← Акыда

Акыда · id 11071

بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية

ابن تيمية

Полный текст (363 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أو المسيح عنه وقد قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وهذا باب واسع ليس هذا موضعه قد بسطناه في غير هذا الموضع وأما خلق السماوات والأرض فقد نص القرآن والتوراة أنه خلق ذلك في ستة أيام وتواترت بذلك الأحاديث ثم اتفق عليه أهل الملل فكيف يجوز أن يفسر بالاختراع اللازم لذاته من غير سبق مادة كما ذكروه في المعنى الثالث.

стр. 72

ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين كلاهما يناقض قولهم. يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف ويتضمن: التقدير. وعندهم: العقول والنفوس ليس لها مقدار ولا هي أيضا مبدعة الإبداع المعروف. والسماوات ليست مبدعة الإبداع المعروف وقد قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ . فذكر لفظ الخلق لكل شيء وذكر أنه قدر كل شيء تقديرا والملائكة عندهم لم تقدر بل ولم تخلق الخلق المعروف عند المسلمين وهذا يدل على مناقضتهم للرسل أيضا مع كثرة أدلة ذلك باللغة التي خوطبوا بها فهذا أصل. الأصل الثاني: أن يقال لفظ الخلق المذكور في القرآن ليس مشتركا بالضرورة والاتفاق ولم يقل أحد من المسلمين أن قوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم

стр. 73

مما وصف لكم" يدل على معاني متباينة كلفظ العين والقرء ونحو ذلك. فإن زعموا أن لفظ الخلق في القرآن والسنة متضمن للتقدير حتى يفرقوا بين عالم الخلق والأمر بطل قولهم: "أول مخلوق العقل" فإنه على هذا الاصطلاح لا يكون مخلوقا. وإن زعموا أنه يتضمن الإيجاد كيفما كان بطل تقسيمهم لعالم الخلق وعالم الأمر ومنعهم أن تكون الملائكة مخلوقة مع أن فساد هذا معلوم بالاضطرار من دين المسلمين فإنه ليس لأحد أن يقول أن الملائكة ليست مخلوقة ولا يقبل منه تفسير ذلك بحال مع النفي وهذا يدل على مناقضتهم للرسل مع كثرة أدلة ذلك. الوجه الثالث: أن هؤلاء يدعون أن العقل الأول صدر عنه جميع ما تحته فصدر عنه عقل ونفس وفلك وعن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل الفعال فإنه صدر عنه جميع ما تحته من المواد والصور ويسمون هؤلاء الأرباب الصغرى والآلهة الصغرى. ومعلوم بالاضطرار من جميع أهل الملل من المسلمين واليهود

стр. 74

والنصارى أن شيئا من الملائكة ليس هو فاعلا لجميع المصنوعات ولا أنه مبدع لجميع ما تحت فلك القمر بل قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ . وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي

стр. 75

لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ . ولأن ما اتفق عليه أهل الملل من أن الملائكة سجدوا لآدم يبطل قول هؤلاء إن أضعف العقول التي هي الملائكة عندهم هو مبدع جميع البشر ورب كل ما تحت فلك القمر. الوجه الرابع: إن من تدبر الكتب المصنفة في العقل لأهل الآثار تبين له تحريف هؤلاء مع ضعف الأصل ومن أشهرها كتاب العقل لداود بن المحبر وهو قديم في أوائل المائة الثالثة روى عنه الحارث بن أبي أسامة ونحوه وكذلك مصنفات غيره رووا فيها عن ابن عباس أنه دخل على أم المؤمنين عائشة فقال: "يا أم المؤمنين أرأيت الرجل يقل قيامه ويكثر رقاده وآخر يكثر قيامه ويقل رقاده أيهما أحب إلى الله؟ قالت: سألت رسول الله ﷺ عما سألتني عنه فقال: "أحسنهما عقلا" فقلت: يا رسول الله إنما أسألك عن عبادتهما فقال: "يا عائشة إنهما لا يسئلان عن عبادتهما إنما يسئلان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة".

стр. 76

ورووا فيها عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل إنسان سبيل مطية وثيقة ومحجة واضحة وأوثق الناس مطية وأحسنهم دلالة ومعرفة بالحجة الواضحة أفضلهم عقلا". ورووا فيها عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزىء يوم القيامة إلا بقدر عقله".

стр. 77

وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا ولكنهم عقلوا عن الله تعالى مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه النفوس وخشعت منهم الجوارح ففاقوا الخليفة بطيب المنزلة وحسن الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة". فهذه الأحاديث ونحوها هي مما روي بالأسانيد في العقل. وفي ضمن هذه الأحاديث ونحوها رووا الحديث المتقدم "أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب". فهل يشك من سمع هذه الأحاديث أن المراد بذلك عقل الإنسان؟ ليس المراد ما هو أعظم المخلوقات الموجودات بعد الباري عندهم وهو عندهم أبدع كل ما سواه وأن الاستدلال بهذا الحديث ونحوه على إرادة هذا المعنى من أعظم الضلال وأبعد الباطل والمحال هذا لعمري لو كان ذلك ثابتا عن رسول الله ﷺ وقد قال أبو حاتم بن حبان البستي: "لست أحفظ عن رسول الله ﷺ خبرا صحيحا في العقل لأن أبان بن أبي

стр. 78

عياش وابن وردان وعمير بن عمران وعلي بن زيد والحسن بن دينار وعباد بن كثير وميسرة بن عبد ربه وداود بن

стр. 79

المحبر ومنصور بن سقير وذويهم كلهم ضعفاء هذا مع أن أبا حاتم هذا مع فضيلته وبراعته وحفظه كان يتهم بأن في كلامه من جنس الفلسفة أشياء حتى جرت له بسبب ذلك قصة معروفة عند العلماء بحاله. وقد تقدم كلام سائر أهل المعرفة في أحاديث العقل واتفاقهم على ضعفها كما قال أبو الفرج بن الجوزي. وقد قال أبو الفرج بن الجوزي في ذم الهوى وغيره: "المنقول عن رسول الله ﷺ في فضل العقل كثير إلا أنه بعيد الثبوت". وقال أبو جعفر العقيلي: "لم يثبت في هذا المتن شيء من هذا النحو" وهذا الذي قالاه هما ونحوهما معروف لمن كان له خبرة بالآثار.

стр. 80

بل لفظ العقل "اسم ليس له وجود في القرآن وإنما يوجد ما تصرف منه لفظ العقل نحو (يعقلون) و (تعقلون) و (ما يعقلها إلا العالمون) وفي القرآن الأسماء المتضمنة له كاسم الحجر والنهي والألباب ونحو ذلك. وكذلك في الحديث لا يكاد يوجد لفظ المصدر في كلام النبي ﷺ في حديث صحيح إلا في مثل الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: "خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقلن وبم يا رسول الله؟

стр. 81

فقال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ فقال: "أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى قال: "هذا من نقصان عقلها" قال: "وإذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلى قال: "فهذا من نقصان دينها" وهذا الحديث ونحوه لا ينقض ما ذكره الحافظ أبو حاتم وأبو الفرج والعقيلي وغيرهم إذ ليس هو في فضل العقل وإنما ذكر فيه نقصان عقل النساء. وذلك أن العقل مصدر عقل يعقل عقلا إذا ضبط وأمسك ما يعلمه. وضبط المرأة وإمساكها لما تعلمه أضعف من ضبط الرجل وإمساكه ومنه سمي العقال عقالا لأنه يمسك البعير ويجره ويضبطه وقد شبه النبي ﷺ ضبط القلب للعلم بضبط العقال للبعير فقال في الحديث المتفق

стр. 82

عليه: "استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها". وقال: "مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها وإن أرسلها ذهبت". وفي الحديث الآخر: "أعقلها وأتوكل أو أرسلها؟ فقال: بل اعقلها وتوكل". فالعقل والإمساك والضبط والحفظ ونحو ذلك ضد الإرسال والإطلاق والإهمال والتسييب ونحو ذلك وكلاهما يكون بالجسم الظاهر للجسم الظاهر ويكون بالقلب الباطن للعلم الباطن فهو ضبط العلم وإمساكه وذلك مستلزم لاتباعه فلهذا صار لفظ العقل يطلق على

стр. 83

العمل بالعلم كما قد بسطنا الكلام على مسمى العقل وأنواعه في غير هذا الموضع. إذا الغرض هنا بيان كذب هؤلاء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ . الوجه الخامس:.أن العقل في لغة المسلمين كلهم أولهم عن آخرهم ليس ملكا من الملائكة ولا جوهرا قائما بنفسه بل هو العقل الذي في الإنسان ولم يسم أحد من المسلمين قط أحدا من الملائكة عقلا ولا نفس الإنسان الناطقة عقلا بل هذه من لغة اليونان ومن المعلوم أن حمل كلام رسول الله ﷺ أو كلام الله تعالى على ما لا يوجد في لغته التي خاطب بها أمته ولا في لغة أمته وإنما توجد في لغة أمة لم يخاطبهم بلغتهم ولم تتخاطب أمته بلغتهم فهذا يبين أن الذين وضعوا الأحاديث التي رويت في ذلك ليس المراد بها عند واضعيها ما أثبته الفلاسفة من الجوهر القائم بنفسه فهؤلاء المستدلون بهذه الأحاديث على قول المتفلسفة لم يفهموا كلام الكاذبين الواضعين للحديث بل حرفوا معناها كما حرفوا لفظها فإذا كان هذا حالهم في الحديث الذي استدلوا به فكيف في غيره فتبين أن استدلالهم باطل قطعا. الوجه السادس:.أن العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة لا يراد به جوهر قائم بنفسه باتفاق المسلمين وإنما يراد به العقل الذي في الإنسان الذي

стр. 84

هو عند من يتكلم في الجوهر والعرض من قبيل الإعراض لا من قبيل الجواهر. وهذا العقل في الأصل مصدر: عقل يعقل عقلا كما يجيء في القرآن ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ . ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ . وهذا كثير وهذا مثل لفظ السمع فإنه في الأصل مصدر سمع يسمع سمعا وكذلك البصر فإنه مثل الإبصار ثم يعبر بهذه الألفاظ عن القوى التي يحصل بها الإدراك فيقال للقوة التي في العين بصر والقوة التي يكون بها السمع سمع وبهذين الوجهين يفسر المسلمون العقل. ومنهم من يقول العقل هو من جنس العلم كما يقوله القاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو الطيب الطبري وأبو يعلى بن الفراء وغيرهم.

стр. 85

ومنهم من يقول هو الغريزة التي بها يتهيأ العلم كما نقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي ويدخل ذلك في العقل العملي وهو العمل بمقتضى العلم. وأما تسمية الشخص العاقل عقلا أو الروح عقلا فهذا وإن كان يسوغ نظيره في اللغة فقد يسمون الفاعل الشخص بالمصدر فيسمى

стр. 86

عدلا وصوما وفطرا فليس هذا من الأمور المطردة في كلامهم فلا يسمون الآكل والشارب أكلا وشربا ولو كان ذلك مما يسوغ في القياس بحيث يسوغ أن يسمى كل فاعل باسم مصدره فهذا إنما يسوغ في الاستعمال لا في الاستدلال فليس لأحد أن يضع هو مجازا لنفسه يحمل عليه كلام الله تعالى ورسوله ﷺ وكلام من تكلم قبله إذ المقصود بالكلام هو فهم مراد المتكلم سواء كان لفظه يدل على المعنى وهو الحقيقة أو لا يدل إلا مع القرينة وهو المجاز. فليس لأحد أن يسمى الجوهر القائم بنفسه عقلا ثم يحمل عليه كلام النبي ﷺ . ومعلوم بالاضطرار لمن يعرف لغة النبي ﷺ والمسلمين الذين يتكلمون بلغته أن هذا ليس هو مراد النبي ﷺ في اسم العقل فليس هذا مراد المسلمين باسم العقل ولا يوجد ذلك في استعمال المسلمين وخطابهم. وإذا كان كذلك لم يجز أن يتمسكوا بشيء من كلام الرسول الذي فيه لفظ العقل لو كان ثابتا على إثبات الجوهر الذي يسمونه عقلا. ومن تدبر ما يوجد من كلام المسلمين عامتهم وخاصتهم سلفهم وأئمتهم وفقهائهم ومحدثيهم وصوفيتهم ومفسريهم ونحاتهم ومتكلميهم لم يجد في كلام أحد منهم لفظ العقل مقولا على ما يزعمه هؤلاء من المتفلسفة ولا على ما يقال أنه ملك من الملائكة.

стр. 87

ولا يسمون أحدا من الملائكة عقلا ولا الله تعالى عقلا إلا من أخذ ذلك عن الفلاسفة. هذا مع أنه مذكور في كتب الأصول والكلام في ذلك فيه من النزاع أقوال كثيرة تنازع فيها أهل الكلام وأهل النظر المنتسبين إلى الإسلام ثم إن قول المتفلسفة عندهم قول آخر. واعلم أن المقصود في هذا المقام: أن لفظ العقل لا يعبر به عن جوهر قائم بنفسه لا عن ملك ولا غيره في عبارة رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وسائر علماء المسلمين فلا يجوز أن يحمل شيء من كلامهم المذكور فيه لفظ العقل على مراد هؤلاء المتفلسفة بالعقول العشرة ونحو ذلك فينقطع دابر من يجعل لهم عمدة في الشريعة من هذا الوجه. ثم بعد هذا النزاع بين الناس في فرعين: أحدهما: أن العقل الذي هو الإنسان ما هو؟ الثاني: أن ما يعنيه المتفلسفة بلفظ العقل هل له وجود أم لا؟ وقد ذكروا في كتب الأصول النزاع في ذلك جملة كما يذكره القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الوفاء بن عقيل.

стр. 88

وأبو المعالي الجويني وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني والقاضي أبو بكر بن العربي المعافري وأكثر أهل الكلام. فإن هؤلاء يختارون أن العقل الذي هو مناط التكليف هو ضرب من العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين ونقصان الواحد عن الاثنين والعلم بموجب العادات فإذا أخبره

стр. 89

مخبر بأن الفرات يجري دراهم لا يجوز صدقه ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه وحمل ثمرة وإدراكها في ساعة واحدة لا ينتظر ذلك ليأكل منها وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله لا يهرب فزعا فإذا حصل له العلم بذلك كان عاقلا ولزمه التكليف. ثم قد نقل عن طوائف من الأئمة والعلماء ما يقتضي أنه القوة التي يعقل بها. وعن طوائف ما يقتضي أنه قد يكون مكتسبا فروى أبو الحسن التميمي في كتاب العقل عن محمد بن أحمد بن مخزوم عن إبراهيم الحربي عن أحمد بن حنبل أنه قال: "العقل غريزة والحكمة فطنة والعلم سماع والرغبة في الدنيا هوى والزهد فيها عفاف".

стр. 90

وقد فسر القاضي أبو يعلى ذلك بأن قوله: "غريزة" أنه خلق لله ابتداء وليس باكتساب. وذكر عن أبي محمد البربهاري أنه قال: "ليس العقل باكتساب إنما هو فضل من الله". وذكر عن أبي الحسن التميمي أنه قال: "في كتاب العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر وإنما هو نور فهو كالعلم". وعن بعضهم أنه قال: "هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات". وعن أبي بكر بن فورك أنه قال: "هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح". وعن بعضهم أنه: "ما حسن معه التكليف".

стр. 91

ثم قال القاضي: "ومعنى ذلك كله متقارب ولكن ما ذكرناه أولى لأنه مفسر خلافا لما حكي عن قوم من الفلاسفة أنه اكتساب وقال قوم: "هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض" وعن قوم "هو مادة وطبيعة". وقال آخرون: "هو جوهر بسيط". قلت: وبعض هذه الأقوال التي خالفها هي نحو من الأقوال التي جعلها متقاربة. فإن من قال: "هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح" لم يحد العقل الذي هو مناط التكليف الذي يفرق به بين العاقل والمجنون الذي حدوه هم وجعلوه ضربا من العلوم الضرورية بل هذا العقل هو من مناط النجاة والسعادة وهو من العقل الممدوح الذي صنفت الكتب في فضله. والذي حدوه أولا قد يفعل صاحبه أنواع القبائح ويكون ممن قيل فيه ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .

стр. 92

وهذا العقل الممدوح قد يكون اكتسابا. وأيضا من قال: "هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض" فقوله موافق لقول من قال: "هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات" وقول أحمد: "هو غريزة" يتناول هذه القوة ولهذا فرق بين ذلك وبين العلم. وأبو الحسن التميمي قال: "هو كالعلم" ولم يقل هو من العلم فهنا أمور: أحدها: علوم ضرورية يفرق بها بين المجنون الذي رفع القلم عنه وبين العاقل الذي جرى عليه القلم فهذا مناط التكليف. والثاني: علوم مكتسبة تدعو الإنسان إلى فعل ما ينفعه وترك ما يضره فهذا أيضا لا نزاع في وجوده وهو داخل فيما يحمد بها عند الله من العقل ومن عدم هذا ذم وإن كان من الأول وما في القرآن من مدح من يعقل وذم من لا يعقل يدخل فيه هذا النوع وقد عدمه من قال: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ . الثالث: العمل بالعلم يدخل في مسمى العقل أيضا بل هو من أخص ما يدخل في اسم العقل الممدوح. وهذان النوعان لم ينازع الأولون في وجودهما ولا في أنهما يسميان عقلا ولكن قالوا كلامنا في العقل الذي هو مناط التكليف للفرق بين العاقل والمجنون وهذان لا يدخلان في ذلك فالنزاع فيهما لفظي. الأمر الرابع: الغريزة التي بها يعقل الإنسان فهذه مما تتوزع في وجودها فأنكر كثير من الأولين أن يكون في الإنسان قوة يعلم بها غير العلم أو قوة

стр. 93

يبصر بها غير البصر أو قوة يسمع بها غير السمع وجعلوا إثبات ذلك من جنس قول الفلاسفة والطبائعية الذين يجعلون في الإنسان قوى يفعل بها وقد بالغ في ذلك طوائف منهم القاضي أبو بكر بن العربي في العواصم والقواصم وأصل ذلك تقريرهم أن الله خالق كل شيء ولا خالق غيره وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وهو أحسن ما امتاز به الأشعري عن طوائف المتكلمين وبالغ في ذلك حتى جعل أخص أوصاف الرب القدرة على الاختراع وزعم أن هذا معنى الإلهية وفي الأصل رد على القدرية القائلين بأن الله تعالى لم يخلق أفعال الحيوان وعلى الفلاسفة وأتباعهم من أهل النجوم والطبع القائلين بفاعل غير الله لكن زاد من زاد منهم في ذلك أشياء ليست من السنة بل تخالف السنة حتى ردوا بدعة ببدعة فدخل بعضهم في إثبات الجبر الذي أنكره السلف والأئمة حتى توسل بذلك قوم إلى إسقاط الأمر والنهي والوعد والوعيد وأنكر من أنكر منهم ما جعله الله تعالى من

стр. 94

الأسباب حتى خرجوا عن الشرع والعقل وقالوا إن الله يحدث الشبع والري عند وجود الأكل والشرب لا بهما وكذلك يحدث النبات عند نزول المطر لا به ونحو ذلك وهذا خلاف ما جاء به الكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ومثل هذا كثير ونفى هذه الأسباب أن تكون أسبابا في الأمور المخلوقة هو شبيه بنفي طوائف من المتصوفة ونحوهم لما يأمرون به من أعمال القلوب وغيرها من الأمور المشروعة نظرا إلى القدر ودعوى التوكل كما بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع. ولهذا قال من نظر إلى هذين الانحرافين كأبي حامد وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما في كتاب التوكل "إعلم أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع".

стр. 95

والسلف والأئمة متفقون على إثبات هذه القوى فالقوى التي بها يعقل كالقوي التي بها يبصر والله تعالى خالق ذلك كله كما أن العبد يفعل ذلك بقدرته بلا نزاع منهم والله تعالى خالقه وخالق قدرته فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. والحول اسم لكل تحول من حال إلى حال والقوة عام في كل قوة على الحول فنفي القوة كنفي الحول وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع فيما يقع من الاشتباه والنزاع في قدرة العبد هل هي مؤثرة في الفعل أو في بعض صفاته؟ أو غير مؤثرة بحال. وقد وقع تسمية هذه القوة عقلا في كلام طوائف منهم أبو المعالي الجويني ذكر في أصول الفقه أن العقل معنى يدرك به العلم وجملة صفات الحي وكان يقول في التعليق أنه تثبيت سمة إدراك النفس.

стр. 96

وقد خالفه صاحبه أبو القاسم الأنصاري وقال: "هذا فيه نظر فاعلموه وقال المحققون من أئمتنا: العقل هو العلم بدليل أنه يقال عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت وإن كان فرق بين اللفظين ففي إطلاق أهل العرف وتقييدهم وهذا كما أن العالم في الحقيقة ذو العلم سواء كان العلم علم الشريعة والدين أو غيره من العلوم وإذا أطلق مطلق فقال: رأيت العلماء أو جاءني عالم فلا يفهم من إطلاقه أصحاب الحرف والصناعات بل لا يفهم منه إلا علماء الشريعة. وكذلك العقل إذا أطلق فإنما يراد به عقل التكليف وهو ما به يمكن التمييز والاستدلال على ما وراء المحسوس ويخرج به صاحبه عن حد المعتوهين وتسمية العقلاء عاقلا وهذا قول أبي الحسن وإنما قاله لأن النحل تراه ينسج أشكالا مسدسة يعجز عنها كثير من العقلاء وكذلك غير النحل من البهائم والجعل فلهذا قال العاقل من تسميه العقلاء عاقلا. والعقل المقيد يتناول جنس العلم فلهذا قال الشافعي رحمة الله عليه "الحمام أعقل الطائر" عنى به أكيس الطير. وقد ذكر أبو بكر بن فورك عن الأئمة في العقل أقوالا ثم زيفها وحملها على محامل. فنقل عن الشافعي وأبي عبد الله بن مجاهد أنهما قالا: "العقل آلة التمييز".

стр. 97

وحكى عن أبي العباس القلانسي قال: "العقل قوة التمييز". وعن الحارث المحاسبي أنه قال: "العقل أنوار وبصائر". ثم قال: "الوجه أن لا يصح ما ينقل عن هؤلاء الآئمة فإن الآلة تستعمل في الأجسام المبنية واستعمالها في الأعراض مجاز على أنا نقول كل حاسة من الحواس آلة التمييز وليس عقلا ولا المؤمنون بها عقلاء والكفار معهم عقول ومعهم آلة التمييز ثم لا يميزون بين الحق والباطل. فإن قالوا: أردنا بذلك انه يصح بها التمييز والاستدلال والكفار يصح منهم ذلك. قلنا: هذا يبطل بالدليل والنظر وقول الرسول والمفتي فإن كان واحد ممن ذكرناه يميز به بين الأحكام وليس ذلك من العقل في شيء فإن صحت هذه الحكاية فإن المعنى بها ما يقع به التمييز ويمكن معه الاستدلال على ما وراء المحسوس والخلاف يرجع إلى

стр. 98

العبارة قال: والشافعي رحمه الله تعالى لم يسلك مسالك المتكلمين ولم يراع ما راعوه وكذلك لا يعقل من القوة إلا القدرة. والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارة وكذلك المحاسبي إذ العقل ليس ببصيرة ولا نور ولكن يستفاد به الأنوار والبصائر". قال أبو القاسم الأنصاري: "ولا اختلاف بين أصحابنا في المعنى فقد سمى الله تعالى الإيمان نورا فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ . وشيخنا الإمام -يعني أبا المعالي- أطلق ما أطلقه توسعا ولو كان العقل معنى يدرك به العلم فما العلم الذي يدرك به العقل وكيف يتميز أحدهما عن الآخر؟ لا سيما والعلم عنده خارج عن قبيل الاعتقاد". قلت: لا يخفى ما في هذا الكلام من الغض عن الأئمة الذين هم أحق بالحق منهم وكلامهم سديد فإن القوة التي جعل الله بها العلم والعمل لم ينكرها من العقلاء إلا من وافق هؤلاء على نفيها. وقول الشافعي وأحمد والمحاسبي ومن وافقهم قول واحد وإنما رد قولهم بالباطل. فأما قوله: "إن الآلة إنما تستعمل في الأجسام وهي من الأعراض مجاز" فيقال له: هذا ممنوع ثم الشافعي إنما استعملها مقيدة بالإضافة

стр. 99

فلو كانت عند الإطلاق لا تتناول إلا جسما لكانت مع الإضافة التي ذكرها كقولهم: "أبرة الذراع" وأرنبة الأنف وإنسان العين وقلب الأسد وقلب العقرب ونحو ذلك مما أحدثت فيه الإضافة فمن الناس من يقول هذا مجاز. والمحققون يعلمون أن هذا وضع جديد لم يستعمل فيه اللفظ في غير موضوعه إذ هذا المضاف لم يكن موضوعا لغير هذا المعنى ثم هب أن ذلك مجاز فأي عيب في ذلك إذا ظهر المقصود ومن الذي قال إن الحد والدليل لا يستعمل فيهما المجاز المقرون بما يبين معناه دع ما ليس حدا. وأما قوله: فعلى طريقة من يفرق بين الحد والرسم وأما من يجعل المقصود بالحد هو التمييز بين المحدود وغيره كما هو مذهب المتكلمين فالجميع يسمى عنده حدا. وأما قوله: "كل حاسة من الحواس آلة التمييز فليس كذلك لأن الحاسة لا يميز بها بين الأشياء بل مجرد السمع الذي يدرك الصوت لا يميز بين الصوت وغيره بل يحس الصوت. ثم الحكم على الصوت بأنه غير اللون يعرف بغير الحاسة وهو العقل وبه يعرف غلط الحس إذا الأحول يرى الواحد اثنين والممرور يجد الحلو مرا لكن العقل به يميز سلامة الحس من فساده إذ

стр. 100

قد استقر عنده ما يدرك بالحس السليم فإذا رأى من له عقل حسا يدرك به خلاف ذلك علم فساده ونظر في سبب فساده وكذلك المجنون قد يرى أحمر وأحمر وأبيض وأبيض ولا يميز بين الدينار وبين الدرهم وغيره ولا بين الأيام ولا بين ثوبه وثوب غيره وفعله وفعل غيره مع وجود حسه. وأما الكفار فلهم التمييز الذي يصح معه التكليف الذي به فارقوا المجنون وليس من شرط عقل الكل تمييز كل حق من كل باطل بل هذا لا يوجد لعامة الخلق. وأما نقضه بالدليل والنظر فذلك يميز به شيء بعينه ليس هو آلة لكل تمييز والعقل آلة لكل تمييز فيه يميز بين دليل ودليل ونظر. وأما قول أبي القاسم: "لو كان العقل معنى يدرك به العلم فبم يميز العلم عنه" فقول ضعيف. فإنه إذا كان يميز بين أنواع العلم فيميز بين الضروري وغيره وما يحصل بالحواس وغيره فكيف لا يميز بينه وبين القوة التي بها يحصل كما يميز بين الإبصار وقوة البصر فإنا نعلم أن في العين قوة فارقت بها قوة اليد حتى كأن هذه يرى بها وهذا لا يرى بها. ونعلم أن في العاقل قوة فارق بها المجنون حتى كان هذا يعقل وهذا لا يعقل وأن قدر أنه ساه عن العلم. وعمدة جمهور الذين قالوا ليس العقل إلا ضرب من العلوم الضرورية أنهم قالوا ليس بجوهر لأن الدليل قد دل على أن الجواهر

стр. 101

كلها من جنس واحد خلافا للملاحدة في قولهم إنها مختلفة لأن معنى المثلين فاسد أحدهما مسد صاحبه وناب منابه والجواهر على هذا لأن كل واحد منها متحرك وساكن وعالم فلو كان العقل جوهرا لكان من جنس العاقل ولا يستغني العاقل بوجود نفسه في كونه عاقلا عن وجود مثله وما هو من جنسه وقد ثبت أنه ليس بعاقل بنفسه فمحال أن يكون عاقلا بجوهر من جنسه ولأنه لو كان جوهرا لصح قيامه بذاته ووجوده لا بعاقل ولصح أن يفعل ويكلف لأن ذلك مما يجوز على الجواهر وفي امتناع ذلك دليل على أنه ليس بجوهر. وثبت أنه غير عرض. قالوا: ومحال أن يكون عرضا غير سائر العلوم حتى يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه ولا بالمدركات ولا بشيء من الضروريات إذ لا دليل يوجب تضمن أحدهما للآخر وذلك نهاية الإحالة. ومحال أن يكون اكتسابا لأنه يؤدي إلى أن الصبي ومن

стр. 102

عدمت منه الحواس الخمس ليسوا بعقلاء لأنه لا نظر لهم ولا استدلال يكسبون به العقل وفي الإجماع على حصول الحي العاقل منهم دليل على فساد هذا ولا يجوز أن يكون العقل هو الحياة لأن العقل يبطل ويزول ولا يخرج الحي عن كونه حيا وقد يكون الحي حيا وإن لم يكن عالما بشيء أصلا ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية ولا العلوم التي تقع عقيب الإدراكات الخمسة لأن هذا يؤدي إلى أن الأخرس والأطرش والأكمه ليسوا بعقلاء لأنهم لا يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات التي تعلم باضطرار لا باستدلال. ولا يجوز أن يكون العلم تحسين حسن وتقبيح قبيح ووجوب واجب وتحريم محرم ومن جملة العلوم التي هي عقل لأن هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون قضية العقل فوجب أن يكون بعض العلوم الضرورية وهو ما ذكره وما كان في معناه من أن الموجود لا يخلو من أن يكون لوجوده أول وأن الموجود لا يكون موجودا معدوما في حال واحدة وأن المتحرك عن المكان لا يجوز أن يكون ساكنا فيه في حال واحدة وأن الذات الواحدة لا يجوز أن تكون حية ميتة ونحو ذلك من الأوصاف المتضادة فهذا الدليل هو عمدتهم كلهم في الجملة هذه ألفاظ القاضي أبي يعلى الفراء. وهذا القول قالته المعتزلة قبل المتكلمة الصفاتية ومن اتبعهم ولكن أدخلوا فيه العلم بحسن أفعال وقبحها.

стр. 103

قال أبو علي الجبائي: "العقل عشرة أنواع من العلم وعد منها العلوم البديهية والعلوم الصادرة عن الحواس العلم بحسن الشيء وقبحه ووجوب شكر المنعم وقبح الكفر والظلم والكذب. والمتكلمة الصفاتية الذين قالوا: أنه بعض العلوم الضرورية لم يميزوه بتمييز مضبوط بل كبيرهم القاضي أبو بكر قرر أنه بعض العلوم الضرورية كما تقدم وملخص تلك الحجة أنه لا يجوز الاتصاف بالعقل مع الخلو عن جميع العلوم أو بعضها فثبت أنه من العلوم وليس هو من العلوم النظرية إذ شرط ابتداء النظر تقدم العقل فانحصر العقل إذا في العلوم الضرورية ويستحيل أن يقال: "هو جميع العلوم الضرورية فإن الضرير ومن لا يدرك يتصف بالعقل مع انتفاء علوم ضرورية عنه. فاستبان بذلك أن العقل من العلوم الضرورية وليس كلها وسبيل تعيينه والتنصيص عليه أن يقال كل علم لا يخلو العاقل منه عند الذكر ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل إشارة إلى العلوم الصادرة عن الحواس والعلوم

стр. 104

بالآلام واللذات فإنه يستوي في دركها العقلاء وغيرهم من الأطفال والبهائم وهذا إذا قلنا للبهائم علوم بالمحسوسات فيخرج من مقتضى السبر أنه العلوم الضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات والعلم بأن المعلوم لا يخلو عن نفي أو إثبات والموجود لا يخلو من القدم والحدوث والخبر لا يخلو من الصدق والكذب وعد القاضي من ذلك العلم بمجاري العادات. وهذه الحجة التي احتجوا بها ليست صحيحة وإن كانت في بادئ الرأي مهيبة إذ مدار الحجة على أنه لو لم يكن من العلوم لأمكن وجوده بدون العلم لعدم الدليل على تلازمهما. وهم يعبرون عن هذه النكتة بعبارات تارة يقولون: إذا كانا خلافين غير ضدين أمكن وجود أحدهما مع ضد الآخر كالحياة والعلم والقدرة. وتارة يقولون: ما تقدم. وتارة يجعلون ذلك كأنه مقدمة بينة أو مسلمة فيقولون لو لم يكن من العلم لجاز أن يخلو العاقل عن جميع العلم وكل هذا ضعيف فإنه ليس كل خلافين يجوز وجود أحدهما مع ضد الآخر بل الخلافين قد يكونان متلازمين من الطرفين أو من أحدهما كالحس مع الحركة الارادية وكالحس مع العلم الحاصل عقيب الإحساس بل هذا شأن كل سبب تام بسببه وكل معلول عله وكل متضايفين كالأبوة والبنوة فإنهما خلافان ومع هذا فهما متلازمان لا يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر فضلا عن ضده.

стр. 105

وقولهم: "لا دليل حينئذ على تضمن أحدهما الآخر" ليس بسديد لوجهين: أحدهما أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه في نفس الأمر فلا يكفي في نفي تلازمهما مجرد عدم دليله. الثاني: إذا قدر أن العقل هو الغريزة كان العلم باستلزامه للعلم ضروريا لا يحتاج إلى دليل فإن وجود العلم مستلزم للقوة التي هي شرط في العلم كما أن وجود السمع والبصر مستلزم للقوة التي بها يسمع ويبصر والمشروط بدون شرطه محال وإن كان هذا شرطا في العادة والله قادر على خرق العادة فإن الكلام في الواقع لا فيما يمكن وقوعه. وأيضا فإذا قيل: إن العقل اسم لمجموع الغريزة والعلم الحاصل بها كان ما ذكروه بعض مسمى العقل فلا يوجد اسم العقل إلا مع وجوده وإن لم يكن هو مجموع العقل. وأيضا فمن المعلوم أنه يدخل في مسمى العقل العمل الذي يختص به العقلاء من جلب المنفعة ودفع المضرة وهذا مما يفرق به بين العاقل والمجنون في عرف الناس كما يفرق بينهما بعلوم ضرورية فليس جعله اسما للعلوم الضرورية بأولى من جعله اسما للأعمال الضرورية التي لا يخلو العاقل منها فإنه من رؤى يلقى نفسه في نار أو ماء فيغرق أو نحو ذلك من المضار التي لا فائدة فيها ونحو ذلك من الأفعال الخارجة عن أفعال العقلاء سلب عنه العقل حتى ينتهي به إلى حد المجنون وإذ كان كذلك فهم بين أمرين:

стр. 106

إن جعلوا هذه الأعمال وأعمال العقلاء داخلة في مسمى العقل بطل قولهم: هو من جنس العلم فقط. وإن قالوا: أفعال العقلاء دليل على العلم الذي هو عقل وكذلك أفعال المجانين دليل على فوات هذه العلوم. قيل لهم: فحينئذ قد صار العقل يستلزم أمورا ليست داخلة في مسماه فلا يمتنع حينئذ أن يقال هو الغريزة المستلزمة لهذه العلوم كما قلتم هو العلوم المستلزمة لهذه الأعمال. الوجه السابع: إن هذا مما يبين كذب هذا الحديث المروى كما رووه فإن العقل إذا كان في لغة المسلمين هو عرض قائم بغيره لم يكن مما يخلق منفردا عن العاقل وإنما يخلق بعد خلق العقلاء. وأيضا فإن مثل هذا لا يخاطب ولا يقبل ولا يدبر. وأيضا فقوله: "ما خلقت خلقا أكرم علي منك لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى فإنه من المعلوم أن الأنبياء والملائكة أكرم على الله منه إذ كان في بعض صفانهم. ولو قدر أن العقل في لغتهم يكون جوهرا أو ملكا وقدر أن هذا اللفظ قاله الرسول ﷺ لم يجز أن يراد به ما يقوله الفلاسفة ومن سلك سبيلهم لما بينا أنه يدل على أنه خلق قبله خلقا آخر. وأيضا فقوله: "بك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب"

стр. 107

خصه بهذه الأعراض وعندهم هو المبدع لكل ما سواه من العقول والنفوس والأفلاك والنفوس البشرية والعناصر والمولدات فكيف يخصه بأربعة أعراض وأيضا فقوله: "لما خلقه قال له أقبل فأقبل" يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه وعندهم يمتنع أن يكون خلقه في زمان بل يمتنع أن يكون مخلوقا عندهم كما تقدم. الوجه الثامن: أن هؤلاء سمعوا في الحديث "أن أول ما خلق الله القلم" وهذا الحديث معروف ليس مثل الأول رواه أبو داود في سننه عن النبي ﷺ وروى عن ابن عباس وغيره من الصحابة لكن السلف متنازعون

стр. 108

هل المراد بذلك أول ما خلقه من هذا العالم الذي خلقه في ستة أيام وكان عرشه على الماء كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . وعلى هذا القول فالعرش كان مخلوقا قبل ذلك. أو هو مخلوق قبل العرش؟ على قولين: ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره والأحاديث الصحيحة تدل على القول الأول فقال هؤلاء أن ذلك الذي تسميه الفلاسفة العقل الأول هو القلم وهذا كثير في كلامهم وفي كلام صاحب جواهر القرآن وهو من نوع كلام القرامطة.

стр. 109

قال في الجواهر: "واعلم أن القرآن والأخبار تشتمل على كثير من هذا الجنس فانظر إلى قوله ﷺ : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان " فإن روح الأصبع القدرة على سرعة التقليب وإنما قلب المؤمن بين لمة ملك ولمة شيطان هذا يهديه وهذا يغويه والله تعالى بهما يقلب قلوب العباد كما تقلب أنت الأشياء بأصبعيك وانظر كيف تشارك نسبة الملكين المسخرين إلى الله تعالى أصبعك في روح الأصبيعة وخالف في الصورة واستخرج من هذا قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" وسائر الآيات والأحاديث الموهمة عند الجهلة للتشبيه والذكي يتنبه بمثال واحد والبليد لا يزيده التكثير إلا تحيرا ومهما عرفت معنى الأصبع أمكنك الترقي إلى

стр. 110

القدم واليد واليمين والوجه والصورة وأخذت لجميعها أمرا روحانيا لا جسمانيا فتعلم أن روح القلم وحقيقته التي لا بد من تحقيقها إذا ذكرت حد القلم وهو الذي يكتب به وإن كان في الوجود شيء يسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فإن الله تعالى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وهذا القلم روحاني إذ وجد فيه روح القلم وحقيقته ولم يعوزه إلا قالبه وصورته وكون القلم من خشب أو قصب ليس من حقيقة القلم ولذلك لا يوجد في حده الحقيقي ولكل شيء حد وحقيقة هي روحه فإذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لموافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا. ولا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس فإن كنت لا تقدر على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم يسند التفسير إلى الصحابة فإن التقليد غالب عليك فانظر إلى تفسير قوله تعالى على ما قاله المفسرون: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ الآية.
следующие страницы →