← Общие книги

Общие книги · id 11075

بناء المجتمع الإسلامي

نبيل السمالوطي

Полный текст (518 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

على المصالح وتجنب الأضرار والمظالم، وسيادة الأمن والاطمئنان والتماسك الجماعي والتكامل الاجتماعي داخل المجتمع. هذه الناحية هي التي تعرف في الإسلام باسم المعاملات، وتشمل ما يتعلق بنظم الأسرة -النظم الفرعية التي تتعلق بالخطبة والمهر والزواج والعلاقات الأسرية والحقوق والواجبات الأسرية وأساليب مواجهة المشكلات الأسرية والطلاق والميراث- والنظام الاقتصادي -نظم الإنتاج المشروع والأموال والتبادل والزكاة والعقود والملكية وتحريم الربا- والنظام السياسي -أسلوب اختيار الحاكم والشروط الواجبة توافرها فيه ومهامه أو واجباته حدود الله والدفاع الاجتماعي Social Defence للحيلولة دون وقوع الجريمة أصلًا، وردع الآخرين وعلاج الانحرافات البسيطة حتى يعود المنحرفون إلى الحياة السوية- هذا إلى جانب النظم المحددة لعلاقة المجتمع الإسلامي والمجتمعات، وهو ما يطلق عليه السياسة الخارجية بين المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى. وسوف نعرض فيما يلي لأهم النظم الاجتماعية الإسلامية التي تؤلف البناء الاجتماعي المتميز للمجتمع الإسلامي.

стр. 72

مصادر الفصل الأول ١- محمد فاروق النبهان: مبادئ الثقافة الإسلامية، دار البحوث العلمية، الكويت ١٣٩٤-١٩٧٤. ٢- محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، ١٣٩٤-١٩٧٤. ٣- محمد على الصابوني: روائع البيان - تفسير آيات الأحكام من القرآن الجزء الأول ١٣٩٧-١٩٧٧.

стр. 73

الفصل الثاني: الدراسة السوسيولوجية للنظم الاجتماعية مدخل ... الفصل الثاني: الدراسة السوسيولوجية للنظم الاجتماعية مقدمة: حول مفهوم النظم الاجتماعية Social Institutions تسير الحياة الاجتماعية في كل مجتمع بشكل منظم ومصطلح عليه اجتماعيًّا. فالإنسان عندما يريد أن يتعلم يسلك سلوكًا معينًا، وعندما يريد أن يحسن من مكانته الاجتماعية يسلك سلوكًا معينا. وهو عندما يريد أن يكون له دور سياسي أو اقتصادي معين يسلك سلوكًا معينًا. وعندما يريد أن يتزوج يسلك سلوكًا محددًا ... إلخ. وهذا السلوك الاجتماعي الذي يقوم به الشخص يتصرف على أصوله ويستدمجه في ذاته بحيث يصبح جزءًا من بنائه الفكري والنفسي عن طريق عملية التربية أو التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها الأسرة، ومختلف مؤسسات التربية في المجتمع. وعندما يسلك الإنسان نماذج السلوك السابق الإشارة إليها وغيرها، يخضع لمجموعة من الضوابط أو القواعد والمعايير المتفق عليها بين أبناء المجتمع. وبعض أنواع الاتفاق تحدث تلقائيًّا نتيجة للتاريخ المشترك الطويل مثل قواعد الخطبة أو العزاء أوالتهاني ... إلخ. وبعضها يحدث بطريقة قانونية معتمدة مثل قواعد الالتحاق بالوظائف أو الترقي ... إلخ. ومن المعروف أنه لا يمكن لمجتمع أن يستمر في الوجود ما لم يشبع حاجات الإنسان البيولوجية والنفسية والاجتماعية. فالإنسان بحاجة إلى الطعام والمأوى والأمن والجنس، وإلى الحصول على مكانة اجتماعية، وأن يكون موضع تقدير إلى أن يعبر عن نفسه، وأن يكون له دور في حياة الجماعة ... إلخ. وعلى كل مجتمع أن يواجه هذه

стр. 74

الحاجات الإنسانية الضرورية. وهذه الأساليب هي ما نطلق عليها النظم الاجتماعية. فالأساليب التي تنظم وتضبط لنا عملية الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، والتي تشبع حاجة الإنسان إلى الماديات كالأكل والشرب والمسكن والتملك والحصول على أجر ... هي ما نطلق عليه: النظام الاقتصادي. والأساليب التي تنظم وتضبط لنا عملية ممارسة الجنس وإنجاب الأطفال وتربيتهم، والعلاقة بين الأصهار وخطوات الخطبة والزواج وتبين لنا ما هو محلل ومحرم ... إلخ. نطلق عليها نظام الأسرة ... إلخ. وبقول آخر، فإن النظم الاجتماعية هي نماذج السلوك والتفكير المقننة والمتفق عليها، والتي تستهدف أساسًا إشباع الدوافع والحاجات الجسمية والنفسية للإنسان. ومن أمثلة الحاجات النفسية، الحاجة إلى الأمن وإلى تقدير الذات والتعبير عنها. ومن أمثلة الحاجات الجسمية، الحاجة إلى الطعام والنوم والجنس ... إلخ. وإذا كانت الحاجات الإنسانية قليلة أو محدودة العدد، إلا أن وسائل إشباعها متعددة ومتغيرة ومختلفة من مجتمع لآخر، وتختلف داخل نفس المجتمع من فترة تاريخية لأخرى. فحاجة الإنسان إلى الطعام لا تتمثل في طريقة الحصول عليه، وإنما تمتد إلى نوعيته ووسائل طهوه ومواعيد تناوله ومع من وأساليب تناوله، إلى جانب مختلف الأساليب المعقدة لإنتاجه واستهلاكه وتوزيعه ... إلخ. ومن الواضح أنه مع وحدة الحاجة الإنسانية، فإن أساليب إشباعها تختلف بساطة وتعقيدًا من مجتمع لآخر. كذلك الحال بالنسبة للدافع الجنسي، وهو دافع واحد بسيط إلا أنه يستتبع لإرضائه ظهور عدة أساليب متعددة للسلوك تحتلف من مجتمع لآخر، كالاختيار والرضى والخطبة والزواج والتحريم والتحليل والطلاق والبقاء ... إلخ. هذه الأساليب المقننة للسلوك التي تخضع لقواعد هي محل اتفاق في المجتمع، وهي ما يطلق عليه النظم الاجتماعية.

стр. 75

ويجب ألا نعتقد أن كل الظواهر أو ما يحدث داخل المجتمع تعد أساليب أو ظواهر اجتماعية، فكل إنسان يأكل وينامُ ويشرب ويفكر ويتأمل ... إلخ، ومن الواضح أن هذه ظواهر بيولوجية أو نفسية أو عقلية وليست اجتماعية، وهي حاجات يشبعها المجتمع بأساليب متفق عليها. هذه الأساليب هي ما نطلق عليه الظواهر الاجتماعية. وقد حرص "دوركيم" على توضيح الخصائص الجوهرية التى تميز الظاهرة الاجتماعية. ويؤكد "دوركيم" أن فهم الظاهرة أو النظام الاجتماعي كالزواج أو الملكية أو الحكم.... إلخ، لا يمكن أن يتحقق بفصله عن المجتمع أو منفردًا. فالنظام الاجتماعي هو في واقع الأمر جزء من كل، هو ما تعارفنا على تسميته البناء الاجتماعي. ولهذا يجب فهم أي نظام في إطار الكل البنائي الذي يوجد فيه وفي أثناء أدائه لوظائفه داخل هذا الكل. وكي نفهم هذا المعنى يمكننا ضرب مثل من الحياة العضوية. فإذا ما رغب باحث في دراسة القلب -وهو عضو في الجسم الحرّ- يماثل النظام في المجتمع، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بانتزاع القلب خارج الجسم لدراسته، وإنما عليه أن يدرسه داخل الجسم كجزء من كل يتفاعل مع غيره من الأعضاء ويؤدي وظيفة معينة. وعلى هذا فإن الشيء الذي يعطي الظاهرة قيمتها وأهميتها ومعناها في المجتمع بل ويجعل منها موضوعًا للدراسة العلمية، هو ارتباطها وتشابكها مع غيرها من الظواهر التي تؤلف نسقًا واحدًا متكاملًا نسميه -النظام الاجتماعي. ونستنتج من هذا النظام الاجتماعي. أنه مجموعة نماذج من السلوك والعلاقات المتفق عليها والتي تخضع لمجموعة من القواعد والمعايير الجمعية، والتي تواجه حاجات الإنسان الأساسية. فالزواج والأسرة والملكية نظم اجتماعية يتضمن كل منها قواعد ومعايير معينة تحدد نوع السلوك والتصرفات التي يجب أن يتبعها الأشخاص الذين يدخلون أطرافًا في ذلك النظام. وغالبًا ما تنطبق هذه القواعد والمعايير على المجتمع كله بغض

стр. 76

النظر عن الأفراد، وإن كانت هناك بعض النظم التي تسود مناطق معينة في المجتمع، كالريف أو الحضر، أو يخضع لها فئة معينة كالطبقة العليا أو الدنيا ... إلخ. ولكن حتى في هذه الحالة فإن للقواعد خاصية العمومية بالنسبة للمجتمع المحلي أو بالنسبة للطبقة.

стр. 77

تعريف النظام الاجتماعي: أوضحت فيما مضى معنى النظام والمقصود به في علم الاجتماع، وهذا يكفي غير أنه استكمالًا للموضوع فإنه يجب القول بأنه على الرغم من أهمية مفهوم النظام وشيوعه في علم الاجتماع، إلا أنه شأنه شأن أغلب مفاهيم علم الاجتماع، لا يوجد اتفاق واضح بشأنه. وهناك العديد من التعريفات التي أطلقها العلماء للنظام يكفي هنا أن نعرض لبعضها فقط. "وليم أجبرن"١ Ogburn وهو عالم أمريكي يعرف النظم الاجتماعية بأنها الطرق التي ينشئها المجتمع وينظمها لإشباع الحاجات الإنسانية الضرورية*٢. ويشير "نادل" Nadel إلى أن النظام هو طريقة مقننة للسلوك الاجتماعي أو للعمل المشترك. وهو يؤكد أن النظام ليس مجرد السلوك، ولكن يتضمن أيضا القواعد التي تحكم هذا السلوك. أما عالم الاجتماع الأمريكي "روبرت ماكيفر" Maczver فإنه يعرف النظام، بأنه الصور والأشكال الثابتة التي يدخل الناس بمقتضاها في علاقات اجتماعية، ويشير في دراسة أخرى إلى النظام هو كل ما هو مقرر اجتماعيًّا٣. وهو يشير في موضع ثالث إلى أن النظم الاجتماعية هي الأشكال المقررة لأساليب العمل والسلوك في الحياة اليومية. ويذهب "جيلين" و"جيلين"٤ في دراسة لهما بعنوان "علم الاجتماع الثقافي" إلى أن النظم الاجتماعية هي الأنساق ذات الأبنية المنظمة والثابتة نسبيًّا من السلوك والاتجاهات والأهداف والأشياء المادية والرموز والمثاليات والتي تحدد اتجاه

стр. 78

أغلب جوانب الحياة الاجتماعية*A. ويشير الباحث الأنثروبولوجي الوظيفي البريطاني مالينومسكي ٥ Maliowski إلى أن النظام هو مجموعة من الذين يشتركون في عمل معين يتعلق بناحية معينة من البيئة التي يعيشون فيها، وهم يستعينون في ذلك بأساليب فنية مرسومة، كما يخضعون لفئة معينة من الضوابط والقواعد والقوانين. ويذهب "هاري بارنز" H. Barnes ٦ في دراسة له بعنوان "النظم الاجتماعية" إلى أن النظم الاجتماعية تضم أو تمثل البناء الاجتماعي والأساليب الفنية التي يستطيع المجتمع الإنساني من خلالها تنظيم وتوصية وتنفيذ الأنشطة المتعددة المطلوبة لإشباع الحاجات الإنسانية**. ويذهب "موريس جينزبرج٧" M. Ginsberg في دراسة له بعنوان "علم الاجتماع" إلى أن النظم هي مجموعة القواعد والاستخدامات المعترف بها والمقررة التي تحكم العلاقات بين الأفراد أو الجماعات*** ويذهب "بيتر روز٨" P. Rose إلى أن النظم الاجتماعية هي الأنساق المعيارية التي تنظم سلوك وتحدد العلاقات الاجتماعية داخل مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، ويذهب عالم الاجتماع الأمريكي "سمنر٩" Summner إلى أن مفهوم النظام الاجتماعي Social Instution يتألف من جانبين: الأول، فكرة أو مبدأ مشترك بين أبناء المجتمع، والثاني؛ هو البناء الذي هو المؤسسات التي تمنح الفكرة والمبدأ الطابع النظامي وتضعها موضع التطبيق بشكل يحقق مصالح الإنسان ويؤكد "سمنر" أن النظم تبدأ بأساليب السلوك التي تتحول إلى عادات جماعية، وهذه الأخيرة ما تلبث أن تتحول إلى قيم ومعايير أخلاقية بسبب ارتباطها بالفلسفة الاجتماعية

стр. 79

للمجتمع التي تجعل منها ضرورة للصالح العام. ويذهب "هاملتون" Hamilton إلى أن النظام الاجتماعي هو رمز لفظي، ومن أجل توضيحه يمكن القول أن النظام هو تجمع لمجموعة من العادات الاجتماعية، وهو يتضمن أسلوبا للتفكير أو العمل له تأثير قوي ودائم. ويشير "دوركيم" إلى أن النظم الاجتماعية هي الموضوع الأساسي لعلم الاجتماع. فقد أكد هذا العالم أهمية دراسة الظواهر الاجتماعية لا من حيث موضوعها فحسب، ولكن من حيث معناها كذلك داخل المجتمع الذي ندرسه، ولا يتحقق الفهم الموضوعي التكاملي لأية ظاهرة إلا من خلال إدراك ارتباطها بمختلف الظواهر الأخرى، التي تؤلف معها نظامًا اجتماعيًّا، يسهم في تشكيل البناء الكلي للمجتمع عن طريق ما يؤديه من وظيفة، ومن خلال ارتباطه ببقية النظم الأخرى داخل هذا البناء. فمما يمنح الظاهرة معناها وأهميتها داخل المجتمع، وهو علاقاتها التفاعلية ببقية الظواهر الأخرى التي يؤلف معها ما نطلق عليه النظام الاجتماعي. وهذا الفهم هو ما جعل "دوركيم". يعترض على إجراء مقارنة بين ظواهر منفصلة في مجتمعات مختلفة، ذلك لأن هذه الظواهر لا معنى لها إلا داخل سياقها النظامي. يضاف إلى ذلك أن علم الاجتماع يهتم بمسائل أكثر تجريدًا من الظواهر الجزئية، فهو يهتم بدراسة مبادئ التنظيم الاجتماعي، والنظم الاجتماعية التي هي في جوهرها النماذج المنظمة للفعل الاجتماعي أو الأفعال الاجتماعية التي تحكمها مجموعة محددة من القواعد أو المعايير التي تستهدف تحقيق هدف مقرر داخل المجتمع. وعلى الرغم من تعدد تعريفات النظم الاجتماعية عند علماء الاجتماع، إلا أنه يمكن القول: إن هناك شبه اتفاق بين المشتغلين بعلوم الاجتماع والإنسان، على أن النظم الاجتماعية هي الأساليب المقننة والمتفق عليها اجتماعيا -سلوك وعلاقات وتفاعلات وأفكار

стр. 80

ومعايير ومفاهيم وجزاءات- والتي تستهدف إشباع حاجات في أثناء المجتمع. وقد تنشأ هذه النظم بشكل تلقائي أو مقصود، وقد يكون مصدرها وضعيًّا، بشريًّا أو إلهيًّا، من خلال تشريع سماوي -كما في حالة النظم الإسلامية. والنطم تتفاعل وتتساند وظيفيًّا بشكل يحليها إلى أنساق معيارية Normative-System تتضمن السلوك المتوقع والهدف ونماذج العلاقات بالإضافة إلى الغايات القيمية والضوابط والجزاءات.

стр. 81

خصائص النظم الاجتماعية لكل نظام وظيفة أو مجموعة من الوظائف يؤديها داخل المجتمع ... خصائص النظم الاجتماعية: أولا: لكل نظام وظيفة أو مجموعة من الوظائف يؤديها داخل المجتمع، ولعل هذه الخاصية يمكن استنتاجها من تعريف النظم بأنها أساليب مقننة جماعية لمواجهة الحاجات الإنسانية الأساسية. فالنظام الاجتماعي أيًّا كان لا بد وأن يكون له وظيفة اجتماعية ما دام أنه إفراز اجتماعي أو أمر يعترف به المجتمع ويقره. وقد ذهب بعض الباحثين إلى حد القول بأن كل النظم مثل نظام الأسرة أو النظام السياسي أو الاقتصادي ... إلخ، هي نوع من السلوك المقصود أو الهادف. ومع اعتراف أغلب الباحثين بهذه الفكرة، إلا أن أغلبهم يرى أنه ليس من مهام الباحث معرفة الغرض وإنما يجب أن يقتصر على بيان دوره في الحياة الاجتماعية أو ما يقوم به من وظائف اجتماعية.

стр. 82

ثانيًا: يرتبط النظام بفكرة المعايير أو القواعد الضابطة للسلوك ، فهو ليس مجرد نماذج سلوكية، فهو إلى جانب ذلك نماذج مقننة، أي تخضع لقواعد معينة متفق عليها، ويجب على الناس الالتزام بها.

стр. 83

التزام الناس بهذه القواعد يرتبط بفكرة الجزاءات الاجتماعية ... ثالثًا: إن الالتزام الناس بهذه القواعد يتربط بفكرة الجزاءات الاجتماعية Social Sanctions فاتباع الناس لنماذج السلوك المعترف بها في المجتمع يرجع إلى التربية أو التنشئة الاجتماعية كأساس أول. وإذا فشلت فإن الأساس الثاني هو الخوف من الجزاءات الاجتماعية السلبية. وتتمثل

стр. 84

الجزاءات الاجتماعية في نوعين: نوع إيجابي كالمكافآت والمدح والتقدير ... إلخ. ونوع سلبي، يتمثل في عدة درجات تمتد من الذم إلى الإعدام والطرد من المجتمع.

стр. 85

رابعًا: إن النظام هو السلوك الاجتماعي الذي يعترف به أبناء المجتمع ، وهي خاصية تتطلب مدة زمنية طويلة حتى تتحقق، وإذا وصل السلوك إلى أن يكون موضع قبول عام، فإنه يستمر لفترات زمنية طويلة أطول من أعمار الأفراد. وبهذا يستطيع النظام الاستمرار والصمود في وجه التغيرات الطارئة. ومثال هذا: خطوات وإجراءات الزواج والوفاة التي يظل الأفراد يتمسكون بها على الرغم من عدم اقتناعهم ببعضها، ولكنهم لا يمكنهم التنازل عنها لأنها صارت تشكل ضاغطًا اجتماعيًّا قويًّا يصعب التخلص منه -مثل: الاحتفالات باهظة في حالة الزواج.

стр. 86

خامسًا: أغلب النظم تتسم بدرجة عالية من التعقيد ، حيث يتضمن كل منها مجموعة معقدة ومتشابكة من النماذج السلوكية، وضوابط السلوك وقواعد معينة يجب أن يتبعها إلى جانب شبكة معقدة من العلاقات التي تحتاج إلى كثير من الجهد لفهمها وتحليلها. فنظام الزواج إذا كان يبدو بسيطًا فإنه يتضمن مجموعة متافعلة متشابكة متكاملة من الظواهر أو النظم الفرعية الأقل حجمًا، مثل نظام المهر وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تقوم بين أفراد الأسرة الصغيرة إلى جانب شبكة العلاقات بين الجماعتين القرابيتين اللتين ينتمي إليهما الزوجان ... إلخ. وإذا حاولنا تحليل أي من هذه النظم الفرعية الداخلة في نظام الزواج كالمهر، نجده يشكل في حد ذاته ظاهرة معقدة يتضمن دراسة نوع المهر -كأن يتألف من النقود أو الإبل كما كان سائدا في الجزيرة العربية، أو من الأبقار كما هو الحال في أغلب مجتمعات شرق إفريقيا- ومقداره وطريقة الاتفاق عليه وطريقة دفعة ... إلخ، مع ما يصاحب ذلك كله من إجراءات أو عمليات واحتفالات يحددها العرف. يضاف إلى هذا ضرورة دراسة معنى المهر، وما يقوم به من دور

стр. 87

في تحقيق الاستمرار الأسري وتأمين مستقبل الزوجة والأبناء. كذلك الأسرة كنظام ظاهرة معقدة أشد التعقيد، فقد حاول بعض العلماء التمييز بين أنواع العلاقات السائدة داخل الأسرة، وجد أن هناك أنماط على الأقل العلاقات الأساسية لكل منها وظيفة محددة وهي: ١- علاقة الزوج والزوجة: وهي التي تقوم على أساس تنظيم الحقوق الزوجية والجنسية والاقتصادية، وتحديد المسئولية المشتركة نحو البيت والأولاد، بكل ما يتضمن ذلك من إنجاب الأطفال وتنشئتهم اجتماعيًّا، وتقسيم العمل بين الزوجين فيما يتعلق بالملكية والسلطة وحق الطلاق ... إلخ. ٢- علاقة الأب بالابن: بما تتضمنه من مسئولية الأب نحو ابنه من تعليم وحماية ورعاية وتهذيب، وما يقابل ذلك من طاعة الابن لأبيه، ثم علاقات التعاون الاقتصادي في نواح معينة بالنسبة لنواحي النشاط المختلفة التي يضطلع بها الذكور خاصة بعد أن يكبر الابن ويستطيع الإسهام في الحياة الاقتصادية. ٣- علاقة الأم بالابنة: وهي تشبه علاقة الأب بالابن، وهي تدور داخل البيت بما تتضمنه من عملية التنميط الجنسي Sex Typing. ٤- علاقة الأب بالابنة: وتتمثل في مسئوليته تجاه تربيتها وتجهيزها وزواجها ورعايتها قبل وبعد الزواج ... إلخ. ٥- علاقة بين الأم والابن الذكر: وتتمثل فيما تلعبه الأم من دور في حياة ابنها من التصاق به خلال الطفولة، ثم تعويده على الاستقلال التدريجي عن محيط النساء، كذلك تتضمن مسئولية الابن الذكر نحو أمه عندما يشب ويكبر، وعندما تصبح مسنة وخاصة بعد موت الأب. ٦- العلاقة بين الأخوين: وهي علاقة زمالة في اللعب في الصغر، وعلاقة تعاون اجتماعي واقتصادي في الكبر ومسئولية الأخ الأكبر تجاه أخواته بعد موت الأب ودوره في تقسييم التركة ... إلخ.

стр. 88

٧- العلاقة بين الأختين: وهي تماثل العلاقة بين الأخوين ولكن الأخت الكبرى عادة ما تكون مسئولة عن أخواتها الصغيرات، حيث تقف منهن موقف الأم. ٨- علاقة الأخ بالأخت: وهي علاقة زمالة لعب في الصغر، ثم يحدث نوع من التحفظ في سلوك كل منهما إزاء الآخر. ويرتبط ذلك بتفاصيل المركز الاجتماعي لكل منهما، وما يشعر به الأخ من مسئولية نحو أخته خاصة بعد وفاة الوالد. ومع هذا التعقيد الملحوظ في نظامي الزواج والأسرة، فإنهما إلى جانب نظم أخرى كثيرة -كالخطبة والميراث والطلاق ... إلخ- تعد نظما فرعية أو مكونات النظام القرابي. ولعل هذا هو ما أدى بالعلماء إلى إطلاق مصطلح النسق الاجتماعي على النظم الكبرى، كالنسق القرابي والنسق الديني والنسق السياسي ... إلخ١٠

стр. 89

سادسًا: الترابط الوظيفي بين النظم الاجتماعية داخل المجتمع، ويقصد بهذا الترابط أن النظم ليست مستقلة بعضها عن بعض، ولكنها تمثل أجزاء مترابطة متساندة متداخلة متكاملة. فنظام الخطبة يسبق ويمهد لنظام الزواج، وهذا الأخير يمهد لنظام الأسرة، ونظام الأسرة يرتبط بالنظام الديني الذي يبين لنا المحللات والمحرمات ... إلخ، كذلك يرتبط نظام الأسرة بالنظام الاقتصادي والسياسي والقانوني ... إلخ. ونفس الأمر ينطبق على بقية النظم المكونة لبناء المجتمع. وهذا هو معنى أن النظم مترابطة أو متساندة وظيفيًّا، وهذا هو معنى التساند الوظيفي Functional Interdependence بين النظم.

стр. 90

سابعًا: لكل نظام اجتماعي مجموعة من العناصر يمكن إيجازها فيما يلي: أ- هدف أساسي ومجموعة من الأهداف الفرعية.

стр. 91

ب- مجموعة من النماذج السلوكية التي تحكمها معايير أو قواعد معينة. ج- جوانب رمزية للنظام. د- جوانب مادية للنظام. و مجموعة من التقاليد الشفاهية والمدونة. ويمكننا أن نفهم هذه الخاصية بالتطبيق على بعض النظم، فنظام الأسرة يستهدف تحقيق أهداف معينة مثل: الإشباع العاطفي والجنسي وعاطفة الأبوة والأمومة وإنجاب الأطفال وتربيتهم ... إلخ. كذلك للأسرة مجموعة من الاتجاهات ونماذج السلوك التي تتمثل في تصرفات الزوج إزاء زوجته، وتصرفات الزوجة مع زوجها، وتصرف الآباء مع الأبناء ... إلخ، يضاف إلى هذا عواطف الحب والحنان والولاء والاحترام ... إلخ. أما النواحي الرمزية فإنها تتمثل في خاتم الزواج وشعار الأسرة والتحف الموروثة، وتتمثل في المنزل والأثاث، وتتمثل الجوانب القانونية في وثيقة الزواج.

стр. 92

أنواع النظم الاجتماعية مدخل ... أنواع النظم الاجتماعية: تنقسم النظم الاجتماعية إلى عدة أنواع يمكن تصنيفها طبقا لعدة معايير إلى ما يلي:

стр. 93

أولًا: من حيث العمومية والخصوصية: فهناك نظم عامة تشيع في كل المجتمعات، كالأسرة والدين والاقتصاد ... وإن اختلف شكل النظام ومضمونه من مجتمع إلى آخر، وهناك نظم خاصة بمجتمعات معينة مثل نظام الرق الذي ساد بعض المجتمعات. ومسألة عمومية النظام مسألة نسبية، ذلك أننا يجب أن نأخذ في الاعتبار الجماعة المحلية التي تقبل النظام وتمارسه. فهناك نظم عامة تشيع على مستوى المجتمع المصري كله، كالأسرة والدين واللغة ... إلخ، ولكن هناك نظم تشيع داخل أجزاء معينة بمعنى أنها تعد نماذج للسلوك تخضع لمعايير معينة داخل هذا الجزء

стр. 94

من المجتمع دون غيره. ومثال هذا النظام الثأر في بعض أماكن بصعيد مصر. ولا شك أن هناك نظمًا تشيع داخل مجتمع القرية لا توجد في المدينة، مثل نظام المشاركة على المواشي أو على الأرض الزراعية. وتختلف النظم باختلاف الطبقات الاجتماعية والجماعات المهنية ... وهذه يطلق عليها النظم الخاصة أو محدودة الانتشار.

стр. 95

ثانيًا: من حيث الاستمرار والعرضية أو الوقتية في الحدوث: -فهناك نظم مستمرة داخل المجتمع كنظام الأسرة أو نظام الإنتاج الصناعي أو نظام الحكم ... إلخ. وهناك نظم أخرى تتكرر في مواسم معينة بالذات يطلق عليها النظم التكرارية Repetitive Institutions.حيث يتكرر القيام بالنماذج السلوكية وفق معايير ثابتة في أوقات محددة من السنة، مثل نظام الامتحانات في آخر العام الدراسي، ونظام الصوم في أوقات محددة من السنة ... إلخ. وهناك نوع ثالث من النظم يعترف بها المجتمع ومستقرة ثقافيًا، ولكنها ليست مستمرة كالأسرة ولا تتكرر في مواسم معينة، وإنما يلجأ إليها الناس كلما دعت الحاجة إليها مثل نظام الزواج وإجراءاته النظامية المختلفة.

стр. 96

ثالثًا: من حيث التلقائية والتقنين: -هناك نظم تنشأ بشكل تلقائي عفوي دون تخطيط أو تدبير بشري منظم، فلا يستطيع أحد الزعم بأن نظام الدين أو الأسرة أو الزواج ظهرت نتيجة لجهد بشري واعٍ ومقصود، ذلك لأنها كلها نظم ظهرت بشكل تلقائي استجابة لحاجات بشرية ملحة، وللفطرة الإنسانية التي فطر الله سبحانه الإنسان عليها. وعلى العكس من ذلك هناك نظم تظهر نتيجة للقصد أو الجهد البشري المنظم مثل نظام التعليم ونظام الصناعة ونظم الادخار والبنوك ... إلخ.

стр. 97

رابعًا: من حيث المشروعية وعدم المشروعية: هناك نظم يعترف بها المجتمع ولا تتعارض مع القانون العام السائد داخله، بل يدعمها القانون ويجمعها مثل نظام الدين والملكية والبنوك ... إلخ، ولكن هناك مجموعة أخرى من النظم التي تتضمن نماذج سلوكية وقواعد معية تحكمها، لكنها

стр. 98

تتعارض مع مبادئ المجتمع وقوانينه، ومع هذا تمارس بالعقل، ويطلق عليها علماء الاجتماع مصطلح النظم. ومن أمثلة هذه النظم غير المشروعة: نظام الثأر في مجتمع الصعيد، ونظام البغاء ونظم التهريب والرشوة والسرقة المنظمة في بعض المجتمعات الغربية. وعلى الرغم من عدم مشروعية هذه النظم الأخيرة باعتبارها انحرافًا عن الثقافة العامة في المجتمع، إلا أن هناك قواعد ومعايير تحكم الممارسات السلوكية داخلها، مثل: الالتزام الأدبي بين عصبة المقتول بأخذ الثأر له، وعدم تقبل العزاء إلا بعد الثأر، وشرف المهنة بين اللصوص أو المهربين ... إلخ. هذه المعايير والقيم الفرعية تتعارض أساسًا مع القيم المشروعة داخل الثقافة العامة للمجتمع.

стр. 99

خامسًا: من حيث الهدف: هناك نظم عاملة لها وظائف نوعية محددة وأخرى ضابطة، تسهم في تهيئة المناخ للنظم العاملة أن تؤدي وظائفها على خير وجه. ومن أمثلة النوع الأول نظم الصناعة والتعليم. ومن أمثلة النوع الضابط النظام القانوني. ويمكن القول، إن وظيفة النظم العاملة تنظيم نماذج السلوك التي تُعد ممارستها ضرورية لتحقيق ما يسعى إليه النظام من أهداف، ولبقائه أيضا كالنظم الصناعية والمصرفية. بينما يتميز النظام الضابط بأنه يستهدف ضبط عدد من الممارسات السلوكية التي لا تعد في حد ذاتها جزءًا من النظام نفسه، كما هو الحال في النظم القانونية، حيث لا تمثل الجرائم والانحرافات والمخالفات جزءًا من النظام القانوني. وبقول آخر: فإن النظم العاملة تنظم مجموعة من الممارسات السلوكية والعلاقات الاجتماعية طبقًا لمعايير معينة، بينما تعمل النظم القانونية إلى جانب تنظيم السلوك للحيلولة دون وقوع الانحراف، ثم عقاب المنحرفين وردع غيرهم.

стр. 100

من حيث ما إذا كان النظام أساسي أو فرعى ... سادسًا: من حيث ما إذا كان النظام أساسيًّا أو فرعيًّا، ويجمع العلماء على أن هناك أربعة نظم أساسية عامة في كل المجتمعات هي: النظام الديني والاقتصادي والعائلي والسياسي، ولكن يوجد في كل مجتمع مجموعة أخرى من النظم التي تتفاوت أهميتها من مجتمع لآخر على حسب المستوى الحضاري

стр. 101

لكل مجتمع، مثل نظم التعليم والتربية، ونظم الفن والتعبير الأدبي والجمالي والفني ... إلخ. وما يعد أساسيًّا في مجتمع معين، قد لا يعد كذلك في مجتمع آخر فنظام التعليم والتحصين ضد الأمراض لا وجود له في بعض المجتمعات المتخلفة، بينما تعد نظمًا أساسية في مجتمعنا وهكذا.

стр. 102

سابعًا: النظم الاختيارية والنظم الإجبارية ، هذا التصنيف قدمه "هيوز" Hughes١١. فالنظم الإجبارية لا يكون للفرد حرية الالتزام بها أم لا -مثل الأسرة والمواطنة في الدولة والذكورة والأنوثة ... أما النظم الاختيارية، فهي تلك التي يشارك الفرد فيها، ويملك الانسحاب منها، كالنظم المهنية والتعليمية والرياضية. وقد استخدم "ميريل" Merill١٢ نفس الأساس وهو الاختيارية والإجبارية عند تصنيف النظم، لكنه اعتمد في التصنيف على فكرة حقوق النظم على الأفراد أو واجبات والتزامات الأفراد إزاء النظم. فبعض النظم تفرض واجبات إجبارية لا مناص منها، وليس للفرد حق في العضوية داخلها كالأسرة، وبعضها ذات صفة اختيارية كالنظم المهنية والرياضية.

стр. 103

ثامنًا: يضيف بعض العلماء -مثل "بارتر" Barter شكلين من أشكال النظم١٣ وهي أشكال تصنيفية حيث يصنف النظم الأولية Primary Institutions والنظم الثانوية Secondary Institutions. فالنظم الأولية أساسية تلقائية النشأة، كالدين والأسرة والملكية والحرف والحكومة كتنظيم. ومع تعقد المجتمعات ونمو الحضارات ظهر العديد من النظم الاختيارية، وهي نظم فرعية تتفرع عن النظم الأولية -مثل نظم الصناعة، ونظم التعليم المتطور، ونظم العلاج الطبي ... إلخ. وأخيرًا هناك وضعية تنشأ أي من صنع البشر. وهناك نظم إلهية المنشأ مصدرها الكتب السماوية المنزلة على الرسل ﵈. ومن أمثلة النظم الأولى: نظم الحكم والأسرة والاقتصاد في المجتمعات غير الإسلامية،

стр. 104

ومن أمثلة النظم الإلهية، تلك التي تطبق داخل المجتمعات الإسلامية، والتي تستند إلى الشريعة الإسلامية، مثل نظام الأسرة والمواريث. ونظام الاقتصاد والحكم والعقوبات التي تستمد كتاب الله وسنة رسوله ﵊.

стр. 105

أهداف النظم الاجتماعية: سبق أن أشرت إلى أن هناك وظائف معينة تؤديها النظم، ولكن يجب ألا يفهم من هذا أن النظام يحقق هدفا واحدًا بعينه، أو أنه ظهر ليشبع حاجة واحدة فحسب. فاستعراض النظم يبرز بجلاء أن أي نظام مهما بلغ من البساطة يؤدي عدة وظائف، كما أنه يحقق عدة حاجات. ويمكننا أن نوضح ذلك بنظام الزواج الذي يحقق عدة أهداف منها: تحقيق الاستقرار النفسي والعاطفي، وإشباع الحاجة الجنسية، وإشباع الرغبة في الإنجاب وتكوين ذرية، ... إلخ. وهناك من الباحثين مثل "ميرتون" Merton من يميز بين الوظيفة الظاهرة Manifest Function، والوظيفة الكامنة Latent Function للنظام، والوظيفة الظاهرة هي الوظيفة المدركة والتي يمكن لأعضاء المجتمع إدراكها، أما الوظيفة الكامنة، فهي مجموعة الأدوار التي يؤديها النظام والتي تحتاج إلى تحليل الباحث. وبوجه عام يمكن القول: إن النظام الاجتماعي يؤدي أكثر من وظيفة اجتماعية أو يحقق أكثر من هدف، أو يشبع أكثر من حاجة. ولكن غالبًا ما يكون للنظام وظيفة أساسية أو محورية إلى جانب مجموعة أخرى من الوظائف الفرعية. فالوظيفة الأساسية للأسرة، إنجاب الأطفال الشرعيين وإشباع الحاجات العاطفية والجنسية للأفراد بطريق مشروع. وإلى جانب هذه الوظيفة الأساسية، فإن الأسرة تشبع الكثير من الحاجات الاقتصادية والسياسية والدينية في بعض المجتمعات. وعلى هذا الأساس تعد الأسرة نظامًا اقتصاديًّا جزئيًّا باعتبارها تقوم على أساس تقسيم العمل بين الزوجين وتعد وحدة إنتاج واستهلاك في بعض المجتمعات. ونظام العمل الصناعي يستهدف كنظام اقتصادي إشباع الحاجة إلى الأجر. ولكنه إلى جانب هذه الوظيفة فإنه يشبع العديد من الحاجات الاجتماعية والنفسية

стр. 106

الأخرى كالحاجة إلى المركز الاجتماعي وإشباع الذات ... إلخ، وتَعدد وظائف النظم يكشف عن تشابك النظم وتداخلها، فللأسرة وظائف دينية واقتصادية وسياسية، وهي بذلك تتداخل مع النظم الدينية والاقتصادية والسياسية. ووظيفة النظام التعليمي -المدارس- في المجتمعات المتقدمة، هي التربية وتعليم النشء. ولكن هذه الوظيفة ليست قاصرة على النظام التعليمي وحده، حيث تشترك عدة نظم مع النظام التعليمي في أداء المهمة التربوية والتعليمية مثل نظام الأسرة ونظام الإعلام ونظام النوادي ... إلخ. وهذا يعني بوضوح أن النظم الاجتماعية متشابكة متداخلة، فللأسرة وظائف اقتصادية وقانونية وسياسية ودينية، ولهذا فإن دراسة نظام الأسرة أو أي نظام يقتضي إجراء القيام بعدة أمور هي: ١- دراسة النظام ومكوناته ووظائفه الأساسية والفرعية. ٢- دراسة العلاقات المتداخلة بين النظام وبقية النظم الاجتماعية الأخرى. ٣- دراسة الجوانب الاقتصادية والسياسية والقانونية ... لأي نظام. وهذا هو جوهر الاتجاه البنائي الوظيفي في علم الاجتماع.

стр. 107

تصنيف النظم الاجتماعية مدخل ... تصنيف النظم الاجتماعية: يمكننا فهم النظم الاجتماعية على أنها مجموعة النماذج السلوكية والعلاقات المقننة التي تستهدف إشباع حاجات الإنسان والجماعات الإنسانية المكونة للمجتمع. ولما كان المجتمع يحتاج إلى أعضاء جدد وإلى أن يمد هؤلاء الأعضاء الجدد بأساسيات الثقافة السائدة في المجتمع ورعاية هؤلاء الأعضاء الجدد إلى جانب إشباع الحاجات الجنسية والعاطفية والنفسية عند الإنسان، فإن أي مجتمع يحتاج إلى نظام الأسرة. وهو ما يجعله نظامًا عامًّا وضروريًّا وشائعًا داخل كل المجتمعات سواء أكانت بدائية، أم حديثة. وإذا كان الإنسان -أينما وجد- في حاجة إلى الطعام والكساء والمأوى وإلى أساليب لتنظيم الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، فإن هذا معناه حتمية وجود النظام

стр. 108

الاقتصادي داخل أي مجتمع. وإذا كان وجود المجتمع مرهونًا أساسًا بوجود النظام ومجموعة قواعد تنظم سلوك الناس وتحدد الجزاءات الاجتماعية التي يواجه بها المجتمع الأعمال التي تنحرف عما تواضع عليه المجتمع من قيم. هذا إلى جانب هيئة حاكمة تحكم المجتمع ويرجع إليها عند وجود خلافات لحسمها ... إلخ، فإن هذا كله معناه حتمية وجود النظام السياسي داخل المجتمع. وأخيرًا فإن الضعف الإنساني، وحاجة الإنسان إلى الكائن القوي القادر، جعله منذ القدم يلتمس معرفة تلك القوة التي تسيطر على قدره ومصيره، ويحاول التقرب منها بالعبادات والشعائر. وهذا معناه عمومية النظام الديني في كل المجتمعات، وهذه النظم الأربعة الأساسية: الأسرة، والاقتصاد، والسياسة، والدين، يجمع عليها العلماء باعتبارها النظم الأساسية والمنتشرة في كل المجتمعات مهما كانت درجة بدائيتها أو حداثتها. ويختلف العلماء كثيرًا في تصنيف النظم الاجتماعية، ويرجع الاختلاف إلى اختلاف معايير التصنيف. وتتمثل عملية تصنيف النظم الاجتماعية في محاولة التعرف على أنماط السلوك الاجتماعية. التي ترتبط معًا لتؤلف نظامًا واحدًا. وتحديد النظم الاجتماعية الفرعية التي تؤلف النظم الكبرى أو ما يطلق عليها بعض الباحثين الأنساق الاجتماعية. وهناك خلاف كبير بين الباحثين حول تحديد العناصر التي تؤلف نظام الأسرة أو الملكية أو النظام السياسي ... إلخ. ومما يزيد من صعوبة التصنيف ما سبق أن أشرت إليه من أن لكل نظام اجتماعي جوانب متعددة، فالأسرة في الكثير من المجتمعات، لها وظائف اقتصادية ودينية وسياسية. فهل يحق لنا على هذا الأساس اعتبار الأسرة نظامًا اقتصاديًّا أو دينيًّا أو سياسيًّا. يضاف إلى هذا أن هناك نظمًا معينة تقع على الحدود بين عدة نظم النظام ينفذ داخل النظام العائلي بين الأقارب، وهو مختلفة مثل نظام الميراث -كما هو في الشريعة الإسلامية مثلًا- فهذا النظام ينفذ داخل النظام العائلي بين الأقارب وهو بهذا الشكل يتعلق بالملكية وانتقال الثروات والحقوق الاقتصادية، وبذلك يمكن النظر إليه على أنه أحد مكونات النظام الاقتصادي. ومن جهة ثالثة، فإن الشريعة الإسلامية ممثلة في الكتاب والسنة، وهي التي تحدد الميراث وأسلوب توزيعه على سبيل

стр. 109

التحديد، وهو بهذا الوصف يمكن النظر إليه على أنه أحد مكونات النظام الديني وهكذا ... ويمكننا أن نعرض هنا لنماذج من تفكير العلماء واختلافاتهم حول قضية تصنيف النظم فـ"هربرت سبنسر" H. Spencer عالم الاجتماع البريطاني يصنف السلوك الاجتماعي المقنن إلى عدة نظم هي: النظام العائلي، والنظام الشعائري، والنظام الديني، والنظام المهني، والنظام الصناعي. أما "سمنر" Summner و"كيلر" Keller، وهما من أشهر علماء الاجتماع في أمريكا يذهبان إلى أن هناك مجموعة من الحاجات الإنسانية الأساسية هي التي أدت إلى ظهور النظم الاجتماعية، وهي الجوع والحب والغرور والخوف، ويستهدف الناس من وراء إشباع هذه الحاجات الحفاظ على الذات وعلى النوع، وإشباع الذات والخضوع للكائنات الخفية التي تتجاوز قدرات الإنسان. وعلى هذا الأساس قام الباحثون بتصنيف النظم الاجتماعية إلى ما يلي:

стр. 110

١، ٢- النظم الاقتصادية والحكومية: وأهم وظائفها توفير الطعام وتنظيم الملكية وتنظيم عمليات التفاضل أو التمايز الطبقي إلى جانب تنظيم سلوك الناس وعلاقاتهم من خلال القانون.
следующие страницы →