إلى جانب إمكان التداخل بين جوانب التقليدية والحداثة. ولتوضيح النقطة الأخيرة يحاول بعض الباحثين المقابلة بين التوجه نحو الإنجاز Achievement orientation -وهو خاصية المجتمعات الحديثة- والتوجه نحو التركيز على العوامل المنسوبة Ascription. والواقع أنه حتى في المجتمعات الحديثة يوجد التوجهان ويعملان معًا بأشكال ونسب مختلفة وهذا ما كشفت عنه دراسة "أدوين سوذرلاند" E. Sutherland في دراسته عن جرائم ذوي الياقات البيضاء أو جرائم الصفوة١٣، ودرَاسَة "تشارلس رايت ملز" C.R. Mills عن صفوة القوة في الولايات المتحدة الأمريكية١٤ حيث كشف عن أن الصفوات الاقتصادية والسياسة والعسكرية هي في واقع الأمر صفوة واحدة لما يوجد بينها من مصالح وعلاقات وخلفيات اجتماعية وإيديولوجية وسياسية موحدة. ويصنف "فرانك" Frank فكرة الإنجاز إلى عنصرين وهما: أ- المكافأة Reward، ب- التعبئة Recruitment، وإذا كانت المكافآت تعتمد على الإنجاز بشكل أساسي، فإن التعبئة -ويقصد بها تحديد شاغلي بعض الأدوار القيادية خاصة في قمة التنظيمات الاستراتيجية- فإنها تعمد على عوامل منسوبة، وهذه العوامل الأخيرة تلعب دورًا مهمًّا في تحديد مراكز النساء في المجتمع الأمريكي -خاصة من حيث الجانب الاقتصادي- ونفس الأمر يحدث في المجتمع الياباني وإن كان بشكل عكسي -فهذا المجتمع عندما يحدد شاغلي الأدوار -التعبئة- يعتمد بشكل كامل على الكفاية والخبرة والتعليم -الإنجاز- أما عندما يوزع العائد أو المكافآت الاقتصادية فإنه يعتمد على عوامل منسوبة كالسن والجنس وحجم الالتزامات الشخصية ... إلخ١٥.
مثل هذه الملاحظات وغيرها هي التي جعلت بعض الدارسين مثل "تيبس" و"فرانك" يرون ضرورة إحداث تغيرات أساسية في توجهات نظرية التحديث، وهذا هو ما حاوله بعض الدارسين بالفعل. غير أنهم انطلقوا من خلفيات إيديولوجية متناقضة: ومثال هذا فرانك الذي انطلق من منطلقات ماركسية جماعية مدخل جماعي وهناك باحثون انطلقوا من المستوى الفردي
стр. 457
حيث ركزوا على التحولات الفردية التي تحدث في المجالات المعرفية عند الأفراد In terms of cognitive transformation وفي اتجاهاتهم وقيمهم وسلوكهم -مدخل فردي أو سيكو اجتماعي- وهناك فريق ثالث من الباحثين ينطلقون من التحليل الفينومينولوجي لظاهرة التحديث -مدخل فينومينولوجي-١٦. ويمكن القول إنه نتيجة لانطلاق نظريات واتجاهات الدراسة في التحديث والتنمية من منطلقات إيديولوجية، فإنه لا توجد حتى الآن نظرية تنال موافقة جميع الباحثين أو حتى غالبيتهم. وعلى الباحث الموضوعي إحداث نوع من الالتقاء النظري بين الاتجاهات المطروحة خاصة تلك التي تركز كل منها على جانب أو آخر من جوانب الواقع الاجتماعي.
والواقع أنّ محاولة التوصل إلى صياغة نظرية جديدة قادرة على تفسير الواقع وتحديثه، لا بد أن تلتزم بدورها بإطار عقائدي من جهة كما تستفيد من معطيات الدراسات الأمبيريقية داخل مجتمعات متقدمة اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وعلميًّا، وداخل مجتمعات متخلفة وداخل مجتمعات انتقالية أو في حالة نمو Translation Societies من جهة أخرى. ونحن عندما ندرس قضايا التحديث يجب أن ندرسها في ضوء المدخل الإسلامي وفي ضوء خصائص الواقع ومعطياته، وإذا كان التكامل بين الإطار النظري ومعطيات الواقع الاجتماعي التاريخي أمرًا لازمًا، فإن التكامل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية أمر مهم عند دراسة منطلقات ومحركات التغير التحديثي. وهنا يجب الربط بين التباينات أو التناقضات التي توجد داخل كافة مستويات الواقع الاجتماعي، تلك التي تدفع الناس إلى إحداث تغيرات من أجل القضاء عليها. ويجب أن نبدل أو ندرس هذه التباينات في إطار ها الاجتماعي التاريخي على أنها محصلة لعمليات وظواهر حدثت في الماضي وتتجه الجهود المعاصرة لتجاوزها. يجب الاستفادة من المدخل الوظيفي من حيث ضرورة إدراك التساند الوظيفي بين مكونات الواقع الاجتماعي والثقافي من جهة والتساند بين مختلف التغيرات الحادثة داخله من جهة أخرى. ونفس الأمر يجب أن يطبق على ما يمكن أن نطلق عليه النسق العالمي World System حيث
стр. 458
يجب إدراك عمليات التنمية داخل الدول النامية في علاقاتها سلبًا وإيجابًا مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الدولية، حيث إنه لا يمكن فهم تنمية المجتمعات المتخلفة أو الانتقالية بمعزل عن المتغيرات العالمية.
стр. 459
التحديث الحضاري: شروطه، نماذجه، معوقاته
هناك مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية المتفاعلة والمتكاملة يمكن من خلالها تحقيق التحديث الحضاري مقاسًا بالمعايير العلمية مثل متوسط دخل الفرد والمستويات الغذائية ونسبة الأطباء إلى الجماهير وعدد الكيلومترات المرصوفة ومستوى الإسكان ومتوسط استهلاك الفرد من الكهرباء ... إلخ. وإذا كنا نستطيع توضيح أهم هذه العوامل فإنه يتبقى سؤالان مطروحان، الأول يتعلق بأوزان كل عامل ودوره في عملية التحديث، والثاني يتعلق بالتفاعل والعملية الدائرية بين هذه العوامل. فهناك عوامل معينة لا نستطيع الجزم بموقعها في عملية التحديث على الرغم من أهميتها الإستراتيجية: هل هي شرط لحدوثه أم مصاحبة لحدوثه، أم نتيجة لتحققه؟ ويضرب لنا "مايرون فاينر" Myron Weiner مثالًا على هذا في دراسة له بعنوان ديناميات النمو عام ١٩٦١* حيث يذكر أنه على الرغم من وجود اتفاق بين الدارسين على حتمية الارتباط بين التحديث وبين القيم والاتجاهات والتصورات العقلية، إلا أن هناك خلافًا حول تحديد موقع هذه المتغيرات في التسلسل الزمني Sequence هل هي شرط للتحديث أم نتيجة له، هل هي المتغير المستقل أم المتغير التابع؟ ١٧.
ويحاول البعض من خلال منظور أكثر واقعية إدراك التفاعل بين القيم والاتجاهات من جهة وبين الترتيبات النظامية Inistitutional arrangements من جهة أخرى على أساس أن هذه الأخيرة يجب أن تتسم بحد أدنى من
стр. 460
المرونة بحيث تسمح ببدء التغيرات الإنمائية -في التعليم والصحة والصناعة والزراعة ... إلخ- وفي نفس الوقت يجب أن تتزامن مع هذه التغيرات محاولات لدعم القيم والاتجاهات والسلوكيات في الاتجاه الذي يخدم هذه التغيرات ويسرع بعملية التحول، بشرط أن تكون القيم والاتجاهات العاملة داخل المجتمع من النوع القابل للتغير في الاتجاه الذي يخدم عمليات التنمية. وهنا يحدث تفاعل بين محاولات التغيير المتزامنة في العاملين المذكورين معًا.
وعلى الرغم من عدم وضوح طبيعة العلاقة العلمية أو التفاعلية بين العوامل والمتغيرات خلال عملية التنمية، فإن هناك عوامل ذات أهمية استراتيجية. ويركز البعض على العوامل الاقتصادية، وخاصة على عمليات التصنيع. فالتنمية ترتبط بالنمو الاقتصادي المتواصل والمستمر Sustained economic growth وهذا المتغير يتطلب -كما يشير "روستو" Rostow توافر ثلاثة عوامل وهي:
أولًا: تهيئة البنية الأساسية أو توافر رأس مال اجتماعي عام Social over-head capital من أجل إيجاد وتنشيط السوق الوطني وتحقيق أحسن استغلال ممكن للثروات الطبيعية، ومن أجل تهيئة الظروف أمام الحكومة الوطنية لممارسة عمليات الحكم والضبط الاجتماعي بكفاءة.
ثانيًا: تحقيق الثورة التكنولوجية في مجالات الزراعة والصناعة والاتصالات.
ثالثًا: التوسع في الاستيراد من أجل دعم الانتاج، خاصة المواد الرأسمالية Capital import١٨.
وعلى الرغم من اتفاق قطاع كبير من الاقتصاديين مع الشروط التي وضعها "روستو" للنمو الاقتصادي، فإن هناك خلافًا حول تحديد طبيعة هذه الشروط من جهة، وحول تحديد المسار المناسب Appropriate Path
стр. 461
المؤدي إلى الاقتصاد الحديث من جهة أخرى. ومن أمثلة التساؤلات المطروحة. هل تبدأ الدولة بنموذج للتصنيع الخفيف أم الثقيل؟ وهل تتطلب التنمية إحداث تغيرٍ متوازٍ أم غير متوازٍ بين مختلف المتغيرات الاقتصادية؟ ... إلخ.
والواقع أنَّ البيئة الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورًا مهمًّا في تهيئة المناخ للتنمية داخل الدول النامية أو في تعريضه. وقد أشار "هباكوك Habakkuk" إلى الدور الذي لعبه المناخ "السوسيو- اقتصادي" لإنجلترا في تسهيل النتمية الوطنية داخلها. ويعطي على هذا أمثلة، المجال الجغرافي واتساع حجم السوق بسبب المستعمرات وندرة الحروب الداخلية أو الاضطرابات السياسية وانخفاض تكاليف الأيدي العاملة والمواد الخام ... إلخ. وعلى العكس من الظروف في إنجلترا وفي الدول الأوروبية بوجه عام تواجه المجتمعات النامية العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المعوقة لانطلاقها الإنمائي. فهي ليس أمامها فرص للتوسع الإقليمي إلى جانب ضعف التراكم الرأسمالي وانتشار الأمية وانخفاض المستوى التكنولوجي وضعف قدراتها الإنتاجية وبالتالي التنافسية في الأسواق الدولية. وإلى جانب هذا فإن اقتصاد هذه الدول يتسم بعدم التنوع ذلك أنه يعتمد على المنتجات الأولية سواء الزراعية أو التعدينية. وقد وجد أن أكثر من ٨٠% من أبناء غالبية هذه الدول يعملون في الزراعة الأولية. وكما يشير "لوير" Lauer بحق فإن تنمية المجتمعات الأوروبية تم بشكل لن يتكرر لأنه كان على حساب المواد الخام والعمالة الرخيصة والأسواق في الدول النامية التي كانت مستعمرات في الماضي. وهذا يعني أن المناخ الدولي لتجربة التنمية الأوروبية يتناقض مع المناخ الدولي لتنمية المجتمعات النامية اليوم، فهو مدعم في الأولى، معوق في الثانية:
ولعل هذا المناخ الدولي المعوق للتنمية في دول العالم الثالث هو ما
стр. 462
جعل لجنة التنمية الدولية توصي بضرورة قيام الدول الصناعية بتخصيص ١% من ناتجها القومي العام* G.N.P للدولة منخفضة الدخل من أجل تيسير عملية التنمية داخلها١٩. وفي سنة ١٩٦٨ خصصت كل من فرنسا والبرتغال حوالي ٠.٦٨% من ناتجها القومي للمعونات، وخصصت الدول الغربية الأخرى نسبًا أقل وكان ترتيب الولايات المتحدة التاسع حيث خصصت ٠.٤١% فقط من ناتجها القومي٢٠.
стр. 463
اتجاهات دراسة التحديث في الدول النامية
تحديث البناء الاجتماعي-التحديث الفردي
...
اتجاهات دراسة التحديث في المجتمعات النامية
-تحديث البناء الاجتماعي- التحديث الفردي
وإذا كانت العوامل الاقتصادية "توافر رأس المال والتراكم الرأسمالي والعملات الصعبة وكم وكيف المواد المصدرة والهياكل الأساسية والمستوى التكنولوجي المستخدم ونوعية الصناعات" تلعب دورًا مهمًّا في عمليات التنمية، فإن هذا لا يعني أن قضية التحديث قضية اقتصادية خالصة. فالعوامل غير الاقتصادية -الاجتماعية والسياسية التربوية والنفسية.. تحتل الدرجة نفسها من الأهمية. وهناك شبه اتفاق بين الدارسين على أهمية العوامل التي أوردها "روستو" في هذا الصدد مثل: ضرورة توافر صفوة حديثة تقود عمليات التحديث Modernizing elite وارتفاع مستوى الطموح لدى الجماهير، وانتشار التعليم العام الفني، والتنمية السياسية في مجال الحكم والمشاركة والسلوك السياسي ...
وهذا يعني أن التحديث له جانبان -جانب بنائي- Structural وجانب فردي سيكولوجي اجتماعي Social Psychological وبالنسبة للعوامل البنائية التي تتعلق بطبيعة النظم والتنظيمات والوحدات الاجتماعية التي تتسم بالاستمرار النسبي -كالجماعات القرابية والسياسية والاقتصادية.. وأساليب
стр. 464
الضبط وطبيعة الأدوار الاجتماعية والبناء الطبقي أو التدرج الاجتماعي السائد، وموجهات السلوك كالمعتقدات والقيم والتصورات ... نجد أن التحديث بكل أشكاله يمكن أن يتعثر في ظل سيادة نظم اقتصادية معينة -مثل نظم معينة للحيازة الزراعية- أو نظم سياسة معينة أو نظم معينة للتدرج الاجتماعي مثل النظام الطائفي. ويرتبط التحديث بطبيعة العلاقات الاجتماعية وموجهات السلوك العقائدية والقيمية، كما يرتبط بطبيعة التنظيمات الطوعية السائدة ومدى تطبيق نظم مركزية أو لا مركزية، ومدى تطبيق نظام الاقتصاد الحر والأخذ بفكرة الحوافز الفردية ونظام الملكية السائد. يضاف إلى هذا ارتباط التحديث بنوعية الصفوات التي تتبنى التحديث سواء كانت الصفوات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية من حيث طبيعة انتماءاتها الإيديولوجية والطبقية والاجتماعية، ومدى تمتعها بالقدرات الكارزمية التي تحدث عنها "ماكس فيبر" M. Weber وإلى جانب هذه المتغيرات البنائية الأساسية فإن عملية التحديث تتوقف بشكل مباشر على طبيعة الجهاز البيروقراطي للدولة من حيث درجة استقراره Stability وكفايته Efficiiency وفعاليته Effectiveness ونوعية الكوادر الإدارية العليا التي ترسم له خططه وأهدافه٢١ ... ومن ضمن العوامل البنائية الأساسية التي تحكم حركة التحديث داخل المجتمعات النامية -قضية الصراعات والانقسامات البنائية للجماعات المكونة للمجتمع- فهناك مجتمعات تشيع داخلها الصراعات الداخلية بين وحداتها البنائية -مثل بعض المجتمعات الأفريقية- وهذا أمر معوق للتحديث أو التنمية٢٢.
ويشير أنصار الاتجاه الوظيفي إلى أن التحديث الحضاري هو في واقع الأمر إحداث تحولات في بعض الأبعاد البنائية أو في وظائف النظم والجماعات والعلاقات داخل المجتمع. ويذهب "تالكوت بارسونز" T. Parsons في دراسة له حول "بناء الفعل الاجتماعي"* إلى أن التغير الاجتماعي يرتبط بالتباين البنائي. وقد استخدم هذا المفهوم عند تحليله
стр. 465
للنظم الاقتصادية والتنظيمات البيروقراطية في علاقتها بالنسق الاجتماعي العام -وقد طبق هذه الأفكار عند دراسة التغيرات البنائية في المجتمع الأمريكي بشكل عام، والأسرة الأمريكية بشكل خاص- ويركز بعض الدارسين على عوامل ينظرون إليها بوصفها عوامل بنائية استراتيجية لانطلاق عمليات التحديث، مثال هذا ما يطلق عليه "كارل دويتش" K. Duetsch التعبئة الاجتماعية Mobilization بوصفها مدخلًا للتنمية السياسية وهذا هو عنوان مقالته التعبئة والتنمية السياسية٢٣. وهو يعرف التعبئة بأنها العملية التي تتحطم فيها جميع الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية القديمة، ويصبح الناس على استعداد لتقبل أنماط جديدة من التنشئة الاجتماعية ومن السلوك وأشار إلى أنه إلى جانب هذا المتغير المحوري هناك عوامل أخرى تسهم في حدوث التحديث مثل التعرض للعناصر الحديثة كالأجهزة والمباني والمنتجات الاستهلاكية والتعرض لوسائل الاتصال الجماهيري ولمختلف عمليات التحضر، وتطوير التعليم وحدوث حراك مهني وارتفاع الدخل. وإلى جانب هذه العوامل فإن التحديث يفترض حدوث تحولات في النظم الاجتماعية بحيث تصبح قادرة على التوافق واستيعاب التغيرات القادمة. والتحول أو التغير هنا يتسم بالغائبة بمعنى أنه يستهدف تحقيق هدف مرسوم مقدمًا.
ويجب التنبيه هنا إلى نقطة مهمة هي أن تغير النظم لا يعني أن التحديث يحقق إحداث تحولات جذرية في كل نظم المجتمع، فالتحديث في المجتمعات الإسلامية يتم في إطار التمسك بالنظام العقائدي والقيمي والسلوك الديني، كما أن التحديث في اليابان تم في إطار النظم والقيم التقليدية في المجال الأسري والقيمي والعقائدي وبعض النماذج السلوكية التقليدية. وهذا يثير نقطة أخرى أن الحداثة المادية لا تتعارض في كل الحالات مع التقليدية القيمية بحيث يمكن أن يتعايشا معًا. فالحرص على مواعيد الزراعة والري ومقاومة الآفات والقيام مبكرًا لأداء الأعمال في المجتمعات الريفية، والحرص على أداء الصلاة في مواعيدها في المجتمع
стр. 466
المسلم أو لدى المسلمين. وحرص المسلم على مراقبة الله في السر والعلن وعلى قيم الحق والعدل والأخوة والإخلاص والتكافل الاجتماعي وإفشاء السلام والسعي لكسب الرزق بالحلال والإحسان إلى الجار ... إلخ، كل هذه الأمور هي من صميم التحديث والتنمية، وهي من صميم المعتقدات الإسلامية في الوقت نفسه. والواقع أنه لا يوجد مجتمع تقليدي ١٠٠% ولا مجتمع حديث ١٠٠% حيث غالبًا ما تجتمع التقليدية والحداثة في كل المجتمعات بنسب متفاوتة. وغالبًا ما يكون للتحديث جوانب سلبية تنال من الجوانب الإيجابية للمجتمع التقليدي -ترابط الأسرة- الاستقرار النفسي -صلات الرحم- رعاية الآباء للأبناء، القناعة والرضى النفسي ... إلخ- وهذا يعني أن التمايز البنائي أو الانتقال من التجانس إلى اللاتجانس والحراك الاجتماعي وإن كانا ضرورة من ضرورات التحديث إلا أنه يؤدي إلى الكثير من السلبيات التي تخلو منها المجتمعات التقليدية إلى حد كبير.
وإذا كانت مسارات التحديث مختلفة وليست كما يذهب "شلز" الذي يقصرها على الصياغة الغربية للمجتمعات، فإنه يمكن أن تتعايش التقليدية مع التحديث بأشكال مختلفة -كما حدث في تجربة التنمية في المجتمعات الإسلامية وكما حدث في التجربة اليابانية. وكما حدث في التجربة السوفيتية التي ينظر إليها "شلز" بوصفها تحديثًا مشوهًا. وإذا كان بعض الدارسين حاولوا إيجاد العلاقة بين المتغيرات خلال عملية التحديث مثل العلاقة بين التصنيع والأسرة أو التحضر والقيم، أو التعليم والسلوك أو التصنيع والتحضر من جهة وبين جانب الضبط الاجتماعي من جهة أخرى.. فإن هذه المحاولات ونظرًا لاختلاف نماذج التحديث واختلاف مساراته. كذلك فقد كانت المنطلقات التاريخية للتحديث مختلفة، فقد بدأت عمليات التحديث في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية والدول الْأُسْكُنْدِنَافِيَّة على يد جماعات نشطة في المجال الاقتصادي والثقافي وبدرجة أقل في المجال السياسي، الأمر الذي جعل جماهير هذه المجتمعات تنخرط في الأنشطة
стр. 467
الاقتصاد قبل السياسة بمدة طويلة. وعلى العكس من ذلك فإن دول أوروبا الوسطى والشرقية والدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بدأت التحديث من منطلقات سياسية تتمثل في الحصول على الاستقلال أو الثوارت الوطنية، والتطلعات الوطنية للحاق بالمستويات المعيشية في الدول المتقدمة ودعم استقلالها السياسي بمضمون اقتصادي واجتماعي. وقد تم ذلك على مستوى الجماعات الصغيرة الواعية أو الصفوات أولًا ثم على مستوى الجماهير بعد ذلك. وهذا وغيره من العوامل هو الذي يفسر اختلاط الأنماط البنائية في عملية التحديث بين مختلف المجتمعات٢٤. وخلاصة الأمر بالنسبة للاتجاه البنائي في دراسة عمليات التحديث أن هذه العمليات تتطلب إحداث تغيرات في التشكيل البنائي للمجتمع، أي تغيير بعض المكونات البنائية، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث سلسلة متتابعة من المتغيرات الاجتماعية والثقافية. وهذا يعني بشكل آخر أن هناك ظروفًا بنائية Structural conditions تسهم في حدوث التنمية وظروفًا أخرى تعوق التنمية وهناك ظروفٌ بنائية تدعم التحديث وإن اتسمت بانعدام عدالة التوزيع والعكس ممكن.
وفي الاتجاه المقابل نجد أنصار فكرة التحديث الضروري الذين يرون أن نقطة الانطلاق هي من حيث معتقداته وقيمه واتجاهاته وسلوكياته، وهذه يجب أن توجه في الاتجاه الذي يخدم عمليات التنمية. والواقع أن العوامل الاجتماعية والنفسية ترتبط في عمليات التحديث بالعوامل البنائية. فهذه العوامل البنائية تؤثر في الترتيبات البنائية Inistittutional arrangment، وهذه الترتيبات البنائية النظامية ترتبط بدورها بالقيم والعقائد ومختلف الموجهات السلوكية القائمة وتتفاعل معها سلبًا وإيجابًا. وإذا كانت العوامل السيكو- اجتماعية هي إفراز للواقع البنائي والنظامي للمجتمع فإنها قادرة على تحريك هذا الواقع وتغييره. في حالة تغيرها سواء بشكل تلقائي أو مخطط بفعل عوامل داخلية أو خارجية. وهنا تظهر مشكلة التفاعل والدعم المتبادل بين العوامل الاجتماعية والنفسية والواقع البنائي، وهي ما يطلق عليها الحلقات المفرغة الخبيثة. وهذه هي المشكلة التي يشير إليها "لوير" عندما
стр. 468
يحاول فحص مسألة الأولوية السببية Causal Priority.
стр. 469
التحديث وقضية الالتزام الجماهيري بقضايا المجتمع والتنمية
ويركز "لوير" على عامل سيكولوجي وبنائي في الوقت نفسه وهو التزام الناس بقضايا مجتمعهم وتطويره وتغييره. وهذا هو ما يفسر -في نظر الباحث المذكور- تخصيص القادة السياسيين جزءًا كبيرًا من وقتهم وجهدهم لتأمين هذا الالتزام. ويضرب لنا مثلًا حكام أندونيسيا في الفترة التي أعقبت ١٩٥٨.
غير أن النتيجة كما يذكر "هربرت فيث" كانت غامضة، فقد استطاعت هَذِهِ الْجُهُودُ السياسية حل بعض المشكلات الإدارية والاقتصادية، كما أدت إلى إقدام الناس على أعمال لم يعتادوا عليها طالما أنها مهمة لتنمية بلدهم، هذا من جانب -لكن من جانب آخر فقد وجد أن الكفاءة الاقتصادية والإدارية العامة للمجتمع لم تزد كثيرًا نتيجة أن التعبئة السياسية أشعرت الناس أن الولاء السياسي والإيديولوجي أهم من النشاط الاقتصادي٢٥.
على أن التركيز على الإيديولوجية القومية والانتماء الوطني كمدخل تحقيق الالتزام بقضايا المجتمع بوصفه الشرط الأول للتحديث الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمعات النامية، أدى في العديد من المجتمعات إلى أزمات داخلية Dilemas ويمكن تحليل ذلك على النحو التالي:٢٦.
أولا: غالبًا ما تؤدي دعوات التحديث إلى تهديد نماذج العلاقات والالتزامات أو المسئوليات التقليدية -مثل العلاقات والمسئوليات القرابية بين مجتمعات الجيرة، كما يهدد باختلال الكثير من العلاقات والجماعات الأولية، ونبذ الأساليب التقليدية في التفكير والعمل ... الأمر الذي يهدد أمن الناس وبالتالي يرفضونه أو على الأقل يتحفظون في قبول التجديدات. ويضرب لنا "لوير" مثالًا على ذلك بمجتمع جنوب أفريقيا حيث انتشرت فيه ظاهرة المشروعات التجارية لصيد الأسماك الأمر الذي أضفى الطابع
стр. 470
التجاري والنقدي على الاقتصاد، وسار هذا جنبًا إلى جنب مع الاقتصاد التقليدي. غير أن الاقتصاد النقدي تطلب من الأهالي الدخول في نمط العلاقات التعاقدية Contract type relationship من أجل الاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة الأمر الذي يتناقض مع نمط العلاقات الأولية التقليدية السائدة، الأمر الذي قوبل بالرفض حيث رفض الأهالي أخلاقيات النزعة التجارية أو الصناعية، أو قبولها بشرط عدم تهديد القيم والنماذج التقليدية للتفاعل.
ثانيًا: عادة ما يطالب الناس في ضوء الالتزام بقضايا مجتمعهم وتبني التحديث Commitment، بالتضحية في مجالات الاستهلاك أو الاستمتاع الشخصي من أجل بناء مجتمعهم تنمية شاملة over-all development، فاستمرار مستوى الاستهلاك أو ارتفاعه أمر يتناقض مع متطلبات التراكم الرأسمالي Capital Accomulation.
ثالثًا: وفي ضوء الالتزام بقضايا التحديث عادة ما يطالب الناس بالتجديد في أنماط العمل وأساليب الإنتاج والإقدام على تجارب جديدة وأداء أعمال غير مألوفة مما يسبب لهم التأزم النفسي Psychic Strain وتتسبب في زيادة أعبائهم النفسية Psychic Costs خاصة وأن الأعمال الحديثة في ظل التنظيمات الحديثة والتكنولوجيا الأكثر تقدمًا تتعارض -كما يشير إلى ذلك "آجريس" مع مقتضيات الصحة النفسية. طالما أنه يتطلب الالتزام بالمواعيد وبالتعليمات واللوائح وبالإجراءات النظامية ونظم الإشراف والرقابة ويحتم تنميط السلوك وتحقيق إمكانية التنبؤ به، سواء في المواقف العادية أو حتى في مواقف الأزمات٢٧.
رابعًا: ويشير "لوير" إلى سبب آخر يجعل التزام الناس بقضية التحديث صعبًا وشاقًّا وأحيانًا مرفوضًا، وهو غياب القدوة الصالحة، بمعنى عدم إلزام القيادة أنفسها بما تطالب به الجماهير من تقشف والحد من الاستهلاك وبذل الجهد والتضحية. فإذا كانت الصفوة القائمة والداعية
стр. 471
للتحديث Modernizing elite هي التي تستمتع بعائد التنمية أو بالثروة التقليدية على حساب جهد الجماهير والتزامهم، فإن الجماهير غالبًا ما يحدث بينهم تسيب ولا يميلون إلى تأجيل بعض إشباعهم الحالية إلى المستقبل. ويضرب لنا مثلًا على تجربة ناجحة في هذا الصدد وهي التجربة الصينية، وهو يعزو هذا النجاح إلى البناء الإيديولوجي الذي أسسه زعيمهم "ماوتسي تونج" Maoist ideology حيث رفضت الصفوة إيثار نفسها بما لم يتح للناس، وهذا ما جمع الشعب الصيني ووحده خلف قياداته وجعله أكثر التزامًا بقضايا مجتمعهم. وعلى الرغم من عدم إمكان التمييز في بعض الأحيان بين البيانات الإيديولوجية والواقع الاجتماعي، إلا أن التزام الشعب الصيني بالتنمية وتحديث مجتمعهم أمر شهد به الباحثون الغربيون ذوي الميول الليبرالية*.
خامسًا: عادة ما تؤدي الدعوة إلى التزام الناس بقضايا مجتمعهم إلى زيادة انفتاح الناس على ثقافات أخرى Cosmopolianism وبالتالي اطلاعهم على نماذج استهلاكية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية مختلفة. الأمر الذي يؤدي إلى إثارة ما يطلق عليه البعض "ثورة التطلعات المتزايدة" Revolution of rising expectation في وقت يدعون فيه إلى التضحية والحد من الاستهلاك الأمر الذي يثير بعض المشكلات على المستوى المجتمعي والشخصي.
سادسًا: وترتبط قضية الالتزام بالتنمية والتحديث من جانب أعضاء المجتمع بعدد من القيم والاتجاهات من بينها قبول الإيديولوجية الوطنية
стр. 472
Nationalistic ideology، والقدرات الحركية والدينامية عند الأفراد، وقبول المعايير العقلية والمنطقية والروح العلمية.. ويشير الباحثون بأهمية ربط التحديث بأسس عقائدية حتى يستثيروا الدافع الكافي Sufficient motivation لدى أبناء المجتمع وهذا الجانب متوافر في العقيدة الإسلامية التي تجعل عمارة الأرض وتطوير المجتمع وتنميته واستخدام كل الظواهر التي سخرها الله لخدمة الإنسان من خلال الفكر والعلم والعمل. كل هذا من أسس العقيدة الإسلامية ويتحقق ذلك في العديد من المجتمعات من خلال بعض الأنشطة الرمزية Symbolic activity كذلك ترتبط قضية الالتزام الجماهيري بنظم الحكم المحلي أو لا مركزية الإدارة في العديد من الدول.
سابعًا: تجدر الإشارة إلى أن قضية الالتزام الجماهيري أمر أساسي بالنسبة لانطلاق التحديث، ولكنها ليست القضية الوحيدة، فهناك العوامل الاقتصادية "مشكلات الموارد والتراكم الرأسمالي" والبشرية "العمالة والخبرات والكوادر الإدارية والفنية" والتكنولوجية "إمكانية نقل واستيعاب التكنولوجيا" ونوعية الثقافة القائمة ونوعية التعليم ونماذج التربية الأسرية وخصائص جماعات الصفوة ... إلخ.
стр. 473
نماذج من المعوقات الاستراتيجية أمام تحديث الدول النامية
وعادة ما تواجه المجتمعات النامية بضرورة تحديد اختيارات استراتيجية وتجاوز بعض مناطق الأشكال الحرجة التي يمكن أن تحبط كل محاولات التحديث الحضاري وسوف تقتصر هنا على إيراد نماذج من هذه المعوقات.
أولًا: المشكلة المتعلقة بتحديد نموذج التنمية أو التحديث Model of modernization وقد سبق أن أشرت إلى أنه على عكس زعم أنصار الصياغة الغربية للمجتمعات Westernization أو الصياغة الماركسية للمجتمعات، فإن هناك عدة مسارات ونماذج للتحديث، وتكمن المشكلة لدى المجتمعات وأمام الصفوات السياسية عند قيام كل مجتمع بتحديد النموذج التحديثي
стр. 474
المناسب والذي يتناسب مع الواقع الاجتماعي والديني والثقافي والتاريخي للمجتمع في إطار نسق العلاقات الدولية المعاصرة. وقد جاءت العديد من تجارب التحديث على أساس تطبيق النموذج الغربي في بعض الدول النامية مخيبة للآمال. فالتجربة الغربية في التحديث تجربة فريدة حيث سارت متغيرات النمو السكاني ونمو التطلعات والنمو التكنولوجي والنمو الاقتصادي وعمليات التحضير بشكل متناسق، بعكس الحال بالنسبة للمجتمعات النامية المعاصرة التي تعاني عدمَ اتساق أو تصارع هذه المتغيرات الاستراتيجية. ومن بين الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام الدول النامية تحديد شكل الملكية، وتحديد شكل الصناعة -ثقيلة أم خفيفة- وتحديد استراتيجية التمويل والقروض، ورسم استراتيجية التعليم ... إلخ. وسوف نلقي الضوء على هذا المتغير الأخير على سبيل المثال. ومن الواضح أن نمو التعليم يرتبط بالنمو الاقتصادي وتحديث المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا.. وهذا ما سار في التجربة الغربية بشكل متوازٍ أما في الدول النامية فقد حدث توسع في تعليم الشعب بشكل سريع ومفاجئ وغير مخطط -في كثير من الأحيان- الأمر الذي أدى إلى حدوث عدة أزمات من بينها:
أ- أزمة اقتصادية حيث تخصص الدول جزءًا كبيرًا من ميزانيتها للإنفاق على التعليم بوصفه مشروعًا اجتماعيًّا واستثماريًّا طويل الأجل في وقت هي في أمس الحاجة إلى توجيه هذا الجزء من الدخل القومي لبرامج استثمارية سريعة العائد.
ب- أدت سرعة تخريج حاملي الشهادات المتوسطة والعليا، بشكل يفوق سرعة نمو المشروعات الاقتصادية والاجتماعية إلى حدوث أشكال البطالة السافرة أو المقنعة لدى المجتمعات التي تلزم نفسها بتعيين الخريجين -مثل مصر- الأمر الذي يسبب عبئًا أكبر على الميزانية ولعل أخطر أنواع البطالة هي بطالة المتعلمين.
جـ- مع تزايد أعداد المتعلمين تتزايد طموحاتهم وتطلعاتهم في وقت
стр. 475
يَعْجَزُونَ عَنْ تَحْقِيقِهَا مما يسبب أزمات للمجتمع سياسية واجتماعية وإيديولوجية.
هـ- تتفاقم هذه المشكلات إذا كان التعليم موجهًا توجيهًا أرستوقراطيًّا أو نظريًّا لا يخدم متطلبات التنمية -تخرج عمالة ماهرة أو نصف ماهرة أو فنيين أو كوادر إدارية ذات كفاءة عالية- وهذا هو ما يطلق عليه "هوروفتز" Horowitz سوء التعليم أو سواء التوجيه التعليمي Miss Education وهو يتضمن إهدار القوة البشرية الأمر الذي يدفعها إلى السير في مسارات مدمرة على المستوى الفردي والمجتمعي.
ثانيًا: والمشكلة الثانية التي تعوق العمليات التحديثية في المجتمعات النامية المعاصرة هو الوضع المتميز والفريد Advantageous position للمجمعات المتقدمة اقتصاديًّا وممارستها كل أنواع الضغط لتعويق التنمية في الدول النامية. وهذه النقطة عالجها الباحثون عند حديثهم عن البيئة الاجتماعية والاقتصاد الدولية كإطار عالمي للتنمية داخل الدول النامية، وهو ما يطلق عليه البعض مصطلح النسق العالمي The World System فالمزايا الهائلة التي حصلت عليها الدول الغربية عند دخولها في مجال التنمية خلال القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، والمزايا التي حصلت عليها وتستمتع بها الآن -اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وعلميًّا وبشريًّا وعسكريًّا ... في ضوء استحوازها وتحكمها في الموارد ورأس المال والتقدم العلمي والتكنولوجي.. مكنها من ممارسة الضغط وزودها بقدرات تنافسية قوية، الأمر الذي يجعل تحديث المجتمعات النامية أمرًا صعبًا ومستوجبًا للدخول في الكثير من المشاكل والأزمات. فتحديث هذه المجتمعات الأخيرة يعني استقلالها عن الغرب اقتصاديًّا، كما يعني حرمان الغرب من سوق واسع لمنتجاتها كما يعني دخولها في منافسة مع الغرب في الأسواق العالمية، ويعني إعادة النظر في تصدير المواد الخام للدول الغربية بنفس المقادير ونفس الشروط السابقة لتمكنها من عمليات التصنيع ... إلخ.
стр. 476
وكما يشير "لوير" فإن تحديث المجتمعات النامية المعاصرة لا يتحقق كوظيفة لاتخاذ قرارات وطنية ولعمليات تحدث داخل هذه الدول نفسها فحسب، ولكنه يحدث في إطار سياق علمي International context محكوم بالعديد من المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإيديولوجية. ويشير "هانز سنجر" H. Singer في مقال له بعنوان توزيع العائد بين الدول المقترضة والدول المستثمرة إلى أن معدلات التجارة العالمية Terms of trade تسير في غير صالح الدول النامية بوصفها دولًا مصدرة للمواد النامية لأن متوسط دخول أبنائها منخفضة، ولهذا فإن التقلبات الحادة في معدلات وشروط التجارة الخارجية -سواء في حجمها أو في قيمتها. تضع عقبات أمام تحديث أو معدل وسرعة التحديث داخل هذه الدول. والدول النامية كما سبق القول غير قادرة على الدخول في منافسة في الأسواق العالمية العريقة بسبب رخص الصناعات المنافسة التي تملكها الدول المتقدمة صناعيًّا. يضاف إلى هذا أن أغلب الدول النامية تعتمد على اقتصاد الكفاف وبالتالي فإنها تعتمد على هامش الدخل Margin of Income الناجم عن التجارة الخارجية كمصدر أساسي للتراكم الرأسمالي، الذي يعد بدوره المصدر الأساسي للاستثمارات التنموية داخلها٢٨.
وإذا كانت الدول النامية في أمس الحاجة إلى توازنات في التجارة الخارجية تتجه لصالحها وهذا ما لا يحدث عادة إلا لظروف طارئة كما حدث في أسعار البترول بعد حرب ١٩٧٣ بين الدول العربية وإسرائيل، فالواقع أن استثمارات الدول المتقدمة صناعيًّا داخل الدول النامية، حولت أغلب هذه الدول الأخيرة إلى دول مصدرة للطعام والمواد الأولية للدول المتقدمة صناعيًّا، الأمر الذي يضر باقتصاديات ومصادر تمويل التنمية في الدول النامية لاعتمادها الأساسي على تصدير سلعة أو أكثر من السلع الأولية، الذي تتجه معدلات التبادل العالمية في غير صالح الدول المصدرة لها. والعكس صحيح فأسعار المنتجات المصنعة "التي تزداد جودتها وتقل تكلفتها داخل الدول
стр. 477
المتقدمة صناعيًّا نتيجة الأخذ بأساليب علمية وتكنولوجية تتقدم يومًا بعد يوم "تزداد يومًا بعد يوم" ما يمثل أعباء جديدة ومتزايدة على كاهل الدول النامية. وهذا يعني أن الدول المتقدمة صناعيًّا تحصل على كل المميزات كمستهلكين للطعام والمواد الأولية وكمنتجين للصناعات الثقيلة والوسيطة والاستهلاكية. والعكس يحدث للدول النامية حيث تخسر مرتين كمستهلكين وكمنتجين٢٩.
ثالثًا: ويطرح "لوير" المشكلة الثالثة في شكل سؤال على النحو التالي: هل تكنولوجيا التحديث على مستوى العالم كله أمر ممكن؟ ويذهب بعض الباحثين إلى أن موارد الكرة الأرضية كافية لرفع مستوى سكان العالم كله إلى مستويات المعيشة التي يتمتع بها إنسان العالم الغربي المتقدم صناعيًّا. ويتنبأ الباحث المذكور باحتمال انخفاض المستويات المعيشية في كل دول العالم خلال الفترة الزمنية القادمة، ويذهب إلى أن هذا التنبؤ ليس رجمًا بالغيب، ولكنه يعتمد على نماذج تقديرية لحسابات الاحتمالات ولتقديرات الحاسبات الآلية، نتيجة لحساب العلاقة بين عدة متغيرات استراتيجية مثل سكان العالم ونسب نموهم وحجم الموارد الطبيعية ومشكلات التلوث والحروب وحجم الإنفاق العسكري العالمي ورأس المال وإنتاج الطعام. وقديمًا كانت هناك تحذيرات من جانب بعض العلماء المتشائمين مثل "مالتوس" بصدد مشكلة العلاقة بين السكان والموارد الاقتصادية، غير أن ظهور تكنولوجيات ومصادر غير متوقعة أفسد هذه التوقعات. ويشير أغلب المحللين الاقتصاديين والاجتماعيين المعاصرين إلى أنه إذا لم تتقدم التكنولوجيا بسرعة داخل الدول النامية، بحيث يصبح في إمكانها نقلها واستيعابها والاستفادة منها من رفع متوسطات دخول أفرادها وإشباع قدر من تطلعاتهم على الأقل في حدها الأدنى، فإن الموقف العالمي سوف يكون متفجرًا٣٠. وينذر بأزمات كساد عالمي وبطالة داخل الدول المتقدمة صناعيًّا وبالتالي انخفاض معدلات التنمية ومتوسطات الدخول داخلها، هذا إلى جانب مشكلات الصراع والتطرفات والحروب.
стр. 478
ونستطيع القول بأنه إذا كانت هناك مجموعة من الشروط الداخلية والخارجية الضرورية لتحقق التحديث داخل الدول النامية، فإنه على هذه الدول أن تعالج العديد من المشكلات الخطيرة من أجل نجاحها في تجربة التنمية وتحقيق أهدافها. ويذهب "لوير" بوصفه باحثًا غربيًّا إلى أن السلام في المستقبل مرهون بمدى قدرة الدول المتقدمة صناعيًّا والدول النامية على تفهم الموقف العالمي سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وبمدى استعداد الدول المتقدمة صناعيًّا لتحمل مسئوليتها إزاء تنمية الدول الفقيرة والنامية. والواقع أن طبيعة هذه المسئولية ليست على درجة كبيرة من الوضوح، كما أن الدول المتقدمة صناعيًّا ليست صادقة النية في هذا الصدد. ولعل هذا هو سبب فشل العديد من المؤتمرات التي تعقد بين الدول النامية والدول المتقدمة صناعيًّا تحت عدة مسميات مثل، الشمال والجنوب، أو الشرق والغرب، أو الدول الغنية والدول الفقيرة.. ويؤكد كثير من المحللين -حتى في الغرب- على أن المستقبل ينذر بالخطر والمشكلات والفتن إذا استمرت الدول المتقدمة صناعيًّا في تبني نفس الاتجاهات القديمة إزاء الدول الفقيرة والنامية، تلك الاتجاهات التي تتمثل في الأقوال المستهلكة التالية "تستطيع أي دولة أن تحدث نفسها اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا إن هي أرادت وإذا كانت مستعدة للعمل من أجل هذا الهدف، وأن المشكلات الأساسية في الدول النامية، داخلية، اجتماعية وسيكولوجية.. وهذا يعني تجاهل الأبعاد والظروف الدولية الضاغطة وسوء نية الدول المتقدمة صناعيًّا الأمر الذي ينذر بالخطر حتى على مستقبل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل هذه الدول ذاتها.
стр. 479
التحديث والتنمية
العلاقة بينهما ومداخل الدراسة
مدخل
...
التحديث والتنمية:
العلاقة بينهما ومداخل الدراسة
طرحت العديد من التعريفات لمصطلح التحديث ولمضمونه كما رأينا والكثير منها متصارع نتيجة لتأثره بتوجهات إيديولوجية معينة ونفس الشيء بالنسبة لمفهوم التنمية. ويرجع الاختلاف والصراع -إلى جانب التوجيهات
стр. 480
الإيديولوجية للباحث- إلى طبيعة التنظيمات التي حاولت صياغة المفاهيم. وقد سبق لي في دراسات سابقة* عرض أهم هذه التنظيمات وأهم التعريفات المطروحة لكل من التحديث والتنمية. والاتجاهات المختلفة في تحديد هذه المفاهيم٣٢. ويلاحظ أن الكثير من الدارسين لا يميزون بشكل واضح بين المفهومين. وقد عرضت تصورًا للتمييز بينهما على أساس أن التحديث يتمثل في تزايد قدرة الإنسان والمجتمع في التحكم في البيئة من خلال التقدم العلمي والتكنولوجي فالتحديث الاقتصادي يرتبط بزيادة الناتج والدخل القومي وتزايد استمتاع الإنسان وتيسير حياته المادية من خلال زيادة متوسط الدخل، ويرتبط التحديث الاجتماعي بالتقدم في التعليم وتزايد المتعلمين وحسن التوجيه التربوي والمهني، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية وسيادة القيم الإيجابية نحو العلم والتجديد والتخطيط والتفكير العقلي والمنطقي وترشيد السلوك في ضوء الحقائق العلمية والمعارف اليقينية ... ويتمثل التحديث السياسي في اهتمام الصفوات السياسية بأمور المجتمع وتحديثه وتطويره ويرتبط بالمشاركة الجماهيرية في قضايا المجتمع وتطويره، كما يرتبط بالسلوك السياسي والأخذ بنظام الشورى والتنظيمات السياسية والولاء السياسي لدولة موحدة لها سلطة مركزية ذات سيادة.. إلخ. وهذا يعني أن التحديث هو جعل المجتمع حديثًا، أما التنمية فهي كمفهوم لدى الباحث أشمل وأعم من التحديث، حيث تشمل التحديث -متضمنًا المبادئ والأساليب والمنجزات العلمية والتكنولوجية الحديثة من أجل تزايد سيطرة
стр. 481
الإنسان على البيئة وتحسين الإنتاج كمًّا وكيفًا في كل أشكاله الاجتماعية والاقتصادية من أجل تحسين أساليب الحياة الإنسانية وتيسيرها. أما التنمية فلها عدة أبعاد:
стр. 482
البعد العقائدي أو الإيديولوجي
...
١- البعد العقائدي والايديولوجي:
والذي يحدد منطلقات التنمية وقيمها وأهدافها ويحدد البناء المعياري والقيمي الموجه لسلوك الناس وأهدافهم ولكافة عمليات التحديث -والذي يحدد توجهاتها. فهناك التوجهات الوضعية مثل التوجهات الماركسية وتتضمن عدة نماذج كالنموذج السوفيتي والنموذج الصيني ونماذج شرق أوروبا.. وهناك التوجهات الليبرالية وتتضمن عدة نماذج كالنموذج الإنجليزي والفرنسي والأمريكي والياباني ... وهناك التوجهات المختلفة ويتضمن عدة نماذج كالنموذج الهندي وأغلب دول العالم الثالث، وهناك التوجهات الدينية حيث تنطلق التنمية من منطلقات دينية كما هو الحال في نماذج التنمية في ظل التوجهات الإسلامية وطبقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية كما أرادها الله .
стр. 483
٢- بعد النظم الاجتماعية:
ويتمثل في أساليب ووسائل توظيف وصياغة المركبات المعيارية داخل المجتمع وتوجيه وظائفها في خدمة المعتقدات والأهداف والمعايير العليا الحاكمة للمجتمع، وخاصة النظم الاستراتيجية كنظام الاقتصاد والسياسة والأسرة والتربية والحراك الاجتماعي ...
стр. 484
٣- البعد التنظيمي:
ويتمثل في تحديد أشكال التنظيم داخل المجتمع -الحالية والمستهدفة، ويتضمن أساليب ومضامين وأهداف التخطيط وتقسيم العمل والتخصص وأنواعه ونماذج الإدارة والإشراف والبيروقراطية، وأنماط الأسرة وأشكال
стр. 485
التنظيم الديموغرافي للمجتمع من حيث خصائص السكان ونموهم وتوزيعهم الجغرافي، وطبيعة النمو الحضري والصناعي وتحديد العلاقة بين المجتمعات المحلية، وبين البيئة والمجتمع -الأيكولوجيا- ونظم الإدارة أو الحكم المحلي ... إلخ.
стр. 486
٤- البعد الثقافي:
ويتضمن كل أبعاد الثقافة المادية والمعنوية. وشمولية التنمية تتطلب التفاعل الانتقائي مع الثقافة التقليدية، من حيث التركيز على جوانب الثقافة التقليدية التي تدعم برامج وأهداف التنمية، وتفريغ الجوانب المعوقة من مضمونها القيمي، مع دَعْمِ نَمَاذِجَ ثَقَافِيَّةٍ بَدِيلَة. ويتصل هذا الجانب بالمعتقدات والفلسفات القائمة وبالعمق التاريخي للسمات والمركبات الثقافية وبطبيعة بناء السلطة والقوة داخل المجتمع من حيث الأهداف والفلسفة والأساليب والتصور الاستراتيجي للمجتمع.
стр. 487
٥- البعد النفسي:
ويتصل بطبيعة الشخصية وبنائها المرغوب فيه والقائم فعلًا، كما يتصل بمستويات الدافعية Motivation والطموح ومحركات السلوك خاصة ما يتصل منها بالإنجاز والابتكارية والنجاح والقدرات الريادية والتنظيمية والإدارية لدى الصفوة والجماهير. كذلك يتصل هذا البعد بمضامين وأشكال وعمليات التنشئة الاجتماعية والتربية عمومًا.
стр. 488
٦- بُعْد الإمكانات المتاحة:
ويقصد هنا الإمكانات المالية والبشرية والمادية والتنظيمية والتكنولوجية والعلمية، وأساليب تعبئتها وتنظيمها وتوظيفها في خدمة المجتمع.
стр. 489
٧- بُعْد المناخ الدولي أو النسق العالمي:
ويتضمن طبيعة العلاقات والتسهيلات وجوانب الضغط والتعويق التي
стр. 490
تتعرض لها برامج التنمية داخل المجتمعات النامية من جانب الدول المتقدمة والدول النظيرة، ويتعلق بطبيعة العلاقات الدولية وعلاقة المجتمع بالتكتلات والكيانات الكبرى والمناطق الاقتصاية والاتفاقيات الدولية والثنائية ... إلخ. وموقف المجتمع من هذه المتغيرات.
-والواقع أن هناك تداخلًا كبيرًا بين مفهوم التحديث ومفهوم التنمية ولكن لأهداف الفهم العلمي نرى قصر مفهوم التحديث على الاستفادة من المنجزات العلمية والتكنولوجية في رفع مستويات الدخل القومي والإنتاج وحفز الناس وتعبئة قواهم في سبيل تحقيق هذا الهدف وبناء التنظيمات الإنتاجية والخدمية الأكثر كفاية وكفاءة، وتحسين العمليات التعليمية وجوانب الرعاية الصحية والاجتماعية، أما التنمية فتضمن هذا الجانب "التحديث" إلى جانب الانطلاقات الفكرية الموجهة له وأهدافه وغاياته النهائية. وإذا كان هناك تحديث في الغرب الليبرالي وفي الدول الماركسية وفي الدول ذات الاقتصاد المختلط وفي الدول الإسلامية ... إلخ، فإن الخلاف بينهما لا يمكن في الاستخدام العلمي والتكنولوجي، ولكن في منطلقات وفلسفة هذا الاستخدام وأهدافه وغاياته النهائية وأساليب توظيف نتائج التنمية أو التوجيهات الإيديولوجية للتنمية.
هذا وقد طرحت عدة مداخل نظرية لفهم التنمية الاجتماعية في التراث الاجتماعي* منها: مداخل النماذج المثالية، والمتصلات الثقافية، التحضر المدخل التطوري، المدخل الاقتصادي، المدخل الديموغرافي، المدخل العنصري، المدخل الماركسي، المدخل السيكولوجي، مدخل النسق العالمي ... وقد فصلت هذه المداخل في دراسات سابقة٣٤ وسننتقل الآن
стр. 491
لعرض المدخل الإسلامي لدراسة وفهم التنمية الاجتماعية الشاملة.
стр. 492
نحو مدخل إسلامي للتنمية
يمكن القول أن الدين الإسلامي عقيدة وشريعة يعد منطلقًا للتنمية الاجتماعية بمفهومها الشمولي حيث إن الإسلام اهْتَمَّ بالإنسان الذي كرمه الله واستخلفه في الأرض ورسم له أسلوب عزته وسموه وتفوقه، كما اهتم بالجماعة والمجتمع حيث رسم لهما عوامل التكامل والتكافل والتقدم والنمو في جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ويمكن إيجاز أهم جوانب الارتباط الوثيق بين الإسلام وقضايا التنمية كما سبق أن حددتها في النقاط التالية:
أولًا: ارتبط خلق الإنسان -كإنسان- في الدين الإسلامي بالتكريم والرفعة والعزة، وليس أدل على هذا من أن الإنسان فيه نفخة من روح الله إلى جانب العنصر الترابي. وهذا يعني أن الجنس البشري منذ خلقه هو أفضل المخلوقات عند الله، وجدير به أن يعمل وأن يكون على هذا المستوى من التكريم الإلهي حتى أن الله يباهي به الملائكة في مواقف معينة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة﴾ [البقرة: ٣٠] ، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] .
ثانيًا: ارْتَبَطَ وُجُودُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَرْضِ بِتَنْمِيَةِ الْأَرْضِ وَتَعْمِيرِهَا بعد عبادة اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقال أيضًا: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] . وقد حمل بني آدم في البر والبحر ليؤدوا واجباتهم المفروضة عليهم وهي واجبات الاستخلاف والقيادة والتعمير والتنمية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] .
ثالثًا: ارْتَبَطَ خَلْقُ اللَّهِ للبشر ذكورًا وإناثًا وجماعات
стр. 493
وقبائل وشعوبًا بالتعارف والاحتكاك ثقافيًّا، والتعاون على البر والتقوى وتحقيق الاستفادة المتبادلة من خبرات بعضهم البعض: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ [الحجرات: ١٣] .
رابعًا: أعلى الإسلام من قيمة العمل باعتباره أنه السبيل إلى إرضاء الله ، وهو الوسيلة إلى إشباع حاجات الإنسان المشروعة وهو السبيل إلى تعمير الأرض والتنمية في كل المجالات والعمل الذي يعلي الإسلام قدره ويرفعه إلى مراتب العبادة، وهو ذلك العمل المشروع البعيد عن الانحرافات، والعمل المتقن الذي يخلص فيه العاملون. وقد وصف الله نفسه بأنه صانع يتقن صناعته كما يتقن كل شيء ويحسن كل شيء خلقه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ [النمل: ٨٨] ويقول تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه﴾ [السجدة: ٧] . ويقول ﵊: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه"، ويلاحظ في القرآن الكريم أن الله يقرن في الكثير من المواضع بين الإيمان والعمل الصالح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والعمل الذي يقصده الإسلام يتسع ليشمل العمل العقلي والعمل اليدوي المقترن بالتفكير معًا وهما السبيل الصحيح للتنمية يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] . وتحض التوجيهات النبوية الشريفة على عمل اليد: "ما من نبي إلا وكان يأكل من عمل يده، وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده".
"من بات كالًّا من عمل يده، بات مغفورًا له".
وليس من المصادفة أن جميع أنبياء الله كانوا من العاملين إعلاء لقيمة العمل وتقديرًا لأهله، فيروى أن نوحًا كان نجارًا وإدريس خياطًا وموسى
стр. 494
راعيًا، ومحمد راعيًا وتاجرًا عليهم جميعًا صلاة الله وسلامه. ويتعهد الله أنه هو الذي يحاسب على عمل الإنسان وأنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠] .
خامسًا: يربط الإسلام بين العمل والعلم، فالعمل الصالح هو الذي يستند إلى العلم السليم، ويعلي القرآن في أكثر من موضع من قدر العلم والعلماء ويؤكد أهمية طلب العلم، ومن المعروف أن العلوم النظرية والتطبيقية هي السبيل إلى التقدم والتنمية في كل مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعلوم في الإسلام ليست قصرًا على العلوم الدينية فقط ولكنها تمتد لتشمل كل العلوم التي تدرس الجماداتِ والنباتات والحيوان والإنسان، فالعلم في الإسلام هو مطلق العلم بشرط ألا ينطلق من منطلقات مغرضة أو منحرفة مثل العلوم العنصرية مثلًا وهدف العلم التوصل إلى الحقائق والقوانين التي تحكم الظواهر، وهي كلها شواهد على عظمة الله في كل مجال وحدة المكونات العضوية -وحدة القوانين الطبيعية ... تدل على وحدانية الخالق- وهدف العلوم في الإسلام تحقيق مصالح الناس في دنياهم وتحسين ظروف حياتهم المعيشية وهذا هو جوهر التنمية بمفهومها الشمولي: فقد سخر الله كل ما في السموات والأرض للإنسان ودعاه للانتفاع بها ولا يكون ذلك إلا بالمعرفة العلمية الدقيقة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [ابراهيم: ٣٢، ٣٤] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ويوجهنا الإسلام إلى ضرورة العمل بمقتضى هذا التسخير من
стр. 495
خِلال فهم الظواهر وما يحكمها من قوانين حتى يستفيد من هذه الظواهر في حياته ويستخدمها لصالحه. ويحثنا القرآن الكريم على التفكير وإعمال العقل في كل الظواهر: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ [آل عمران: ١٩١] وتبين سورة الواقعة عظمة الله الخالق وتدعونا إلى الفهم الحقيقي للكثير من الظواهر التي هي خلق من خلق الله بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨- ٥٩] . ويقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣- ٦٤] ، ويقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨-٧٢] . ويقول تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] . وفي هذه الآيات الكريمة دعوة صريحة للبحث العلمي والتفكير في مجالات علوم الحياة والأرض والمناخ والزراعة والماء والأجنة والطاقة والفلك ... إلخ، وهناك العديد من الآيات التي تدعونا للتفكير والبحث في المعادن: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية. [الحديد: ٢٥] . وكيف ينتفع به الناس أن لم يفهموا خواصه والقوانين التي تحكمه؟ ويدعونا القرآن الكريم إلى البحث في داخل الإنسان: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١] وهذه دعوة إلى البحوث البيولوجية والنفسية والفسيولوجية والباثولوجية والطب النفسي والعقلي ... إلخ. ويقول تعالى في سورة فصلت: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق﴾ [فصلت: ٥٣] ونجد نفس التوجيهات للتفكير والبحث والفهم في مختلف سور القرآن الكريم مثل سورة "يس" وغيرها من السور ويعلي الإسلام من قيمة العلماء ويرفعهم فوق مرتبة العباد. يقول تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩١] ويقول تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ويقول ﵊: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".