ثالثا: في الحالات التي تستدعيها الضرورة:
مع تعقد الحياة الاجتماعية ونمو التنظيمات الاقتصادية المتعددة وتشابكها، وتعدد مجالات الإنتاج والاستهلاك وأساليب التوزيع، زادت وظائف الدولة وصار من الضروري قيام الدولة بالإشراف على العديد من المشروعات الاقتصادية العامة التي لا يجوز تركها للأفراد حتى لا يسخروها لمصالحهم الخاصة. هنا يجب على الدولة التدخل في هذه المشروعات من خلال الإشراف أو الرقابة أو الإدارة أو التملك إذا دعت مصحلة المجتمع لذلك. مثال هذا، الثروات العامة، كالمعادن ومصادر الطاقة ومصانع السلاح ومؤسسات النقل البحري والجوي وغير ذلك مما يتطلب الصالح العام أن يوضع تحت الإشراف المباشر للدولة.
стр. 422
مسئولية الدولة عن الأموال العامة:
المعيار الإسلامي لشرعية تصرفات الدولة هو تحقيق الخير العام والمصالح العامة وتطبيق الشريعة الإسلامية. والحاكم المسلم هو الشخص الذي يقع عليه الاختيار لأنه الأكثر جدارة والأقدر على إدارة الجهاز الحاكم. وهو يتقاضى أجرا من المال العام لقاء عمله بقدر ما يغنيه عن أي عمل آخر، ولا يحق له إساءة استعمال الأموال العامة لأنها ملك للمجتمع وليست ملكا خاصا له. وعلى هذا فلا يجوز أن يخص الحاكم نفسه
стр. 423
بامتيازات شخصية إلا بمقدار ما تستدعيه المصحلة. وقد طبق هذا المعيار خلال العصر الذهبي للمجتمع الإسلامي -خلال عهد الخلفاء الراشدين- حيث كانا لحاكم يحاسب نفسه أولا، ويطلب إلى الشعب محاسبته ومراقبته ويعتبرها ضرورة من ضرورات استمرار الحكم الصالح. ويتضح هذا في خطبة أبي بكر الصديق عندما تولى الخلافة إذ قال: "أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني ... أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم".
وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى، فقال له عمر: تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟ فالمال العام لدى الحاكم وديعة وكان الخلفاء الراشدون يحاسبون الأمراء والعمال عن الأموال الموجودة لديهم، فإذا اكتشفوا أن أحدهم استغل مركزه في تحقيق منفعة مادية أو إثراء غير مشروع، كانوا يصادرون هذا المال -كله أو بعضه- ويضمونه إلى بيت المال ليستفيد منه الناس جميعا. وقد حبس الخليفة عمر بن عبد العزيز أحد ولاته وهو يزيد بن المهلب لأنه امتنع عن إعادة الأموال التي بحوزته إلى بيت المال، وقال له في تعليل ذلك: إنها حقوق المسلمين٥٢.
стр. 424
مسئولية الدولة في مجال الضمان الاجتماعي ومعاونة الفئات المحتاجة .
الدولة في المجتمع المسلم مسئولة عن الفقراء والأيتام والعاطلين والعجزة واللقطاء، وتشير الكتب الفقهية إلى ضرورة توافر الضمان الاجتماعي لكل محتاج حيث تقوم الدولة بتوفير الإنفاق والعلاج المجاني لكل محتاج. يقول الكاساني في بدائع الصنائع: وأما النوع الرابع فيصرف
стр. 425
إلى دواء الفقراء والمرضى وعلاجهم وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته، وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب، وليس ل من تجب عليه نفقته، ونحو ذلك وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها".
وقد خصت الدولة الإسلامية عطاء معينا من بيت المال للأطفال سواء كانوا أغنياء أم فقراء رعاية للأطفال وحرصا على تنشئتهم تنشئة صالحة متوازنة. وقد أمر عمر بن الخطاب مناديا ينادي بالناس بألا تعجلوا أولادكم على الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام٥٣.
ولا تقتصر واجبات الدولة المسلمة على رعاية المحتاجين من المسلمين فحسب، وإنما تمتد رعاية الإسلام إلى غير المسلمين كذلك، فقد جاء في كتاب خالد بن الوليد إلى أهل الحيرة عندما صالحهم: وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام٥٤. وهكذا تكفل الإسلام برعاية كل مواطن في الدولة الإسلامية بغض النظر عن دينه أو أصله أو لونه. فالإسلام يرعى الإنسان كإنسان، وهذا هو ما جعل أهل البلاد المفتوحة يدخلون في دين الله أفواجا التماسا للعدل والحق والرعاية الكريمة.
والفرق شاسع بين الفتوحات الإسلامية والفتوحات الاستعمارية، فالفتوحات الإسلامية أدت إلى اندماج عضوي بين المسلمين وأهل البلاد المفتوحة حيث دخل أهل هذه البلاد في دين الإسلام وتبنوا اللغة العربية نتيجة الاقتناعهم بالدين الحنيف الذي يتفق مع الفطرة ولما حققه الإسلام لهم من قضاء على الظلم والاستغلال، وما نعموا به في ظل الإسلام من عدل ومساواة ومعاملة كريمة، وما قدمه الإسلام لهم من حضارة خالدة، أما الحركات الاستعمارية فكان مآلها طرد البلاد المستعمرة نتيجة لما قامت به من استغلال واستنزاف للمستعمرات.
стр. 426
ولم تتنبه الدول الحديثة إلا في القرن العشرين وبعد أربعة عشر قرنا إلى فكرة الضمان الاجتماعي، الذي سبق أن نبه إليه الإسلام وطبقه بصورة مشرقة لا ترقى إليها التطبيقات الحديثة حتى في أكثر الدول تقدما.
стр. 427
الملكية العامة في الإسلام وضوابطها
مدخل
...
الملكية العامة في الإسلام وضوابطها:
يشير مفهوم الملكية العامة توظيف المال العام للصالح العام للمسلمين، في مقابل الملكية الخاصة التي يكون توظيف المال الخاص هنا للمالك على سبيل التخصيص، وعادة ما تكون المرافق السياسية في المجتمع كالطرق والأنهار في إطار الملكية العامة. وإذا كان الإسلام يقر الملكية الخاصة بالشروط السابق الإشارة إليها ويباركها ويحميها من كل اعتداء فإن الدولة الإسلامية عرفت منذ نشأتها صورة الملكية العامة في صور متعددة نذكر منها:
стр. 428
أ- أرض الحمى:
فقد كان ولي الأمر يقوم بتخصيص جزء من الأرض لانتفاع عامة المسلمين، الأمر الذي يجعلها واقعة في إطار الملكية العامة ولا يسمح أن تكون -كلها أو بعضها- ملكية خاصة. وفي دول الرسول ﵇ حمى ﵊ أرض النقيع، وجعلها لخيل المسلمين "وهو موضع معروف قريب من المدينة المنورة". كذلك قام عمر بن الخطاب بحماية أرض بالربذة -مكان بين مكة والمدينة- وجعل كلأها لفقراء المسلمين ترعى فيها ماشيتهم، ومنع منها الأغنياء.
وهذه الحماية من رسول الله ﷺ ثم من عمر ﵁ تمثل إقرارا للملكية العامة حيث تصير الأرض ملكا لجماعة المسلمين تحقيقا لصالحهم العام٥٥.
стр. 429
ب- الأراضي الزراعية المفتوحة:
هناك خلاف بين العلماء حول الأرض المفتوحة عنوة ونوجز آراء العلماء فيما يلي:
١- يرى أنصار المذهب الشافعي أن هذه الأرض يجب أن تقسم بين الفاتحين لأنها مغنم ويستدلون على ذلك بفعل الرسول ﵊ في أرض خيبر *.
٢- يذهب أنصار المذهب المالكي أن الأرض التي تفتح عنوة تصير فيئا وبالتالي يجب حبسها. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في سورة الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٧، ٨] يستدل من هاتين الآيتين بأن الذي آل إلى النبي ﷺ بعد إخراج بني النضير يكون محبوسا لمصالح المسلمين ويكون لسد باب من أبواب التكافل الاجتماعي. وتطبيقا للنص فقد قسم الرسول ﵊ أموال بني النضير المنقولة بين الفقراء وخص المهاجرين بالنصيب الأوفر لشدة حاجتهم، أما الأرض فلم يوزعها وأبقاها لتكون غلاتها للفقراء واليتامى والمساكين.
٣- الرأي الثالث وهو المشهور عن أحمد ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والذي عليه أكثر العلماء، فإنه يذهب إلى أن ولي الأمر يفعل بالأرض ما يراه أصلح للمسلمين من قسمها أو حبسها. فإن رأى قسمها كما
стр. 430
قسم النبي ﵇ خيبر -فعل- وإن رأى أن يدعها فيئا للمسلمين فعل، كما فعل النبي ﵇ عندما فتح مكة عنوة ولم يقسمها بين الفاتحين، وكما فعل بنصف خيبر في إحدى الروايات التي تقول: إنه قسم نصفها. فالوالي يختار فله أن يحبسها أي يجعلها في ملكية المسلمين العامة ويكون حق الانتفاع لحائزيها نظير الخراج، كما فعل الرسول ﵇ بأرض مكة، كما له أن يوزعها على المقاتلين كما فعل الرسول ﵇ بأرض خيبر. كل ذلك في ضوء ما يراه من المصلحة العامة للمسلمين.
وكما يذكر الشيخ علي الحفيف، ففي عهد الرسول ﵊ كانت الثروة العامة للمسلمين ضيقة الحدود قليلة المقدار في جملتها. ولهذا يجب ألا يفهم من ذلك أن الاقتصاد الإسلامي لا يعرف غير تلك الصور من الملكية العامة التي أشرنا إليها، ذلك لأن تقرير الملكية العامة يضع في الإسلام لقاعدة أساسية وهي تحقيق صالح الجماعة الكتاب والسنة. فقد ذكر ﵊: "المسلمون شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" أخرجه أحمد وأبو داود* أضاف ﵇ في حديث آخر الملح. وهذا يعني أن الرسول ﵊ أوجب أن تكون ملكية هذه الأشياء هي التي كانت ضرورية لجميع الناس على عهد الرسول ﵇ ولا يتوقف وجودها أو الانتفاع بها على مجهود خاص. واختلاف الحضارات فإنه لا يوجد ما يمنع من أن يقاس على هذه الأشياء الأربعة أشياء أخرى تتوافر فيها صفاتها. وهذا ما فعله المجتهدون من الأئمة
стр. 431
عندما قاسوا على هذه الأشياء أمورا أخرى مثل المعادن: الصلبة أو السائلة "كالبترول"٥٦.
ويذهب الفقهاء إلى أن المعادن وما يأخذ حكمها من نفط وخلافه، إن ظهرت في أرض ليست مملوكة لأحد تكون ملكا للدولة أي تكون في إطار الملكية العامة، وهناك خلاف بينهم في حالة ظهور المعادن في أرض مملوكة خاصة. فناك من الفقهاء من يقيسون ما في باطن الأرض على الأمور المنصوص عنها في الحديث السباق -الماء والكلأ والنار- ويذهبون إلى أن كل ما يوجد في باطن الأرض يكون من نصيب بيت مال المسلمين٥٧، حتى ولو وجد في أرض مملوكة ملكيةخاصة -وهذا هو رأي غالبية المالكية. وهناك رأي الشافعية الذين يذهبون إلى أن المعادن تابعة للأرض كالثمر والنبات فإذا وجدت في أرض مملوكة ملكيةخاصة صارت ملكيتها لصاحب الأرض، وهم لا يمانعون من أن يكون للدولة نصيب فيها، والرأي الغالب أن ملكية المعادن وما في حكمها يجب أن تكون للدولة تحقيقا للتكافل الاجتماعي وللمبدأ القائل بأن عائد العمل ينبغي أن يكون متكافئا مع الجهد المبذول فيه ولا يجوز قياس ما في باطن الأرض على النبات لأنهما مختلفان، هذا إلى جانب أن الناس جميعا في حاجة إلى هذه المعادن ولا يجوز تملكها ملكية خاصة وإلا كان هناك احتمال إيقاع الضرر بالمسلمين، وهذا ما يؤكده ابن قدامة وغيره من الفقهاء٥٨.
وإذا كان الإسلام قد أباح الملكية العامة في بعض الحالات فإنه لم يطلقها بدون ضوابط وإنما حدد ضوابطها وقيودها وأهمها: وجوب تخصيص المال العام للإنفاق على أغراض محددة، وهذا يعني أن الحكومة الإسلامية لا تملك إنفاق هذه الأموال في غير وجوهها الموضحة في الشريعة، فحصيلة الزكاة يجب أن توجه إلى مستحقيها الذين حددهم القرآن الكريم في الآية ٦٠ من سورة التوبة. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] .
стр. 432
وهناك واجبات تفرضها الشريعة على الدولة الإسلامية تسمى بفروض الكفاية كإنشاء دور العلم والمصانع والمستشفيات ... وهو يقع على عاتق الجماعة كلها. ويرى الفقهاء أن الدولة يجب أن تقوم بالأنشطة الاقتصادية التي يعجز عنها الفرد -كالصناعات الثقيلة والسكك الحديدية- أو التي يعزف عنها الأفراد لكثرة التكاليف وقلة الأرباح مثل: استصلاح الأراضي البور. وللدولة أن تتولى الأنشطة الاقتصادية التي يخشى من تركها للأفراد أن ينحرفوا أو يقصروا مع ما لها من أهمية كالتعليم والعلاج. ويجوز لولي الأمر أن يخصص الملكية الجماعية ويقيد الانتفاع بها إذا اقتضى ذلك الصالح العام، وقد فعل ذلك الرسول ﵊ عندما خصص جانبا من أرض الكلأ المباحة للجميع -في منطقة النقيع- وجعلها خاصة لخيل الجيش وإبله٥٩.
стр. 433
الفكر الاقتصادي في التراث الإسلامي:
سبق علماء المسلمين في بحث القضايا الاقتصادية التي اهتم بها علماء الاقتصاد في العالم الغربي بقرون طويلة، فقد بحث المفكرون المسلمون قضايا العرض والطلب ونظرية القيمة وقضية التبادل الاقتصادي ومسائل الأسعار والارتباط بين القضايا الاقتصادية بقضايا الثقافة والجوانب القيمية والعقدية والنظم الاجتماعية والتفاعل بين الإنسان والبيئة أو الأيكولوجيا لذلك فإنهم بحثوا في قضية مدى وحدود تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وعوامل التنمية الاقتصادية ومواجهة المشكلات الاقتصادية في المجتمع. ... وسوف نكتفي هنا بعرض أهم جوانب الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون فقد كتبت عنه عشرات الرسائل العلمية والكتب من بينها رسالة دكتوراه بعنوان: الفكر الاقتصادي في مقدمة ابن
стр. 434
خلدون"* ذكر صاحبها أن كتابة ابن خلدون جديرة بأن تكون نقطة البدء للدراسة العلمية في الاقتصاد، فهي ليست مجرد تجميع للمعارف المنوعة لكنها مجموعة معارف منظمة مرتبة ينطبق عليها مصطلح العلم بمعناه الدقيق. وهذا يعني أن العلماء المسلمين سبقوا علماء الغرب مثل: "آدم سميث" في كتابة "ثروة الأمم سنة ١٧٧٦" وغير من مؤسسي علم الاقتصاد في الغرب بأكثر من أربعة قرون في دراسة القضايا الكبرى في مجال الاقتصاد. وقد تعرض ابن خلدون لهذه القضايا الاقتصادية في أكثر من فصل من فصول مقدمته** وسوف نعرض لأهم جوانب الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون في نقاط:
أولا: ناقش ابن خلدون قضية الأساس الذي يقوم عليه المجتمع وهو في نظره تقسيم العمل وتلبية حاجات الناس لعجز الفرد عن تلبية جميع حاجاته، وهو يحاول تفسير التطور الاجتماعي على أساس اقتصادي. فهو يحدثنا عن انتقال المجتمع من البساطة إلى التعقيد من ناحية البنية والتركيب. ويقابل هذا التطور مراحل معينة في أسلوب استغلال موراد البيئة الطبيعية. فالمرحلة الأولى للمجتمعات هي رحلة الزراعة البدائية، تليها مرحلة الرعي والزراعة المتقدمة، ثم تليها مرحلة الصناعة والتجارة، وتقترب هذه المراحل التطورية عند ابن خلدون من تلك التي عرضها الاقتصادي الألماني "فردريدك ليست" ويربط ابن خلدون كل مستوى اقتصادي
стр. 435
بمستوى أخلاقي معين. فالبدو أقرب إلى الشجاعة والتضامن والعصبية والأخلاق الحميدة بالمقارنة بأهل الحضر. وهو بهذا التحليل سبق "فردناند تونيز" في التفرقة بين خصائص المجتمع المحلي "الجمنشافت" والمجتمع العام "الجزلشفات".
ثانيا: وقد تعرض ابن خلدون لكثير من القضايا الاقتصادية كالعرض والطب وما يطلب عليه الآن نظرية القيمة، فقد أكد أن العمل هو الأساس الأول للقيمة، وقد سبق بهذا الرأي العديد من النظريات الحديثة، يقول ابن خلدون: "لا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب وممول لأنه إذا كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر، وإن كان يتعلق بالحيوانات والنبات والمعدن ففيه من العمل الإنساني كما نراه وإلا لم يحصل به انتفاع".
ثالثا: بحث ابن خلدون ما يطلق عليه اليوم "المستوى العام للأسعار" فارجع تقدير إلى تفاوت الثروة من بلد لآخر.
رابعا: قسم السلع التجارية إلى ضرورية وكمالية وتوصل إلى نسبية هذا التصنيف وارتباطه بدرجة التقدم والعمران. فالبلاد التي تبلغ درجة أعلى من الحضارة تنقلب الكماليات فيها إلى ضرورات.
خامسا: قدم ابن خلدون تفسيرا اجتماعيا للتقدم الاقتصادي "تقدم الزراعة والتجارة والصناعة وارتفاع الأجور وكثرة عرض السلع" حيث ذهب إلى أن التقدم الاقتصادي يقوم على عاملين: الأول تكاثر السكان، الثاني تقسيم العمل، أي توزيع الاختصاصات وتزايد حجم التخصص والتكامل. وقد سبق بهذا الرأي "آدم سميث" a.smith الذي ينسب إليه تأسيس علم الاقتصاد في العالم الغربي.
سادسا: ناقش ابن خلدون مسألة حرية التداول التجاري وموقف الدولة من النشاط الاقتصادي وحدود تدخلها. فقد كان من أنصار الحرية التجارية -مع الالتزام بالضوابط الإسلامية- وعارض تدخل الدولة بشكل
стр. 436
كبير في النشاط الاقتصادي للأفراد ونادى بعدم الإسراف في فرض ضرائب، ويؤكد ابن خلدون أن من واجب الدولة أن تتأكد أن "الضرائب" لا تثمر إذا هي فرضت فرضا تعسفيا وأن الضرائب المعتدلة أعظم حافظ على العمل الاقتصادي.
سابعا: يؤكد ابن خلدون أن التعاون عملية اجتماعية أساسية في حياة البشر. ويعد هذا المفكر من أنصار نظرية تفسير المجتمع بحاجة الأفراد إلى التعاون لسد احتياجاتهم الاقتصادية والبيولوجية والدفاعية. يقول ابن خلدون في هذا الصدد: إن قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل حاجاته من الغذاء غير موفية له عادة حياته منه ... فلا بد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه كي لا يحصل الموت له ولهم ... كذلك فإن الواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة الواحد من الحيوانات المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة، ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها، فلا بد في ذلك من التعاون عليه بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء، ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك على مدى حياته ويبطل نوع البشر. ويؤكد ابن خلدون أن ظاهرة السلطة أمر حتمي في شئون البشر. فمتى تحققت الضرورة الاجتماعية عند الناس وتجمعوا من أجل إتمام حكمة الله في خلق الجنس البشري، لا بد من وجود السلطة من أجل تنظيم علاقاتهم تنظيما يكفل استمرار المجتمع والتعاون. ويتجسد قيام السلطة في قيام الملك*.
стр. 437
لكن ابن خلدون ينبه إلى أن تدخل الدولة بشكل سافر في النشاط الاقتصادي للأفراد وقيامها بمصادرة أموالهم والتعسف في تقييد النشاط الاقتصادي -كما هو حادث الآن في الدول الماركسية- أمر يؤدي إلى خراب الدولة.
ثامنا: لم يغفل ابن خلدون عن العلاقة التفاعلية بين الإنسان والبيئة الطبيعية وهو ما يطلق عليه الآن الأيكولوجيا الإنسانية human ecology. وقد سبق ابن خلدون المفكر الفرنسي "مونتسكيو" في معالجة أثر العوامل الجغرافية على العمران في أكثر من موضع في مقدمته مثل: "المقدمة الثانية في قسط العمران من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه من الأشجار والأنهار والأقاليم، والمقدمة الثالثة في المعتدل من الأقاليم والمنحرف وتأثير في أخلاق البشر" ... إلخ. وبهذا يكون ابن خلدون سبق النظريات الأيكولوجية الحديثة في بيان العلاقة التفاعلية بين الإنسان والبيئة وأثر البيئة على لون الناس وأخلاقهم ونظامهم الإنتاجي. وقد عالج بشكل ممتاز العلاقة بين النمو السكاني والنمو العمراني، وبين هذين المتغيرين جملة وبين الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية. يقول في ذلك: ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثم زاد الترف تبعا للكسب وزادت عوائده وحاجاته واستنبطت الصنائع لتحصيلها فزادت قيمتها وتضاعف الكسب في المدينة. وقد سبق ابن خلدون بهذا بعض آراء "أميل دوركيم" في رسالته للدكتوراه عن "تقسيم العمل الاجتماعي" هذه هي بعض إسهامات أحد علماء المسلمين يتضح منها إمكانية اعتباره مؤسس علمي الاجتماع والاقتصاد معًا، خاصة وأنه أشار إلى أهمية الدراسة الموضوعية للمجتمع استنادا إلى الملاحظة والمقارنة من
стр. 438
أجل الكشف عن القوانين التي تحكم الحياة الاجتماعية أو السنن الاجتماعية، خاصة وأنه كان يؤمن أن الظواهر الاجتماعية لا تخضع في نشأتها وتطورها لعامل الصدفة، وإنما تخضع لقوانين وسنن محددة يكن اكتشافها، وقد كان هدفه من كل هذا التوصل إلى التاريخ الصحيح الخالي من الأخطاء والأغلاط التي حفلت بها الروايات التاريخية في عصره.
стр. 439
مصادر الفصل الخامس
١- محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة دار الشروق، بيروت، القاهرة، جدة ١٣٩٤-١٩٤٧٤، ص٢٧٠.
٢- محمد فاروق النبهان: مبادئ الثقافة الإسلامية، دار البحوث العلمية، الكويت ١٩٧٤، ص٤١٧-٤١٨.
٣- المصدر السابق: ص ٤١٧، وقد رجع إلى نتائج الأفكار تكملة فتح القدير شرح الهداية ج٧ ص٥٨.
٤- نهاية المحتاج للرملي: ج٤ ص ١٦١، مذكور في المصدر السابق ص ٤١٨.
٥- أحمد محمد جمال: محاضرات في الثقافة الإسلامية، مطبوعات الشعب ١٩٧٥، ص ٢٣٨-٢٣٩.
٦- النبهان: مصدر سابق ص٣٨٨.
٧ - المصدر السابق، ٣٩١.
٨- محمد عبد الله العربي: الملكية الخاصة وحدودها في الإسلام، المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية ص١٤٢، مذكور في المصدر السابق ص٣٩٤.
٩- النبهان: المصدر السابق ص٣٩٨.
١٠- المصدر السابق.
١١- محمد أبو زهرة: محاضرات في المجتمع الإسلام، معهد الدراسات الإسلامية بدون تاريخ ص٤٢-٦٥.
١٢- المصدر السابق: ص٨.
١٣- المصدر السابق، ص٥٨.
١٤- نفس المصدر، ص٦٢.
١٥- ارجع إلى محمد أبو زهرة، المصدر السابق، ص٦٣ وإلى الروض النضير، شرح المجموع الكبير باب البيع.
١٦- المصدر السابق: ص٤٥.
١٧- محمد أبو زهرة: مصدر سابق، ص٤٦
١٨- المصدر السابق، ص ٤٦-٤٧.
стр. 440
١٩- أحمد محمد العسال، فتحي عبد الكريم: النظام الاقتصادي في الإسلام، مكتبة وهبة ١٣٩٧-١٩٧٧، ص ١٦٠-١٦١.
٢٠- فتاوى ابن تيمية: ٢٩٠، مذكورة في المصدر السابق ص١٦٣.
٢١- فتاوى ابن تيمية: المصدر السابق ص١٦٦.
٢٢- العسال وعبد الكريم: ص١٧٤.
٢٣- للمزيد من التفصيلات ارجع للمصدر السابق ص١٧٧.
٢٤- المصدر السابق ١٧٨.
٢٥- المصدر السابق: ص١٧٨.
٢٦- هذه التعريفات للعقود مأخوذة من كتاب: الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، تأليف الشيخ شرف الدين الحجاوي المقدس، طبعة المكتبة التجارية بالقاهرة وأخذناها من كتاب العسال وعبد الكريم ص ١٧٨-١٧٩.
٢٧- محمد فاروق النبهان: مصدر سابق ص٣٣٠.
٢٨- العسال وعبد الكريم: مصدر سابق ٥٦.
٢٩- النبهان: مصدر سابق ٣٣١.
٣٠- نفس المصدر.
٣١- محمود شلتوت: مصدر سابق ص٢٨٨-٢٨٩.
٣٢- أحمد جمال: مصدر سابق ص٢٤٧-٢٤٩.
٣٣- المصدر السابق: ص٢٤٩.
٣٤- المصدر السابق: ص٢٤٩-٢٥٠.
٣٥- المصدر السابق ص٢٥١-٢٥٢.
٣٦- محمد أبو زهرة: تنظيم الإسلام للمجتمع: دار الفكر العربي، ١٣٨٥هـ -١٩٦٥م، ص٣٨.
٣٧- المصدر السابق: ص٣٩-٤٠.
٣٨- عدنان خالد التركاني: العمال بين الإسلام والنظم الوضعية، مجلة كلية الشريعة واللغة العربية في أبها، العدد الأول ١٣٩٨/١٣٩٩هـ، ص٥٩-٦٠.
٣٩- محمد أبو زهرة: مصدر سابق ص١٤٢-١٤٥.
٤٠ - المصدر السابق: ص١٤٦-١٤٧.
٤١ المصدر السابق: ص٣٦- الهامش.
٤٢- عدنان التركماني: مصدر سابق ص٥٥.
٤٣- المصدر السابق: ص٥٨.
٤٤- نبيل السمالوطي: المنهج الإسلامي في دراسة المجتمع، دار الشروق، جدة ١٤٠٠هـ، الفصل الأول.
стр. 441
٤٥- محمود شلتوت: مصدر سابق ص٢٧٥.
٤٦- المصدر السابق ص٢٧٥.
٤٧- أمد محمد جمال: مصدر سابق ص٢٤٦.
٤٨- محمد فاروق النبهان: مصدر سابق ص٤٠٠.
٤٩- المصدر السابق ص٤٠١.
٥٠- من أجل المزيد من المعلومات حول نظام الحسبة في الإسلام يمكن للباحث الرجوع إلى الأحكام السلطانية للماوردي، والدولة ونظام الحسبة عند ابن تيمية للاستاذ محمد المبارك، مذكورة في المصدر السابق ص٤٠٢.
٥١- الماوردي: الأحكام السلطانية ص٢٥٣.
٥٢- النبهان: مصدر سابق ص٤٠٦.
٥٣- المصدر السابق: ص٤٠٧، نقلا عن الخراج للدكتور الريس ص١٧٣.
٥٤- ارجع إلى محمد أبو زهرة: تنظيم الإسلام للمجتمع، مصدر سابق ص٤٠- وإلى العسال وعبد الكريم، مصدر سابق ص٦٠ وإلى علي الحفيف: الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام، من بحوث مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية الجزء الأول من كتاب التوجيه التشريعي في الإسلام سنة ١٣٩١-١٩٧١ ص٢٠.
٥٥- العسال وعبد الكريم: مصدر سابق ص٦٦-٦٨.
٥٦- المصدر السابق: ص٦٨.
٥٧- نفس المصدر: ص٧٠.
٥٨- نفس المصدر ص٧١.
стр. 442
الفصل السادس: قضايا التحديث والتنمية في علم الاجتماع مع طرح مدخل إسلامي مقترح
مقدمة
برزت قضية التنمية لدى مجتمعات العالم الثالث بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية وبعد أن تحررت الكثير من الدول من الاستعمال تحررا سياسيا وعسكريا. وقد وجدت أن هذا التحرر لن يخرجها من دائرة الاستعمار والتبعية الفعلية إلا إذا تحررت اقتصاديا وأصبح اقتصادها قادرا على الاستقلال وعلى تهيئة مستويات معيشية مرضية لأبنائها، خاصة وأن هذه الفترة هي فترة نمو الاحتكاك الثقافي بين الدول النامية والمتقدمة صناعيا واقتصاديا وهي الفترة التي نمت فيه وسائل الاتصال بشكل مكثف وهي الفترة التي نمت فيها ما أطلق عليه ثورة التطلعات المتزايدة لدى شعوب الدول النامية التي تستهدف التخلص من الحرمان التاريخي الطويل١. والواقع أن هذه الشعوب عانت من الفقر والاستبعاد، ومن فقدان الأمل في عيشة إنسانية كريمة، ولم تعد قادرة على تحمل هذه الأوضاع أكثر من ذلك بعد المتغيرات التي ذكرت جانبا منها. وصار لديها تطلع على حد تعبير "روبرت لوير" R.lauer إلى الخبز والحرية A Passion For Bread and Freedom فقد زاد وعيهم -وخاصة وعي الصفوات الوطنية الحاكمة- إلى الهوة السحيقة التي تفصل بين مستويات المعيشة في الدول الفقيرة، ومثيلاتها من الدول الغنية المتخمة بالخيرات والتي يعيش أبناء المجتمعات النامية على فتات موائدها. وبرز التناقض أكثر إذا علمنا أن تلك المستويات المعيشية المتقدمة حققتها الدولة المتقدمة على حساب نهب موارد الدول المتخلفة وعلى حساب أسواقها وعلى حساب الأيدي العاملة فيها وعلى حساب استذلال أهلها. ولعل
стр. 443
التجسيد المأساوي لمشكلات التخلف في الدول النامية يتمثل في طائفة المنبوذين untouchables في الهند الذين كانوا يلتقطون القطع غير المهضومة من الحبوب داخل روث البهائم لأكلها سدا لرمقهم من الجوع، كما يتمثل في آلاف الأطفال في أمريكا اللاتينية -وفي أفريقيا الذين يموتون نتيجة لنقص المياه، وهنا كمئات الملايين في العالم الثالث الذين يتعرضون في كل لحظة للهلاك من المرض وسوء التغذية٢. ويشير "روبرت لوير" R.lauer إلى أننا يمكننا إدراك أبعاد التباين وانعدام العدالة بين شعوب العالم من ضوء بعض المؤشرات الكمية لجوانب التقدم والتخلف. فإذا قسمنا دول لعالم إلى خمس مجموعات حسب مستواها من التنمية الاقتصادية والسياسية، نجد أن هناك تباينا ضخما بينهما من حيث استهلاك السلع والخدمات المقومة اقتصاديا valued goods and serveces وعلى سبيل المثال فإن متوسط الإنتاج الكلي لكل فرد يتراوح في هذه المجموعات بين ٤٥ دولارا، ٢٥٧٧ دولارا في السنة، وقد وجد أن المتوسط في إحدى عشرة دولة تقليدية وصل إلى ٥٦ دولارا للفرد، بينما وصل المتوسط في أعلى أربع عشرة دولة الاستهلاك الواسع ١٣٣٠ دولارًا للفرد. وقد وصل متوسط المتعلمين للدول ذات المستوى الإنمائي المنخفض إلى ١٢.٩% من مجموع الراشدين فوق سن الإلزام في حسن وصل إلى ٩٨% بين أبناء الدول ذات أعلى مستوى إنمائي. وفي المجال الطبي نجد أن هناك طبيبا لكل ٤٦٠٧٣ مواطنا في الدول المنخفضة النمو، بينما تكون النسبة طبيبا لكل ٨٥ مواطنا في الأربع عشرة دولة التي تمثل أعلى مستويات التنمية٣.
ونتيجة للمعاناة المستمرة لدى أبناء الدول المتخلفة، والفروق الضخمة والمتزايدة كان هناك اتساع في المستويات المعيشية بينها وبين الدول الأكثر
стр. 444
تقدما -من الجانب الاقتصادي والتكنولوجي- وكان إدراك أبناء الدول المتخلفة لهذه الحقيقة وعدم قدرتهم على تحمل المزيد من المعاناة، لهذا فإن حكومات هذه الدول الأخيرة أخذت بفكرة التخطيط لإحداث نمط من التغيير الاجتماعي والثقافي يطلق عليه "التحديث" modernization وليس معنى هذا أن التغيرات التحديثية سوف تتجه نحو إحلال النموذج الغربي بالضرورة westernization في الاقتصاد "الاقتصاد الحر والتصنيع" والسياسة "تعدد الأحزاب الديمقراطية الغربية" والقيم "العلمانية والعقلانية" والإعلام والتعليم والسلوك ونماذج التفكير والفصل بين الدنيا والدين ... إلخ، فهناك عدة مسارات وغايات للتحديث لا تقتصر على النموذج الغربي على عكس ما يذهب إليه المؤرخ البريطاني "توبنيبي" toynbee الذي يرى أن كلمة عصري omdern تساوي كلمة غربي western التي يرفض الكثير استخدامها، على عكس ما يذهب إليه عالم الاجتماع اليهودي "ايزنشتادت" s.n.eisenstadt الذي يربط التحديث السياسي بصياغة نظم دستورية ديمقراطية كالتي تسود في الغرب وهو يرى أن سقوط التجربة الديمقراطية الدستورية في بعض الدول مثل باكستان والسودان -في أزمة معينة- هو سقوط لتجربة التحديث، لأنه فضل في تطبيق النظم الغربية٤، كذلك فقط ربط البعض خطأ بين التحديث والصياغة الأمريكية للمجتمعات americanization وهذا لا يقل خطأ عن رأي "توينيبي" و "إزنشتادت". فهناك التجربة اليابانية وهناك التجربة الصينية وهناك التجربة السعودية وهناك تجارب كثيرة في العالم الثالث كالتجرب الهندية. وهي كلها تجارب تنطلق من إيديولوجيات ونماذج فكرية وغائية متباينة وهي تجارب ناجحة بالمعيار الاقتصادي والتكنولوجي وإن اختلفت المنطلقات والمسارات والأهداف.
стр. 445
التحديث وارتباطه بالتصنيع:
وسوف نعالج التحديث هنا على أنه نموذج من التغيرات الاجتماعية من خلال طرح مجموعة من التساؤلات حول متضمناته وأهدافه وأساليبه. فقد
стр. 446
ارتبطت عمليات التحديث من الناحية التاريخية بعملية التصنيع. ولكن هذا لا يعني أنهما مترادفتان. فالتحديث كمصطلح أكثر شمولًا واتساعًا حيث يمكن حدوث التحديث حتى في غيبة التصنيع. ويشير "آبتر" Apter في هذا الصدد إلى أن تحديث العالم الغربي اقترن بعمليات الصياغة التجارية Commercialization والصناعية Industrialization للمجتمعات الأوروبية، أما في المجتمعات غير الغربية فقد اقترنت بدايات التحديث بالصياغة التجارية والبيروقراطية. ويشير "آبتر" إلى أن التحديث في المجتمعات الغربية كان نتيجة للتصنيع، بعكس الحال في المجتمعات النامية المعاصرة نجد أن التحديث يحدث نتيجة للتصنيع، بعكس الحال في المجتمعات النامية المعاصرة نجد أن التصنيع يحدث نتيجة لاطلاق برامج مخططة لتحديث المجتمعات٥.
والواقع أنه يصعب الفصل الفعلي بين التحديث والتصنيع؛ لأنهما معًا يشكلان العامل الأساسي في النمو الاقتصادي خاصة في ظل التقدم التكنولوجي في كل المجالات الصناعية والزراعية والتجارية حتى إنه أصبح يطلق على الزراعة المتقدمة وتربية المواشي والدواجن بشكل متقدم تهجين وتلقيح صناعي، وطرق متقدمة في التربية الصناعات البيولوجية، وإذا كان البعض يفصل بين التحديث وبين التصنيع فإنه يصعب وجود نماذج واقعية تدعم هذا الرأي، إلى جانب أنه يمكن النظر إلى التصنيع في المجتمعات بوصفه المدخل إلى عملية التحديث أو على الأقل بوصفه أحد عملياته أو وسائله الاقتصادية.
ويمكن تحديد مفهوم التصنيع ببساطة بأنه جانب من التنمية الاقتصادية يحدث من خلال عمليات التحويل التي تحدث للمواد والطاقة من خلال استخدام تكنولوجيات معينة. وغالبًا ما تكون مصادر الطاقة في المجتمعات الزراعية ناجمة عن قوة الإنسان وقوة الحيوان. وقد قدرت مصادر الطاقة في أمريكا سنة ١٨٥٠ فوجد أن ٦٥% منها راجعة إلى قوة الإنسان والحيوان، أما في سنة ١٩٥٠ فقد وجد أن ٦٥% من الطاقة تأتي من الوقود والقوة الكهربائية الناجمة عن مصادر مائية. Hydro - electrik وقد ارتفع متوسط استهلاك
стр. 447
الطاقة من ٤٣٥ حصانًا في الساعة لكل شخص سنة ١٨٥٠ إلى ٤٤٧٠ حصانًا في الساعة لكل شخص سنة ١٩٥٠وقد اختلف الباحثون بشأن محاولة تحديد مراحل النمو الصناعي والاقتصادي، وربما كانت أشهر محاولة في هذا الصدد تلك التي قدمها روستو W. W. Rostow حيث حدد خمس مراحل للنمو وهي٧.
أولًا: الوضع التقليدي Traditional Setting
ثانيًا: التهيؤ للانطلاق Preconitions for take off
ثالثًا: الانطلاق The take off
رابعًا: الاتجاه نحو النضج Thurst Lowards Maturity
خامسًا: مرحلة الاستهلاك الواسع High mass consumption
ولقد لقيت هذه المراحل قبولًا واسعًا في الأوساط العلمية كما أنها وجهت بالعديد من ألوان النقد*. ولعل النقد الأساسي الموجه لهذه النظرية هي محاولة تعميم محصلة التجربة الأوروبية دون دراسات مقارنة واقعية تسمح منهجيا بهذا التعميم. فهذه النظرية تربط بين تجربة التنمية الاقتصادية بالتصنيع في إطار محدد، وهذا ينطبق على بعض المجتمعات ولا يعني انطباقها على تجارب مجتمعات معينة حتمية انطباقها على كل المجتمعات.
وقد طرح في التراث الاقتصادي والاجتماعي العديد من نظريات المراحل كنماذج للتحديث تقترب من نظرية روستو في بعض الجوانب وتختلف عنها من جوانب أخرى. وهذه الاختلافات تعكس اختلاف التغيرات التحديثية من حيث محركاتها ومنطلقاتها واتجاهاتها وتوجهاتها الإيديولوجية والقوى المؤثرة فيها. ومثال هذا دراسة جون فيربانك J.K. Fairbank
стр. 448
و"الكساندر ايكشتين A. Eckstein و"يانج" L.S. Yang في دراسة لهم بعنوان التغير الاقتصادي في الصين الحديثة: إطار تحليلي حيث ذهبوا إلى أن هناك خمس مراحل للنمو تتفق إلى حد كبير مع مشروع روستو، وهي:
١- مرحلة التوازن التقليدي.
٢-مرحلة ظهور القوى المخلة بهذا التوازن التقليدي.
٣- مرحلة الفوضى والاضطراب واختلال التوازن الأمر الذي يستثير الميكانزمات الاجتماعية التي تسعى لاستعادة التوازن والاستقرار.
٤- الانطلاق نحو النمو.
٥- الوصول إلى مرحلة النمو الذاتي المنتظم والمستمر.
ويشير "لوير" إلى أن هذه المراحل تنطبق على التغيرات الحادثة في اقتصاديات الصين والهند وأغلب دول الشرق الأدنى باستثناء اليابان. فهذا المجتمع الأخير لم تظهر فيه مرحلة التوتر والاضطراب واختلال التوازن التقليدي بنفس الشكل والقوة الذي ظهرت بهما في مجتمعات الشرق القديم الأخرى. فقد حدث شكل من التزامن والمعاصرة بين التقليد والتحديث واستمر حتى الآن بشكل متناسق في مجتمع اليابان. ويحتاج نموذج "روستو" إلى تغيرات كبيرة عند التطبيق على مجتمعات العالم الثالث التي تعرضت للاستنزاف الاستعماري في الماضي، وما زالت تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية وإيديولوجية واستراتيجية من جانب الدول المتقدمة اقتصاديًا والتي تملك مقومات التنمية والتحديث التي تحتاجها الدول النامية: الخبرات، التكنولوجيا المتقدمة، العلم، رأس المال، الاتصال، هذا إلى جانب أنها تملك مختلف ميكانزمات وتنظيمات التجسس والضغط وإحداث التوترات.. وتحاول توظيف كل هذه المقومات من خلال القروض، والمعونات، برامج التسليح، المخابرات ... لتوجيه حركة التغير المخطط داخل هذه الدول النامية في مسارات معينة، وتعويق اتجاه التغير إلى مسارات أخرى أو حتى بلوغ مراحل معينة.
стр. 449
والواقع أننا إذا كنا نوافق على الربط بين التنمية الاقتصادية والنمو في عمليات التصنيع كمًّا وكيفًا، باعتبار أن التصنيع هو المدخل الأساسي للإنتاج -بكل أنواعه- وبالتالي المدخل لزيادة الناتج القومي وبالتالي متوسط الدخل الفردي، فإننا نؤكد أن النمو أو التغير الصناعي ليس مجرد نمط من التغير التكنولوجي أو الاقتصادي أو تغير في ثقافة المجتمع المادي فحسب، ولكنه يمثل نمطًا من التغير الاجتماعي والثقافي كذلك بوصفه نمطًا اجتماعيًا يتطلب تغيرًا في السلوك والقيم والعادات وبعض المعتقدات، كما يرتبط بنماذج ونظم الأسرة والاتجاهات الوالدية والعلاقة مع البيئة وأساليب التفاعل معها، كما يرتبط بمضامين وتوجهات التنشئة الاجتماعية، وبالدوافع النفسية كالدافع إلى العمل والإنجاز والتحكم في البيئة وطلب العلم، ويرتبط بمستويات الطموح والتطلع والتحقيق، كما يرتبط بطبيعة النمط التعليمي السائد وتوجهاته وأهدافه ومضامينه ... إلخ. هذا إلى جانب أن توجهات التصنيع وأنواعه وأهدافه وتوظيف عائده أمر يرتبط بالتوجهات السياسية وبناء القوة والتأثير داخل المجتمع، وبالتوجه الإيديولوجي السائد، ويرتبط بالسلوك السياسي للجماعات الاجتماعية المختلفة.
وقد اتسع مفهوم الصناعة في العصر الحديث، فهناك الصناعات الاستخراجية والتحويلية والخفيفة والوسيطة والثقيلة، وهناك الصناعات البيولوجية التهجين والتلقيح الصناعي، وهناك صناعة السياحة والفندقة، وحتى يقال صناعة الرأي العام ويقصد بها صناعة وسائل الاتصال وتكنولوجيات التعليم والتأثير في الجماهير.. وإذا كان مصطلح التحديث يرتبط بتزايد تحكم الإنسان في البيئة المادية والجغرافية وكأساليب متقدمة للتوافق الإيجابي معها، فإن التصنيع بكافة أشكاله يلعب دورًا مهمًا في هذا الصدد. وهذا يعني أن التصنيع يعد مدخلًا أساسيًّا للتحديث جنبًا إلى جنب مع المداخل الأخرى التي تحقق النمو الاجتماعي والثقافي والسياسي ...
ويمكن القول أن الاختلاف في تحديد العلاقة بين المفاهيم المذكورة-
стр. 450
التحديث، التنمية الاقتصادية، التنمية الاجتماعية، التصنيع ... يرجع إلى اختلاف التوجهات الإيديولوجية، وإلى ارتباط هذه المفاهيم بالمصالح الدولية والمجتمعية -ومثال هذا، دراسة "رينهارت بندكس" R. Bendix بعنوان بناء الأمة والمواطنة٨ يعرف التصنيع كنمط من التغير التكنولوجي والاجتماعي ويذهب إلى أن التحديث يتضمن كل التغيرات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت التصنيع في العديد من البلاد الغربية.
ويشير لوير Lauer إلى أن بعض الدارسين يرون جوهر التحديث يتمثل في نوعية النظام الاجتماعي Social Order الذي يوصف بالحداثة Modernity والذي يطبق داخل المجتمعات الحديثة أم حتى المجتمعات النامية في أثناء عملية تحولها من التقليدي إلى النمو والتقدم. ومن الطبيعي أن رؤية الباحث في علم الاجتماع للنظام الاجتماعي من حيث مضامينه ومحدداته وارتباطاته بالقوى الاجتماعية ومنطلقاته وعوامل قيامه وثباته وتغيره..
سوف تختلف بالضرورة عن رؤية الباحث في علم الاقتصاد أو العلوم السياسية أو علم النفس.. فهناك من الباحثين مثل "شومبيتر وماكليلاند Mc. Cleland وهيجن Hagen من يرون أن جواهر التحديث يمكن في طبيعة الشخصيات الفردية Individual Personalities. والتحديث عندهم وظيفة نتيجة وسبب في نفس الوقت لنماذج محددة من الشخصية خاصة لدى الصفوة أو القيادات في المجالات المختلفة. وقد اختلف الباحثون في تحديد أهم هذه السمات والخصائص الشخصية المرتبطة بقضية التحديث القدرات الريادية Interprenerial abilities- "شومبيتر" أم تطوير الدافعية العالية للإنجاز Development of high achievement motivation "ماكليلاند" أم انتقال الشخصية من التسلطية إلى الشخصية الديمقراطية "هيجن" أم تغير في النماذج السلوكية Behavioral models "كنكل".... إلخ٩. وهناك طائفة من الدارسين يربطون بين مفهوم التحديث ومفهوم الاختيار الحر من جانب الأفراد، وهذا المتغير يرتبط بدوره بالتربية والنشاط الاقتصادي والضوابط السياسية والاجتماعية والعقيدة الدينية والقيم
стр. 451
والاتجاهات الموجهة. والواقع أن حرية الاختيار تعد وظيفة لأنواع مختلفة من التنمية والتغيرات الإنمائية. ويؤكد دافيد آبتر D. Apter أهمية هذا المتغير حيث يشير في دراسته بعنوان The Politics of Modernization أرى أن التحديث كعملية غير اقتصادية يظهر عندما تُطَوَّر الثقافة اتجاهًا لطرح استفسارات أو تساؤلات حول كيفية قيام الناس بعملية الاختيار، سواء الاختيارات الأخلاقية أو المعيارية أو الاجتماعية البنائية أو الشخصية السلوكية فمشكلة الاختيار مشكلة أساسية أو محورية في حياة الإنسان الحديث١٠.
ويذهب ايثيل دي سولا بول Pool في دراسته عن دور الاتصال في عملية التحديث والتغير التكنولوجي إلى أن التحديث هو عملية اكتساب تصورات أو صور عقلية جديدة مثل تصور التغير الموجه Direct Change، وتصور إمكانية حدوث التنمية Possibility of development. ويشير إلى أن وسائل الاتصال العامة Mass media تلعب دورًا مهمًا في إكساب الناس مثل هذه التصورات الجديدة. وهذا يعني أن من بين وظائف وسائل الاتصال تقديم مجموعة من البدائل الفكرية أو التصويرية أو السلوكية الأمر الذي يستثير أعمال الفكر والمقارنة والاختيار، وهذه المتغيرات أساسيَّة للتحول من التقليديين إلى الحداثة.
стр. 452
التحديث والتغير الاجتماعي
وعلى الرغم اختلاف المنظورات والاتجاهات بصدد تحديد مفهوم ومضامين عملية ومصطلح التحديث، إلا أن هناك اتفاقًا حول بعض القضايا. ومثال هذا أن "دانيل ليرنر" D. Lerner يحدد لنا أهم جوانب الالتقاء بين الدارسين بصدد تحديد أهم خصائص الحداثة Charecteristics of Modernity فيما يلي:
أولًا: توافر حد أدنى من القدرة الاقتصادية على النمو الذاتي المستمر
стр. 453
Self suslained growth. وهذا يعني قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستمر ومنتظم في الإنتاج والاستهلاك.
ثانيًا: تحقيق قدر معين من المشاركة السياسية على كافة مستويات المشاركة طبقًا لمقاييس المشاركة يمكن صياغتها وإعدادها لقياس هذه الظاهرة.
ثالثًا: توافر إمكانات الحراك الاجتماعي أو التنقل الاجتماعي وتزايد معدلاته.
رابعًا: انتشار المعايير العقلية والعلمية ونماذج التفكير المنطقي داخل الثقافة العامة للمجتمع.
خامسًا: سيادة نموذج منوالي للشخصية يتيح للأفراد أداء الأعمال التي يقومون بها -لعب أدوارهم- بكافة في إطار نظام اجتماعي يتسم بخصائص معينة -قدرة الاقتصاد على النمو الذاتي المستمر والمنتظم، والمشاركة، وسيادة المعايير العقلية والعلمية، وشيوع الحراك والتنقل الاجتماعي.
وإذا كان "لوير" يشير إلى أن التحديث ببساطة يعني مواجهة نوعين أساسيين من المشكلات وهي مشكلات الخبز، الاقتصاد، والحرية، الأخلاق والاجتماع والسياسة والثقافة، فإذا هذا يعني أن التحديث لا يقتصر على الجانب الاقتصادي ولكن يشير إلى مفهوم تتكامل في إطاره مختلف التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وهناك تساؤل يطرحه "لوير" حول مدى كفاية نظريات التغير الاجتماعي المطروحة في تراث علم الاجتماع، من حيث تفسير التغيرات التحدثية أو التنموية التي تجري في دول العالم الثالث التي تمثل قطاعًا ضخمًا من سكان العالم. ومن الملاحظ أن الكثير من النظريات والآراء المطروحة في هذا العلم ركزت على جانب أو جوانب معينة في حين أغفلت جوانب أخرى. وينطبق هذا على التحليل البنائي الوظيفي الذي قدمه "سملسر" N. Smelser
стр. 454
عن التحديث في انجلترا، كما ينطبق على أنصار التيار السيكولوجي في تفسير التحديث "هيجن" و"ماكليلاند" وعلى أنصار تيار التحديث الفردي Individual Modrnity. ويتضح للمتتبع للتراث أن نظريات التغير المطروحة غير كافية لتفسير التغيرات الحادثة في العالم الثالث، وأن هذه النظريات متصارعة والعديد منها موجه إيديولوجيا، وتعكس تجربة مجتمع أو آخر أو تجربة إيديولوجية يعينها ولم تصغ أي منها بالأساليب المنهجية المقارنة الصحيحة.
وهناك العديد من الدراسات النقدية التي تعرضت لدراسات التحديث من بينها دراسة "دين تيبس" Dean Tipps بعنوان نظرية التحديث والدراسة المقارنة للمجتمعات: منظور نقدي١١. ويؤكد تيبس أن أغلب علماء الاجتماع استخدموا مفهوم التحديث على أنه مفهوم شمولي مستقل Inclusive وليس على أنه تصور فارق أو مميز Discriminating concept. فهم يستخدمونه للإشارة إلى تغيرات وظواهر معينة، وليس لتوضيح الفروق بين ما هو حديث وما هو تقليدي وأساليب التحول وعوامله. وغالبًا ما تكون مستويات التحليل النظرية منصبة على عموميات كالمجتمع والثقافة ولا يركزون على الفرد. وغالبًا ما ينظر علماء الاجتماع إلى الحداثة الفردية على أنها وظيفة للتحديث في المجتمع والثقافة وهذا يعني اتساع وحدة التحليل على مستوى المجتمعات Societal Level مما يدخلهم في دائرة التجريد ويفقد تحليلاتهم الطابع الأمبيريقي. ويصنف تيبس نظريات التحديث إلى نموذجين وهما:
أ- نموذج المتغير الحاكم أو الرئيس The critical variable
ب- نموذج النظريات الثنائية Dichotomous theories
ويركز أنصار النموذج الأول على متغير يعينه بوصفه المتغير الأساسي الذي يقود حركة التغير ويستثير تغيرات تابعة مثل سيادة الاتجاه العقلي، أو التصنيع. وهنا يصبح التحديث مرادفًا للمتغير الحاكم. أما أنصار النموذج
стр. 455
الثاني -الأكثر شيوعًا- فهم يركزون على عملية التحولات الاجتماعية والثقافية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعقائدية والقيمية ... إلخ. من الأشكال التقليدية إلى الأشكال الحديثة. وهنا يتحدد مفهوم التحديث في ضوء الهدف النهائي سيادة النظم الغربية عند البعض، أو النظم السائدة في الاتحاد السوفيتي عند البعض، أو النظم الإسلامية عند البعض ... إلخ.
ويمكن القول أن المشكلة الأساسية بالنسبة للنموذج الأول هو أن استبدال مصطلح التحديث بالمتغير الحاكم حسب ما يراه كل مفكر أمر لا يفيد كثيرًا من التحليل العلمي. أما مشكلة نموذج الثنائيات فهي كما يحددها "تيبس" ذات ثلاثة جوانب:
أ- جانب إيديولوجي Ideological
ب- جانب واقعي Emperical
ج- جانب يتعلق بما بعد التنظير أو بفلسفة التنظير Meta theoretical
ويتمثل النقد الإيديولوجي في فكرة الطوبائية التي يلحقونها بالمجتمعات الغربية بوصفها هدف التحديث في الدول النامية -وهذا ينطبق على أغلب النظريات الثنائية. وقد أطلق فرانك على هذه النظريات التشبيه التالي١٢. "الملابس التي تخفي الاستعمار العاري"*. ويؤكد "ميردال" أن أهم جوانب النقد الواقعي الموجهة لهذه الثنائيات أنها تتجاهل أثر القوى الخارجية. الدولية والإقليمية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية من حيث أثرها على تحريك المجتمعات نحو التحديث، سواء أكانت قوى تحدى أو تعويق، أو قوى للدعم والمساعدة. يضاف إلى هذه أن هذه النظريات تحاول تنميط التقليدية والحداثة بشكل جامد الأمر الذي يتجاهل الأنواع المختلفة من التقليدية ومن الحداثة، كما يتجاهل التجارب المختلفة للمجتمعات. هذا
стр. 456
إلى جانب إمكان التداخل بين جوانب التقليدية والحداثة. ولتوضيح النقطة الأخيرة يحاول بعض الباحثين المقابلة بين التوجه نحو الإنجاز Achievement orientation -وهو خاصية المجتمعات الحديثة- والتوجه نحو التركيز على العوامل المنسوبة Ascription. والواقع أنه حتى في المجتمعات الحديثة يوجد التوجهان ويعملان معًا بأشكال ونسب مختلفة وهذا ما كشفت عنه دراسة "أدوين سوذرلاند" E. Sutherland في دراسته عن جرائم ذوي الياقات البيضاء أو جرائم الصفوة١٣، ودرَاسَة "تشارلس رايت ملز" C.R. Mills عن صفوة القوة في الولايات المتحدة الأمريكية١٤ حيث كشف عن أن الصفوات الاقتصادية والسياسة والعسكرية هي في واقع الأمر صفوة واحدة لما يوجد بينها من مصالح وعلاقات وخلفيات اجتماعية وإيديولوجية وسياسية موحدة. ويصنف "فرانك" Frank فكرة الإنجاز إلى عنصرين وهما: أ- المكافأة Reward، ب- التعبئة Recruitment، وإذا كانت المكافآت تعتمد على الإنجاز بشكل أساسي، فإن التعبئة -ويقصد بها تحديد شاغلي بعض الأدوار القيادية خاصة في قمة التنظيمات الاستراتيجية- فإنها تعمد على عوامل منسوبة، وهذه العوامل الأخيرة تلعب دورًا مهمًّا في تحديد مراكز النساء في المجتمع الأمريكي -خاصة من حيث الجانب الاقتصادي- ونفس الأمر يحدث في المجتمع الياباني وإن كان بشكل عكسي -فهذا المجتمع عندما يحدد شاغلي الأدوار -التعبئة- يعتمد بشكل كامل على الكفاية والخبرة والتعليم -الإنجاز- أما عندما يوزع العائد أو المكافآت الاقتصادية فإنه يعتمد على عوامل منسوبة كالسن والجنس وحجم الالتزامات الشخصية ... إلخ١٥.
مثل هذه الملاحظات وغيرها هي التي جعلت بعض الدارسين مثل "تيبس" و"فرانك" يرون ضرورة إحداث تغيرات أساسية في توجهات نظرية التحديث، وهذا هو ما حاوله بعض الدارسين بالفعل. غير أنهم انطلقوا من خلفيات إيديولوجية متناقضة: ومثال هذا فرانك الذي انطلق من منطلقات ماركسية جماعية مدخل جماعي وهناك باحثون انطلقوا من المستوى الفردي
стр. 457
حيث ركزوا على التحولات الفردية التي تحدث في المجالات المعرفية عند الأفراد In terms of cognitive transformation وفي اتجاهاتهم وقيمهم وسلوكهم -مدخل فردي أو سيكو اجتماعي- وهناك فريق ثالث من الباحثين ينطلقون من التحليل الفينومينولوجي لظاهرة التحديث -مدخل فينومينولوجي-١٦. ويمكن القول إنه نتيجة لانطلاق نظريات واتجاهات الدراسة في التحديث والتنمية من منطلقات إيديولوجية، فإنه لا توجد حتى الآن نظرية تنال موافقة جميع الباحثين أو حتى غالبيتهم. وعلى الباحث الموضوعي إحداث نوع من الالتقاء النظري بين الاتجاهات المطروحة خاصة تلك التي تركز كل منها على جانب أو آخر من جوانب الواقع الاجتماعي.
والواقع أنّ محاولة التوصل إلى صياغة نظرية جديدة قادرة على تفسير الواقع وتحديثه، لا بد أن تلتزم بدورها بإطار عقائدي من جهة كما تستفيد من معطيات الدراسات الأمبيريقية داخل مجتمعات متقدمة اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وعلميًّا، وداخل مجتمعات متخلفة وداخل مجتمعات انتقالية أو في حالة نمو Translation Societies من جهة أخرى. ونحن عندما ندرس قضايا التحديث يجب أن ندرسها في ضوء المدخل الإسلامي وفي ضوء خصائص الواقع ومعطياته، وإذا كان التكامل بين الإطار النظري ومعطيات الواقع الاجتماعي التاريخي أمرًا لازمًا، فإن التكامل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية أمر مهم عند دراسة منطلقات ومحركات التغير التحديثي. وهنا يجب الربط بين التباينات أو التناقضات التي توجد داخل كافة مستويات الواقع الاجتماعي، تلك التي تدفع الناس إلى إحداث تغيرات من أجل القضاء عليها. ويجب أن نبدل أو ندرس هذه التباينات في إطار ها الاجتماعي التاريخي على أنها محصلة لعمليات وظواهر حدثت في الماضي وتتجه الجهود المعاصرة لتجاوزها. يجب الاستفادة من المدخل الوظيفي من حيث ضرورة إدراك التساند الوظيفي بين مكونات الواقع الاجتماعي والثقافي من جهة والتساند بين مختلف التغيرات الحادثة داخله من جهة أخرى. ونفس الأمر يجب أن يطبق على ما يمكن أن نطلق عليه النسق العالمي World System حيث
стр. 458
يجب إدراك عمليات التنمية داخل الدول النامية في علاقاتها سلبًا وإيجابًا مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الدولية، حيث إنه لا يمكن فهم تنمية المجتمعات المتخلفة أو الانتقالية بمعزل عن المتغيرات العالمية.
стр. 459
التحديث الحضاري: شروطه، نماذجه، معوقاته
هناك مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية المتفاعلة والمتكاملة يمكن من خلالها تحقيق التحديث الحضاري مقاسًا بالمعايير العلمية مثل متوسط دخل الفرد والمستويات الغذائية ونسبة الأطباء إلى الجماهير وعدد الكيلومترات المرصوفة ومستوى الإسكان ومتوسط استهلاك الفرد من الكهرباء ... إلخ. وإذا كنا نستطيع توضيح أهم هذه العوامل فإنه يتبقى سؤالان مطروحان، الأول يتعلق بأوزان كل عامل ودوره في عملية التحديث، والثاني يتعلق بالتفاعل والعملية الدائرية بين هذه العوامل. فهناك عوامل معينة لا نستطيع الجزم بموقعها في عملية التحديث على الرغم من أهميتها الإستراتيجية: هل هي شرط لحدوثه أم مصاحبة لحدوثه، أم نتيجة لتحققه؟ ويضرب لنا "مايرون فاينر" Myron Weiner مثالًا على هذا في دراسة له بعنوان ديناميات النمو عام ١٩٦١* حيث يذكر أنه على الرغم من وجود اتفاق بين الدارسين على حتمية الارتباط بين التحديث وبين القيم والاتجاهات والتصورات العقلية، إلا أن هناك خلافًا حول تحديد موقع هذه المتغيرات في التسلسل الزمني Sequence هل هي شرط للتحديث أم نتيجة له، هل هي المتغير المستقل أم المتغير التابع؟ ١٧.
ويحاول البعض من خلال منظور أكثر واقعية إدراك التفاعل بين القيم والاتجاهات من جهة وبين الترتيبات النظامية Inistitutional arrangements من جهة أخرى على أساس أن هذه الأخيرة يجب أن تتسم بحد أدنى من
стр. 460
المرونة بحيث تسمح ببدء التغيرات الإنمائية -في التعليم والصحة والصناعة والزراعة ... إلخ- وفي نفس الوقت يجب أن تتزامن مع هذه التغيرات محاولات لدعم القيم والاتجاهات والسلوكيات في الاتجاه الذي يخدم هذه التغيرات ويسرع بعملية التحول، بشرط أن تكون القيم والاتجاهات العاملة داخل المجتمع من النوع القابل للتغير في الاتجاه الذي يخدم عمليات التنمية. وهنا يحدث تفاعل بين محاولات التغيير المتزامنة في العاملين المذكورين معًا.
وعلى الرغم من عدم وضوح طبيعة العلاقة العلمية أو التفاعلية بين العوامل والمتغيرات خلال عملية التنمية، فإن هناك عوامل ذات أهمية استراتيجية. ويركز البعض على العوامل الاقتصادية، وخاصة على عمليات التصنيع. فالتنمية ترتبط بالنمو الاقتصادي المتواصل والمستمر Sustained economic growth وهذا المتغير يتطلب -كما يشير "روستو" Rostow توافر ثلاثة عوامل وهي:
أولًا: تهيئة البنية الأساسية أو توافر رأس مال اجتماعي عام Social over-head capital من أجل إيجاد وتنشيط السوق الوطني وتحقيق أحسن استغلال ممكن للثروات الطبيعية، ومن أجل تهيئة الظروف أمام الحكومة الوطنية لممارسة عمليات الحكم والضبط الاجتماعي بكفاءة.
ثانيًا: تحقيق الثورة التكنولوجية في مجالات الزراعة والصناعة والاتصالات.
ثالثًا: التوسع في الاستيراد من أجل دعم الانتاج، خاصة المواد الرأسمالية Capital import١٨.
وعلى الرغم من اتفاق قطاع كبير من الاقتصاديين مع الشروط التي وضعها "روستو" للنمو الاقتصادي، فإن هناك خلافًا حول تحديد طبيعة هذه الشروط من جهة، وحول تحديد المسار المناسب Appropriate Path