Полный текст (363 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله".
وفي الصحيح عن سماك عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين".
قال سماك: وسمعت أخي يقول: قال جابر: "فاحذروهم".
وقد روى مسلم في أوائل الصحيح من وجهين عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم".
стр. 317
وهذا كما يدخل فيه من يحدث عن غيره فالذي يقول: إنه يحدث عن قلبه عن ربه أو أنه يأخذ عن الله بلا واسطة وأنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يوحى به إلى الرسول وأنه يحدث بمقتضى الأقيسة القطعية أولى فإن هذا يدعي ما هو عنده أعلى وإن كان له نصيب من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
وقد سأل بعضهم مالكا عن بعض من كان بالعراق من هؤلاء المبطلين فقال كلمة أو كلاما فيه هؤلاء الدجاجلة قال: "ما سمعت جمع دجاجلة إلا من مالك".
وأصل الدجل التغطية والتمويه والتلبيس ومعلوم أن أتباع مسيلمة
стр. 318
الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي وسجاح كانوا مرتدين وقد قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ مع أن مسيلمة إنما ادعى المشاركة في النبوة لم يدعي الألوهية ولا أتى بقرآن يناقض التوحيد بل جاء بكلام يتضمن ما ادعاه من الشركة في الرسالة وأسجاع من الكلام الذي لا فائدة فيه ولهذا قال أبو بكر لبعض بني حنيفة وقد استقرأهم شيئا من قرآن مسيلمة فلما قرأوه قال: "ويحكم أين يذهب بعقولكم إن هذا الكلام لم يخرج من إِلْ".
стр. 319
وذلك نحو قوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين".
وقوله: "والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا أهالة وسمنا إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين ولكن قريش قوم لا يعدلون".
وقوله: "والفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل".
ولما كتب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد: فإني أشركت في الأمر معك فكتب النبي يقول من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد: فإنك لو سألتني بياض هذه ما أعطيتك إياه".
فمن ادعى أنه مؤمن بما يقوله هؤلاء وإن اتبع الرسول في الشرائع مع مشاركته له في مشاهدة ذلك فهو فوقه في التحقيق والعلم بالله لأنه يأخذ من حيث الملك الذي يوحي به إلى الرسول.
فلا ريب أن هذا القول أعظم فرية من قول مسيلمة الكذاب لكن هؤلاء لم يكونوا طائفة ممتنعة يدا ويحاربون فيها المسلمون بل هم موافقون
стр. 320
في الظاهر على أنه لا رسول إلا محمد ﷺ وأكثر أتباعهم لا يعلمون أن هذا قول رئيسهم.
ثم منهم قوم منافقون لا يجهرون بذلك بين المسلمين كما كان مسيلمة يجهر بدعواه النبوة حتى كان مؤذنه يقول أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله ومن هؤلاء من هو في الباطن أكفر من المشركين فضلا عن أهل الكتاب ومنهم قوم يقرأون الكتب المتضمنة لذلك علانية وقد لا يفهمون ما فيها من الكفريات.
وقد قال لي أفضل شيوخ هؤلاء بالديار المصرية لما أوقفته على بعض ما في هذا الكتاب مثل هذا الموضع وغيره فقال هذا كفر وقال لي في مجلس آخر هذا الكتاب عندنا من أربعين سنة نعظمه ونعظم صاحبه ما أظهر لنا هذه المصائب إلا أنت.
ومنهم طائفة قد لا يكونون متعمدين الكذب لكنهم ملبوس عليهم الضلالة بحيث يظنون أن الرسول لم يعلم الحقائق وإنما علم الأعمال الظاهرة ويشركون في ذلك إخوانهم من المتفلسفة في نحو ذلك وتجد هؤلاء لا يعتمدون على الأمور العلمية والمسائل الخبرية عن الله تعالى وأسمائه وصفاته على كلام الله ورسوله وهذا من أصول الضلال التي وقع فيها أو في بعضها طوائف من أهل الزيغ والمنافقين.
ومنهم طائفة يتأولون بعض هذه المقالات الكفرية إذا خاطبهم الجاهل الذي لا يفهم ما فيها أو يفوضون علمها إلى الشيخ ويقولون الشيخ أعلم
стр. 321
بما قال كأنه نبي معصوم مع كثرة ما في كلامه من الباطل والكذب والجهل وإن لم يكن كفرا مع ما فيها من الكفر بل قول هؤلاء يتضمن تعطيل التوحيد وحقيقة الرسالة وهما أصلا الإسلام.
وقد تتضمن أيضا تعطيل الإيمان بما في اليوم الآخر من الثواب والعقاب بل ويتضمن أيضا تعطيل ما جاءت به الرسل من الأمر والنهي فهذه أصول الإيمان في كل ملة وزمان الإيمان بالله ورسله وباليوم الآخر والعمل الصالح قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ .
وفي حديث جبريل الذي في الصحيح من حديث أبي هريرة في مسلم ومن حديث عمر وهو طويل في أول مسلم قال: "ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره
стр. 322
وشره" وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ .
ولما كان هؤلاء من إخوان القرامطة الفلاسفة الباطنية وأولئك بدلوا الأصول الثلاثة التي هي أصول السعادة في كل ملة الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح كما ذكر ذلك في سورة البقرة والمائدة فذكر الذين آمنوا ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ بقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وفي البقرة ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
فالقرامطة الذين يضاهئون الصابئة الفلاسفة والمجوس الثنوية عطلوا وحرفوا الإيمان بالله وكذلك الإيمان باليوم الآخر وكذلك العمل الصالح حتى جعلوا ما جاءت به الشريعة من أسماء الأعمال إنما هي رموز
стр. 323
وإشارات إلى حقائقهم كقولهم إن الصلاة معرفة أسرارنا والصيام كتمان أسرارنا والحج زيارة شيوخنا المقدسين وأمثال ذلك كان في كلام هؤلاء من التعطيل والتحريف للإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ما ضاهوهم به وكما أن مذهب القرامطة وإلحادها ونفاقها لم يكن يظهر ابتداء لمن اتبعهم من الشيعة بل كانوا أولئك يظنون أنهم متبعون للشريعة وكان في الشيعة من البدعة من والوهم عليه مع تمسك الشيعة بما هم عليه من الإسلام كذلك قول هؤلاء لا يظهر ابتداء لمن اتبعهم من مفرط في معرفة السنة من متجهم ضعيف في التصوف أو في التفقه بل يكون فيه من البدعة والأهم عليه وهو متمسك بما هو عليه من الإسلام ولكن المحققون منهم لطريقهم هم الذين يصيرون مثل القرامطة كما قيل لأفضل محققيهم وقد قرىء عليه الفصوص هذا يخالف القرآن فقال: "القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا".
وقال: "لا فرق بين الزوجة والأم عندنا ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام فقلنا عليكم".
ولهذا تجد المحقق منهم يستحل المحرمات من الخمر والفواحش وترك
стр. 324
الصلوات والكذب وموالات اليهود والنصارى بل يكون أعظم شرا في الباطن من اليهودي والنصراني المتمسك بشريعته المبدلة المنسوخة ولكن في اليهود والنصارى من هو شر منهم لموافقته لهم على هذا الإلحاد ولما كانت القرامطة إنما لبسوا على الناس بدخولهم من باب موالاة أولياء الله من أهل البيت كذلك دخل هؤلاء من باب موالاة أولياء الله ولما كان في غلاة الشيعة من يعتنق نبوة علي أو ألوهيته وكان أيضا في غلاة المتنسكة من يعتقد في بعض المشايخ إلاهية أو نبوة كان هؤلاء كذلك وزادوا على ذلك حيث جعلوا خاتم الأولياء أعلى من جميع الأنبياء والرسل حتى خاتم الرسل وجعلوا الإلهية في كل شيء.
ولما كان للقرامطة في الدعوة مراتب كذلك لهؤلاء في إلحادهم مراتب فأول ذلك زعمهم أن الولاية أفضل من النبوة والنبوة أفضل من الرسالة وينشدون:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
وهذا مما يبوحون به لعوامهم ويناظرون الناس عليه ويقولون ولاية النبي أفضل من نبوته ونبوته أفضل من رسالته لأن ولايته اتصاله بالله والنبوة إخبار الحق له والرسالة تبليغه للناس والأول أرفع فهذه مقدمة.
ثم يقولون: والولاية باقية إلى يوم القيامة وتلك الولاية بعينها التي
стр. 325
كانت للرسول هي باقية في أمته فتارة يقولون هي في كل زمان لشخص وتارة يقولون هي لخاتم الأولياء.
وهؤلاء قد يعظمون الإمام أحمد جدا والشيخ عبد القادر جدا فإن ابن عربي يعظم هذين جدا وينتسب في الخرقة إلى الشيخ عبد القادر وهم يغلون في ذلك حتى أنه كان كثير من شيوخهم له غلو في الشيخ عبد القادر فأخذ يفسر ما ينقل عنه من أنه قيل له يا سيد الخلق بعد الحق وأصحابه المقتصدون يفسرون ذلك بسيد أهل زمانه فزعم هذا الشيخ أنه سيد الخلق مطلقا بناء على أن الولاية المحمدية قائمة به ومن اتصف بها كان السيد مطلقا وجرى هذا بمجلس كنت فيه وكان فيه أحد المشايخ من أولاد الشيخ عبد القادر وهو رجل مسلم لا يعتقد شيئا من هذا لكن ذكر صاحب المجلس هذا عن ذلك الشيخ الغالي وأن آخر رد عليه وكان هذا الراد قد اعتدى علينا فقلت الصواب مع هذا الراد كائنا من كان فإن الحق يجب اتباعه من كل أحد والباطل يجب رده على كل أحد وهذا باطل ما يقوله مسلم فإن الولاية القائمة بالنبي ﷺ هي بعينها لا تنتقل إلى أحد وأما مثلها فلم يحصل لأبي بكر وعمر ولا لأحد من الأنبياء والرسل
стр. 326
فضلا عن أن تحصل للشيخ عبد القادر أو غيره وهذا من جنس ما تدعيه الرافضة الإمامية من العصمة عن علي وغيره ويجعلونهم مثل رسول الله ﷺ وكان بالشام طائفة منهم سألوا مرة أبا البقاء خلف بن يوسف النابلسي الشيخ المحدث المشهور فقالوا يا زين الدين أنت تقول إن مولانا أمير المؤمنين عليا ما كان معصوما فقال ما أخفيكم شيئا وكان يقول مثل هذا كثيرا أبو بكر وعمر عندنا خير منه وما كانا معصومين.
وأقبح من غلو هؤلاء ما كان عليه المتسمون بالموحدين في متبوعهم الملقب بالمهدي محمد بن التومرت الذي أقام دولتهم بما أقامها به من الكذب والمحال وقتل المسلمين واستحلال الدماء والأموال فعل الخوارج المارقين ومن الابتداع في الدين مع ما كان عليه من الزهد والفضيلة المتوسطة ومع ما ألزمهم به من الشرائع الإسلامية والسنن النبوية فجمع بين خير وشر لكن من أقبح ما انتحلوه فيه خطبتهم له على المنابر بقولهم الإمام المعصوم والمهدي المعلوم.
وبلغني أن بعض عقلاء خلفائهم جمع العلماء فسألهم عن ذلك فسكتوا
стр. 327
خوفا لأنه كان من تظاهر بإنكار شيء من ذلك قتل علانية إن أمكن وإلا قتل سرا ويقال أنهم قتلوا القاضي أبا بكر بن العربي والقاضي عياضا السبتي وغيرهما.
وجهالهم يغلون في ابن التومرت حتى يجعلوه مثل النبي ﷺ وينشدون:
إذا كان من بالشرق في الغرب مثله ... فللوا له المشتاق أن يتحيرا
وهم يقولون في الخطبة: "الذي أيد بالحكمة فكان أمره حتما واكتنف بالعدل اللائح والنور الواضح الذي ملأ الأرض فلم يدع فيها ظلاما ولا ظلما".
وقد اتفق المسلمون على أنه ليس من المخلوقين من أمره حتم على الإطلاق إلا الرسل الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأما من دونهم فيطاع إذا أمر بما أمروا به وأما إذا أمر بخلاف ذلك لم يطع كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "من
стр. 328
أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني".
وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه بعث أميرا على سرية قال: "على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة".
وقد قال الصديق ﵁ لما تولى: "أيها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق".
وقال: "أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم".
وبلغني أن ذلك المستخلف لما جمع العلماء وسألهم عن قولهم المعصوم وأمسك الأكثرون قام بعضهم فقال قد أجمع المسلمون وأهل السنة أو العلماء أو كما قال على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وأجمعوا أنه لم يكن معصوما وانفض المجلس على بطلان قولهم المعصوم وأزيلت من المنابر إما من ذلك المجلس أو غيره وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا معصوم في الأمة غير رسول الله ﷺ .
وقول بعضهم: النبي معصوم والولي محفوظ إن أراد بالحفظ ما يشبه العصمة فهو باطل وهذا باب دخل منه الضلال على طوائف ضاهوا النصرانية
стр. 329
كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فكانت تلك عبادتهم".
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ هذا حق الخالق ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا حق المخلوق ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
فتارة يجعلون في المعظمين من البشر نوعا من الإلهية وهذا قد ظهر قبحه وبطلانه أكثر من القسم الثاني وهو أنهم يضاهون بالرسل المعظمين من غير الرسل وكل من هذين خلل في الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين والمرسلين.
стр. 330
وأما الغلاة من الرافضة وأشباههم الذين يصرحون بعصمة من يعظمونه من الأئمة والمشايخ والعلماء فضلا لهم أظهر من ضلال طائفة أخرى وهم لا يقولون أنهم معصومون لكن يعاملونهم معاملة المعصوم حتى قد يعادى أحدهم من يقول عن أحدهم أنه أخطأ وإن كان القائل معظما لمن قال ذلك فيه مكرما له مجلا له ولم يقل ذلك على وجه الانتقاص ولكن البيان أنه لا معصوم إلا رسول الله وأن من سواه يصيب ويخطىء بل قد يستحل عقوبته أو أذيته للقول الذي أجمع أئمة الدين على أنه الحق الذي يجب اعتقاده كما قال النبي ﷺ لأبي بكر الصديق ﵁ في تعبير الرؤيا: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا" والحديث في الصحيحين وكما قال لما ذكرت له سبيعة عن أبي السنابل بن بعكك أنه قال: ما أنت بناكحة حتى تعتدي الأجلين فقال: "كذب أبو السنابل حللت فانكحي".
وهذه الفتيا قد أفتى بها علي وابن عباس.
стр. 331
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر".
وقال: "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه " وفي الترمذي "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر" وقال ابن عمر: "ما سمعت عمر يقول لشيء كذا وكذا إلا كان كما كان يقول".
وقال علي: "كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر".
ومع هذا فقد كان الصديق الذي هو أفضل منه يقومه في أشياء كثيرة كما قومه يوم صلح الحديبية ويوم موت النبي ﷺ بل كان آحاد الناس يبين
стр. 332
له الصواب فيرجع إلى قوله كما راجعته امرأة في قوله: "لئن بلغني أن أحدا زاد على صداقه أزواج النبي وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال" فقالت له امرأة: لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه وقرأت قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ فرجع إلى قولها وأمثال هذا ولما كان أهل العراق يحتجون على الشافعي بقول علي وعبد الله جمع كتاب اختلاف علي وعبد الله وذكر كثيرا من المسائل التي ترك الناس فيها قولهما والسنة بخلاف ذلك وأعظم الناس موافقة للسنة أبو بكر الصديق فإنه لا يكاد يحفظ له مسألة يخالف بها النص كما حفظ لغيره من الخلفاء والصحابة ومع هذا فقد قال له النبي ﷺ ما تقدم ذكره وهذا كله لا ينازع فيه أحد من أهل العلم والدين ولكن ابتلى المسلمون بجهال وضلال يدعون الحقائق والأحوال وهم لم
стр. 333
يعرفوا معرفة عموم المسلمين من النساء والرجال.
وأما الرسول ﷺ فعصمته فيما استقر تبليغه من الرسالة باتفاق المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
وليس هذا موضع ذكر تنازع الناس هل كان الإلقاء في السمع أو في اللفظ إذ لا نزاع بين الأئمة في أنه لا يقر على ما هو خطأ في تبليغ الرسالة فإن معصوم الرسالة لا يحصل مع تجويز هذا.
وأما تنازع الناس في غير هذا كتنازعهم في وقوع الخطأ والصغائر فإنهم أيضا لا يقرون على ذلك فإذا قيل هم معصومون من الإقرار على ذلك كان في ذلك احتراز من النزاع المشهور بل إذا كان عامة السلف والأئمة وجمهور الأمة يجوز ذلك على الأنبياء ويقولون هم معصومون من الإقرار على الذنوب ويقولون وقوع ما وقع إنما كان لكمال النهاية لا لتفضيل البداية فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين كما دل الكتاب والسنة والآثار على ذلك.
وما في ذلك من التأسي والاقتداء بهم فكيف يغيرهم لكن غيرهم ليس معصوما من الإقرار على خطأ إذ أفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون ولا يقدح في صديقيتهم وقوع الخطأ منهم بل لولا ذلك لكان الصديق
стр. 334
بمنزلة النبي ﷺ والذين يغلون في هؤلاء هو أن قصد تعظيمهم بذلك فيه غض ونقص بمن هو خير منهم وهم الأنبياء والرسل كما أن الذي يغلو في الأنبياء والرسل يكون غلوه عيبا وغضا بالألوهية كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ .
стр. 335
وهؤلاء يسبون الله كما كان معاذ بن جبل يقول: "لا ترحموهم فقد سبوا الله مسبة ما سبه بها أحد من البشر".
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم" وفي الصحيح أيضا عن النبي ﷺ أنه قالك "يقول الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله أن لي ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ".
والله له حقوق لا يشركه فيها أحد ورسله لهم حقوق لا يشركهم فيها غير الرسل والإقرار بهذين هو أصل الإسلام فحق الله تعالى أن نعبده ولا نشرك به شيئا كما في الصحيحين عن معاذ بن جبل قال:
стр. 336
قال النبي ﷺ : "يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن لا يعذبهم". وقد أخبر الله سبحانه عن كل من المرسلين كنوح وهود وصالح أنه قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فالطاعة لله ولرسله المبلغين عنه كما قال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وأما الخشية والتقوى فلله وحده وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ فالتسبيح لله وحده والتعزير والتوقير للرسول والإيمان بالله ورسوله وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ
стр. 337
وَاخْشَوْنِ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال عن إبراهيم: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وقال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ .
ومثل هذا في القرآن كثير بل هذا هو أصل المقصود بالقرآن وأما
стр. 338
الرسول فقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ .
ففي التوكل قالوا حسبنا الله ولم يقولوا ورسوله وفي الإيتاء قالوا سيؤتينا الله ورسوله لأن الإيتاء المحمود لا بد أن يكون مما أباحه الرسول وأذن فيه مبلغا عن الله وإلا فمن أوتي ملكا أو مالا غير مأذون له فيه شرعا كان معاقبا عليه وإن جرت به المقادير إذ يجب الفرق بين الإيتاء الكوني والديني كما يجب الفرق بين القضاء الكوني والديني والأمر الكوني والديني والحكم الكوني والديني والإرادة الكونية والدينية والكلمات الكونية والدينية والإذن الكوني والديني والبعث الكوني والديني والإرسال الكوني والديني وأشباه ذلك مما دل القرآن على الفرق بينهما فما كان موافقا للشريعة التي بعث بها رسوله فهو الدين الذي يقوم
стр. 339
به المؤمنون وما كان مخالفا لذلك وإن كان قدره الله ويكون شرا في حق صاحبه وعقوبة وكان عاقبته فيه عاقبة سوء فإن العاقبة للمتقين ولا حجة لأحد بالقدر بل المحتج به حجته داحضة والمعتذر به عذره غير مقبول وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
وقد ذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن فهذا وأمثاله من حقوق الرسول ﷺ .
وأما المؤمنون وولاة الأمور من العلماء والأمراء ومن يدخل في ذلك من المشايخ والملوك فلهم حقوق بحسب ما يقومون به من الدين فيطاعون في طاعة الله ويجب له من النصيحة والمعاونة على البر والتقوى وغير ذلك ما هو
стр. 340
من حقوقهم لعموم المؤمنين أيضا من المناصحة والموالاة وغيرها من الحقوق ما دل عليه الكتاب والسنة وليس هذا موضع تفصيل ذلك.
وكل من جعل غير الرسول بمنزلة الرسول في خصائص الرسالة فهو مضاه لمن جعل معه رسولا آخر كمسيلمة ونحوه وإن افترقا في بعض الوجوه ثم يكون هؤلاء شرا إذا فضلوا متبوعهم على الرسول وقد يكون اتباع مسيلمة شرا إذا كان متبوع هؤلاء مؤمنا بالله ورسوله ولم يفضلوه على الرسول.
ولما أظهرت ما في كتب هؤلاء من النفاق والإلحاد أخذ بعض من يقول بتفضيل الولي على الرسول ونحو ذلك يتأولون ذلك على ما تقدم ذكره من تفضيل ولاية الرسول على نبوته ورسالته حتى خاطبني في ذلك بعضهم وأخذ يتأول كلام ابن عربي في استفادة الأنبياء والرسل من مشكاة ناره لأنه هو ولاية الرسول والرسل يستفيدون من مشكاة خاتم الرسل فيلزم أنهم يستفيدون من مشكاة خاتم الأولياء فأخذت أولا أوقفه على ألفاظ ابن عربي المتقدمة التي كتبتها هنا حيث ذكر فيها إن هذا العلم الذي هو تحقيقهم وتوحيدهم وحقيقته التعطيل ليس إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء "وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياء حتى أن الرسل لا يروونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا فالمرسلون من كونهم أولياء لا
стр. 341
يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف بمن دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فلذلك لا يقدح في مقدمه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أعلى ومن وجه يكون أنزل".
فقد صرح في هذا الكلام بعد أن زعم أن الأنبياء والرسل لا يرونه إلا من مشكاة خاتم الرسل وأن الأنبياء والرسل أيضا لا يرونه أيضا إلا من مشكاة خاتم الأولياء لكونهم أيضا أولياء ثم أعاد قوله فقال: "فالمرسلون من كونهم أيضا أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء".
وهذا تصريح بأن ولايتهم القائمة بهم دون ولاية خاتم الأولياء ضد ما يتظاهرون به ثم صرح بأن خاتم الأولياء أعلى من خاتم الأنبياء من وجه وصرح فيما بعد بأنه موضع لبنتين.
فقال: "فهو موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره ومايتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه فإنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا".
فزعم أنه مع متابعته له في الأحكام الظاهرة يأخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه وهذا مقام مسيلمة الكذاب.
стр. 342
ولا ريب أن هارون وإن كان نبيا مع موسى فلم يكن معه بهذه المنزلة بل كان موسى يبلغه عن الله ما لم يكن يأخذه هارون عن الله وهذا ادعى أنه مع محمد فوق ما كان هارون مع موسى ولم يرض بذلك بل هذا في الأحكام الظاهرة فقط وهذا أيضا مقام الذين إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله وهذا يزعم أنه قد أوتي مثل ما أوتي رسل الله.
ثم قال: "وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول".
فزعم أنه يأخذ من فوق الملك والرسول يأخذ من الملك فهو أعلى منه في أعلى القسمين وهو علم التحقيق والمعرفة كما قال في أثناء كلامه: "فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله فهناك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها".
وإذا كان متقدما على الرسول في أعلى القسمين وهو العلم ومشارك له في العلم بالأحكام فمعلوم أن مسيلمة الكذاب لم يدع مثل هذا ولا
стр. 343
المختار بن أبي عبيد الكذاب الذي ثبت فيه الحديث الذي في صحيح مسلم عن أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: "وسيكون في ثقيف كذاب ومبير".
فالمبير كان هو: الحجاج.
والكذاب: هو المختار بن أبي عبيد.
وقد قيل لابن عمر أو لابن عباس أن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال: صدق ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .
وقيل لآخر إن المختار يزعم أنه ينزل عليه فقال: صدق ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ .
فلما أريت هذا لمن كان يعظمهم غاية التعظيم ويتأول كلامهم على
стр. 344
ما تقدم انبهر حيث رآه قد صرح بالتفضيل على النبي ﷺ وعلى جميع الأنبياء وأنهم يأخذون من مشكاة ولاية نفسه لا من ولاية الرسول ثم بينت له بطلان تلك الأصول بأن أحدا من الرسل لم يأخذ عن الآخر هذا العلم لوجهين:
أحدهما: أن هذا إلحاد وتعطيل لا يعتقده إلا زنديق فكيف يعتقده رسول؟.
الثاني: أن الرسل أوصى الله إليهم وعلمهم ما علمهم لم يحلهم في ذلك على من يخلق بعد فقد تيقن أن قول هؤلاء يستلزم قول الدجال بخلاف مسيلمة ونحوه ممن تعمد للكذب وبخلاف القرامطة وما استلزم الباطل فهو باطل.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال".
وفي لفظ له: "وإذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال".
وفي رواية طاوس سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "عوذوا
стр. 345
بالله من عذاب النار عوذوا بالله من عذاب القبر عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات" وروى الأعرج عن أبي هريرة مثله.
وفي إفراد مسلم عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: قولوا اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات".
قال مسلم: "بلغني أن طاوسا قال لابنه: دعوت بها في صلاتك قال: لا قال: أعد صلاتك".
وهذا الذي ذكره عن طاوس قول طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم يرون وجوب هذا الدعاء ولا ريب أنه أوكد الأدعية المشروعة في هذا الموضع فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر بدعاء بعد التشهد إلا هذا الدعاء وإنما نقل عنه أنه كان يقول أدعية مشروعة وأمره
стр. 346
أوكد من فعله باتفاق المسلمين ولهذا كان الذين ذكروا هذا الدعاء في هذا الموضع من المصنفين أعلم بالسنة واتبع لها ممن ذكر غيره ولم يذكره.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه بهذا التعوذ خارج الصلاة أيضا وقد جاء مطلقا ومقيدا في الصلاة ومعلوم أن ما ذكر معه من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات أمر به كل مصل إذ هذه الفتن مجرية على كل أحد ولا نجاة إلا بالنجاة منها فدل على أن فتنة الدجال كذلك ولو لم تصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه لم يؤمر بذلك كل الخلق مع العلم بأن جماهير العباد لا يدركونه ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء وهكذا إنذار الأنبياء إياه أممهم حتى أنذر نوح قومه يقتضي تخويف عموم فتنته وإن تأخر وجود شخصه حتى يقتله المسيح بن مريم ﵇ وكثيرا ما كان يقع في قلبي أن هؤلاء الطائفة ونحوهم أحق الناس باتباع الدجال فإن القائلين بالإتحاد أو الحلول المعين كقول النصارى في المسيح والغالية الهالكة في علي أوفيه وفي غيره كما ذهب إلى ذلك طوائف من غلاة الشيعة وغلاة المتصوفة لا يمتنع على قولهم أن يكون الدجال ونحوه هو الله فكيف القائلون بالوحدة أو الإتحاد أو الحلول المطلق الذين يجعلون فرعون والعجل والأصنام وغير ذلك هي عين الحق كما تقدم.
وقد كان يعرض لكثير من الناس إشكال في كون النبي ﷺ قال في الدجال "أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور" فقال: أي حاجة إلى نفي ربوبيته
стр. 347
بدليل العور مع كثرة الأدلة التي يعلم بها كذبه وكذب كل بشر قال إنه الله حتى أن طائفة من أهل الكلام إخوان أولئك الاتحادية في النفي كالرازي كذبوا هذا الحديث وقالوا: "النبي ﷺ أجل من أن يحتاج في نفي الربوبية إلى أن يدل أمته بهذا".
واعلم أن الحديث ثابت متفق عليه مستفيض من وجوه:
منها: حديث ابن عمر المتقدم الذي سقناه في مسلم وهو في الصحيحين وفيه فقام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو له أهل ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور" وفي لفظ "أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: "إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية".
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من نبي إلا قد أنذر أمته الأعور الكذاب إلا إنه أعور وأن ربكم ليس بأعور بين عينيه (ك ف ر) ".
стр. 348
وفي رواية: "مكتوب بين عينيه (ك ف ر) أي كافر.
وفي رواية: "الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر أتهجاها (ك ف ر) يقرؤه كل مسلم".
وفي الصحيح من حديث حذيفة "إن الدجال مسموح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب".
واعلم أن النبي ﷺ لم يقل أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور لأن ذلك وحده هو الدليل على كذبه وامتناع دعواه وأنه لولا العور لم تكن هناك أدلة أخرى يبين ذلك أنه قال: "لأقولن لكم فيه قولا لم يقله نبي لأمته أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور".
ولو كان هذا هو الدليل وحده على نفي ربوبيته لم يعلم كذبه بدون ذلك لوجب على الأنبياء كلهم أن يبينوا ذلك لوجوب بيان كذبه عليهم بل قد ذكر مع ذلك أدلة أخرى منها:."أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن".
ومنها: أن أحدا منا لن يرى ربه حتى يموت.
стр. 349
ومنها: أن جنته نار وناره جنة كما في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه إنه أعور وأنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي يقول: إنها الجنة هي النار وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه".
وفي الصحيح أيضا عن حذيفة وعقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "الدجال يخرج وأن معه ماء ونارا فالماء الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد وعذب من أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب".
ذكر هذه العلامات الظاهرة فإن فتنة الدجال أعظم فتنة تكون في الدنيا.
وفي الصحيح عن هشام بن عامر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال " وهو يخرج بعد
стр. 350
بلاء شديد يصيب الناس وشبهات عظيمة مع رغبة عظيمة ورهبة عظيمة ويتبعه أكثر الناس حتى اليهود مع دعواهم الكتاب هم أكثر الناس تبعا له.
كما جاء في الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة".
وإذا كان قوم موسى قد عبدوا العجل واعتقدوا أنه الله وفيهم هارون نبي الله نهاهم فلم ينتهوا حتى رجع إليهم موسى وألقى الألواح.
والنصارى فهم متفقون على أن المسيح هو الله تعالى الله علوا كبيرا ويقولون مع ذلك هو ابن الله.
أيضا فكيف يمتنع على قولهم أن يقال ذلك في بشر.
وهؤلاء الذين يدعون الفلسفة والكلام والتصوف وهم يدعون أنهم أكمل الناس معرفة بالتوحيد والتحقيق وأتبع الناس للشريعة وغيرها ويفضلون أنفسهم على الرسل ولا ريب أنهم من أحذق الناس في الفلسفة ويقولون أنه يظهر في كل صورة ويقولون أن عباد العجل ما عبدوا إلا الله كما قال ابن عربي في الفصوص: "ثم قال هارون لموسى ﵉: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ فتجعلني سببا في تفريقهم فإن عبادة العجل ظهرت بينهم فكان فيهم من عبده اتباعا للسامري
стр. 351
وتقليدا له ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك فخشي هارون أن ينسب ذلك التفريق بينهم إليه فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ... ".
إلى أن قال: "فكان عدم قوة أرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسلط على العجل كما تسلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية".
فإذا كان الأمتان الكتابيتان اليهود والنصارى اعتقدوا ما تقدم في إنسان وعجل.
وكذلك الغلاة من هذه الأمة المضاهون لكفار أهل الكتاب وهؤلاء الصابئة الفلاسفة وإن انتسبوا إلى الملل يقولون ما هو أبلغ من ذلك من ظهوره في كل صورة فيكيف بمن هو أبعد من هؤلاء الطوائف عن العلم والإيمان ولهذا لا يخلص من فتنة الدجال إلا المؤمنون صرفا من أمة محمد ﷺ .
стр. 352
وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له ابن هود وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الإتحادية زهدا ومعرفة ورياضة وكان من أشد الناس تعظيما لابن سبعين ومفضلا له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية ويعتقدون أن قول النبي ﷺ : "ينزل فيكم ابن مريم" هو هذا وأن روحانية عيسى تنزل عليه.
وقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى ظهرت مباهلتهم وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين هذا مع تعظيمهم لي
стр. 353
بمعرفتي عندهم وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن يخاطب بأسرارهم إنما الناس عندهم كالبهائم حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بنت له حقيقة قولهم فأخذ يستحسن ويعظم معرفتي بقولهم وقال هؤلاء الفقهاء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فقلت له هب أن الفقهاء كذلك أبا لله أهذا القول موافق لدين الإسلام فيتحير المجتهدون ويضطربون إذا شبه عليهم.
وقال لي بعض من كان يصدق هؤلاء الإتحادية ثم رجع عن ذلك فكان من أفضل الناس ونبلائهم وأكابرهم ما المانع من أن يظهر الله في صورة بشر والنبي ﷺ يقول في الدجال: "أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور " فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة لما احتاج إلى هذا في كلام له وأخذ يحتج بذلك على إمكان أن يكون ابن هود الله فبينت له امتناع ذلك من وجوه وتكلمت معه في ذلك بكلام طال عهدي به لست أضبطه الآن حتى تبين له بطلان ذلك وذكرت له أن هذا الحديث لا حجة فيه والله سبحانه قد بين عبودية المسيح وكفر من ادعى فيه الإلهية بأنواع غير ذلك كقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ فأكل الطعام لازم لكل بشر.
стр. 354
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعا﴾ .
وقال تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وأمثال ذلك واعلم أن ما تذكره النفاة المدعون للتنزيه من المتفلسفة والمتكلمة على نفي كونه جسما أو جوهرا أو متحيزا أو منقسما أو كونه في جهة أو متحركا ونحو ذلك لم يفدهم شيئا من هذا العام ولا أوجب اعتقاد نفي الإلهية في المسيح والدجال فإن هؤلاء بعينهم هم الذين يعتقدون إلاهية المسيح الدجال والمسيح بن مريم ونحوهما مع تصريحهم بوصف الرب بتلك الصفات السلبية وذلك أنهم إما أن يقولوا تدرع اللاهوت بالناسوت وحل به أو ظهر فيه أو هذه مظاهر ومجالي الإلهية أو تعات الحق أو نحو ذلك من مقالات الإتحاد والذي شاهدناه أن أحذق الناس في الفلسفة والنفي والتنزيه كان أتبع الناس لهؤلاء إذ هم بزعمهم يجمعون بين التنزيه والتشبيه في كل ما يصفونه به حتى وصفوه بكل عيب وكل نقص وكل صفة لمحدث كما قال صاحب الفصوص: "ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى
стр. 355
المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها وكلها حق له كما هي صفات المحدثات حق للحق".
وقال أيضا: "ومن أسمائه الحسنى العلي، على من وما ثم إلا هو فهو العلي لذاته أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو" إلى أن قال: "فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات" إلى أن قال: "ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه وإن كان قد تميز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة ولد لا بل بحكم ولد من هو عين الوالد ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فما
следующие страницы →