للخلق كان أرجح مما ليس كذلك.
والحمد لله الذي بعث إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة فهذا هو الوجه الأول وبيان أن أحدا من الناس لا يرى الله في الدنيا بعينه لا في صورة ولا في غير صورة وأن الحديث الذي احتج به الإتحادية على تجليه لهم من الصور في الدنيا يدل على نقيض ذلك.
الوجه الثاني:
إنهم سألوا النبي ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضامون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا قال: "فهل تضامون في رؤية القمر صحوا ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر".
стр. 361
ولو كانت الرؤية هي تجليه في صور المخلوقات كلها كما يقوله الإتحادية لقال لهم إنكم ترون ربكم في هذه الصور إذ هم لا يرتقبون عندهم في القيامة تجليا غير هذا التجلي الذي في الدنيا وإنما تفاوت الناس عندهم بقدر تجرد أنفسهم حتى يشهدوا الوجود الساري في كل شيء لا فرق في ذلك عندهم بين دار ودار.
وهذا أيضا حجة على من يجعل أنه لا مانع للرؤية إلا عدم الإدراك في العين فإنه على قوله لا فرق.
وعلى كل من القولين فإنهم لا يرونه كما يرون الشمس والقمر وإن كان تشبيها للرؤية لا للمرئي بالمرئي إذ كاف التشبيه دخلت على ما المصدرية فإنه على قول الإتحادية هو موجود فيهم كوجوده في الشمس والقمر والكواكب والجبل والحيوان والنبات فيمتنع أن يروه كما يرون الشمس والقمر مباينا لهم منفصلا عنهم وعن غيرهم من الموجودات.
وعلى قول أولئك لا يرونه مواجهة عيانا وإنما الرؤية من جنس العلم أو نوع منه وقولهم قول الإتحادية في رؤية الوجود المطلق وفي البخاري: "إنكم ترون ربكم عيانا".
ومما يبين ذلك أنه ليس في الموجودات المرئية في الدنيا أعظم من هذين ولا يمكن أن يراهما الإنسان أكمل من الرؤية التي وصفها النبي ﷺ وهذا يبين أن المؤمنين يرون ربهم أكمل ما يعرف من الرؤية.
стр. 362
وعلى قول هؤلاء إنما يرى أخفى ما يكون أو يرى على وجه تستوي الموجودات كلها في رؤيته فإنهم إذا جعلوه الوجود المطلق ووصفوه بالسلوب كانت الرؤية من جنس العلم إن هذا ونحوه لا يرى بالعين وإن جعلوه الوجود الذي في المخلوقات جعلوا رؤيته كرؤية كل موجود من خفي وجلي وعلى التقديرين فهم مخالفون للنصوص السلبية التي احتجوا بها.
الوجه الثالث:
إنه قال: "لا تضامون في رؤيته" و"لا تضارون في رؤيته" أي لا يلحقكم ضير ولا ضيم.
وروى "لا تضارون ولا تضامون" أي لا يضر بعضكم بعضا ولا ينضم بعضكم إلى بعض كما جرت عادة الناس بالازدحام عند رؤية الشيء الخفي كالهلال ونحوه وهذا كله بيان لرؤيته في غاية التجلي والظهور بحيث لا يلحق الرائي ضرر ولا ضيم كما يلحقه عند رؤية الشيء الخفي والبعيد والمحجوب ونحو ذلك.
وعلى قول هؤلاء الجهمية الأمر بالعكس فإنهم إذا قالوا يتجلى في كل صورة من صورة الذباب والبعوض والبق والهلال والسها ونحو ذلك من الأجسام الصغيرة فمعلوم ما يلحق في رؤيتها من الضيم لا سيما وعند صاحب الفصوص لا يراه إنما يرى الذوات التي يتجلى فيها وأما إذا جعل الرؤية من جنس العلم فجنس هذه لا يبقى فيها ضرر ولا ضيم ولا يلحق فيها زحمة ولا مشقة فتكون بين ذلك مما هو علم أو كالعلم عديم الفائدة بعيد
стр. 363
المناسبة لا يليق بمن هو من آحاد الناس فضلا عن أكمل الخلق وأعظمهم معرفة وبيانا وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
تم الجزء الأول من بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والإتحاد من كلام الإمام شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس برحمته آمين ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: أنه قال في الحديث: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه" إلى آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على عبده ونبيه ورسوله وخيرته وصفوته محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.