← Акыда

Акыда · id 11071

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية

ابن تيمية

Полный текст (363 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال وهو الذي نعنيه بعالم القدس وإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منها شيء ولا يدخل فيها ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس وربما سميناه الروح البشري الذي هو مجرى لوائح القدس الوادي المقدس ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معاني القدس ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها فلا تظنن أن هذه الألفاظ معقولة عند غير أرباب البصائر. واشتغالي الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدني عن المقصد فعليك بالتشمير لفهم الألفاظ فأرجع إلى الغرض فأقول: لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت فكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى ولو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال لشيء في ذلك العالم وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة وإنما يكون

стр. 37

مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة وطابقه نوعا من المطابقة وإحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها ولن تفي به القوة البشرية ... فغايتي أن أعرفك فيها أنموذجا لتستدل باليسير منها على الكثير وينفتح لك باب الاستبصار بهذا النمط من الأسرار فأقول: إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها قد تسمى أربابا ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك ويكون لها مراتب في نورانيتها متقاربة فالبحري أن يكون مثالها في عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب والسالك للطريق أولا ينتهي إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نورها وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره ويلوح له من كماله وعلو درجته ما يبادر فيقول: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ثم إن اتضح ما فوقه مما رتبته رتبة القمر رأى أفول الأول في مغيب الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه والمناسبة مع ذي النقص نقص وأفول أيضا فمنه يقول: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً﴾ ومعنى (الذي) إشارة مبهمة لا

стр. 38

مناسبة لها إذ لو قال قائل: ما مثال مفهوم (الذي) لم يتصور إن يجاب عنه فالمنزه عن كل مناسبة هو الأول الحق". إلى أن قال: " ... فأقول: علم التعبير يعرفك أيضا منهاج ضرب الأمثال لأن الرؤيا جزء من النبوة أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني وهو الاستيلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها عنه كما يفيض السلطان آثاره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان وأن من رأى في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هي أمه وهو لا يعرف وباستقصاء ابواب التعبير تزيدك أنسا بهذا الجنس فلا يمكن اشتغال بعددها بل أقول: كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر

стр. 39

والكواكب فكذلك فيما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر ومنه تتفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله الطور وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس أولا بعضهم بعد البعض فمثاله الوادي وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب فهذه القلوب أيضا أودية ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم من بعدهم فإن كانت هذه الأودية دون الأول ومنه تغترف فبالحري أن يكون الأول هو الوادي الأيمن لكثرة يمنه وبركته وعلو درجته وإن كان الوادي الأدون يتلقى من آخر درجات الوادي الأيمن فمغترفه شاطئ الوادي الأيمن دون لجته وبيدائه وإن كان روح النبي سراجا منيرا أو كان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ فما منه الاقتباس مثاله النار وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما يسمعه وبعضهم على حظ من البصيرة فمثال حظ المقلد الخبر ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب فإن صاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال ومثال تلك

стр. 40

المشاركة الاصطلاء وإنما يصطلي بالنار من معه النار لا من يسمع خبرها وإن كان أول منازل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال فمثال ذلك المنزل الوادي المقدس وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطراح الكونين أعني الدنيا والآخرة والتوجه إلى الواحد الحق وكانت الدنيا والآخرة متقابلتين متحاذيتين وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما مرة أخرى. فمثال اطراحهما عند الإحرام للمتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين بل يترقى إلى الحضرة حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول: إن كان لتلك الحضرة شيء بواسطته تنتقش العلوم المفضلة من الجواهر القابلة لها فمثاله القلم وإن كان في تلك الجواهر القابلة لها ما بعضها سابقة التلقي ومنها ما ينتقل إلى غيرها فمثاله اللوح المحفوظ والكتاب والرق المنشور وإن كان

стр. 41

فوق الناقش للعلوم شيء هو مسخر فمثاله اليد وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله الصورة الأنسية وإن كان يوجد للصورة الأنسية نوع ترتيب على هذه المشاكلة فهي على صورة الرحمان وفرق بين أن يقال: "على صورة الرحمن" وبين أن يقال: "على صورة الله" لأن الرحمة الإلهية هي التي صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة. ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم فهو نسخة من العالم مختصرة. وصورة آدم -أعني هذه الصورة- مكتوبة بخط الله تعالى وهو الخط الالهي الذي ليس برقم وحروف إذ تنزه خطه عن أن يكون رقما وحروفا كما تنزه كلامه عن أن يكون صوتا ولفظا وقلمه عن أن يكون خشبا أو قصبا ويده عن أن تكون لحما وعظما ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه فلما كان هذا في آثار الرحمة كان على صورة الرحمان

стр. 42

لا على صورة الله فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ . ولولا هذا المعنى لكان قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورة الرحمان" غير منظوم لفظا بل كان ينبغي أن يقول: "على صورته" واللفظ الوارد في الصحيح "الرحمان" ولأن تمييز حضرة الملك من حضرة الربوبية يستدعي شرحا طويلا فلنتجاوزه ويكفيك من الأنموذج هذا القدر فإن هذا بحر لا ساحل له وإن وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فآنس قلبك بقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن والأودية القلوب". ثم قال: "خاتمة واعتذار. لا تظنن من هذا الانموذج وطريق ضرب المثال رخصة مني في

стр. 43

رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان ولم يسمع الخطاب بقوله: "فاخلع نعليك" حاشا لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بينهما ولم يفهموا وجهه. كما إن إبطال الأسرار مذهب الحشوية فالذي يجرد الظاهر حشوى والذي يجرد الباطن باطني والذي يجمع بينهما كامل لذلك قال ﵇: "للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع" وإنما نقل هذا عن علي بن أبي طالب موقوفا عليه بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين اطراح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا بخلع النعلين وباطنا باطراح العالمين فهذا هو الاعتبار أي العبور من الشيء إلى غيره ومن الظاهر إلى السر وفرق بين من سمع قول رسول الله ﷺ : "لا تدخل

стр. 44

الملائكة بيتا فيه كلب " فيقتني الكلب في البيت ويقول: ليس الظاهر مرادا بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب فإنه يمنع المعرفة التي هي من أنوار الملائكة إذ الغضب غول العقل وبين من يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول الكلب ليس كلبا لصورته بل لمعناه وهو السبعية والضراوة وإذا كان حفظ البيت الذي هو مقر الشخص والبدن واجبا عن صورة الكلب فلأن يجب حفظ بيت القلب وهو مقر الجوهر الحقيقي الخاص عن شر الكلبية أولى فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعا فهذا هو الكامل وهو المعنى بقولهم: "الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه" ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد واحد من حدود الشرع مع كمال البصيرة وهذه مغلطة بسببها وقع

стр. 45

بعض السالكين في إباحة وطى بساط الأحكام ظاهرا حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائما في الصلاة بسره وهذا أسوأ بغلطه من الحمقى الإباحية الذين تأخذهم الترهات كقول بعضهم: "إن الله غني عن عملنا" وقول بعضهم: "إن الباطن مشحون بالخبائث وليس يمكن تزكيتها ولا مطمع في استئصال الغضب والشهوة" لظنه أنه مأمور باستئصالهما وهذه حماقات. وقد أبطلنا جميع ذلك في كتاب (إلجام العوام ومنشأ الرسالة في أحكام الزيغ والضلالة) . وأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك جره الشيطان فدلاه

стр. 46

بحبل غرور وأرجع إلى حديث النعلين فأقول ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة ولكل حق حقيقة وأهل هذه المرتبة هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتي معنى الزجاجة لأن الخيال الذي من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار ولكن إذا صفى حتى صار كالزجاج الصافي صار غير حائل عن الأنوار بل صار مع ذلك حافظا للأنوار عن الانطفاء بعواصف الريح وسيأتيك قصة الزجاجة. فاعلم أن العالم الكثيف الخيالي السفلي صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار ومرقاة إلى العالم الأعلى وبهذا تعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر وقس على هذا الطور والنار وغيرهما". قلت: ليس المقصود هنا الكلام المفصل على ما في هذا الكلام وأمثاله فإن علماء المسلمين قد بينوا من ذلك ما فيه كفاية.

стр. 47

وقد تكلمنا في غير هذا الموضع على ما شاء الله تعالى من ذلك. والكلام الجملي إن مثل هذا الكلام يشتمل على أمور باطلة من جهة النقل كقوله: "إن في الصحيح: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمان" وقوله: "على صورته" ليس في الصحيح" فهذا من أبين الباطل فإن اللفظ الذي في الصحيح من غير وجه "على صورته". وأما قوله: "على صورة الرحمان" فيروى عن ابن عمر وفيه كلام قد ذكرناه مع ما قاله عامة طوائف الناس في هذا الحديث في غير هذا الموضع ويشتمل على أمور باطلة وهي في أنفسها مخالفة للشرع والعقل مثل ما فيه من أن ملكا من الملائكة وهو العقل الفعال مبدع لجميع ما تحته من المخلوقات أو أن الملائكة يسمونها العقول والنفوس أبدع بعضها بعضا أو أن عالم الشهادة هو المحسوسات وعالم الغيب المعقولات أو أن تفسير القرآن هو مثل تعبير الرؤيا وأمثال ذلك مما ليس

стр. 48

هو من قول المسلمين واليهود والنصارى بل من أقوال الملاحدة من الصابئين والفلاسفة والقرامطة. وفيها ما هو من جنس الإشارة والاعتبار الذي سلكه الفقهاء والصوفية كما في قوله: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب" فإذا قيس على تطهير القلب عن الأخلاق الخبيثة كان هذا من جنس إشارات الصوفية وقياس الفقهاء. ومنه ما هو من جنس القياس الفاسد كما ذكر من أن موسى أمر مع خلعه للنعلين بخلع الدنيا والآخرة وأن ما ينزل على قلوب أهل المعرفة من جنس خطاب تكليم موسى وتكليمه بهذا باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها وهو مبسوط في غير هذا الموضع وما فيه من تعظيم الأمر

стр. 49

والنهي وقتل من يبيح المحرمات كلام حسن فإن أبا حامد هو في علم المعاملة والأمر والنهي كلامه من جنس كلام أمثاله من أهل التصوف والفقه وأما ما سماه هو علم المكاشفة فكلامه فيه ألوان فتارة يذكره بصوت أهل الفلسفة وتارة بصوت الجهمية وتارة بصوت هو من تصويت أهل الحديث والمعرفة وتارة يطعن على هؤلاء وتارة يذكر ما هو غير ذلك. وكلامنا في هذا الجواب إنما كان على فساد ما احتجوا به في قوله: "أول ما خلق الله العقل" فبينا فساد كلامهم من وجوه: الأول: أن كلام ابن الجوزي على حديث العقل قد تقدم حيث بدأنا بالحديث وذكرنا ما قال فيه أئمة العلم وانقضى.

стр. 50

الثاني: أن هؤلاء لا يجعلون العقول والنفوس التي يثبتها الفلاسفة من عالم الخلق بل يفسرون عالم الخلق بعالم الأجسام بناء على أن الخلق التقدير وأن الأجسام هي ذوات المقدرات. ويقولون: بناء على أصل هؤلاء الفلاسفة والذين وافقهم عليه هؤلاء أن العقول والنفوس ليست أجساما بل هي عالم الأمر عندهم كما يقولون ما يذكره أبو حامد في مواضع الفرق بين عالم الملك والملكوت والجبروت. ويفسرون عالم الملك: بعالم الأجسام. وعالم الملكوت: بعالم النفوس لأنها باطن للأجسام. وعالم الجبروت: بالعقول لأنها غير متصلة بالأجسام ولا متعلقة بها ومنهم من يعكس. وقد يجعلون الإسلام والإيمان والإحسان مطابقا لهذه الأمور ومعلوم أن ما جاء في الكتاب والسنة من لفظ الملكوت كقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . وقوله ﷺ في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " لم يرد به هذا باتفاق المسلمين ولا دل كلام أحد من السلف والأئمة على التقسيم الذي يذكرونه بهذه الألفاظ وهم يعبرون بهذه العبارات المعروفة عند المسلمين عن تلك المعاني التي تلقوها عن الفلاسفة

стр. 51

وضعا وضعوه ثم يريدون أن ينزلوا كلام الله تعالى ورسوله ﷺ على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح وهذا لو كانت تلك المعاني التي يذكرها الفلاسفة صحيحة ما جاز بل كان من الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ أنه يقال أنه أرادها فكيف وأكثر تلك المعاني باطلة ومضطربة وما يذكرونه من الأقيسة العقلية على ثبوتها أقيسة ضعيفة بل فاسدة وقد اعترف أساطين الفلاسفة بأنها لا تفضي إلى اليقين وكل منهم يعبر عن المعاني الفلسفية بعبارات إسلامية ومنهم من لا يبين لأكثر الناس أن مراده ذلك ومنهم من يزعم أن تلك المعاني حصلت له بطريق الكشف والمشاهدة كما يزعمه صاحب الفتوحات المكية وأشباهه وقد يقول عن الملائكة أنوار في أنوار وأنوار في ظلال وأنوار في ظلمه. والأول هي العقول. والثاني هي: النفوس الفلكية. والثالث: النفوس الطبيعية. ومعلوم أن الملائكة الذين وصفهم الله تعالى في الكتاب والسنة لا ينطبقون على هذه العقول العشرة والنفوس التسعة التي يذكرونها كما قد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع. ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوا الملائكة والشياطين أعراضا تقوم بالنفس ليس أعيانا قائمة بنفسها حية ناطقة ومعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما أخبرت به الرسل واتفق عليه المسلمون وإن كان قد يعني بالشيطان العاتي المتمرد من كل نوع وقد يعني به بعض الناس عرضا

стр. 52

وهذا كما يجعلون كلام الله ما يفيض على نفس النبي من غير أن يثبتوا لله تعالى كلاما خارجا عما في نفس النبي، وعند التحقيق فلا فرق عندهم بين الفيض على نفس النبي وسائر النفوس إلا من جهة كونها أصفى وأجمل وحينئذ فيكون القرآن كلام النبي ﷺ وهذا حقيقة قول الوحيد الذي قال في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ كما قد بينا في غير هذا الموضع. ولهذا يقولون: إنه لم يسجد لآدم إلا الملائكة الأرضية ويعنون بالسجود انقياد هذه القوى للبشر كما في جواهر القرآن. قال: "وأما الأفعال فبحر متسع أكنافه ولا ينال بالاستقصاء أطرافه بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله فكل ما سواه فعله لكن القرآن اشتمل على الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السموات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات وإنزال

стр. 53

الماء الفرات وسائر أصناف النبات والحيوان وهي التي ظهرت للحس وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها مالا يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت وهي الملائكة الروحانية والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنسان وهي التي سجدت لآدم ﵇. ومنها الشياطين المسلطة على جنس الإنسان وهي التي امتنعت عن السجود لآدم. ومنها الملائكة السماوية وأعلاهم الكروبيون وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى الآدميين بل لا التفات لهم إلى غير الله تعالى لاستغراقهم بجمال الحضرة حضرة الربوبية وجلالها فهم قاصرون عليه لحاظهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا تستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جلال الله تعالى عن الالتفات إلى آدم وذريته ولا يستعظم الآدمي إلى هذا الحد فقد قال رسول الله ﷺ : "إن لله أرضا بيضاء تسير الشمس فيها ثلاثين يوما هي مثل أيام الدنيا ثلاثين مرة مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم وإبليس" رواه ابن عباس فاستوسع مملكة الله تعالى".

стр. 54

قلت: فهذا الكلام سيعظمه في بادئ الرأي أو مطلقا من لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلمين. فأما قول القائل: "إن القرآن اشتمل على الخلق وهي التي ظهرت للحس" وأشرف أفعال الله ما لم يظهر للحس يعني ولم يشتمل القرآن عليه فهذا مع ما فيه من الغض بالقرآن وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل وتطرق أهل الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين أنه كذب على القرآن. فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد وهو أكثر من أن يذكر هنا وفي القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى عشره إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قليل مجمل بل الرسول إنما بعث ليخبرنا بالغيب والمؤمن من آمن بالغيب. وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب فهذا وسيلة وذلك هو المقصود. ثم يقال: إنه إنما ذكر الوسيلة يا سبحان الله؟ إذا لم يكن الإخبار عن هذا القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه وعلم هذا لا يؤخذ عن الرسول الذي هو أفضل خلق الله تعالى في كل شيء في العلم والتعليم وغير ذلك أيكون ذكر هذا في كلام أرسطو وذويه وأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثال هؤلاء الذين يثبتون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوى مجردة لا نقل صحيح ولا عقل صريح بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج كما سننبه عليه.

стр. 55

وكذلك روح الإنسان وقلبه في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يكاد يحصيه إلا الله تعالى. ثم قوله بعد ذلك: "ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنسان وهي التي سجدت لآدم" وزعم أن ملائكة السموات والكروبيين لم يسجدوا لآدم هو أبعد قول عن أقوال المسلمين واليهود والنصارى فإن القرآن قد أخبر أنه سجد الملائكة كلهم أجمعون فأتى بصيغة العموم ثم أكدها تأكيدا بعد تأكيد. فليت شعري إذا أراد المتكلم الأخبار عن سجود جميع الملائكة هل يمكنه أبلغ من هذه العبارة لكن من يفسر الملائكة بقوى النفوس لا يستبعد أن يقول مثل هذا والملائكة السماوية عندهم هي النفوس الفلكية. والكروبيون على اصطلاحهم: هم العقول العشرة. ومعلوم أن هذا كله ليس من أقوال أهل الملل اليهود والنصارى فضلا عن المسلمين. وقول القائل: "إن أولئك لا يلتفتون إلى الآدميين" هو من أقوال الفلاسفة الضالين. والمشهور عند أهل السنة والجماعة أن الأنبياء والأولياء أفضل من جميع الملائكة.

стр. 56

وقد قال عبد الله بن سلام: "ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد ﷺ " فقيل له: يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ فقال: "يا ابن أخي أو تعرف ما جبرائيل وميكائيل إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد". وثبت بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: "قالت الملائكة: يا ربنا قد جعلت لبني آدم الدنيا يأكلون منها ويشربون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا فقال: "لا أفعل" ثم أعادوا عليه فقال: "لا أفعل" ثم أعادوا عليه فقال: "وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان".

стр. 57

وروى هذا عبد الله بن احمد في كتاب السنة عن النبي ﷺ بإسناد مرسل والمرسل يصلح للاعتضاد بلا نزاع وقد تكلمت عن هذه المسألة بكلام مبسوط كتبناه من سنين كثيرة. وأما قوله: "ومنها الشياطين المسلطة على جنس الإنسان وهي التي امتنعت عن السجود" فغلط أيضا فأنه لم يؤمر بالسجود من جنس هؤلاء إلا إبليس ولم يؤمر بالسجود لآدم أحد من ذريته فكيف يوصفون بالامتناع المذكور؟ وإذا كان رب العباد يسمع كلام عباده ويجيب دعاءهم عند المسلمين فأي نقص على الملائكة إذا استغفروا لهم؟ بل كان من قولهم: "إن الله لا يجيب داعيا ولا يقدر على تغيير ذرة

стр. 58

في العالم وإنما دعاء العباد تصرف نفوسهم في هيولي العالم وأن العالم لازم لذاته لا يمكنه دفعه عن هذا اللزوم بل أئمتهم على أنه لا يشعر بأعيان خلقه وإذا كانوا كذلك لم يستنكر لهم أن يقولوا في ملائكته هذا. وأما قوله: "مستغرقون بجمال الحضرة وجلالها". فهذا الكلام من جنس الطامات فإن هذا من جنس ما يسميه بعض الصوفية الفناء وهو استغراق القلب في الحق حتى لا يشعر بغيره ومعلوم باتفاق الناس أن حال البقاء أكمل من الفناء وهذه حال الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.

стр. 59

ومعلوم أن الرسل أفضل الخلق وهم يدعون العباد إلى الله تعالى ويعلمونهم ويجاهدونهم ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فلو كانت تلك الحال أكمل لكان من لم يرسل أكمل من الرسل. وهذا خلاف دين المسلمين واليهود والنصارى لكنه يوافق دين غالية الصابئة من المتفلسفة الذين يفضلون الفيلسوف على النبي والرسول وحال

стр. 60

الجهمية الاتحادية الذين يفضلون الولي أو خاتم الأولياء على الرسل ومعلوم أن هذا باطل وكفر عند المسلمين. وأما قوله: "ولا تستبعد أن يكون في عباد الله تعالى من يشغله جلال الله تعالى عن الالتفات إلى آدم وذريته" فهذا ليس صفة كمال بل الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون وهم مع ذلك يدبرون من أمر الخلق ما أمروا بتدبيره وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس.

стр. 61

وقد أخبر النبي ﷺ "أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهم أهل الدنيا النفس". ومعلوم أن النفس لا يشغل الإنسان عما يزاوله من الأعمال فحينئذ كان التسبيح والمشاهدة لجلال الله تعالى لا يشغلهم عن التدبير الذي وكلوا به وهذا الجمع أكمل لا سيما وهم يقولون كمال الإنسان التشبه بالإله على حسب الطاقة وقد وافقهم هؤلاء على هذا المعنى. وكذلك قولهم: "في الملأ الأعلى" وإذا كان ذلك فمعلوم أن الله تعالى لا يشغله ما يفعله عن معرفته ولمه وذكره شيء بل هو سبحانه لا يشغله ما سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين. وإن كان قولهم في الله تعالى موافقا لقول المسلمين في علمه وقدرته ومشيئته فالكلام مع من يذكر مطابقة الكتاب والسنة لقولهم وهذا لا يكون إلا مسلما فلا يمكن ذكره المطابقة مع المخالفة لأصول المسلمين. وأما مع من لا يبالي بدين الرسول أو يفضل الفيلسوف على النبي فهذا لكلامه مقام آخر يستقصي فيه هذا الاستقصاء كما بسط تناقض أقوالهم على أصولهم وفسادها على كل أصل في غير هذا الموضع وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ

стр. 62

وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الآيتين. ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله من أعظم المقربين من الملائكة بل قد ذكر من ذكر من المفسرين أن الملائكة المقربين هم حملة العرش والكروبيون من الملائكة مشتقون من كرب إذا قرب فالمراد وصفهم بالقرب لا بالكرب الذي هو الشدة كما يظن ذلك طوائف من هؤلاء ويفرقون بين الكروبيين والروحانيين بأن أولئك في عالم الجلال وهؤلاء في عالم الجمال فإن هذا توهم وخيال لم يقله أحد من علماء أهل الملل المتلقين ما يقولونه عن الرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. والحديث الذي ذكره عن ابن عباس من الموضوعات المكذوبات باتفاق أهل العلم ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة وإنما يوجد هذا الكلام أو نحوه في جزء فيه التفكر والاعتبار لابن أبي الدنيا.

стр. 63

وأيضا فهؤلاء يعتقدون من جهة علم الهيئة أن هذا الحديث باطل فإذا كان هؤلاء يفسرون عالم الخلق بعالم الأجسام وعالم الأمر بعالم العقول والنفوس ويزعمون أنها ليست أجساما وعندهم هذا العالم لا يقال فيه أنه مخلوق بل هو مبدع بطل قولهم إن أول مخلوق هو العقل. وإن كان هذا التقسيم هو خلاف إجماع المسلمين إذ هم مجمعون على أن الله تعالى خالق كل شيء وأن كل ما سواه فهو مخلوق وصفاته ليست خارجة عن مسمى اسمه بل القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم". وإن كان بعضهم قد نازع في بعض الأعراض كما في أفعال العباد التي تنازع فيها القدرية ولم ينازعوا في الأعيان والملائكة من

стр. 64

الأعيان لا من الأعراض فهي من المخلوقات باتفاق المسلمين وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون ولم يجعل أحد منهم المصنوعات نوعين عالم خلق وعالم أمر بل الجميع عندهم مخلوق. ومن قال: إن قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ أريد به هذا التقسيم الذي ذكره فقد خالف إجماع المسلمين. وأما نظارهم الذين يتكلمون بلفظ الجوهر والجسم والعرض فمتفقون على أن جميع الملائكة أجسام بل متفقون على أن كل ممكن إما أن يكون جسما أو عرضا مع تنازعهم في الجسم هل هو منقسم إلى الأجزاء التي لا تنقسم أو غير منقسم وممتنع عندهم وجود قائم بنفسه وليس بجسم وهم متنازعون في الوجود مطلقا. ومن ذكر من المتأخرين كالشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم

стр. 65

أنهم تكلموا في حدوث الأجسام ولم يعتمدوا دليلا على نفي ما ليس بجسم كالعقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة بل سكتوا عن ذلك فليس الأمر كما ذكروا بل قد صرح أئمة المتكلمين بأن نفي ذلك معلوم بالضرورة المستغنية عن الدليل وكثير منهم يقول إن كل موجودين فإما متباينان وإما متحايثان وأن هذا معلوم بالضرورة. وأما الممكنات فمتفقون على أن هذا التقسيم ثابت فيها بالضرورة وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع. فإذا قيل لفظ الخلق مشترك في اصطلاحهم كما ذكره أبو حامد عنهم فقال: "وحد الخلق هو اسم مشترك قد يقال خلق لإفادة وجود كيف كان وكذلك قد يقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان وقد يقال خلق هذا المعنى الثاني لكن بطريق الاختراع من غير سبق مادة فيها قوة وجوده وإمكانه". وإذا كان لفظ الخلق مشتركا عندهم بين مطلق الإيجاد وبين الإيجاد المختص بالأجسام العنصرية أمكن أن يحمل قوله أول ما خلق الله العقل على المعنى الأول.

стр. 66

وما ذكروه من نفي الخلق عن العقول والنفوس فهو على الاصطلاحين الآخرين اللذين قد تكلم بهما أبو حامد تارة ذاكرا وتارة أثرا. قيل: لا ريب أن القوم لهم أوضاع واصطلاحات كما لكل أمة ولكل أهل فن وصناعة ولغتهم في الأصل يونانية وإنما ترجمت تلك المعاني بالعربية ونحن نحتاج إلى معرفة اصطلاحهم لمعرفة مقاصدهم وهذا جائز بل حسن بل قد يجب أحيانا كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وقال: لا آمنهم". قال البخاري في صحيحه: "وقال خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب يهود حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه

стр. 67

وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه" فإذا كان هذا في كتب الأعاجم بألسنتهم؟ ومعرفتنا بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في معرفتنا مقاصدهم ثم نحكم فيها كتاب الله تعالى فما وافقه فهو حق وما خالفه فهو باطل كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . والاختلاف نوعان: نوع في جنس اللغة كالعربية والفارسية والرومية واليونانية ويقال هي ونوع في أصنافهم إذ قد يكون في الألفاظ العرفية العامة والاصطلاحية الخاصة نظير ما في لغة العرب. ولغة هؤلاء المصنفين منهم كانت من هذا النمط فأما الألفاظ التي أنزل الله بها القرآن الذي تلاه رسول الله ﷺ على المسلمين وأخذوا عنه لفظه ومعناه وتناقل ذلك أهل العلم بالكتاب والسنة بينهم خلف عن سلف فهذه لا يجوز أن يرجع في معانيها إلى مجرد أوضاعهم ولا ريب أن القوم أخذوا العبارات الإسلامية القرآنية والسنية فجعلوا يضعون لها معاني توافق معتقدهم ثم يخاطبون بها ويجعلون مراد الله تعالى ورسوله ﷺ من

стр. 68

جنس ما أرادوا فحصل بهذا من التلبيس على كثير من أهل الملة ومن تحريف الكلم عن مواضعه ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته ما الله به عليم ولهذا قد يوافقون المسلمين في الظاهر ولكنهم في الباطن زنادقة منافقون. وهذا كما جاءوا إلى لفظ المحدث وفي القديم فقالوا: "الإحداث هو مشترك يطلق على وجهين: أحدهما: زماني. والآخر: غير زماني. فمعنى الإحداث الزماني: الإيجاد للشيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق. ومعنى الإحداث غير الزماني: هو إفادة الشيء وجودا وذلك الشيء ليس له في ذاته ذلك الوجود لا بحسب زمان دون زمان بل بحسب كل زمان". وغرضهم بهذا الوضع حتى يطلقوا بين المسلمين أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق فيظن الظان أنهم لا ينازعون في كون ذلك محدثا مخلوقا مع العلم الضروري أن قولهم فيها ليس ما أخبرت به الرسل واتفق عليه أهل الملل.

стр. 69

أما المعنى الثالث فكذلك: فليس في كلام الرسل ما يثبت أن الخلق حاصل في أجسام هي مادة وصورة بل كلامهم ينفي ذلك وهذا بين فقد تبين أن أهلل الملل المتفقين على أن الله تعالى خلق الملائكة لا يريدون خلقهم بالمعنى الأول وهو الذي يريده الفلاسفة كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن من أعمال الملائكة وعبادتهم وحركاتهم وكلامهم وأصنافهم ما ينافي أصولهم ويبطلها وكذلك قول النبي في الحديث الصحيح: "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار وخلق آدم مما وصف لكم". وقد بين في غير هذا الموضع أن قولهم بصدور العقول والنفوس عنه هو نظير قول من جعل له بنين وبنات كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . وتبين أيضا أن قولهم بتولد ذلك عنه هو كقول من يقول يتولد الملائكة

стр. 70

أما المعنى الثالث فكذلك: فليس في كلام الرسل ما يثبت أن الخلق حاصل في أجسام هي مادة وصورة بل كلامهم ينفي ذلك وهذا بين فقد تبين أن أهلل الملل المتفقين على أن الله تعالى خلق الملائكة لا يريدون خلقهم بالمعنى الأول وهو الذي يريده الفلاسفة كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن من أعمال الملائكة وعبادتهم وحركاتهم وكلامهم وأصنافهم ما ينافي أصولهم ويبطلها وكذلك قول النبي في الحديث الصحيح: "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار وخلق آدم مما وصف لكم". وقد بين في غير هذا الموضع أن قولهم بصدور العقول والنفوس عنه هو نظير قول من جعل له بنين وبنات كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . وتبين أيضا أن قولهم بتولد ذلك عنه هو كقول من يقول يتولد الملائكة

стр. 71

أو المسيح عنه وقد قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وهذا باب واسع ليس هذا موضعه قد بسطناه في غير هذا الموضع وأما خلق السماوات والأرض فقد نص القرآن والتوراة أنه خلق ذلك في ستة أيام وتواترت بذلك الأحاديث ثم اتفق عليه أهل الملل فكيف يجوز أن يفسر بالاختراع اللازم لذاته من غير سبق مادة كما ذكروه في المعنى الثالث.

стр. 72

ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين كلاهما يناقض قولهم. يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف ويتضمن: التقدير. وعندهم: العقول والنفوس ليس لها مقدار ولا هي أيضا مبدعة الإبداع المعروف. والسماوات ليست مبدعة الإبداع المعروف وقد قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ . فذكر لفظ الخلق لكل شيء وذكر أنه قدر كل شيء تقديرا والملائكة عندهم لم تقدر بل ولم تخلق الخلق المعروف عند المسلمين وهذا يدل على مناقضتهم للرسل أيضا مع كثرة أدلة ذلك باللغة التي خوطبوا بها فهذا أصل. الأصل الثاني: أن يقال لفظ الخلق المذكور في القرآن ليس مشتركا بالضرورة والاتفاق ولم يقل أحد من المسلمين أن قوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم

стр. 73

مما وصف لكم" يدل على معاني متباينة كلفظ العين والقرء ونحو ذلك. فإن زعموا أن لفظ الخلق في القرآن والسنة متضمن للتقدير حتى يفرقوا بين عالم الخلق والأمر بطل قولهم: "أول مخلوق العقل" فإنه على هذا الاصطلاح لا يكون مخلوقا. وإن زعموا أنه يتضمن الإيجاد كيفما كان بطل تقسيمهم لعالم الخلق وعالم الأمر ومنعهم أن تكون الملائكة مخلوقة مع أن فساد هذا معلوم بالاضطرار من دين المسلمين فإنه ليس لأحد أن يقول أن الملائكة ليست مخلوقة ولا يقبل منه تفسير ذلك بحال مع النفي وهذا يدل على مناقضتهم للرسل مع كثرة أدلة ذلك. الوجه الثالث: أن هؤلاء يدعون أن العقل الأول صدر عنه جميع ما تحته فصدر عنه عقل ونفس وفلك وعن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل الفعال فإنه صدر عنه جميع ما تحته من المواد والصور ويسمون هؤلاء الأرباب الصغرى والآلهة الصغرى. ومعلوم بالاضطرار من جميع أهل الملل من المسلمين واليهود

стр. 74

والنصارى أن شيئا من الملائكة ليس هو فاعلا لجميع المصنوعات ولا أنه مبدع لجميع ما تحت فلك القمر بل قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ . وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي

стр. 75

لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ . ولأن ما اتفق عليه أهل الملل من أن الملائكة سجدوا لآدم يبطل قول هؤلاء إن أضعف العقول التي هي الملائكة عندهم هو مبدع جميع البشر ورب كل ما تحت فلك القمر. الوجه الرابع: إن من تدبر الكتب المصنفة في العقل لأهل الآثار تبين له تحريف هؤلاء مع ضعف الأصل ومن أشهرها كتاب العقل لداود بن المحبر وهو قديم في أوائل المائة الثالثة روى عنه الحارث بن أبي أسامة ونحوه وكذلك مصنفات غيره رووا فيها عن ابن عباس أنه دخل على أم المؤمنين عائشة فقال: "يا أم المؤمنين أرأيت الرجل يقل قيامه ويكثر رقاده وآخر يكثر قيامه ويقل رقاده أيهما أحب إلى الله؟ قالت: سألت رسول الله ﷺ عما سألتني عنه فقال: "أحسنهما عقلا" فقلت: يا رسول الله إنما أسألك عن عبادتهما فقال: "يا عائشة إنهما لا يسئلان عن عبادتهما إنما يسئلان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة".
следующие страницы →