← Общие книги

Общие книги · id 11075

بناء المجتمع الإسلامي

نبيل السمالوطي

Полный текст (518 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويمكن القول أن جميع الشرائع السماوية لم تختلف على هذه الأهداف الخمسة، وترتب الشريعة الإسلامية السامية هذه المقاصد الخمسة حسب الأولويات في ثلاث مراتب متفاوتة الأهمية وإن كانت متكاملة، ويجب أن تؤخذ ككل.

стр. 37

أولًا: مرتبة الضروريات: وتتمثل في ضرورة محاربة الكفر وإقرار الإيمان، وهذا يكون بقتل الكافر وإخضاع المبتدعين لحدود الله وتطبيق كافة حدود الله حتى يستقيم الناس وتستقيم تفاعلاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والأسرية والسياسية ... إلخ.

стр. 38

ثانيًا: مرتبة الحاجيات: وهي ما يلزم لحماية الأصل السابق، ويتضمن العديد من الإجراءات الوقائية والعلاجية، مثل منع بيع الخمر حتى يمتنع تداوله، ومثل منع الاحتكار -في أي سلعة- حتى يمتنع التحكم والتلاعب بالأسواق الأمر الذي ينعكس بشكل سيئ على أحوال المسلمين.

стр. 39

ثالثًا: مرتبة التحسينات: وهذه المرتبة تتعلق بحفظ كرامة المسلمين وتحمي الأصول وتحفظ للمؤمن العزة فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ومثال هذا حماية المسلم من الدعاوي الباطلة والسلب والنهب، ومنع خروج المرأة متزينة حتى لا تثير الشباب، وبالتالي تثير الفتنة وتؤدي إلى سلسلة من المشكلات الاجتماعية والدينية الكبرى. وسبيل الإسلام لتحقيق المجتمع الصالح والعلاقات الاجتماعية الراضية المرضية بين الناس، هو الوقاية فهي خير من العلاج.

стр. 40

أسس العلاقات الاجتماعية الصالحة العدل واجتناب الظلم ... أسس العلاقات الاجتماعية الصالحة: أولًا: العدل واجتناب الظلم من قبل أولياء الأمور وضرورة التزامهم بالتواضع والخلق الإسلامي. يقول تعالى لرسوله الكريم صلي الله عليه وسلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] . ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ

стр. 41

وَالبَغْيّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] . وعن أبي يعلى معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" متفق عليه. عن أبي مريم الأزدي ﵁ أنه قال لمعاوية ﵁: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة" رواه الترمذي وأبو داود. وفي باب تحريم الظلم الذي يؤدي إلى خراب الأسر والمجتمعات والدول والعلاقات الاجتماعية*، يقول الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وعن جابر ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" رواه مسلم. وواضح هنا: أن هذا الأساس يوضح أهمية القيادة العادلة في بناء المجتمع الصالح.

стр. 42

ثانيًا: طاعة أولياء الأمور في غير معصية: قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". " متفق عليه".

стр. 43

ثالثًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: واجب على الناس التناصح فيما بينهم وترشيد بعضهم بعضًا بما يتفق مع الشريعة الإسلامية حتى يستقيم الناس في أجسادهم ونفوسهم وعقولهم وعلاقاتهم بشتى صورها وأنواعها، بينهم وبين بعضهم، وبينهم وبين الله . يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 44

وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . ويقول تعالى: ﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] . ويقول تعالى في شأن بني إسرائيل وسبب لعنتهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨-٧٩] . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان" رواه مسلم.

стр. 45

رابعًا: التخلق بالأخلاق الإسلامية: والتي تقتضي من المسلم الإخلاص والتوبة المستمرة والاستغفار والصبر والصدق ومراقبة ربه في كل أعماله وعلاقاته واليقين بالله والتوكل عليه والاستقامة والمجاهدة وبر الوالدين، وصلة الأرحام وستر عورات المسلمين، والبعد عن البخل والشح، واستمرار ذكر الموت وقصر الأجل والتواضع، وخفض الجناح وهدم التكبر، وحسن الخلق والحلم والأناة، والرفق والعفو والإعراض عن الجاهلين، وحفظ السر والوفاء بالعهد وطلاقة الوجه عند اللقاء ... إلخ. وواضح أن مجتمعًا هذه سمات أبنائه لا بد وأن يكون أفضل مجتمع يحقق التكامل والتعاون، ويخلو من المشكلات الاجتماعية والانحرافات بشتى أنواعها. ويذهب العديد من علماء اجتماع اليوم مثل: روبرت ميرتون R. Merton أن العديد من أشكال الانحراف التي نشاهدها في مجتمعاتنا المعاصرة لا ترجع إلى الأفراد كأفراد، وإنما ترجع إلى طبيعة الثقافة السائدة*، وهو رأي يتفق معه عدد كبير من علماء الاجتماع

стр. 46

المعاصرين، مثل: إدوين سوذرلاند E. Sutherland صاحب كتاب "جرائم الصفوة" في أمريكا White Collar Crimes وهذا يعني أن الانحراف عندما يسود مجتمعًا فإن هذا يشير إلى انحراف ثقافة Culture ذلك المجتمع، وثقافة المجتمع الإسلامي -بأسسها سابقة الذكر- ثقافة صحية تؤدي -وقد طبق ذلك تطبيقًا واقعيًا- إلى إيجاد مجتمع متكامل متكافل متعاون، وهو ما يفتقده الكثير من مجتمعات البشر اليوم. وبالنسبة للإخلاص وإحضار النية في جميع الأقوال والأعمال والأحوال البارزة والخفية، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] . وبالنسبة للتوبة فهي واجبة من كل ذنب، فإذا كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: الأول: أن يقلع الإنسان عن المعصية تمامًا. الثاني: أن يندم على فعلها. الثالث: أن يعقد العزم على ألا يعود إليها أبدًا. فإذا كانت المعصية تتعلق بآدمي فيجب إلى جانب الشروط الثلاثة السابقة أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالًا أو نحوه رده إليه، وإن كان قذفًا ونحوه مكنه منه وطلب عفوه وهكذا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم: ٨] . وقال ﵇: "يا أيها

стр. 47

الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة" رواه مسلم. والمسلم يتخلق بالصبر وعدم الجزع، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] كذلك فإن المسلم يتسم بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . وعن ابن مسعود ﵁ عن الني صلي الله عليه وسلم قال: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عن الله كذابًا" متفق عليه. والمسلم يعلم أن الله يراقبه ولهذا يحسن كل اعماله ونياته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] . وقال تعالى: ﴿يعلم خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] . والمؤمن يتقي الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب: ٧٠] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٤] . والمؤمن متوكل على الله، يقول تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . والمؤمن يسلك السلوك المستقيم في كل سلوكه وعلاقاته وتفكيره لأنه أمر بذلك، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت﴾ [هود: ١١٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢] . والمؤمن يستبق ويبادر إلى فعل الخيرات، يقول تعالى:

стр. 48

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ [البقرة: ١٤٨] . ومن خصائص الشخصية الإسلامية الجهاد، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ [الحج: ٧٨] . والمؤمن مقتصد في الطاعة، فمن رحمة الله بعباده أن رفع المشقة عنهم ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١-٢] . وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ [البقرة: ١٨٥] . والمؤمن متعاون مع غيره فيما يحقق الصالح العام وليس في الشر والانحراف، يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . ويقول تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر] . والمؤمن يصدق النصيحة لغيره، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] . والمؤمن الحق يستر عورة أخيه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] . وقال ﵇: "لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" رواه مسلم. والمسلم يسعى إلى قضاء حوائج إخوانه المسلمين، يقول تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [الحج: ٧٧] . ويقول ﵇: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" متفق عليه. والمؤمن يسعى بالصلح بين الناس، يقول تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] . وأكتفي بهذه الخصائص الأساسية التي يتسم بها المسلم في أخلاقه وسلوكه وعلاقاته بالآخرين، يتضح منها كيف أنها قادرة على إقامة مجتمع فاضل -ليس بالمعنى الطوبائي الذي تحدث عنه أفلاطون وكمبانلا وتوماس مور- وإنما بالمعنى الإسلامي الواقعي الذي تحقق في أرض الواقع وكان

стр. 49

خير مثال في تاريخ الدنيا للمجتمع المتعاون المتكافل المتكامل القوي واستطاع الإسلام بهذه المبادئ أن ينتشر في كل بقاع العالم.

стр. 50

التربية الإسلامية الصحيحة مدخل ... خامسًا: التربية الإسلامية الصحيحة: تلك التربية التي تستهدف الحفاظ على الفطرة النقية، فكما يحدثنا رسولنا الكريم: "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه". ويقوله : "خلقت عبادي حنفاء فاحتالتهم الشياطين" وهناك مجموعة من الخصائص التي تميز التربية الإسلامية نوجزها فيما يلي:

стр. 51

١- التربية الإسلامية تربية تكاملية: حيث لا تركز على أحد جوانب الإنسان، وإنما تعتني بالتنشئة المتكاملة للإنسان جسمًا وعقلًا وسلوكًا ووجدانًا، وبالعلاقات بين الإنسان وغيره، وبينه وبين ربه. فهي تحرر العقل من الأوهام، وتحرر النفس من العبودية لغير الله، وتحرر الجسم من الوقوع في أسر اللذات والشهوات، وتقيم علاقات بين الناس قوامها الأخوة والمساواة والعدل والحب.

стр. 52

٢- التربية الإسلامية تربية متوازية: حيث تحرص على تحقيق التوازن الدقيق المعجز بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] . وهي ترفض التطرف سواء في الجانب المادي -الشهوات- أو في الجانب الروحي -الرهبانية.

стр. 53

٣- التربية الإسلامية تربية سلوكية وعملية: حيث لا تكتفي بالقول وإنما تركز كذلك على الفعل والسلوك والعمل، ويتضح هذا في أسس الإسلام الخمسة التي تقتضي القول والممارسة وهي: الشهادة بأنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والصلاة والزكاة والصيام والحج، كما يتضح من أسلوب مخاطبة الله سبحانه للمؤمنين حيث يقرن الإيمان بالعمل الصالح -الذين آمنوا وعملوا الصالحات- ويقول

стр. 54

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٤]

стр. 55

٤- التربية الإسلامية تجمع بين الفردية والجماعية: فإذا كان كل مسلم مسئول عن معتقداته وأفكاره وأعماله مسئولية فردية أمام الله، فإن كل راع مسئول مسئولية فردية عن رعيته، والإسلام ينبذ الأنانية ولا يقيم أي وزن للنعرات العرقية أو العنصرية أو الطبقية أو اللونية ... ويحث الإنسان على التعاون ... وتعاونوا على البر والتقوى، ويقول ﵇: "الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله". وتقوم جماعية الإسلام استنادًا إلى أساسين هما: وحدة الأصل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية [النساء: ١] . وكل البشر لآدم وآدم من تراب بالإضافة إلى النفخة الإلهية ووحدة العقيدة، وهذا هو ما نادى به كل الرسل ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ [آل عمران: ١٨] . ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ [آل عمران: ٨٥] . ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك﴾ [البقرة: ١٢٨] . وتؤكد التربية الإسلامية على أهمية القدوة والوسط الاجتماعي في تنشئة الفرد، واهتمت بتكوين العادات الحسنة منذ النشأة الأولى للطفل بمخالطته للنماذج الطبية، وإبعاده عن قرناء السوء، فمثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كبائع المسك ونافخ الكير. واهتمت التربية بالوسط الأسري لأهمية دوره في الحفاظ على نقاء الإنسانية.

стр. 56

٥- التربية الإسلامية تركز على تقوية جانب المراقبة لله: ذلك لأنه مهما بلغت من قوة القوانين، فلن تكفل المجتمع الصالح، فالفرق بين مراقبة الله والخضوع للقانون، فرق بين الالتزام الداخلي والإلزام الخارجي، والإنسان الذي يراقب ربه فإنه يراقب الله سبحانه في السر

стр. 57

والعلن ذلك أنه سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾ [غافر: ١٩] . وتهتم التربية الإسلامية بإيجاد المراقبة الدائمة لله بحيث تعصمه من الشطط والانحراف.

стр. 58

٦- التربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان: وتسمو بغرائزه، فالإنسان مسلم بفطرته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ويقول ﵇: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" والتربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان لأن الإسلام دين الفطرة حيث تتفق كافة تعليماته مع فطرة الإنسان وطبيعة تكونه الجسمي والروحي والوجداني ... إلخ ﴿ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ . ويقول ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وأساس التكليف في الإسلام الاستطاعة فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. ويربي الإسلام الفرد على الاعتدال ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِين﴾ ، والإسلام لا يحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، لكنه ينظم ويهذب إشباع الإنسان لدوافعه بشكل يتفق مع مبادئ الإسلام أو الشريعة الإسلامية.

стр. 59

٧- التربية الإسلامية توجه الإنسان نحو الخير: يقول تعالى مخاطبًا نبيه الكريم ﵊: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ، ويقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر﴾ والتربية الإسلامية موجهة باستمرار إلى ما فيه خير الفرد دنيويًّا -جسميًّا وروحيًّا واجتماعيًّا، وفي الآخرة حيث يفوز برضوان الله والجنة. فالإسلام يربي الإنسان على الخلق الفاضل وحسن معاملة الناس وحب الآخرين "ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وتستهدف التربية الإسلامي

стр. 60

الحفاظ على مقصود الشرع من حفظ للدين والعقل والعرض والنفس والمال.

стр. 61

٨- التربية الإسلامية تربية مستمرة: فهي تستمر مع الإنسان من المهد إلي اللحد، حيث يجب على المسلم التزود باستمرار من العلوم بكافة أنواعها ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ ، وينبهنا بل يطالبنا القرآن الكريم بإمعان النظر والتأمل والتفكر في مخلوقات الله؛ لأن أي تفكير صحيح -في النفس أو في التاريخ أو في الكون- سوف يدعم الإيمان الكامل اليقيني بوحدانية الله سبحانه.

стр. 62

٩- التربية الإسلامية تتسم بالعالمية والشمول: ينبذ الإسلام التعصب والفروق العرقية والطبقية واللونية ويقيم معيارًا واحدًا للتمييز بين كل البشر، وهو معيار التقوى والعمل الصالح وفعل الخير. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . والمسلمون متساوون في العبودية المطلقة لله وهم جميعًا إخوة فيما بينهم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، فالمسلمون في كل أنحاء الدنيا، يجمع بينهم عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويجمع بينهم أداء الفرائض واعتناق القيم الإسلامية وأداء السلوك الإسلامي الموحد.

стр. 63

١٠- التربية الإسلامية محافظة ومجددة: فهي محافظة بما تقوم عليه من مبادىء سماوية خالدة، وتقاليد ثابتة، وقيم أصلية تمتد بجذورها إلى ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان. وتعمل التربية الإسلامية على ترسيخ هذه المبادئ في نفوس النشء، وصياغة الشخصية الإسلامية المتكاملة التي تؤمن بربها وبالرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره. غير أن التربية الإسلامية ليست جامدة ولا متحجرة فهي تصلح لكل زمان ومكان، والمسلمون تتجدد أحوالهم المعيشية

стр. 64

بتغير الأزمنة -مع الاحتفاظ بالمبادئ والقيم الإسلامية- ولهذا يجب على التربية الإسلامية أن تنقل للنشء كل علوم العصر المادية التي لا تتعارض مع القيم الإسلامية من أجل رفع شأن المسلمين والنهضة المستمرة بالمجتمع الإسلامي والوفاء بالمطالب المتجددة للمسلمين. هذه هي أهم أهداف وأسس التربية الإسلامية، وهناك مجموعة من الأساليب والسبل التي يحاول بها الإسلام الوصول إلى هذه الأهداف نوجزها فيما يلي: أولا: أسلوب القدوة الصالحة: فهو أنجح الأساليب في تربية النشء، وخاصة في فترة الاكتساب خلال فترة الطفولة المبكرة والمتأخرة، وقد ضرب لنا الرسول ﵇ أحسن الأمثلة في القدوة الصالحة بسلوكه وخلقه، قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر﴾ [الأحزاب: ٢١] ، وشبه الرسول ﵇ الجليس الصالح والجليس السوء ببائع المسك ونافخ الكير. ويجب أن يضرب الآباء والأساتذة الدعاة المثل الصالح حتى يحتذي بهم الأبناء والدارسون والمستمعون. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١-٢] . ثانيا: أسلوب الترغيب والترهيب: يعد الثواب والعقاب هو الأسلوب الذي يتفق مع الفطرة الإنسانية، والذي ثبت صلاحيته في كل زمان ومكان. ويستخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب في حض المؤمنين على فعل الخير والتمسك بمبادئ الشريعة الإسلامية واجتناب الكبائر والفواحش والرذائل وكل ما يقرب إلى النار، فهناك الحدود التي يجب تطبيقها في المجتمع الإسلامي على كل مخالف للشرع، وهناك الثواب الدنيوي والأخروي، كما أن هناك العقاب الدنيوي والأخروي. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ الآية [فصلت: ٣٠] وإذا كان كل بني آدم خطاء، فإن خير الخطائين التوابون كما أخبرنا الرسول، ﵊.

стр. 65

ثالثا: أسلوب الموعظة والنصح: يقول مخاطبًا النبي ﵇: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وقال ﵇: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم. وهذا الأسلوب التربوي من أنجح الأساليب في إقناع الدارسين والمتمعنين وإرشادهم إلى ما فيه رضا الله وفلاحهم في الدنيا والآخرة. رابعًا: أسلوب الإقناع والاقتناع: يقوم الإسلام على مبدأ ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ، وقد استخدم القرآن الكريم العديد من أساليب الإعجاز والإقناع العقلي من أجل ترشيد الناس وهدايتهم -منها أسلوب سيدنا إبراهيم مع الذي حاجه في ربه، وأسلوب موسي ﵇ مع فرعون.... إلخ- ومن خلال الحوار والإقناع والاقتناع -القائم على أساس سليم- تتضح الحقائق ويزداد الناس اقتناعًا بالعقيدة الإسلامية السمحة. خامسًا: أسلوب التعلم بالمحاولة والخطأ: وكان الرسول ﵇ يعلم أصحابه بهذا الأسلوب أحيانًا، حيث كان يراقبهم في أثناء تطبيق تعاليم الإسلام ثم يصحح لهم أخطاءهم، حتى يتعلموا من خلال الممارسة والتجرية. ومن أشهر الأدلة على ذلك ما جاء في حديث -المسيء صلاته- فقد رأينا في هذا الحديث كيف أن الأعرابي دخل المسجد فصلى وأخطأ وسلم على الرسول ﵊ فرده الرسول ليصلي، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، وفي الثالثة طلب من الرسول ﵇ أن يعلمه -وجود الدافعية في التعليم- فعلمه. سادسًا: التعليم بالأساليب الحسية: كان الرسول ﵇ يستخدم الأساليب الحسية -لسهولتها- من أجل شرح الأمور المعنوية، فكان على سبيل المثال يخط خطًا على الرمال وخطين عن يمينه وخطين عن شماله، ثم يذكر للصحابة عليهم رضوان الله أن الخط الوسط يمثل سبيل الله، والخطوط الجانبية هي سبل الشيطان، ويتلو قوله تعالى:

стр. 66

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣] . سابعًا: أسلوب الحوار الموجه: استخدام الرسول ﵇ أسلوب الاستجواب والحوار الموجه في تعليم أصحابه عليهم رضوان الله، مثال هذا ما فعله ﵇ مع معاذ بن جبل. ثامنًا: الأسلوب القصصي: وقد استخدم القرآن الكريم الأسلوب القصصي في عرض وقائع وأحداث التاريخ السابق للنبي ﵇ لما لهذا الأسلوب من أثر عميق، وإيجابي في نفس الإنسان. وسوف نفصل هذا الأسلوب في فصل قادم. تاسعًا: أسلوب المعرفة النظرية والممارسة العملية: تحتل المعلومات النظرية أهمية كبرى في حد ذاتها، لأنها تنمي عقل الإنسان وتساعد على تكوين خلفية ثقافية تمكنه من التعامل مع مجتمعه، وتساعده على القيام بدور المواطنة الصالحة. وقد تعالت الصيحات من جانب المربين يتساءلون حول جدوى المعرفة النظرية، وانتقدوا جانبًا من التعليم المعاصر لأنه لفظي نظري، يفتقر إلى مغزاه الوظيفي والتطبيقي والاجتماعي. غير أن هذا القول لا يقلل من أهمية المعرفة النظرية لأنها الأصل والأساس في كل التطبيقات العملية والسلوكية. والإسلام يحترم العلم وأهله، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون﴾ [الزمر: ٩] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ [المجادلة: ١١] . وإذا كان الإسلام يعتني بالعلم النظري فإنه يركز كذلك على التطبيقات العملية للعلم. وقد استعاذ الرسول ﵇ من علم لا ينفع. ويجب على المربين أن يقرنوا العلم بالعمل والنظرية بالتطبيق، فالإيمان بالله ورسوله له تطبيقاته السلوكية. والصلاة والصوم والزكاة والحج تمثل مبادئ شرعية لها تطبيقاتها السلوكية. وبالإضافة إلى كل ما سبق فالإسلام دين عظيم متكامل يرسم صورة

стр. 67

مجتمع فاضل بكافة نظمه السياسية والاقتصادية والعسكرية والتربوية والأسرية ... وصدق تعالى إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ [الأنعام: ٣٨] .

стр. 68

العلاقة بين العقيدة والشريعة مدخل ... العلاقة بين العقيدة والشريعة: تعد العقيدة -في الإسلام- هي الأصل الذي تبنى عليه الشريعة، فلا وجود للشريعة إلا بوجود العقيدة، ولا ازدهار ولا تطبيق للشريعة إلا في ظل سيادة العقيدة. وللإنسان قوتان، إحداهما نظرية -وكمالها يتحقق في معرفة الحقائق على ما هي عليه، والأخرى عملية- وكمالها يتحقق في القيام بما ينبغي من الشئون في الحياة٨. وإذ يقرر الإسلام هذا المبدأ يستهدف تحقيق سعادة الإنسان وتحقيق أمنه الجسمي والنفسي والاجتماعي في الحياة الدنيا، وسعادته وفوزه بالنعيم في الآخرة. وقد جاءت التكاليف الإسلامية على نوعين: الأول، يتطلب علمًا. والثاني، يتطلب عملًا. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] . وقد اصطلح العلماء على تسمية التكاليف التي تطلب علمًا بالعقائد أو أصول الدين، كما اصطلحوا على تسمية التكاليف التي تطلب عملًا بالشريعة أو الفروع. والشريعة اسم للنظم والأحكام التي شرعها الله أو شرع أصولها وكلف المسلمين بها ليأخذوا أنفسهم بها في علاقتهم بالناس. وهي على كثرتها ترجع إلى ناحيتين أساسيتين هما:

стр. 69

أولًا: الجوانب السلوكية التي تحدد العلاقة بين الإنسان وربه ، ومن خلالها يتم التقرب إليه سبحانه واستحضار عظمته، وتكون عنوانًا على صدق الإيمان بالله ومراقبته، والتقرب إليه سبحانه. وهذه الناحية هي ما يعرف بالعبادات.

стр. 70

ثانيًا: الجوانب السلوكية الذاتية والاجتماعية والتي تستهدف الحفاظ

стр. 71

على المصالح وتجنب الأضرار والمظالم، وسيادة الأمن والاطمئنان والتماسك الجماعي والتكامل الاجتماعي داخل المجتمع. هذه الناحية هي التي تعرف في الإسلام باسم المعاملات، وتشمل ما يتعلق بنظم الأسرة -النظم الفرعية التي تتعلق بالخطبة والمهر والزواج والعلاقات الأسرية والحقوق والواجبات الأسرية وأساليب مواجهة المشكلات الأسرية والطلاق والميراث- والنظام الاقتصادي -نظم الإنتاج المشروع والأموال والتبادل والزكاة والعقود والملكية وتحريم الربا- والنظام السياسي -أسلوب اختيار الحاكم والشروط الواجبة توافرها فيه ومهامه أو واجباته حدود الله والدفاع الاجتماعي Social Defence للحيلولة دون وقوع الجريمة أصلًا، وردع الآخرين وعلاج الانحرافات البسيطة حتى يعود المنحرفون إلى الحياة السوية- هذا إلى جانب النظم المحددة لعلاقة المجتمع الإسلامي والمجتمعات، وهو ما يطلق عليه السياسة الخارجية بين المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى. وسوف نعرض فيما يلي لأهم النظم الاجتماعية الإسلامية التي تؤلف البناء الاجتماعي المتميز للمجتمع الإسلامي.

стр. 72

مصادر الفصل الأول ١- محمد فاروق النبهان: مبادئ الثقافة الإسلامية، دار البحوث العلمية، الكويت ١٣٩٤-١٩٧٤. ٢- محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، ١٣٩٤-١٩٧٤. ٣- محمد على الصابوني: روائع البيان - تفسير آيات الأحكام من القرآن الجزء الأول ١٣٩٧-١٩٧٧.

стр. 73

الفصل الثاني: الدراسة السوسيولوجية للنظم الاجتماعية مدخل ... الفصل الثاني: الدراسة السوسيولوجية للنظم الاجتماعية مقدمة: حول مفهوم النظم الاجتماعية Social Institutions تسير الحياة الاجتماعية في كل مجتمع بشكل منظم ومصطلح عليه اجتماعيًّا. فالإنسان عندما يريد أن يتعلم يسلك سلوكًا معينًا، وعندما يريد أن يحسن من مكانته الاجتماعية يسلك سلوكًا معينا. وهو عندما يريد أن يكون له دور سياسي أو اقتصادي معين يسلك سلوكًا معينًا. وعندما يريد أن يتزوج يسلك سلوكًا محددًا ... إلخ. وهذا السلوك الاجتماعي الذي يقوم به الشخص يتصرف على أصوله ويستدمجه في ذاته بحيث يصبح جزءًا من بنائه الفكري والنفسي عن طريق عملية التربية أو التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها الأسرة، ومختلف مؤسسات التربية في المجتمع. وعندما يسلك الإنسان نماذج السلوك السابق الإشارة إليها وغيرها، يخضع لمجموعة من الضوابط أو القواعد والمعايير المتفق عليها بين أبناء المجتمع. وبعض أنواع الاتفاق تحدث تلقائيًّا نتيجة للتاريخ المشترك الطويل مثل قواعد الخطبة أو العزاء أوالتهاني ... إلخ. وبعضها يحدث بطريقة قانونية معتمدة مثل قواعد الالتحاق بالوظائف أو الترقي ... إلخ. ومن المعروف أنه لا يمكن لمجتمع أن يستمر في الوجود ما لم يشبع حاجات الإنسان البيولوجية والنفسية والاجتماعية. فالإنسان بحاجة إلى الطعام والمأوى والأمن والجنس، وإلى الحصول على مكانة اجتماعية، وأن يكون موضع تقدير إلى أن يعبر عن نفسه، وأن يكون له دور في حياة الجماعة ... إلخ. وعلى كل مجتمع أن يواجه هذه

стр. 74

الحاجات الإنسانية الضرورية. وهذه الأساليب هي ما نطلق عليها النظم الاجتماعية. فالأساليب التي تنظم وتضبط لنا عملية الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، والتي تشبع حاجة الإنسان إلى الماديات كالأكل والشرب والمسكن والتملك والحصول على أجر ... هي ما نطلق عليه: النظام الاقتصادي. والأساليب التي تنظم وتضبط لنا عملية ممارسة الجنس وإنجاب الأطفال وتربيتهم، والعلاقة بين الأصهار وخطوات الخطبة والزواج وتبين لنا ما هو محلل ومحرم ... إلخ. نطلق عليها نظام الأسرة ... إلخ. وبقول آخر، فإن النظم الاجتماعية هي نماذج السلوك والتفكير المقننة والمتفق عليها، والتي تستهدف أساسًا إشباع الدوافع والحاجات الجسمية والنفسية للإنسان. ومن أمثلة الحاجات النفسية، الحاجة إلى الأمن وإلى تقدير الذات والتعبير عنها. ومن أمثلة الحاجات الجسمية، الحاجة إلى الطعام والنوم والجنس ... إلخ. وإذا كانت الحاجات الإنسانية قليلة أو محدودة العدد، إلا أن وسائل إشباعها متعددة ومتغيرة ومختلفة من مجتمع لآخر، وتختلف داخل نفس المجتمع من فترة تاريخية لأخرى. فحاجة الإنسان إلى الطعام لا تتمثل في طريقة الحصول عليه، وإنما تمتد إلى نوعيته ووسائل طهوه ومواعيد تناوله ومع من وأساليب تناوله، إلى جانب مختلف الأساليب المعقدة لإنتاجه واستهلاكه وتوزيعه ... إلخ. ومن الواضح أنه مع وحدة الحاجة الإنسانية، فإن أساليب إشباعها تختلف بساطة وتعقيدًا من مجتمع لآخر. كذلك الحال بالنسبة للدافع الجنسي، وهو دافع واحد بسيط إلا أنه يستتبع لإرضائه ظهور عدة أساليب متعددة للسلوك تحتلف من مجتمع لآخر، كالاختيار والرضى والخطبة والزواج والتحريم والتحليل والطلاق والبقاء ... إلخ. هذه الأساليب المقننة للسلوك التي تخضع لقواعد هي محل اتفاق في المجتمع، وهي ما يطلق عليه النظم الاجتماعية.

стр. 75

ويجب ألا نعتقد أن كل الظواهر أو ما يحدث داخل المجتمع تعد أساليب أو ظواهر اجتماعية، فكل إنسان يأكل وينامُ ويشرب ويفكر ويتأمل ... إلخ، ومن الواضح أن هذه ظواهر بيولوجية أو نفسية أو عقلية وليست اجتماعية، وهي حاجات يشبعها المجتمع بأساليب متفق عليها. هذه الأساليب هي ما نطلق عليه الظواهر الاجتماعية. وقد حرص "دوركيم" على توضيح الخصائص الجوهرية التى تميز الظاهرة الاجتماعية. ويؤكد "دوركيم" أن فهم الظاهرة أو النظام الاجتماعي كالزواج أو الملكية أو الحكم.... إلخ، لا يمكن أن يتحقق بفصله عن المجتمع أو منفردًا. فالنظام الاجتماعي هو في واقع الأمر جزء من كل، هو ما تعارفنا على تسميته البناء الاجتماعي. ولهذا يجب فهم أي نظام في إطار الكل البنائي الذي يوجد فيه وفي أثناء أدائه لوظائفه داخل هذا الكل. وكي نفهم هذا المعنى يمكننا ضرب مثل من الحياة العضوية. فإذا ما رغب باحث في دراسة القلب -وهو عضو في الجسم الحرّ- يماثل النظام في المجتمع، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بانتزاع القلب خارج الجسم لدراسته، وإنما عليه أن يدرسه داخل الجسم كجزء من كل يتفاعل مع غيره من الأعضاء ويؤدي وظيفة معينة. وعلى هذا فإن الشيء الذي يعطي الظاهرة قيمتها وأهميتها ومعناها في المجتمع بل ويجعل منها موضوعًا للدراسة العلمية، هو ارتباطها وتشابكها مع غيرها من الظواهر التي تؤلف نسقًا واحدًا متكاملًا نسميه -النظام الاجتماعي. ونستنتج من هذا النظام الاجتماعي. أنه مجموعة نماذج من السلوك والعلاقات المتفق عليها والتي تخضع لمجموعة من القواعد والمعايير الجمعية، والتي تواجه حاجات الإنسان الأساسية. فالزواج والأسرة والملكية نظم اجتماعية يتضمن كل منها قواعد ومعايير معينة تحدد نوع السلوك والتصرفات التي يجب أن يتبعها الأشخاص الذين يدخلون أطرافًا في ذلك النظام. وغالبًا ما تنطبق هذه القواعد والمعايير على المجتمع كله بغض
следующие страницы →