← История

История · id 11078

تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة

عبد العزيز صالح

Полный текст (180 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة عن البيئة والسكان توافر لشبه الجزيرة العربية موقعها المكاني المتوسط بين بلاد الشرق الأدنى القديم، ودروها البشري المؤثر فى تكوين السلالات الأكثر عددًا بين سكانه الأقدمين، كما كان لها نصيب أيضًا من دور الوساطة والتأثير فى بعض خطوط اتصالاته واقتصادياته. وسوف يكتفي هذا الكتاب فى منهاجه العلمي بتحليل المسارات الرئيسية للتاريخ العربي القديم، والمعالم والتطورات العامة لحضاراته، مع تأجيل التوسع فى مشكلاتها وتفاصيلها إلى مجلد أكبر نصدره قريبًا على نسق بقية مؤلفاتنا الكبيرة السابقة، بمشيئة الله تعالى. وقد عرضنا فى سياق الفصل الأول من مؤلفنا عن الشرق الأدنى القديم جـ ١ - ١٩٦٧ ص ٩ - ١٣، أو ١٩٩٠ ص ١٤ - ١٩ لنوعية التأثيرات المتبادلة بين بيئة شبه الجزيرة العربية وبين أهلها فى العصور القديمة التى كانوا فيها أكثر التزامًا بظروف بيئتهم وإيحاءاتها عما هم عليه الآن إلى حد كبير، وذلك من حيث مدى انطباعهم في بعض سبل معايشهم، وبعض عاداتهم وعقائدهم، وظروف تفرقهم أو تجمعهم، وبداوتهم أو تحضرهم، وتنقلهم أو استقرارهم، بخصائص الاتساع الجغرافي الكبير لشبه الجزيرة وتنوع تضاريسها بين صحراوات وواحات وجبال ووديان وسواحل، مع غلبة الطبيعة الصحراوية عليها -وما ترتب على هذا من تفاوت أسباب ونتائج الخصب أو الجفاف، ووفرة الإنتاج أو شح الموارد، ومدى الأمن أو القلق، والانطلاق أو الانطواء، واليسر أو المشقة فى المعايش والاتصالات، وهلم جرًّا. ثم من حيث تباين الفرص التى أتيحت أمام مختلف جماعات السكان هنا أو هناك فى مجالات التبادل الاقتصادي والثقافي مع بقية الشعوب الحضرية القديمة المعاصرة لهم، نتيجة لاختلاف مواقع إقامتهم بالنسبة لجيرانهم فى الداخل وفي الخارج، وبالنسبة لاتجاهات طرق التجارة البرية والبحرية الرئيسية القديمة. وعرضنا في الفصل ذاته لمسببات التحركات القبلية الداخلية القديمة، أو الهجرات الداخلية المحدودة لمختلف البطون والعشائر في شبه الجزيرة، تبعًا لتفرق

стр. 2

موارد الماء والتسابق إلى مناطق الكلأ. والتماس المواطن ذات الحماية الطبيعية والأمن النسبي والموارد الكافية. ثم ما ترتب على هذا كله من تنمية الروح الاستقلالية لدى القبائل وبين الأفراد، في مقابل تغليب المصالح القبلية على المصلحة العامة أو المصلحة القومية، وصعوبة قيام وحدة عامة بين السكان، حتى وحدهم دين الإسلام ودولة الإسلام. وناقشنا كذلك في شيء من التفصيل المسببات المناخية والبشرية والاقتصادية المؤدية إلى خروج الهجرات البشرية الكبيرة من شبه الجزيرة إلى أطرافها. وفاضلنا بين النظريات المرجحة لتأثير دورات الجفاف الشديد المتباعدة، وبين الآراء المرجحة لتأثيرات فترات الضعف السياسي وتحول طرق التجارة الرئيسية. كما تتبعنا المراحل المحتملة لهذه الهجرات حتى استقرارها فى مناطق الهلال الخصيب أو بقربها. الجنس والاسم: تعددت الآراء قديمًا وحديثًا حول تحديد الموطن الأصلي للجنس الغالب في شبه الجزيرة العربية، وهي آراء رغم كثرة ترديدها فى مؤلفات التاريخ القديم، لا تكاد تؤدي إلى نتائج يقينية فى سوى أمرين: أولهما أن ضخامة الكتلة الصحراوية لشبه الجزيرة قد ساعدت على النقاء الجنسي واللغوي بين أهلها، ومناطقها الوسطى بخاصة، إلى حد نسبي كبير. والقول بالنسبية هنا ضرورة علمية لازمة حيث لا وجود لسلالة بشرية لم تختلط بغيرها قط، بينما دلت الشواهد التاريخية على أن اختلاط السلالات والأمم بعضها ببعض قد يؤدي أحيانًا إلى تجديد حيويتها وثراء حضارتها، وذلك على شريطة ألا تطغى العناصر الدخيلة على العناصر الأصيلة فيها. أما الأمر الثاني فهو ترجيح انتماء سكان شبه الجزيرة العربية في لبانتهم أو فى جوهرهم إلى سلالة بشرية متجانسة ذات خصائص رئيسية متشابهة تعرف عادة باسم السلالة السامية أو الساميين. وهو اسم اصطلاحي نشر للباحث النمسوي شلوسر ( August Ludvig Schlozer) في أواخر القرن الثامن عشر ١٧٨١م، واستعاره مما ذكرته أنساب التوارة في مثل الإصحاح العاشر من سفر التكوين عن ولد لنوح ﵇ يدعى شام أو سام في مقابل ولد آخر يدعى حام، وولد ثالث هو يافث. وتواتر استخدام اسم الساميين بين معظم الباحثين، وإن أصبح بعضهم يطلقونه أساسًا على مجموعة اللغات ذات الأصل المشترك التى استخدمها سكان شبه الجزيرة وأطرافها. وجيرانهم ممن اتصلوا بهم بصلة الدم في

стр. 3

الهلال الخصيب، أو بصلة الجوار والاستيطان والتعامل على الساحل الأفريقي لجنوب البحر الأحمر. وعلى الساحل الشمالي لأفريقيا لا سيما فى قرطاجة الفينيقية، وذلك أكثر مما يرتبونه على سلالة بشرية مغلقة على ذاتها. وهذا اتجاه سليم نعود إليه فى موضوع آخر. ويكفي أن نشير هنا إلى أن القرآن الكريم لم يذكر للنبي نوح ﵇ غير ولد واحد كان من المغرقين. وذلك مما يعنى عدم ضرورة الالتزام بالرواية العبرية وإن لم ينفها تمامًا، وأن الفوارق الطبقية والشعوبية التى وضعها العبرانيون فى أنساب التوراة بين الساميين وبين الحاميين هى مفتعلة لم يسبب ظواهرها من حيث اختلاف اللون واللغة فى واقع الأمر غير الفوارق المناخية ومطالب البيئات وفوارق اللهجات. على أننا قد نضطر إلى استخدام تعبير الساميين وتعبير الحاميين أحيانًا فى سياق أحاديثنا نظرًا لشيوعهما، ولا بأس من ذلك ما دمنا نتبين حقيقة الأمر فيهما. ومع وحدة الأصل البعيد انشعبت اللغات السامية القديمة إلى شعبتين كبيرتين كانت لكل منهما فروعها العديدة، وذلك من قبل أن توحد لغة القرآن الفصحى بينهما. وكانتا: شعبة سامية غربية شاعت بقواعدها ولهجاتها فى غرب شبه الجزيرة العربية ووسطها وجنوبها وشمالها، وفي أغلب بلاد الشام وأغلب مصر، ثم بعد ذلك فى جزء من شمال أفريقيا وجزء من شمال السودان، بل وامتدت قديمًا من اليمن إلى أكسوم فى الحبشة وجزء من الساحل الأفريقي القريب منها. ثم شعبة سامية شرقية شاعت بخصائصها فى المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية وما اتصل بها من نواحي الخليج العربي وجزره، وبلاد النهرين أو العراق القديم. وكنموذج للصلات القديمة بين الأصول وبين الفروع من هذه الشعوب المتجاورة قدمنا في الفصل الأول من كتاب الشرق الأدنى القديم نماذج من أوجه التشابه بين بعض قواعد اللغة العربية وبين بعض قواعد اللغة المصرية القديمة، على الرغم من اختلاف صور الكتابة بينهما- وذلك مع تقدير أن قواعد اللغات لا يمكن أن تنتقل مع التجارة أو باتصلات عارضة شأنها شأن المفردات اللفظية، وإنما يدل تشابهها بين اللغات على وحدة الأصول بينها فى أغلب الأحوال حتى ولو كانت أصولا بعيدة. وذلك مما يمكن تقريبه إلى افتراض وجود أم لغوية قديمة واحدة وأبناء متنوعين أخذ كل منهم يطوع مفردات لغته ولهجتها بما تناسب مع ظروف بيئته ومطالب حياته. وتعددت الآراء مرة أخرى في منشأ وتفسير تسمية العرب، كما تعددت أمثالها فى شأن تسميات كثير من الشعوب والبلدان القديمة الأخرى مثل تسميات مصر وسومر وعراق وشام وعبري وآرام ... إلخ.

стр. 4

فمن وجهات النظر العربية القديمة فيها القول باشتقاق لفظ العرب من اسم جد أعلى كان يسمى يعرب بن قحطان، أو من فعل يعرب بمعنى يفصح تدليلا على ما كان العرب يعتزون به من فصاحة البيان .. ، ثم القول باشتقاقها من اسم عربة وهو أحد أسماء مكة التى شب إسماعيل ﵇ على أرضها، أو هو اسم لجزء منها. ومن وجهات النظر السامية الأخرى القول باشتقاق تسمية العرب من أحد الأصول التي خرجت منها كلمات عبرية شبيهة بها وليس من الكلمات العبرية نفسها مثل عرابة بمعنى الأرض الجافة، وأرابا بمعنى الأرض الداكنة المعشبة، وإرب بمعنى الشرود عن النظام، وعابار بمعنى التجوال أو الترحال ... إلخ. وعندما استخدمت النصوص المسمارية العراقية القديمة تسميات أربي وأريبي وأريبو ... إلخ، بمعنى العربي والعرب والعربية منذ القرن التاسع ق. م. لم تقصرها على سكان شبه الجزيرة وحدهم، وإنما أطلقها كذلك على بعض أهل بادية جنوب الشام، وعنت بهم الأعراب البدو في أغلب الأحوال. وكذا فعلت بعض قصص التوراة. كما مد المؤرخون والرحالة الإغريق والرومان فيما بعد تسمية أرابيا وأرايبيا إلى صحراء مصر الشرقية. واستخدمت بعض النصوص المصرية القديمة لفظ أربايا تجريفًا فيما يبدو عن عربية أو العربية، للدلالة على المنطقة القريبة من الحدود المصرية فى شبه الجزيرة العربية. كما استخدمت النصوص الفارسية نفس اللفظ أربايا في القرن الخامس ق. م. للدلالة على بادية فلسطين وشبه جزيرة سيناء وما يتصل بهما من شمال شبه الجزيرة العربية. ودلت تسمية ع ر ب ن، وأعرب فى نصوص الجنوب العربي القديم على معنى الأعراب أساسًا، لا سيما الخيالة والأبالة من بدو وسط شبه الجزيرة العربية، وقالت عنهم فيما قالت أعرب طودم أي أعراب الهضبة أو أعراب النجد، وأعرب تهمت أي أعراب تهامة أو الوديان والسهول الساحلية.

стр. 5

الفصل الأول: مصادر التاريخ العربي القديم ودراساته الأثرية الحديثة ... الفصل الأول: مصادر البحث فى التاريخ العربي القديم ومراحل دراستها الحديثة تعاقبت على شبه الجزيرة العربية خلال تاريخها القديم عصور كثيرة سبقت عهود الجاهلية بمعناها المحدود بقرون طويلة. وتعددت مصادر البحث فى تاريخ هذه العصور- ويمكن عرضها على النحو التالي: أولا: الآثار المادية الباقية، وهذه تبدأ بما خلفه إنسانها البدائي القديم في دهوره الحجرية من أدوات حجرية متواضعة، وما خطه من رسوم بدائية متفرقة. ثم تتضمن أساسًا ما تركته الجماعات العربية المتحضرة فى عصورها التاريخية القديمة من آثار معمارية قائمة كبقايا المعابد والأسوار والسدود، والحصون والأبراج، والمساكن والمقابر، وما عثر عليه فى هذه وتلك من آثار منقولة متنوعة لأدوات الاستعمال اليومي وأدوات الزينة وفنون النحت والنقش، في مناطق عدة من أنحاء شبه الجزيرة العربية. والآثار فيما نعلم هى التاريخ الحي لأهلها، أو هي الشاهد الصادق على حضارة أصحابها، فهي تكشف عن مدى التقدم أو مدى البداءة في إنتاجهم، ومدى الثراء أو مدى الفقر فى إمكاناتهم، ومدى الأصالة أو مدى التقليد في صناعاتهم، ومدى التأثر أو مدى التأثير بين حضارتهم وبين حضارات جيرانهم. ثم هى تعبر عن هيئاتهم وأزيائهم وطبيعة أذواقهم، ولا جدال فى أنه كلما زاد الكشف عن هذه الآثار كلما زادت الحصيلة التى يستنتج منها تاريخ بلدها وقومها. وقد يضاف إلى مدلول الآثار ما يهتم به علماء الأنثروبولوجي من دراسة الهياكل البشرية التي يمكن أن تحدد السلالات ومدى النقاء أو مدى الاختلاط النسبي فيها. ثم ما يهتم به علماء الجيولوجيا والجغرافيا الطبيعية والتاريخية من دراسة التكوينات البيئية لتحديد الأماكن القديمة للآبار والواحات والمناجم، ومواطن الاستقرار والاستثمار القديمة، فضلا عن ظروف المناخ واتجاهات

стр. 6

الوديان ومسالك الهجرات والتجارة، وهلم جرًّا. ثانيًا: النصوص العربية القديمة التي عثر عليها داخل شبه الجزيرة وخارجها، سواء كتبت بخطوط المسند ومشتقاتها، أم بالخطوط الآرامية -لا سيما النبطية- والتدمرية، أم بالخطوط العربية الخالصة. والنصوص سواء أكانت شخصية أم سياسية أم حربية أم دينية تمثل ثروة تاريخية مفيدة، وتسجل رأي أهلها فى أنفسهم ووجهات نظرهم فى علاقاتهم بجيرانهم. ولكنها إذا عوملت بموازين النقد العلمي احتمل بعضها الشك كما يحتمل بعضها التأييد. وبتعبير آخر فإن النصوص القديمة مع أهميتها فى التعبير عن آراء أصحابها لا تخلو عادة من مبالغات فى تضخيم الانتصارات إذا كانت نصوصًا حربية. ولا تخلو من الإسراف فى تعظيم وتقديس الملوك والرؤساء إذا كانت نصوصًا رسمية أو نصوصًا للموظفين وأتباع الحكام. ولا تخلو من ادعاءات بالصلاح والإصلاح إذا كانت نصوصًا شخصية. ولا تخلو من تكرار وسذاجة إذا كان كتبتها من الأفراد البسطاء. ولا تخلو من غموض الاصطلاحات إذا كانت نصوصًا إدارية أو تقنينية. ولا تخلو من تخيلات وأوهام إذا كانت نصوصًا عقائدية أو سحرية. ولكنها فى مجملها، وعلى الرغم من ذلك كله، هي المصدر الرئيسي لتصوير عادات أهلها وعقائدهم وأوضاعهم السياسية والاجتماعية وعلاقاتهم الخارجية، فضلا على ما يمكن أن يستفاد به من بين سطورها مما لم يشأ كتبتها أن يفصحوا عنه صراحة من مشكلات عصورهم. وجلي أن ما عقبنا به هنا على إيجابيات وسلبيات الآثار والنصوص العربية القديمة يمكن أن يقال كذلك عن بقية الآثار والنصوص القديمة كلها. ثالثًا: النصوص المسمارية التي تحدثت عن علاقات بعض دول العراق القديمة بعدد من قبائل ودويلات شبه الجزيرة منذ القرن التاسع ق. م. وهذه هي الأخرى لا تخلو من قيمة ولا تخلو من شك في الوقت ذاته. فهي قد اعتادت على أن تنسب إلى أصحابها الآشوريين والبابليين سلطانًا واسعًا، وأسرفت فى تصوير انتصاراتهم الحربية على العرب -أو الأعراب. وتعتبر في أغلبها نصوصًا تدل على جانب واحد نظرًا لأنه لم يعثر على نصوص عربية تقابلها وتعاصرها وتشرح وجهة نظر أصحابها إلا فى القليل النادر. وذلك ما يعني أنه ليس من ضرورة إلى التسليم بحرفية أخبارها. ولكن نفس هذه النصوص المسمارية على الرغم من تحيزها ومبالغاتها لم تخل مما يستفاد به منها. فهي أقدم المصادر التى سجلت تسمية العرب كتابة منذ أواسط القرن التاسع ق. م. بصيغ أربي وأريبي وأريبو كما أسلفنا. وهى المصادر الوحيدة حتى الآن التي

стр. 7

تحدثت عن نحو ست ملكات عربيات شماليات ظهرن خلال القرن الثامن والقرن السابع ق. م. وإذا كانت المصادر المصرية القديمة المعاصرة للمصادر العراقية لم تسجل تسمية العرب صراحة إلا فى قرون متأخرة فى الزمن نسبيا، إلا أنها ذكرت قبل ذلك بقرون طويلة أسماء بعض المناطق الإقليمية على طرق التجارة في شمال شبه الجزيرة، كما أشارت إلى استخدام منتجات الجنوب العربي فى مصر بوفرة منذ الألف الثاني ق. م. على أقل تقدير، ودلت بذلك على قدم اتصالاتها بأهله اتصالا مباشرا أحيانا وعن طريق وسطاء التجارة أحيانا أخرى. رابعًا: مصادر التوراة: وهذه بما تضمنته من أسفار وقصص ليست كلها منزلة من السماء وليست كلها من رسالات الأنبياء. وإذا كان بعضها له قداسته، فإن بعضها الآخر تضمن أخبارا أضافها الأحبار والرواة. وصورت هذه المصادر فى عبارات مقتضبة من سفر التكوين وسفر حزقيال وسفر المزامير وسفر عاموس وسفر دانيال، ومن التلمود، علاقات العبرانيين ببعض قبائل ودويلات عبر شبه الجزيرة، ومعلوماتهم عنهم وعن مناطقهم تصويرا بعضه مقبول وأغلبه مفتعل. وحاولت أن ترتب أنساب القبائل التى عرفها العبرانيون ترتيبا قليله مقبول وكثيره مفتعل أيضا. ولهذا تؤخذ معلوماتها بحذر شديد. خامسًا: كتابات الرحالة والمؤرخين الإغريق والرومان الذين زاروا أطراف وسواحل شبه الجزيرة العربية أوجمعوا الأخبار عنها ممن زاروها من قبلهم، ثم سجلوا أسماء دولها ومدنها وموانيها وقبائلها، وأهم مصادر الثروة فيها، وطرق التجارة منها وإليها، وضمنوها فى مؤلفاتهم ابتداء من القرن الخامس ق. م. على وجه التقريب. ومن هذه الكتابات ما هو واقعى صحيح مفيد، ومنها ما يسوده الوهم والخيال وتحريف الأسماء نظرا لقصر زياراتهم لها ولاختلاف لغاتهم عن اللغة العربية وشقيقاتها الساميات. ومن أهم هؤلاء الرحالة والمؤرخين هيرودوت في أواسط القرن الخامس ق. م. وثيوفراتيس في أواخر القرن الرابع ق. م. وإراتوسثنيس في أواسط القرن الثالث ق. م. وجوبا في أواخر القرن الثاني ق. م. وديودور الصقلي في أواسط القرن الأول ق. م. واسترابون في أواخر القرن الأول ق. م. وبليني في أوائل القرن الأول الميلادي، وبطلميوس في أواسط القرن الثاني الميلادي، ومؤلف الطواف حول البحر الإرتيري بين القرنين الأول والثالث للميلاد، ويوسيبيوس في أوائل القرن الرابع الميلادي. ثم مجموعة من المؤرخين والرحالة المسيحيين والبيزنطيين الذين اتصلوا بالحبشة وإمارتي الحيرة وغسان،

стр. 8

ومنهم روفينوس بترانيوس، وشمعون مؤلف رسائل الشهداء الحميريين فى نجران، وبروكوييوس صاحب كتاب تاريخ الحروب وصديق القائد البيزنطي بليزاريوس .. وغيرهم. ولا تقتصر أهمية ما كتبه هؤلاء الكلاسيكيون على ما تضمنه من معلومان، وإنما يفيد كثيرا أيضا فى عقد التواريخ المقارنة بين العهود التى تحدثوا عنها ويمكن تحديدها، وبين أحداث شبه الجزيرة التى عجزت نصوصها عن تحديد زمنها بدقة. سادسًا: آيات القرآن الكريم التى وصفت بعض أحوال الشعوب العربية القديمة، ونبهت إلى العبرة من مسالك أهلها مع الرسل والأنبياء، وبينت أنه كان فيهم مؤمنون وكفرة، وعلماء وجهلة، ولبعضهم ممالك ومنشآت .. لا سيما فيما يختص بإبراهيم وإسماعيل ﵉، ومكة والبيت الحرام، وأقوام: شعيب وهود وصالح وغيرهم في مدين وعاد وإرم وثمود وأصحاب الرس وسبأ والأخدود .. إلخ. ويقترن ببعض ما جاء به القرآن الكريم ما ورد من أحاديث نبوية تعرضت أحيانا بالتعديل أو النقد أو التجريح أو الإجازة لبعض أوضاع الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى عهد الجاهلية القريبة من بداية العصور الإسلامية. سابعًا: مؤلفات المؤرخين المسلمين التى جمعوا بعض أخبارها من القصص العربية والأشعار الجاهلية وسلاسل الأنساب المروية، وجمعوا بعضا آخر من أخبارها من الإسرائيليات والقصص السريانية بل والفارسية، فضلا على مشاهداتهم الشخصية لما بقي من آثار المدن والمعابد والمقابر القديمة حتى العهود التى عاشوا فيها. ومن هؤلاء المؤرخين: عبيد بين شرية الجرهمي اليمني في القرن الهجري الأول، ونسب إليه كتاب الملوك وأخبار الماضين. وهب بن منبه، ت ١١٠هـ ونسب إليه كتاب الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم، وكتاب المبتدأ. هشام بن محمد بن سائب الكلبي ت ٢٠٤هـ، ومن مؤلفاته الكثيرة جمهرة النسب أو الجمهرة فى الأنساب، وكتاب الأصنام. ونسب إليه كتاب الحيرة، وكتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين

стр. 9

وكتاب ملوك كندة وكتاب الكلاب الأول والكلاب الثاني ... إلخ. محمد بن هشام بن أيوب الحميري، ت ٢١٣ هـ، وأخرج كتاب التيجان وملوك حمير. أبو محمد الحسن الهمداني، ت ٣٣٤ هـ ومن مؤلفاته الضخمة الإكليل وصفة جزيرة العرب وملوك كندة. ونسب إلى الأصمعي كتاب جزيرة العرب ومياه العرب ... إلخ. وأخرج الحسن الغدة الأصفهاني مؤلفه عن بلاد العرب. وألف نشوان الحميري القصيدة الحميرية والقصيدة اليائية ... إلخ. وأقرب إلى الوقائع التاريخية فيما كتبه هؤلاء المؤرخون المسلمون هى أخبار عهود الجاهلية القريبة من ظهور الإسلام، أما ما سبقها من عصور فقل منهم من أخضع رواياته عنها للنقد العلمي، وندر منهم من استطاع أن يقرأ نصوصها القديمة قراءة سليمة. وكما كانت أشعار الجاهلية من المصادر التى اعتمد عليها هؤلاء المؤرخون وكثير غيرهم، فهي لازالت فى حد ذاتها مصدرا لتصوير أيام العرب وحروبهم وعاداتهم الاجتماعية ومثلهم العليا، وذلك على الرغم مما ينبه النقاد إليه من كثرة منحولاتها الأدبية والتاريخية. تلك إذن مصادر عدة فيما رأينا، ولكنها فى حقيقتها لاتزال مصادر شحيحة لا تعطي الكثير لا سيما بالنسبة للعصور الأولى من التاريخ العربي القديم، وهي باستثناء آيات القرآن الكريم، تتفاوت فيما بينها فى مدى صحتها ومدى وضوح تعبيراتها، ومدى المحلية أو العمومية فى أخبارها، وإن كانت لا تخلو على الرغم من بعض أوجه النقص فيها، مما يستفاد به منها فى تحديد وتصوير الخطوط العامة للتاريخ العربي القديم. وليس من شك في أن أوسع المصادر السابقة تعبيرًا عن أحوال سكان شبه الجزيرة الأقدمين، هما المصدران الأولان: أي الآثار العربية القديمة الباقية، والنصوص العربية القديمة الباقية. وقل نصيب أراضي المناطق الوسطى والشمالية والشرقية لشبه الجزيرة العربية من هذين المصدرين حتى الآن نتيجة لأربعة أسباب هي:

стр. 10

قلة البحوث الأثرية التي جريت فيها قلة نسبية، إلى أن أخذت الدولة السعودية، ودول الخليج العربي، تولي هذه البحوث عناية طيبة خلال العقود الأخيرة. شدة اتساع أرضها الذي كان من عوائق اجتماع سكانها القدماء قبل الإسلام في دولة كبيرة واحدة تستطيع أن تيقيم تنظيمات متستقرة ومنشآت كبيرة، أو تعمل على تدوين أخبارها فى نصوص كبيرة متصلة. قلة مواردها الطبيعية القديمة قلة نسبية لم تسمح لجموعها بأن يقيموا غير منشأة صغيرة لم تستطع مغالبة عوادي الزمن إلا فى الشمال الغربي. عدم احتفال أهل العصور الإسلامية المتعاقبة إلى ما قبل العهود الحديثة برعاية الآثار القديمة في البلاد التي نشأ الإسلام فيها. نتيجة لاختلاف عقائدها عن ديانة التوحيد، ونتيجة لما وجدوه من صعوبة فى معرفة أغراضها الحقيقية وصعوبة قراءة نصوصها قراءة صحية. وزاد حظ المناطق الجنوبية القديمة من شبه الجزيرة العربية من هذين المصدرين، أي من الآثار والنصوص الباقية، نتيجة لستة أسباب، وهي: ظهور الكتابة فيها في وقت مبكر نسبيًا مما ساعد على وفرة نصوصها المكتوبة وفرة نسبية وقدم عهدها قدمًا نسبيًا أيضًا. بعدها النسبي عن مركز نشأة الدعوة الإسلامية في الشمال الغربي مما ساعد على بقاء بعض آثارها الظاهرة ونصوصها القديمة إلى الآن نظرًا لتجاوز العصور الإسلامية المتتابعة عن إزالتها. تعدد الفواصل الطبيعية في أرضها مما عمل على تجميع أعداد متاجنسة من سكانها فى دولة سياسية واضحة الحدود والمعالم اهتمت بتدوين أخبارها وعملت كل منها على تمييز إنتاجها الحضاري ما استطاعت. سخاء بيئتها الطبيعية القديمة سخاء نسبيًا مما يسر استقرار دولها وطول أمد عهودها وكثرة منشآتها. وفرة موارد تجارتها القديمة القائمة على الإنتاج الداخلي وعلى الوساطة الخارجية، مما شجع أهلها على أن يقيموا آثارًا ضخمة قاومت عوادي الزمن وبقي بعضها حتى الآن. بدء أعمال البحث الأثري فيها في وقت مبكر نسبيًا من العصر الحديث. وعلى أية حال، فقد خضعت كل من آثار الجنوب والشمال والشرق والغرب في

стр. 11

شبه الجزيرة لعوامل هدامة أخرى قللت من أعدادها ومن أحجامها، ألا وهي شدة السيول والعواصف التى كانت تطيح بما لايثبت أمامها من المباني، وقلة اهتمام العرب القدماء أنفسهم بالتعمق فى إرساء أسس مبانيهم مما عجل بانهيارها. ثم انتفاع الأجيال المتعاقبة من السكان بأحجار المباني القديمة في إقامة مبانيهم. فضلًا على ما جناه لصوص الآثار في العصر الحديث من سرقة الآثار الصغيرة الفنية الثمينة للاتجار بها. نشأة الدراسات والاكتشافات الحديثة: انتفعت الدراسات التاريخية الحديثة لشبه الجزيرة العربية كما انتفعت أمثالها في بقية مناطق الشرق القديم بأنشطة حركة البحث العلمي وجهود الكشف عن الحضارات القديمة وإحياء التراث التى نشأت فى أوروبا منذ القرن الثامن عشر وما تلاه. وبفضلها ثابرت مجهودات البحث العلمي والأثري فى العصر الحديث على كشف النقاب عن التاريخ العربي القديم بنصوصه وآثاره من أجل التعرف عليه كما صنعه أصحابه أو كما سجلوه بأنفسهم. ولفت أنظار أوائل المؤرخين والرحالة الحديثين الأجانب إلى تاريخ وآثار شبه الجزيرة العربية ما أتت به الكتب المقدسة عن ملكة سبأ وثراء دولتها، وعن أقوام مدين وعاد وثمود ... ، وما كتبه الكلاسيكيون الإغريق والرومان عن أرض البخور وتجارتها، وما قرأه المستشرقون من كتب المؤرخين والجغرافيين المسلمين، إلى جانب دافع الفضول عندهم لمعرفة المزيد عن الأرض التي انبعث الإسلام منها. وإذا كان واقع الأمر يدعو إلى الاعتراف بأن أغلب من سنتناول جهودهم من المؤرخين والآثاريين والرحالة فى العصر الحديث كانوا من الأوروبيين، فإنه يجب الاعتراف كذلك بأن تحفظ الدولة العثمانية التى كانت تسيطر على الشرق الإسلامي حينذاك، وتخوف المسلمين من سوابق أطماع المستعمرين الغربيين، كلاهما حدد عدد البعثات العلمية وجعل أغلب جهودها فردية تتم في غير علنية وبغير الطرق الرسمية بل وعن غير طرق المتخصصين أيحانًا. وفي الوقت نفسه لم تكن حركة الكشف العلمي الأوربي تستهدف غرضًا واحدًا، أوتستهدف العلم وحده، وإنما كانت تستهدف الكشف عن خبايا الأرض والثروات الطبيعية، وعن المعالم الجغرافية والمعالم التاريخية في آن واحد. ويبدوا أنه كان لوجود أعداد من اليهود والأغراب المستوطنين فى مناطق الجنوب العربي أثر في اتجاه أوائل الرحلات الكشفية الحديثة إليها لسهولة التخفي في زي بعض

стр. 12

طوائف سكانها والطارئين عليها وبالتالي إمكانية التنقل فى أراضيها. وسوف نكتفي فيما يلي بحديث موجز عن الرواد الأوائل الذين يسروا السبيل أمام الدراسات الموسعة فى الوقت الحاضر. فتحت أبواب الدراسات التاريخية الحديثة لمناطق الجنوب العربي بعثة يسرت لها حكومة الدانمرك طريق الوصول إلى اليمن فى عام ١٧٦١ للقيام بدراسات جغرافية ونباتية وحيوانية. وتجولت البعثة في اليمن، وكان أنشط أعضائها وأطولهم بقاء الهولندي كارستين نيبور Karsten Niebuhr وقد زار مخا وعمان وعدة مناطق من الخليج العربي، ونشر نتائج رحلته فى عام ١٧٧٢ ووصف فيها ما شاهده، ودون عددًا من الملاحظات الطبوغرافية والخرائط التوضيحية للمناطق التى زارها، كما ضمنها مستنسخات لعدد من نصوص المسند التي وجدت فى مدينة ظفار إحدى عواصم دولة سبأ وذوريدان القديمة. ولفت الأنظار إلى أطلال المواقع الأثرية التى شاهدها وأثبتها على خرائطه. والطريف أن تجربة نيبور مع الآثار والنصوص العربية الجنوبية فى عام ١٧٦١ شجعته على أن يجري نفس النشاط مع الآثار والنصوص الفارسية فى مدينة برسوبوليس بإيران، فأصبح بذلك رائدًا للدراسات القديمة فى كل من البلدين. واقتفى أثر نيبور الألماني أو ليرخ جسبار سيتزن A.J. Seetzen الذي زار ظفار فى صيف ١٨١٠ واستنتسخ بعض نقوشها. وكان من المتوقع أن يتاح لرحالة انجلترا وفرنسا وهما الدولتان الكبيرتان في القرن التاسع عشر نصيب من الكشف عن حضارات الشرق القديم. ففي عام ١٨٣٦ نجح كل من هلتون وكروتندن البريطانيين في استنساخ نقوش سبئية من صنعاء. وباسم البحرية الهندية أو شركة الهند البريطانية كلف الكابتن ولستد R. Wellsted وزميله هاينس S.B.Haines في عام ١٨٣٥ بمهمة تتبع خطوط الساحل العربي. وكانت لولستد اهتماماته الخاصة بالرحلة والآثار فوجه الأنظار في حضرموت إلى أطلال ونقوش حصن الغراب الذي كان يحمي ميناء من أكبر موانئ دولة حضرموت القديمة. ونبه إلى أطلال مدينة نقب الحجر أحد المراكز الحضارية القديمة. وسجل ملاحظاته عن خصب وادي حضرموت. ووصل إلى أطراف الربع الخالي. كما بدأ رحلاته الجغرافية في عمان حتى وصل إلى الحافة الجنوبية للجبل الأخضر.

стр. 13

وشابهه في مثل هذا المجهود الألماني أدولف بارون فون فريده Adolf-Barron von Wrede. وفي هذه الأثناء تفرغ بعض المستشرقين للتعرف على خصائص الكتابة العربية الجنوبية عن طريق مقارنتها بما يشبهها ويعرفونه من الكتابات الحبشية والعبرية والفينقية وغيرها من الكتابات السامية القديمة. وكان من أوائل من بدأوا هذا المجهود اللغويات إميل ريدجر Emil R.Rodiger (١٨٣٧) وولهام جيسينيوس H.F. Wilhelm Gesenius ( يبي ١٨٤١) وتبعهما أرنست أوسندر. وقامت البعثات الفرنسية بنصيبها الكشفي، وكان أشهر رجالها أرتو، وهاليفي. وركز توماس جوزيف أرنو Thomas J.Arnaud وهو صيدلي رحالة، جهود فى عام ١٨٤٣ في صرواح ومأرب عاصمتي دولة سبأ -وسجل مشاهداته كتابة ورسمًا عن سد مأرب، ومحرم بلقيس (أو معبد إلمقه). ونسخ حوالي ٥٦ نقشًا قديمًا نشرها فلجانس فرينل قنصل فرنسا فى جدة فى عام ١٨٤٥ في كتابه بحوث في النقوش الحميرية. وأدت هذه الجهود إلى أن قررت الأكاديمية الفرنسية في باريس عام ١٨٦٩ البدء في إصدار موسوعة النقوش السامية- Corpus Inscriptionum Semiticar وكان ذلك كسبًا كبيرًا للدراسات العربية القديمة. وكان جوزيف هاليفي Joscph Halevy أكثر حظًا فى التوغل فى الجنوب العربي وفي وصف أهم آثاره الظاهرة واستنساخ العديد من نصوصه وترجمتها. وفي هيئة اليهودي الفقير وصل إلى مواضع لم يصل إليها من سبقوه. فلم يكتف بالآثار السبئية فى مأرب وصرواح وصنعاء، وإنما اجتاز أيضًا منطقة الجوف الجنوبي، وتعرف على بعض آثار دولة معين القديمة فى مدينتي قارنا وويطيل بما فيهما من أسوار ومعابد وحصون. ووصل نجران وأطراف الربع الخالي فى عام ١٨٦٩ - ثم عاد إلى فرنسا وفي حصيلته ٦٨٦ نصًا من ٣٧ موضعًا. ونشر نتائج رحلته فى المجلة الآسيوية فى عام ١٨٧٢ وشفعها بدراسة تحليلية للنصوص الجنوبية المعروفة حتى وقته. كما نشر مقالًا في عام ١٨٧٧ عن رحلته إلى نجران. وأهم من يقرن بها ليفي من حيث غزارة المادة هو المستشرق النمسوي إدوارد جلاسر Edward Glaser وقد اكتست رحلاته بنوع من العلنية والرسمية

стр. 14

بعد أن يسر له المسئولون الأتراك فى صنعاء هذه الرحلات فى أعوام ١٨٨٧، ١٨٨٨، ١٨٩٢، وبهذا اتسعت دراساته للآثار والنصوص الحميرية في همدان وظفار، والنصوص السبئية فى مأرب، كما اتسعت جهوده للآثار والنصوص المعينية والحضرمية والقتبانية، وقدم تخطيطًا دقيقًا لبقايا القنوات والسدود القديمة. ومن الشخصيات التى ساهمت فى استخلاص قواعد اللغة العربية الجنوبية فريتز هومل F.Hommel في بحث أصدره عام ١٨٩٣ اعتمد فيه على النصوص المعينية واعتبرها أصلًا لغيرها، وهو ما يعارضه الآن فيه باحثون آخرون. وهكذا مهدت رحلات ودراسات المستشرقين فى القرن التاسع عشر السبيل أمام أبحاث أكثر عمقًا وشمولًا في القرن العشرين، فبرز خلال هذا القرن عدد ممن تتلمذوا على الرواد الأوائل اهتموا بتحقيق النصوص وتأريخ الأحداث والاستعانة بالدراسات المقارنة. وظلت الدراسات الجغرافية لطرق التجارة ومشروعات الري مكملة لهذه الجهود. وتعدت الدراسات الأثرية وصف الآثار الظاهرة إلى التنقيب عن الآثار الدفينة تحت التلال وفي باطن الأرض. وتعددت على هذا السبيل بعثات نمسوية وبريطانية وأمريكية. في اليمين بأجزائها وعدن وحضر موت ومقسط وعمان. فكشف عن أعداد من المعابد والمقابر والحصون والمنازل فضلًا على النصوص والآثار المنقولة المتنوعة. وبدأ عدد من الباحثين العرب، ومن المصريين بخاصة، يشاركون بجهودهم فى المجالات اللغوية والأثرية في شبه الجزيرة منذ عام ١٩٣٦ وحتى الآن. وعن طريق تعاون المؤرخين والأثاريين واللغويين زادت المعرفة بأسماء القبائل والمدن القديمة وتحديد مواقعها، وزاد التعرف على كنه المعبودات الجنوبية، والعلاقات بين الممالك المتعاصرة، والصلات بين حكامها، وتتابع عهودهم وما تم فيها من تجديدات سياسية أو عمرانية. وعن طريق تعاون المؤرخين والأثاريين واللغويين زادت المعرفة بأسماء القبائل والمدن القديمة وتحديد مواقعها، وزاد التعرف على كنه المعبودات الجنوبية، والعلاقات بين الممالك المتعاصرة، والصلات بين حكمها، وتتابع عهودهم وما تم قيها من تجديدات سياسية أو عمرانية. ولم يقل نصيب المناطق العربية الشمالية والغربية والشرقية فى شبه الجزيرة من اهتمام الرحالة والباحثين فى العصر الحديث كثيرًا عن نصيب

стр. 15

المناطق الجنوبية. وكان من مقدمات البحث فيها فضول بعض الرحالة الأجانب للتعرف على الأماكن الإسلامية المقدسة، وتتبع آثار الأنباط الكبيرة التى انتشرت في جنوب الأردن وامتدت حتى شمال المناطق الحجازية. وكانت عمائرها في الأردن واضحة معروفة وإن لم تكن نصوصها قد حلت رموزها بعد. وجدير بالذكر أن رحالة يدعى عبد الغني بن أحمد بن إبراهيم النابلسي أخرج كتابًا فى عام ١٦٩٣ بعنوان الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز وصف في سياقه بعض آثار مدائن صالح والحجر ومغاير شعيب واستنسخ بعض نقوشها، وسبق غيره من الغربيين فى هذا السبيل. وكما حدث فى الجنوب العربي لم تتعمد الجهود الأولي للرحالة الأوروبيين الكشف العلمي مباشرة عن الحضارات القديمة، وإنما صاحبتها رغبة التعرف على ثروات البلاد الطبيعية ودراسة حياة البدو. وكانت أغلب رحلاتهم في شبه الجزيرة استمراراً لرحلاتهم الأخرى في بوادى الشام وفلسطين ومناطق الخليج العربي. وعلى الرغم من تحريم دخول المدينتين المقدستين على غير المسلمين ترحيمًا قاطعًا، فقد استطاع بعضهم دخولها. وكان في تعدد أجناس الحجاج وتنوع هيئاتهم فرصة لبعض الأوروبيين الذين تظاهروا بالإسلام واستخفوا في هيئات شتى لم تكشف عن أجنبيتهم. وعن هذا الطريق تسلل عدد منهم إلى المدينتين المقدستين منذ بداية القرن السادس عشر، ومن أوائلهم الأسباني Badia Leblich Domingo الذي تنكر تحت اسم على بك ووصف الأماكن المقدسة فى مكة وماحولها. وكما مهدت رحلة نيبور للدراسات الحديثة فى الجنوب العربي، مهدت رحلة السويسري لودفيج بوركهارت J.L.Burckhardt السبيل لدراسات الأجزاء الشمالية الغربية من شبه الجزيرة. وقد أشهر إسلامه وتسمى .. إبراهيم بن عبد الله، وخرج من القاهرة إلى جدة فى عام ١٨١٤. وزار مكة والطائف وتتبع الطريق الساحلي، وربما دخل الحجر. ووصل المدينة عام ١٨١٥. ثم عاد إلى ينبع ومنها إلى القاهرة. وحاول أن يكون دقيقًا فى تسجيل ما شاهده فى رحلته وما نشره عنها. ولم يكن بوركهات آثاريًا ولكنه فتح الطريق أمام المهتمين بالآثار. وكان إدوارد روبل أو أوروبي يزور مغاير شعيب وآثارها فى العصر الحديث. وإلى جانب الرحالة الأوربيين العاديين والمندوبين السياسيين الذين زاروا أراضي الدولة السعودية فى منتصف القرن التاسع عشر (مثل فالين. وسادليير)،

стр. 16

وصف ر. برتون R.Barton المقابر النبطية فى مغاير شعيب، ولفت الأنظار إلى آثار المناجم القديمة فى منطقة مدين، خلال دراساته الطبوغرافية التى كان يقوم بها فى الأراضي الحجازية الممتدة من هضبة حسمى إلى ساحل تهامة. وتبعه ج. ر. ولستد فى زيارة مغاير شعيب حيث استنسخ بعض نصوصها، وكتب عن ميناء الوجه الذي يبدو أنه كان يخدم تجارة دولة ددان ولحيان. ومن الرحالة ذوي الميول الأثرية وليم ج. بلجريف W.G.Palgrave في سياق مانشره عن رحلاته فى أراضي نجد. شمالها ووسطها وشرقها، فى عامي ١٨٦٢ - ١٨٦٣. للأغراض المتنوعة التى استهدفها رحالة عصره. أشار إلى بعض المعالم الأثرية كالمقابر ونحوها في عام ١٨٦٥. ولكن أخذ عليه أنه كان يعتمد على السماع أحيانًا فيما يكتبه دون أن يمحصه ودون أن يقطع الشك فيه باليقين. وهكذا استأثر بالتقدير دونه شارل مونتاج دوتي Charles M.Doughty الذي زار مناطق مدائن صالح. والعلا والخريبة، فى عامي ١٨٧٦، ١٨٧٧ - واستنسخ منها نصوصًا نبطية وثمودية ولحيانية نشرها فى عام ١٨٨٤ - وترجمها الباحث اللغوي جوزيف رينان J.Renan وأشار دوتي إلى معالم قديمة أخرى فى تيماء والطائف ووادي فاطمة. ونبه خلال دراساته الجيولوجية إلى وجود أدوات حجرية لدهور ما قبل التاريخ فى معان. وانتفعت دراسة آثار ونقوش شبه الجزيرة ووسطها كذلك بما جمعه منها تشارلزهوير Ch.Huber خلال رحلاته فى ١٨٧٨ - ١٨٨٢. ١٨٨٣ - ١٨٨٤ وما نشره عنها في عام ١٨٨٤ - وفي عام ١٨٩١. وقد هلك خلالها. وكان قد شاركه يوليوس يوتج J.Euting في زيارة العلا ومدائن صالح والخريبة، ثم زار تيماء. ونشر عن آثار متفرقة وعن نتائج رحلاته داخل شبه الجزيرة فى عام ١٨٩٦، وعام ١٩١٤، وعن النقوش النبطية فى عام ١٨٨٥، والنقوش النمودية في عام ١٩٠٤، وقد عاود ترجمة هذه النصوص كل من اللغويين هـ. مولدر، وإنو ليتمان E.Littmann. ومع أوائل القرن العشرين تجمعت من جهود الرحالة والباحثين حصيلة مناسبة لتحقيقات علمية أكثر شمولًا عن التاريخ القديم لشبه الجزيرة. وقد ساهم فيها بنصيب كبير ألوا موزيل Alois Musil فقدم دراسات تفصيلية عن شمال الحجاز وشمال نجد، خلال عشرين عام (١٨٩٦ - ١٩١٥)، قام فيها بعدة رحلات، مع دراسات مستفيضة أخرى عن جنوب فلسطين وبادية الشام. وقد

стр. 17

نشرها في عدة كتب بين ١٩٠٧ - ١٩٣٠، وتناول فيها طبوغرافية الأرض ومصادر المياه، وحقق أسماء الأماكن، والأعلام، وترسم طرق التجارة، وتعرف على كنه المواضع التي عثر فيها على النصوص القديمة النبطية والثمودية واللحيانية، والعربية والإغريقية واللاتينية. وحاول أن يربط بين هذا كله وبين ما ذكرته قصص الكتب المقدسة عن شعوب المنطقة وأنبيائها كشعوب مدين وثمود وإرم وقصة يوسف وقصة موسى وخروج بني إسرائيل مستعينًا بروايات المؤرخين والجغرافيين الإغريق والرومان، ومؤلفات المؤرخين والجغرافيين المسلمين، وما انتهت إليه الدراسات الحديثة للآثار والنصوص حتى أيامه، وكل ذلك إلى جانب الكتابة المعتادة عن السكان وحياة البدو الاجتماعية فى العصر الحديث الذي قام فيها برحلاته. وفي نفس الوقت تقريبًا، غلبت الصبغة اللغوية والأثرية على رحلات الباحثين جوسين وسافينياك A.Jaussen,R.Savignac في شمال شبه الجزيرة وساحل الحجاز، وكانا من الآباء الفرنسيسكان فى القدس، وأسهما في نشر وإعادة نشر عشرات من النصوص النبطية واللحيانية والثمودية وترجمتها، ودراسة الآثار فى تفصيل وتصويرها تصويرًا دقيقًا، لا سيما فى مدائن صالح والخريبة ثم في تيماء. وقد نشرا ذلك كله فى ثلاثة أجزاء كبيرة (١٩٠٩ - ١٩٢٠) وفي عدد من البحوث القصيرة. وكانت دراساتهما من الأسس التى اعتمدت عليها المؤلفات المستفيضة عن الحضارة النبطية (مثل مؤلفات كرامور، وكونتينو - er,J.Contineau A.Kramer - وعن الحضارة اللحيانية (في مثل مؤلفات فريدرك وينت، وفريتز كاسكل F.V.Winnett,W.Caskel) وعن الحضارة الثمودية (في مثل مؤلف فإن دن براندن ( A.Van den Branden) . واهتمت رحلات برترام توماس Bertram Thomas جزئيًا بجنوب نجد، فكأن أول الأوربيين الذين حاولوا كشف النقاب عن طبيعة الربع الخالي، حين عبر الجزء الشرقي منه فى طريقه من ظفار إلى قطر، وقدم نماذج جيولوجية وأثرية من رحلته، ورسم خرية لمسالكه ومعالمه الطبيعية. وكانت دراساته عونًا لدراسات سان جون فلبي H.St. J.B. Philby وتشيجر Z.Thesiger عن الربع الخالي، وهي دراسات نبهت ضمن ما نبهت إلى بعض الطرق التجارية التى كانت تحاذي حافته الغربية وتقوم فيها بعض محطات القوافل. ولعل الآراءلم تختلف في الحكم على مؤلفات باحث فى تاريخ شبه الجزيرة العربية كما اختلفت في الحكم على مؤلفات فلبي العديدة. وكل ما يمكن قوله إنه قدم في ثناياها معلومات متناثرة كثيرة، وترك لغيره أن ينتقي منها ويمحصها.

стр. 18

وتتابعت الجهود العلمية حتى الآن، كما تعدد المشتغلون باللغويات والآثار والدهور الحجرية والتاريخ القديم عن كل هذه المناطق الواسعة، وظهرت منهم أسماء لامعة لاتزال تقدم بحوثها حتى الآن من الأجانب ومن المواطنين ومن بقية البلاد العربية، ممن سوف نعاود التنويه بهم في الفصل الحادي عشر، مع وجود التفاوت المعتاد بينهم فيما ينشرونه، فمنهم من يستهدف الدعاية ولا تكاد صفحة مما يكتبه تخلو من اهتمامه بأنه قابل فلانًا وأكل عند هذا وقال لهذا .... ومنهم من يكتفي بالوصف والدراسة السطحية، ومنهم كذلك من يفضل العلم للعلم فيدقق ويجدد، وهو الأنفع والأبقى. من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل: بيرن (جاكلين): اكتشاف جزيرة العرب -مترجم- بيروت ١٩٦٤. جروهمان، ١: مادة العرب -في دائرة المعارف الإسلامية. حمد الجاسر: في مجلة العرب -سبتمبر ١٩٦٩. عبد العزيز صالح: الرحلات والكشوف الأثرية للعصر الحديث في شبه الجزيرة العربية - إصدار دراسات الخليج والجزيرة العربية ٤ - الكويت ١٩٨١ - ص٥ - ٩٣. وات، جونز، بار، لطفي، الدوري، الجاسر: في مصادر تاريخ الجزيرة العربية -جـ١جامعة الرياض ١٩٧٩ (في مواضع مختلفة).

стр. 19

الفصل الثاني: ممهدات العصور التاريخية في شبه الجزيرة العربية مدخل ... الفصل الثاني: ممهدات العصور التاريخية في شبه الجزيرة العربية أسلفنا أن المفهوم العلمي للتاريخ القديم في شبه الجزيرة العربية لا يقتصر على عهود الجاهلية بمعناها التقليدي المحدود، وإنما يمتد كذلك إلى حضارات أخرى سبقتها بعصور طويلة وآماد بعيدة. وبدأ النشاط العملي للإنسان القديم فيما قبل التاريخ في المناطق الصالحة للإقامة خلال ما يسمي اصطلاحًا باسم الدهور الحجرية تلك التي تبعد أزمنتها عن عصرنا الحاضر بعشرات الآلاف من الأعوام. وقد قدمنا عنها فى الفصل الثاني من كتابنا عن الشرق الأدنى القديم أنه تعاقبت خلالها على شبه الجزيرة العربية وغيرها من مناطق العروض الوسطي في الشرق الأدنى، عصور مطيرة طويلة، وعصور جفاف عنيف طويلة أيضًا (وذلك في مقابل ما شهدته العروض العليا في أوربا مثلًا من عصور تقدم الجليد وعصور تراجعه). وكان لكل طائفة من هذه العصور نباتاتها وحيواناتها المناسبة لظروفها، كما أن تأثيراتها الطبيعية أي تأثيرات العصور المطيرة وعصور الجفاف يمكن ترسمها جزئيًا حتى الآن في تكوينات الأودية الكبيرة التى يجري بعضها ناحية الخليج العربي، ويجري بعضها ناحية البحر الأحمر، ويضيع معظمها الآخر في قلب الصحراء. ومن هذه وتلك وادي الحمض ووادي الرمة ووادي حنيفة ووادي فاطمة ووديان حضرموت وبيجان وحريب وأذنة .. إلخ. وكلها كانت قد شقتها مياه أمطار غزيرة في فترات قديمة طويلة. ويغلب على الظن أن مدرجاتها لا تزال تحتفظ ببعض أدوات الدهور الحجرية، وهي أدوات متواضعة صنعها الإنسان البدائي واستخدمها في الدفاع عن نفسه وفي صيد الحيوان وفي تحصيل قوته. وعثر على نماذج منها في أنحاء مختلفة من الأحساء والعروض، والأطراف الشمالية، ومناطق متفرقة من دول الخليج واليمن الشمالي والجنوبي. وفي البداية عثر على أغلبها عن طريق المصادفة، ولكن عددًا من بعثات الآثار الدانمركية

стр. 20

والعربية قد أولتها أخيرًا عناية خاصة في حفائرها بشرق شبه الجزيرة ومناطق دول الخليج العربي. وسوف نتناول خصائصها وماتدل عليه حين الدراسة التفصيلية للأماكن التى وجدت فيها في الفصل الحادي عشر. ومن المحتمل أن تكون شبه الجزيرة العربية قد شاركت بقية مناطق الشرق الأدنى منذ العصر الحجري الحديث فى الألف السادس ق. م. أو نحوه في معرفة حرفة الرعي بعد مرحلتين متتابعتين مهدتا لها، وهما مرحلة أسر بعض الحيوانات البرية الصغيرة من آكلات العشب لتكون احتياطيًا حيًا من اللحم في فترات الجفاف وقلة الحيوانات، ثم مرحلة استئناسها وتعويدها على جيرة الإنسان، لاسيما ما كان منها من ذوات الظلف المدرة للبن. وحين نتناول ظروف شبه الجزيرة في تلك الدهور البعيدة، فلا ينبغي أن نتصور لها حدودًا مغلقة على أهلها أو أمام أهلها، فالحدود الإقليمية لم تكن معروفة بعد، وكانت الجماعات تنتشر هنا وهناك حيثما استطاعت وفي كل اتجاه بحثًا عن الأراضي النباتية والمعشبة التى يتوافر فيها حيوان الصيد والرعي وموارد الماء على نطاق الشرق الأدني باتساعه الكبير. ومن المحتمل كذلك أن الموقع المتوسط لشبه الجزيرة العربية قد يسر لبعض سكان أطرافها أن يشاركوا في نقل المتاجر المناسبة لعهودهم بين أقطار الهلال الخصيب حين بدأت عصورها التاريخية منذ الألف الثالث ق. م. وازدادت معها إمكانياتها ومطالبها. كما قام بعض هؤلاء السكان بدور الوسيط التلقائي في المناطق التي يرتادونها، عملوا كذلك في صلب العصور التاريخية على نقل ما يمكن الاتجار به من منتجات بلادهم نفسها لا سيما منتجات البخور واللبان والصموغ والمر من الجنوب العربي. ويبدو أن هذا الدور التجاري لم يتم على نطاق أوسع إلا بعد استئناس الجمل سفينة الصحراء واستخدامه في النقل والأسفار، نظرًا لما هو معروف عن قدرته على تحمل المشقة والعطش والسير المتصل في رمال الصحراء. وليس من المستبعد أن معرفة الإنسان بالإبل كانت قديمة وتقرب من قدم معرفته بغيرها من الحيوانات آكلة العشب المدرة للبن (ففي مصر القديمة مثلًا كشف عما يشبه هيئة الجمل في نحو ١٥ نموذجًا أثريًا منذ فجر التاريخ حتى الدولة الحديثة). ولكن الغريب هو أن مصادر شبه الجزيرة والهلال الخصيب ومصر لم تذكر الجمل أو اسمه صراحة إلا في وقت متأخر يقدره الباحث ألبرايت ( W.Albright) بالنصف الثاني من الألف الثاني ق. م. (وفي حوالي القرن ١٢ق. م.). وإذا صح أن هذا التاريخ ينطبق فعلًا على استخدام الجمل في النقل والتنقل في شبه الجزيرة لكان فيه ما يفسر بداية

стр. 21

التغيير في الحياة النمطية لسكانها في وقت لاحق بقليل. ويبدو أن العرب كانوا قبل ذلك يعتمدون على الحمير. ولهذا ظلت تحركاتهم بطيئه، فلما استخدموا الإبل زادت إمكاناتهم الاقتصادية وأصبحوا أقدر على مداومة الاتصال بعضهم ببعض. وعلى تكوين الوحدات السياسية فى بعض المناطق المشجعة على حياة الاستقرار. واتسعت آفاق اتصالاتهم حينذاك بجيرانهم في الهلال الخصيب وانتفعوا ببعض عناصر خصائص حضاراتهم المتقدمة وأخصها فكرة الكتابة. وربما زكى هذا الارتباط ما يتجه إليه بعض الرأي من إرجاع أوائل النصوص العربية المعروفة، وهي مجرد مخربشات أولية في مثل وادي بيجان بالجنوب العربي، إلى أواخر الألف الثاني ق. م. وقد وجدت حول نبع ماء دائم وعدة برك صغيرة. وبفضل العوامل الطبيعية والبشرية والتطورية التي تقدم ذكرها ظهرت دول وإمارات عدة على فترات مختلفة في مناطق متفرقة من شبه الجزيرة. فتميزت في الجنوب العربي خمس دول كبيرة، وهي سبأ وقتبان وأوسان ومعين وحضرموت، وقد تعاصر بعضها على بعض، وتعاقب بعضها إثر بعض. وكانت للدولة الأولى منها وهي سبأ عدة أطوار متعاقب. وانتفعت هذه الدول بما اتصفت به بيئاتها من الوفرة النسبية في الأمطار والوديان والأنهار. والوفرة النسبية بالتالي في محاصيل الزراعة ومنتجاتها البخور والصموغ واللبان والمر والذريرة، وربما في بعض المعادن أيضًا كالذهب. وانتفعت كذلك بإشرافها على مداخل طرق القوافل التجارية الرئيسية التى كانت تربط بين جنوب شبه الجزيرة وبين شمالها ثم تتفرع بعد ذلك إلى مختلف مناطق الهلال الخصيب، ثم بإشرافها شيئًا فشيئًا على مناطق ساحلية طويلة أطلت بموانيها (المحدودة) وخلجانها الطبيعة على البحر الأحمر وعلى المحيط العربي (أو الهندي) فتعاملت منها مع مناطق الإنتاج الطبيعي على سواحل أفريقيا الشرقية. وبعد ذلك مع سواحل الهند الغربية. وقامت بدور الوسيط التجاري في تصديرها إلى مناطق الاستهلاك والاستيراد في العالم الخارجي المتحضر القديم. وتوزعت مناطق العمران والاستقرار والحضارة فى المناطق الشمالية والغربية والوسطى والشرقية من شبه الجزيرة العربية والخليج، على أسس مشابهة فتركزت في الوديان وحول موارد المياه في مناطق الواحات والحرات وحول الطرق التجارية الداخلية. والطرق التجارية الكبيرة المؤدية إلى الخارج، وحول الخلجان والموانئ على السواحل البحرية. وهكذا ظهرت مع توالي العصور إمارات مدين وعاد وثمود. وممالك دومة، وقيدار، وتيماء وددان، ولحيان، والأنباط، وكندة وتجمعات مذحج والأزد

стр. 22

وقحطان ومعد. كما ازدهرت مكة ويثرب، وانتعشت مواني الشعيبة والجار والوجه والحوراء وآملج على البحر الأحمر، وجرها وأقطار دلمون وماجان وملوخا على الخليج العربي. وربما قامت إلى جانب ذلك تجمعات قبلية أخرى في قلب الصحراء لم تكتشف آثارها بعد. وأخيرًا قامت على الأطراف الشرقية والشمالية الغربية. دولة المناذرة، ودولة الغساسنة، حتى ظهر الإسلام وجعل من شبه الجزيرة العربية دولة كبيرة واحدة. ولم يقتصر نشاط العرب القدماء على أرضهم، وإنما خرجت جاليات منهم إلى جزيرة سوقطرة وساحل الصومال وشاطئ الحبشة وميناء رهابتا قرب دار السلام في شرق أفريقيا. وذلك بطبيعة الحال إلى جانب هجراتهم الشعوبية الكبيرة التى استوطنت في بعض أراضي الهلال الخصيب على فترات متباعدة لا سيما في مناطق الأطراف الواصلة بينها وبين البوادي القريبة منها. وسوف يعترضنا خلال البحث التفصيلي للدول والإمارات العربية القديمة كثير من الجدل حول تحديد بداياتها الزمنية. وترتب هذا الجدل على أن كتبة تلك الدول والإمارات لم يسجلوا أحداثها بتاريخ ثابت إلا في عهود متأخرة. ولم يسجلوا سنوات حكم ملوكهم إلا في عهود متأخرة أيضًا. ولم تعرف لهم حتى الآن قوائم ترتب أسماء حكمهم واحدًا بعد الآخر. وذلك بحيث أنه لا يتيسر تحديد عهد حاكم منهم تحديدًا قاطعًا إلا إذا ورد اسمه أو مايدل عليه في نص خارجي معاصر له، من النصوص المسمارية، والمصادر المصرية والشامية والإغريقية والرومانية، أو إذا كان عهده من العهود المتأخرة التى استخدم بعض العرب فيها التاريخ الثابت، حين عرفوه على أطراف الشام بعد عام ٣١٢ق. م.، وعرفوه في سبأ وحمير في عام ما بين ١١٥ وبين ١٠٩ ق. م. واستخدموه في دولة الأنباط في عام ١٠٦ بعد الميلاد.

стр. 23

خطوط الكتابة القديمة في شبه الجزيرة العربية ... خطوط الكتابات القديمة في شبه الجزيرة العربية ترجع خطوط الكتابات القديمة التى سبقت الخط العربي المألوف في شبه الجزيرة العربية، إلى مجموعتين كبيرتين: مجموعة شاعت فيها كتابة المسند، وهي كتابة استخدمتها الدول العربية الجنوبية المتحضرة القديمة، سبأ وقتبان ومعين وحضرموت وأوسان. ثم شاركتها فيها بعض الإمارات والجماعات الشمالية والغربية في شبه الجزيرة العربية وما يتصل بها من جنوب الشام، بعد أن حور كتبتها في أشكال حروفها بما يتفق مع مدى إتقانهم لها وربما بما يناسب مخارج ألفاظهم، تعديلات عفوية أحيانًا وتعديلات مقصودة أحيانًا أخرى. وهكذا خرجوا منها بخطوط إقليمية امتاز منها الخط اللحياني والخط الثمودي والخط الصفوي. ويرى بعض اللغويين أن هذه الخطوط الإقليمية يمكن التمييز فيها أيضًا بين عدة خطوط فرعية محلية اختلفت فيما بينها باختلافات طفيفة. ثم مجموعة ثانية من الخطوط اعتمدت أساسًا على قواعد الكتابة الآرامية وكتب بها فريق آخر من الدول والإمارات العربية الشمالية والغربية، بعد أن حور كتبتها فيها هم الآخرون تحويرًا قليلًا أو كثيرًا. وأهم هذه الدول هي إدوم والأنباط وتدمر، مع احتمال وجود خطوط أخرى فرعية في داخلها. وأخيرًا اشتق كتبة الحجاز الخط العربي الصريح من الخط النبطي في الأجيال القليلة التى سبقت ظهور الإسلام لا سيما في مكة ويثرب. وعثر على بعض نصوص هذه الكتابات الشمالية منها والجنوبية منقوشة على سطوح حجرية كبيرة وصغيرة مثل جدران المعابد ومداخل المدن والحصون وسفوح الجبال وقواعد التماثيل وسطوح النصب وكسر الحجر الصغيرة. وعثر عليها منقوشة كذلك على سطوح معدنية كالصحاف وقواعد التماثيل الصغيرة وقطع العملة وما إليها. وربما كانت منقوشة على الأخشاب أيضًا. ولكن ندر حتى الآن ما يحتمل معه أن العرب القدماء كتبوا عليه من ألواح الصلصال التي كتب عليها كتبة الهلال الخصيب، والجلود والرق والعظام وحقاف النخيل التى كتب العرب عليها في صدر الإسلام، أو صحائف البردي التى صنعها وكتب عليها المصريون القدماء ثم تعلم استخدامها منهم بعض الآراميين. ولو أنه ليس من المستبعد أن العرب القدماء في الشمال وفي الجنوب كتبوا على بعض هذه المواد، ولكنها بليت بمرور الزمن نظرًا لطبيعتها الهشة وفعل الأرضة والحشرات فيها.

стр. 24

وفي سياق النصوص المنقوشة يمكن التمييز بين نوعين: نصوص مطولة إلى حد ما نقش الكتبة المهرة حروفها بعناية على جدران المعابد والنصب وواجهات المقابر والمباني الدنيوية الكبيرة أحيانًا، وعلى بعض المصنوعات الثمينة. ثم نصوص أخرى مختصرة أطلق المستشرقون عليها لفظ المخربشات. وقد حزها أو خربش حروفها فى عجلة رجالة عاديون من أهل المدن والقرى لخدمة مطالب حياتهم اليومية، كما حزها وخربش حروفها بعض الكتبة المصاحبين للقوافل على سفوح التلال وجوانب الوديان التى كانوا يمرون بها ويريحون عندها، وسجلوا فيها بعض أسمائهم ودعواتهم بأسماء معبوداتهم، بل وبعض ما عن لهم من خواطر شخصية أيضًا.

стр. 25

كتابة المسند: ليس ما يمكن تأكيده حتى الآن عن المنطقة أو الدولة التى بدأت فيها كتابة المسند في الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة العربية. فبينما كان هناك رأي قديم رد ابتداعها إلى دولة معين، نبه رأي آخر إلى دلالة العثور على أقدم صور معروفة لهذه الكتابة في دولة قتبان. ونبه رأي ثالث إلى وضع ظاهر تركز أغلب النصوص المعروفة حتى الآن في دولة سبأ موضع الاعتبار. ومرة أخرى ليس ما يمكن تأكيده عن العهد الذي ظهرت فيه بداية كتابة المسند في هذه المناطق، وذهب بعض الاحتمال إلى تعيين هذا العهد بأواخر الألف الثاني ق. م. أو أوائل الألف الأول ق. م.، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وإن افترضت جاكلين بيرن لها تاريخًا أحدث من هذا بكثير. وتضمنت كتابة المسند تسعة وعشرين حرفًا جامدًا لم تتأكد أسماؤها القديمة ولا ترتيبها القديم حتى الآن. ولكن تشابهت أصوات ثمانية وعشرين حرفًا جامدًا لم تتأكد أسماؤها القديمة ولا ترتيبها القديم حتى الآن. ولكن تشابهت أصوات ثمانية وعشرين حرفًا منها مع أصوات حروف الهجاء العربية الحالية، وزادت عليه حرفًا واحدًا يسمى (في العبرية) حرف سامك كان ينطق قريبًا من نطق حرف السين على الرغم من وجود سين أخرى عادية في كتاب المسند (وقد وجد حرفان للسين فى الكتابة المصرية القديمة أيضًا). وذلك في مقابل عدم تضمنها حرف لا المركب في الكتابة العربية. وتتصف كتابة المسند بصفات أخرى بعضها اختصت به. وبعضها اشتركت في مع غيرها من الكتابات السامية القديمة. وكان من ذلك على سبيل المثال:

стр. 26

أولًا: كانت حروفها تخطيطية، وليس صورًا صريحة أو مقاطع صوتية. وقد يدل ذلك على أنه كانت لها أصول أخرى تصويرية لم تكتشف بعد، أو أنها نقلت حروفها ناضجة من كتابة أخرى متطورة هي فيما يغلب على الظن الكتابة الكنعانية المبكرة. ثانيًا: أن حروفها ظلت تكتب منفصلة غير متصلة. الواحد منها بجوار الآخر، وكان ذلك هو شأن أغلب الكتابات القديمة أيضًا حتى ما قبل الميلاد بقليل. ثالثًا: لم تتغير أشكال حروف المسند، سواء كتبت في بداية الكلمة أو وسطها أو آخرها. وكانت سطورها الأفقية تكتب عادة من اليمين إلى اليسار. ولكن فردية الحروف، وثبات أشكالها، كل منهما سمح لبعض الكتبة ببداية السطور من اليسار أحيانًا. وقد يخالف الكتاب بين بدايتي سطرين متتاليين فيبدأ أولهما من اليمين ويبدأ الثاني من اليسار، إما لإظهار المهارة ورغبة التغيير، أو للتعمية على القارئ العادي في النصوص اللغوية. رابعًا: كانت كل كلمة فيها تنفصل عن الأخرى في سطرها الأفقي بخط قائم، دون ترك مسافة مقصودة بين كلمة وأخرى إلا في القليل النادر وذلك مع إلحاق حرف الوصل بأول الكلمة المتصل بها. خامسًا: أنها لم تتضمن حروفًا لينة أو حروف حركة ولم تسجل تشكيل الحروف، شأنها في ذلك شأن أغلب الكتابات السامية القديمة، وإن لم يمنع هذا من ترجيح استعمال الحروف اللينة في لغتها المنطوقة ووجود قواعد شفهية لنطق كلماتها مشكلة. سادسًا: أنها لم تأخذ بالحروف المنقوطة، واكتفت بتغيير أشكال حروفها المتقاربة بعضها من بعض. سابعًا: أنها عبرت أحيانًا عن التعريف والتنوين بإضافة نون أخيرة في نهاية الاسم، كما عبرت أحيانًا عن التنكير بإضافة حرف ميم أخيرة في نهاية الاسم، وذلك بما يتفق مع لهجة أهلها. ثامنًا: أنها نسبت أغلب أفعالها إلى ضمير الغائب، على الرغم من معرفة لغتها بضمائر المتكلم والمخاطب في الإفراد والجمع والتذكير والتأنيث. تاسعًا: أنها اكتفت في أغلب أحوالها بكتابة أصول الأفعال، وتركت للقارئ أن يستنتج صيغ هذه الأفعال من سياق النصوص، فيما خلا التعبير عن صيغة المستقبل بإضافة حرف السين أو حرف الهاء في بدايتها، بما يتفق مع لهجة أصحابها.

стр. 27

عاشرًا: أنها عبرت عن التشديد أحيانًا بتكرار الحرف المراد تشديده، ولم تتضمن ما يعبر صراحة عن صيغة الاستفهام وما يشبهها. وتعددت آراء اللغويين في تعليل تسمية كتابة المسند وأقرب هذه الآراء إلى الاحتمال رأين وهما: أولًا: أن العرب الجنوبيين كانوا يستخدمون كلمة مسند بمعنى الكتابة على الإطلاق. ويزكي هذا الفرض أن بعض الأوامر الملكية القديمة كانت تبدأ عندهم بعبارة: سطرو ذن مسندن، أى: سطروا أو أكتبوا هذه الكتابة. ثانيًا: أن الفواصل القائمة بين كل كلمة وأخرى في هذه الكتابة، قد أوحت إلى أهلها، أو أوحت إلى المؤرخين المسلمين، بتسمية خطهم باسم الخط المسند، على اعتبار أن كل كلمة فيه تكاد تستند على الخط القائم الذي يسبقها والخط القائم الذي يليها. أسلفنا أن بعض الدول والجماعات العربية الشمالية كتبت بالخط المسند، نتيجة لظروف واتصالات نتعرض لها فيما بعد، وأهمها دولة ددان أو لحيان التى قامت حاضراتها في واحة العلا الحالية. وكانت حروفها أقرب الحروف الشمالية شبهًا بحروف المسند الجنوبية، مع تعديلات طفيفة فيها. ثم جماعات الثموديين الذين تعددت مناطقهم في شمال الحجاز وشمال نجد وغيرهما من مناطق شبه الجزيرة وخارجها، وقد كتبوا نصوصهم الرأسية بخط تقيدوا فيه بأشكال حروف المسند التقليدية في النصوص الرئيسية، وخط آخر اشتقوا أشكال حروفه من أشكال المسند أيضًا ولكنهم حوروا فيها تحويرًا ملحوظًا وغالبًا ما استخدموه في النصوص الموجزة والمخربشات. أما المنطقة الثالثة التى أخذت بكتابة المسند فقد انتشرت نصوصها أساسًا بين جبل سيس شرقي دمشق وبين قلعة الزرقا إلى الشمال الشرقي من عمان (وعلى سفوح جبل حوران إلى الجنوب الشرقي من دمشق). وسميت كتابتها اصطلاحًا باسم الكتابة الصفوية، مع أن أقدم نصوصها وجدت في الحرة وليس في الصفا، ولكن كثرة الحرار واتقاء اللبس بينها دعيا إلى نسبتها تجاوزًا إلى الصفا. وقد حور كتبتها في رسم حروفها عن حروف المسند أكثر مما فعل غيرهم. ولم ينتشر الخط المسند القديم في هذه المناطق العربية وحدها، وإنما وجد سبيله كذلك إلى منطقة أكسوم الحبشية حيث كتب به الجعزيون (وهم الأحرار من نصوصهم بين اللغة الأفريقية المحلية وبين اللغة العربية الجنوبية. ويرى بعض اللغويين أن تسميات الحروف وترتيبها فيما احتفظت به الأبجدية الحبشية قد تلقى

стр. 28

ضوءًا على تسميات وترتيب الحروف في الجنوب العربي القديم نظرًا للصلات المكانية والبشرية والحضارية بين الجانبين.

стр. 29

الخط النبطي وتطوره إلى الخط العربي سلف التنويه بمجموعة رئيسية ثانية من الخطوط القديمة في شبه الجزيرة العربية رجعت أصولها إلى الكتابة الآرامية ثم سلكت وجهات إقليمية أو شعوبية، وتمايز منها الخط النبطي والخط التدمري فضلًا عن الخط السرياني ... إلخ. ويعنينا الآن منها الخط النبطي بخاصة لوثيق صلته بالخط العربي ووثيق صلة أصحابه بالعرب. تعلم كتبة الأنباط الخط الأرامي من موضعين، من إمارة إدوم بعد أن استقروا في أرضها وتغلبوا على حكمها في نواحي هضبة إدوم وجبل سعير شرقي العقبة وجنوب شرقي الأردن، ثم من دويلة دمشق الآرامية الأصل التى اتصلوا بها عن طريق التجارة واستفادوا من حضارتها وحاولوا أن يحتلوها أكثر من مرة. وحين تعلم الأنباط الخط الآرامي تعلموه كيفما اتفق وفي غير دقة كبيرة، فرسموا حروفه في أشكال مختصرة وكتبوا بها لغتهم المحلية وكانت لغة عربية فى مجملها ولكنها عربية ذات رطانة آرامية لاسيما فى مناطق استقرارهم الشمالية. وكان الآراميون ومن أخذوا بخطهم قد كتبوا حروفهم من قبل مفردة، وكلماتهم متعاقبة دون فواصل بينها. فلما انفرد الأنباط بخطهم كان خير مازادوه فيه تجديدان، وهما محاولة وصل حروف الكلمة الواحدة بعضها ببعض، أو على الأقل محاولة وصل الحرفين المتجاورين مع بعضهما. ثم محاولة الفصل بين كل كلمة والكلمة التى تليها في سطرها الأفقي بطريقة ما. وأدى هذان التجديدان إلى زيادة الفوارق بين الخط النبطي وبين أصوله الآرامية القديمة. وبدأ كتبة الأنباط خطوة وصل الحروف بالوصل بين حرفي الباء والراء في كلمة بر بمعنى بن نظرًا لكثرة استخدامها في ذكر نسب الشخص إلى أبيه. واتخذوا الوصل بين هذين الحرفين نموذجًا لكلمات ثنائية أخرى تبدأ بحرف الباء (مثل به)، وذلك منذ القرن الأول قبل الميلاد على أقل تقدير. ثم طبقوا هذا الربط على أغلب الكلمات الثنائية الأخرى (مثل يد، من، نه، إلخ). وبعض الكلمات الثلاثية التي يكثر استعمالها في كتابة النصوص مثل كلمة ملك، وفعل عبد بمعنى صنع، وذلك منذ القرن الأول الميلادي. وعملوا بعد ذلك على تطبيق هذه الطريقة على كثير من كلماتهم الأخرى خلال القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد، مع استثناء حروف معينة تركوها مفردة (مثل الألف والواو).

стр. 30

واستخدم الأنباط أربع وسائل في ربط الحروف ببعضها، وهي: أسند الحرف على ساق الحرف الذي يليه. ب ربط الحرف بذيل الحرف الذي يليه. ج مزج الحرف مع الحرف الذي يليه مثل: لا. د ربط حروف الكلمة من أسفلها برباط واحد. وشابه الأنباط فى محاولات الربط بين الحروف، كتبة دولة تدمر في القرن الثالث الميلادي على أقل تقدير. أما خطوة الفصل بين كل كلمة وأخرى، فاستخدم كتبة الأنباط لها أربع وسائل أيضًا لا زلنا نستعمل بعضها حتى الآن، وهي: أالتفرقة بين شكل الحرف إذا أتى في أول الكلمة وبين شكله إذا أتى في وسطها أو في نهايتها. ب إطالة ذيل الحرف النهائي للكلمة. ج الفصل بين كل كلمة والكلمة التي تليها بفراغ قليل، ولو أن هذه الوسيلة كانت قليلة الاتباع. د إضافة حروف أجنبية استعاروها من نصوص جيرانهم، إلى نهاية الكلمة (مثل الألف النهائية والتاء النهائية). ولو أنهم ما لبثوا حتى استغنوا عن بعضها بعد أن تعودوا على بقية وسائل الفصل الأخرى. وظلت تنقص الكتابة النبطية خطوات أخرى لم يستكملها العرب إلا في صدر الإسلام، وهي: عدم تنقيط الحروف المتقاربة مما أدى إلى تشابه كتابة التاء مع الثاء، والدال مع الذال، والصاد مع الضاد .. إلخ. وعدم كتابة حروف الحركة أو حروف المد في داخل الكلمة (مثل كتابة ملك عوضًا عن مالك). وعدم تشكيل الحروف أو الكلمات. وكتابة تاء التأنيث الأخيرة تاء مفتوحة على الرغم من نطقها هاء، مثل حرثت عوضًا عن حارثة. وكليبت عوضًا عن كليبة ... إلخ. ولكن في مقابل هذا تضمنت اللغة النبطية بعض القواعد التى عرفتها اللغة

стр. 31

العربية، مثل إضافة الـ التعريف، واستخدام الفاء والواو للترتيب، والاستثناء بكلمة غير، واستخدام الماضي في الدعاء. وبعد أن ورث العرب الشماليون خط الأنباط واستخدموه، أضافوا إليه بضعة تجديدات قبيل ظهور الإسلام وفي أوائله. ومن هذه التجديات ربط بعض الحروف من رأسها لتصبح تحت مستوي السطر مثل الراء والنون في لفظ الرحمن. وزادوا في تحوير أشكال بعض الحروف إلى صور قريبة مما نستخدمه لها الآن مثل شكل الهاء في بداية الكلمة ووسطها ونهايتها، وشكل الياء في أول الكلمة وفي آخرها ... إلخ. وكما استفاد الكتبة العرب من أسلوب الخط النبطي أثروا في زيادة صبغ النصوص النبطية بلهجتهم العربية على حساب اللهجة الآرامية منذ القرن الثالث والقرن الرابع الميلاديين كما يتضح في نقش النمارة ونقوش سيناء، ثم جعلوها عربية خالصة في القرنين الخامس والسادس اليلاديين، كما يتضح من نيقش زبد ونقش حران. واختلف المؤرخون المسلمون القدماء فى تحديد المنطقة التى تطور الخط النبطي فيها إلى صورته العربية التى عرف بها قبيل ظهور الإسلام. واتجه أغلبهم إلى نسبة هذا التطوير إلى الحيرة، وقالوا فيما قالوه إن أهل الحيرة أخذوه عن الأنبار وإن الأنبار أخذوه عن اليمن، وإن ثلاثة من قبيلة بولان في الأنبار اجتمعوا فوضعوا الحروف المقطعة والموصولة، والمنقوطة وغير المنقوطة. ويبدو أنه ساعدهم على القول بهذا الرأي ما تواتر إليهم عن رقي حضارة أهل الحيرة في عهود المناذرة، وما علموه من أن بعض عربها النصارى كانوا يكتبون الإنجيل ويقرءونه، ويدونون أخبارهم ويرسلون أبناءهم إلى الكتاتيب، وأن فريقيًا منهم كان يقرأ الفارسية واليونانية. واتجه الباحثون المحدثون وجهة أخرى، ومنهم خليل يحيى نامي الذي أصدر بحثًا عن أصل الخط العربي استبعد فيه الرأي السابق، على اعتبار أن المسيحيين من أهل الحيرة كانوا يكتبون بالخط السرياني، والخط السرياني وإن كان فرعًا من الكتابة الآرامية إلا أنه فرع بعيد عن أصول الكتابة العربية. وكان المؤرخ العربي هشام الكلبي أكثر توفيقًا من بقية المؤرخين المسلمين القدامى في تخمين منطقة تطوير الخط النبطي إلى صورته العربية، فنقل عنه ابن النديم أن العرب أخذوا خطهم عن أهل مدين. وأن المقاطع التى حفظ العرب بها أبجديتهم تعبر عن أسماء ملوك مدين. ورأ خليل نامي وغيره أنه لا بأس من

стр. 32

قبول الشطر الأول من هذا الرأي دون الشطر الأخير، وذلك على اعتبار أن الأنباط انشتروا في نفس المنطقة التى كان يسكنها قديمًا أهل مدين وكتبوا فيها بخطهم (في مثل مغاير شعيب والحوراء في شمال الحجاز). وعن هذا الخط الأنباطي أخذ عرب الحجاز ولكن ليس عن خط أهل مدين بالذات، ويسر ذلك لهم قربهم من المناطق الشمالية وتعاملهم معها في التجارة وما تتطلبه شئون التجارة من الكتابة. وكانت أهم مراكز الكتابة في مناطقهم هي مكة ويثرب. وقد ذكر البلاذري أنه لما ظهر الإسلام كان في قريش سبعة عشر رجلًا كلهم يكتب. وكانت الشفاء بنت عبد الله العدوية تحسن الكتابة. ولما دخل الإسلام يثرب كان من الأوس والخزرج عدة يكتبون. تشابهت النصوص القديمة في شبه الجزيرة العربية مع نصوص الحضارات الأخرى في الشرق الأدنى وغيره في بعض أغراضها واختلفت عنها في بعض آخر. فتشابهت معها في اهتمامها بتسجيل أخبار الانتصارات الحربية، وإقامة المنشآت العامة والمشروعات العمرانية والدفاعية، وتسجيل الدعوات الدينية وألفاظ التعبد، والهبات المقدمة إلى المعابد، وتسجيل مراسيم الضرائب وبعض المعاملات الشخصية كالبيوع والمواريث، وتسجيل أسماء أصحاب المقابر ودعواتهم وتخصيصها لهم. ولكن هذه النصوص لا تزال تنقصها حتى الآن ما تضمنته نصوص الحضارات الكبيرة القديمة الأخرى من قصص وأساطير وعلوم وتعاليم مطولة، ولا تزال تنقصها كذلك المدونات التاريخية المنسقة التى تتحدث عن قصد عن أخبار الماضي وحوادثه وترتب أسماء حكامه وعهودهم تدوينًا مرتبًا متصلًا. وليس من اليسير أن نقرر ما إذا كان العرب التقدماء قد تجاوزوا عن الكتابة في هذه النواحي فعلًا، أم أنهم كتبوا عنها ولكن لازالت نصوصها خبيئة تنتظر كشف اللثام عنها، لا سيما وأن قلة قليلة من النصوص المطولة نسبيًا بدأت تلفت أنظار بعض الباحثين إلى احتمال صياغتها على هيئة السجع أو الرجز أو النشيد. ويقتضي هذا السياق أن نشير إلى حقيقة معروفة وهي أن نشأة الكتابة والنصوص المكتوبة لا ترتبط بنشأة اللغة المنطوقة أو بمدى النشاط الفكري عند أهلها. فليس من شك في أن كل الجماعات البشرية كانت لها لغاتها التى تتفاهم بها منذ أن بدأت تجمعاتها على سطح الأرض. وليس من شك كذلك في أن كل جماعة كانت تناقل عقائدها الدينية وأخبار أسلافها وأنسابها وآدابها وأساطيرها عن طرقيق الرواية قبل أن تعرف الكتابة بأزمان طويلة. ولعل في ثراء الشعر الجاهلي وثراء النثر معه ما يرجح دسامة الآداب العربية الشمالية القديمة التى لم تعرف طريقها إلى التدوين أو التى لم يعثر على مدوناتها الكبيرة حتى الآن.

стр. 33

من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: بيستون، وريكمانز، والغول، ومولر: المعجم السبئي -من منشورات جماعة صنعاء -بيروت- ١٩٨٢. خليل يحيى نامي: أصل الخط العربي وتطوره إلى ما قبل الإسلام -القاهرة ١٩٣٤. Beeston, A.F.L.,A Descriptive Grammar of Epigraphic South Arabian, London ١٩٦٢. Pirenne, J., Paleographie des Inscriptions Sud -Arbes, Brus -sel, ١٩٥٦

стр. 34

الفصل الثالث: تمهيد في جنوب شبه الجزيرة العربية مدخل ... الفصل الثالث في جنوب شبه الجزيرة العربية تمهيد: قدمنا بما يحتمل من قيام نشاط عمراني داخلي قديم في بعض مناطق شبه الجزيرة العربية، وقيام نشاط اقتصادي مناسب للتعامل به في داخلها ومع ما في خارجها معًا، وذلك حتى عندما كان أهلها لا يزالون يتألفون من وحدات صغيرة وقبائل متفرقة، ومن قبل أن ينشئوا دولًا سياسية مستقرة بفترات طويلة، ويكفي هنا من القرائن التى تزكي هذا الاحتمال في إيجاز عثورنا على نص مصري قديم يسجل وصول وفد من بحار جنبتيين بمتاجرهم من اللادن والكندر والمر والبخور إلى مصر في العام ٣٢ من عهد الفرعون تحوتمس الثالث (أي في حوالي عام ١٤٥٨ ق. م.). وكان الجنبتيون أو الجبانيتاي كما ذكرهم بعض المؤرخين الإغريق والرومان فيما بعد، عشائر نشطة من العرب القتبانيين في جنوب شهبة الجزيرة العربية. وحدث قبل وصول هذا الوفد إلى مصر أن اعتزم رجال البحرية المصرية في عام ١٤٨٢ ق. م. خلال عهد الملكة حاتشبسوت التى سبقت الفرعون تحوتمس الثالث في الحكم، أن يصلوا بأسطولهم التجاري إلى مدرجات الكندر في الجنوب العربي ليتعاملوا مع تجارها مباشرة ويوفروا بذلك تكاليف الوساطة والوسطاء بينهما. وقد اعتبروا هذه المدرجات من أرض الله التى وقفها على تزويد معابدهم بأطايب البخور، وأملوا خيرًا في أن يهديهم ربهم إلى طرق البحر والبر المؤدية إليها. ولكن وسطاء التجارة من سكان منطقة بوينة (أو بونت) على الشاطئ الأفريقي للبحر الأحمر قرب نواحي الصومال أو إريتريا الحاليتين، خشوا أن يفقدوا مكاسبهم فبالغ أميرهم أمام المندوبين المصريين حين وصلوا إلى أرضه في تصوير استحالة عبور مضيق باب المندب المؤدي إلى مدرجات الكندر (في الجنوب العربي) وصعوبة اختراق ما ورائه من طرق برية، وادعى أن أحدًا لم يجرء على ذلك منذ أيام رع. ثم أرضى المندوبين المصريين بأن استورد من أجلهم ٣١ شجيرة من أشجار الكندر العربي الثمين حتى يزرعوها في حدائق معبد آمون المدرجة في مدينة طيبة ما داموا حريصين على أن يعودوا

стр. 35

إلى بلدهم بهذا النوع الثمين من البخور، وسوف تغنيهم زراعته عن تكبد مشقة الوصول إلى مدرجاته. ورضي المندوبون المصريون بهذا، ولو أن هذه الشجيرات لم تنجح زراعتها في مصر نظرًا للاختلاف في التربة وفي المناخ عن بيئتها الأصلية. وليس من المستبعد أن هذه الوقائع بلغت أسماع الجنبتين في جنوب شبه الجزيرة العربية وكانت من عوامل لفت أنظارهم إلى إمكان التعامل مع مصر مباشرة مادامت هي راغبة في ذلك. وقد وجدوا في عهد تحوتمس الثالث الذي ساد مناطق واسعة من الهلال الخصيب امتدت من الشلال الرابع في السودان إلى غرب الفرات بين الشام وبين العراق، ووطد الأمن فيها، ما شجعهم على تنفيذ رغبتهم. وليس من المستبعد مرة أخرى أن بعضهم سلكوا الطريق البرية في سير طويل ومراحل متعددة حتى وصلوا إلى البلاط المصري في منف أو طيبة. وبعد هذا العهد ظلت المناظر المصرية القديمة تصور ضمن تجار الكندر واللادن والبخور والمر الواردين إليها عن طريق البحر الأحمر وشواطئه، والذين اعتبرتهم من وجهة نظرها أتباعًا يؤدون الجزية إلى مصر، رجالًا ذوي ملامح سامية، يصلون إلى العاصمة المصرية تارة، ويقفون عند سيناء تارة أخرى، وعند بعض الموانئ المطلة على البحر الأحمر تارة ثالثة. ويتبادلون المتاجر هنا وهناك مع المندوبين المصريين. ونستطيع أن نضيف إلى ذلك ثلاثة فروض، وهي أنه ليس من المستبعد أن بعض هؤلاء التجار ذوي الملامح السامية كانوا من سكان السواحل العربية الشمالية الذين قاموا بدور الوساطة في نقل المتاجر من الجنوب العربي إلى مصر، وأن ما قام به الجنبتيون أسلاف القتبانيين من تعامل تجاري مع مصر في ذلك الزمن البعيد كانت تقوم بمثله طوائف عربية أخرى لم تعرف بعد أسماؤها القديمة، وأن ما كانوا يؤدونه من التبادل التجاري مع مصر كانوا يؤدون مثله مع الشام والعراق. وكانت سلعهم من البخور ومشتقاته تلقى الرواج الكبير هنا وهناك لكثرة استخدامها في المعابد وفي القصور، وفي المحافل والأعياد والمآثم والجنازات، وفي تركيب العقاقير، وإن زادت مصر فاستخدمتها كذلك بكثرة في عمليات التحنيط التى اشتهرت بها. وكانت الشعوب المستهلكة لهذه المنتجات الثمينة تنتج بعضها في أرضها أحيانًا، وتستورد بعضها من المناطق الأفريقية التى تنتجها، ولكن يبدو أن أفضل أنواعها هو ما كانت تسورده مباشرة أو عن طريق الوسطاء من مدرجات الجنوب العربي بالذات ولهذا عادت تجارته على أصحابه بأرباح وفيرة. وقد استشهدنا من قبل برأي ألبرايت وغيره من أن احتمال استخدام الإبل في عمليات النقل والتنقل منذ القرن الثاني عشر ق. م أو نحوه قد زاد من

стр. 36

الإمكانات الاقتصادية لعرب شبه الجزيرة العربية وزاد من إمكانات اتصالاتهم بالدول المحيطة بهم، وأن هذه الإمكانات وتلك قد هيأتهم لتكوين دول ودويلات غنية مستقرة تأخذ بأسباب الحضارة الراقية. وأغلب الظن أن التحول من الأوضاع القبلية إلى تنظيمات الدول المستقرة لم يتم بسهولة أو في وقت قصير. ولعله بدأ في بعض صوره على الأقل بنوع من التحالف على قدم المساواة بين القبائل ذات المصالح المشتركة والمناطق المتقاربة، والمترابطة بروابط الدم والنسب، ثم عملت الظروف عملها في تغليب كفة فريق منهم على فريق في إطار هذا التحالف، ووصول أكبر زعمائه إلى الرياسة التى أصبحت وراثية في أعقابه، سواء تحت راية الدين أم بتأثير القوة والثراء ونبالة الأصل. ويبدو أن أقدم الجماعات التى نهجت مثل هذا النهج المحتمل هي الجماعات السبئية التي أشارت الكتب السماوية إلى أهميتها منذ أيام سليمان ﵇، أي منذ القرن العاشر ق. م على أقل تقدير. ولهذا سوف نبدأ فيما يلي بدراسة المراحل الأولي من تاريخ دولتها دولة سبأ، دون أن ينفي هذا أن دولًا أخرى من الدول التي سوف نبحث تاريخها بعدها كانت تعاصرها فعلًا في بعض عهودها الأولى.

стр. 37

مشكلة نشأ دولة سبأ في عصورها المبكرة ... دولة سبأ في عصورها المبكرة: توافرت لدولة سبأ بين المؤرخين القدماء والمحدثين شهرة لم تتوافر لما عداها من بقية الدول العربية الجنوبية القديمة. وترجع عوامل هذه الشهرة إلى عدة أسباب، أهمها: ذكر سبأ في أكثر من قصة من قصص العهد القديم، وفي أكثر من آية من آيات القرآن الكريم، وذكر أسماء بعض حكامها صراحة في النصوص المسمارية العراقية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، واستمرار كيانها السياسي المتطور إلى ما قبل ظهور الإسلام بقليل، وارتباطها بعدة حوادث دينية وسياسية تأثر بها العرب الشماليون والجنوبيون قبيل ظهور الإسلام بقليل أيضًا، ثم بقاء بعض معابدها ومنشأتها الكبرى ظاهرة فوق سطح الأرض خلال العصور الإسلامية نفسها وحتى الآن. مشكلة النشأة: تناول بعض المستشرقين نشأة السبأيين (أو السبئيين كما يكتب اللفظ أحيانًا) من أكثر من زاوية واحدة، ويمكن إيجاز آرائهم فيها في نظريتين رئيسيتين، وهما: أولًا: نظرية زكاها عدد من الباحثين (مثل شرادر وكيبرت وهارتمان ودلتش وفريتز هومل)، ورأوا فيها أن السبأيين عاشوا أصلًا في شمال شبه الجزيرة العربية قرب منطقة الجوف الشمالي واستمروا فيها على البداوة زمنًا طويلًا، ثم دفعتهم دوافع معينة إلى الاتجاه نحو جنوب شبه الجزيرة قبيل بداية القرن الثامن ق. م بقليل حيث استقروا فيه. واعتمدت هذه النظرية على عدة قرائن سوف نناقشها واحدة بعد الأخرى بعد قليل. ثانيًا: نظرية ألمح إليها باحثون آخرون (ومنهم مولر وجلاسر وفنكلر ومايرثم ألوا موزيل). ويرون فيها أن السبأيين عاشوا منذ بداية أمرهم في الجنوب العربي، ولكن جالية منهم اتجهت خلال القرن الثامن ق. م أو قبله بقليل إلى الشمال وأقامت قرب واحة تيماء ومنطقة الجوف الشمالي لترعى المصالح التجارية لقومها في شمال شبه الجزيرة وعلى طرق القوافل المتجهة منها إلى الهلال الخصيب. ومع منطقية كل من هاتين النظريتين، يبدو أن النظرية الثانية منهما هي الأقرب إلى الصواب ولاسيما فيما يختص بأحوال السبأيين في عصورهم التاريخية.

стр. 38

أما النظرية الأولى فثمة شواهد تدعونا إلى الاكتفاء بالخروج منها بما يحتمل من أن السبأيين عاشوا قبل تكوين دولتهم السياسية المستقرة فى منطقتها الخصبة بجنوب شبه الجزيرة العربية، على ما عاش عليه أغلب أهل القبائل القديمة لا يعترفون بحدود إقليمية مفروضة وتتفرق بطونهم بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب وفقًا لظروفها الخاصة ومصالحها الطارئة وعلاقاتها بجيرانها. ولم يكن هذا هو شأن القبائل القديمة في الشمال والوسط فقط من شبه الجزيرة العربية، بل كان شأنها أحيانًا أيضًا في الجنوب الخصيب نفسه. ولتوضيح ذلك نعاود عرض ومناقشة قرائن هذه النظرية الأولى التى افترضت بداية حياة السبأيين في شمال شبه الجزيرة، وهي قرائن أوردها أصحابها ممن أسلفنا ذكرهم من الباحثين متفرقة في سياق مؤلفاتهم فخرجت واضحة حينًا وغماضة حينًا آخر. وهي في مجملها قرائن لا تخلو من منطقية وإن كانت في الوقت نفسه لاتخلو من شك. ويمكن أن نجملها من ناحيتنا في ثمان قرائن نعرضها فيما يلي واحدة بعد أخرى، وتعقب على كل منها بما يزكيها أو ما يضعفها. أولًا: ذكرت التوراة كما ذكر القرآن الكريم أن حاكمة سبأية زارت سليمان ﵇ في عاصمته أورشليم (خلال منتصف القرن العاشر ق. م)، وهي حاكمة لم تعرف حقيقة اسمها ولم يذكره لها القرآن الكريم. ولكن بعض الروايات العربية والعبرية والحبشية القديمة أطلقت عليها أسماء يلمقه وماقدة وبلقمة وبلقيس، على خلاف فيها بينها. وكلها فيما يرى أغلب اللغويين الحديثين قد تكون أسماء محرفة عن اسم إلمقه المعبود الأكبر لدولة سبأ (وذلك مع وجود احتمالات أخرى لتفسير بعض الأسماء المفترضة آنفًا لهذه الحاكمة بمعنى الزهرة في اللغة العربية القديمة، ومعنى الجارية أو المحظية في اللغة العبرية). ولا بأس من أن نشير ابتداءً إلى أن الجدل في اسم ومكان حاكمة سبأ هذه لا يتعارض مع الكتاب السماوية في شئ، فكما أن هذه الكتب لم تذكر اسمها صراحة، فهي أيضًا لم تحدد مكان دولتها بالشمال أو الجنوب. وعلى هذا الأساس من حرية البحث نستعرض ما ارتآه فيرتزهومل وأصحابه من أن هذه الحاكمة كانت تحكم منطقة قريبة من مملكة سليمان الفلسطينية وتقديم في منطقة ما من شمال شبه الجزيرة، وذلك بحجة أنه كان من المستبعد أن تسافر بحاشيتها من أقصى جنوب شبه الجزيرة إلى مقر سليمان في أورشليم، وأنه ما من نص عربي جنوبي قد أشار إلى إمرأة حكمت سبأ الجنوبية أو وليت حكم دولة أخرى من دول الجنوب، على حين ذكرت النصوص الآشورية نحو ست ملكات عربيات حكمن

стр. 39

في منطقة شمالية من شبه الجزيرة العربية. ومع منطقية هذا الفرض، نلاحظ أن هناك أربعة شواهد أخرى تدعو إلى إعادة النظر فيه، وهي: أ) جاء في القرآن الكريم عن حديث الهدهد مع سليمان ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ، بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ وإذا عنت جملة ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قصر المدة الزمنية على الرغم من طول المسافة المكانية، وهو المرجح للدلالة على إعجاز الحدث، فإن سياق بقية معجزة الهدهد يدل على أن أرض سبأ كانت بعيدة عن مملكة سليمان بحيث لم يحط علمًا بها، ولهذا لم يقم بينهما من قبل اتصال مباشر، أو على أقل تقدير لم تكن إحداهما تحيط بأحوال الأخرى إحاطة كاملة. ب) وجاء عن حديث الهدهد أيضًا: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ... ﴾ ومثل هذا الثراء الذى يتوافر فيه كل شيئ أقرب إلى أن يناسب المناطق العربية الجنوبية التى كانت لها في عصورها القديمة مواردها الطبيعية والاقتصادية ذات الوفرة النسبة. ولو كانت من المناطق العربية الشمالية فعلًا لصح التساؤل عن ثلاث ظواهر وهي: لم تظر آثار دولتها الثرية هذه في الشمال حتى الآن؟ وهل لقلة البحوث الأثرية هناك دخل في ذلك؟ ولم أهمل الرواة والمؤرخون العرب الشماليون ذكرها ولم يتفاخروا بها؟ وهل كان لبعدها الزمني الكبير عنهم دخل في ذلك؟ وأخيرًا إذا كان السبأيون قد بلغوا مبلغًا عظيمًا من الثراء في الشمال في عهد سليمان أي في القرن العاشر قبل الميلاد، فما الذي دعاهم بعد ذلك إلى النزوح إلى الجنوب؟ وهل كان لتقلبات الظروف المناخية دخل في ذلك؟ أم أنهم كانوا يقومون في عهده بدور الوساطة في نقل المتاجر الجنوبية إلى الشمال ثم طمعوا بعد ذلك في أن يسيطروا على مصادرها بأنفسهم ويقيموا عليها؟ هذه كلها تساؤلات تصعب الإجابة عنها بردود شافية للأسف فى حدود المعلومات التاريخية والأثرية المعروفة لنا حتى الآن على الرغم مما عقبنا به عليها من احتمالات شتى. ج) ذكر القرآن الكريم جنتي سبأ وسيل العرم، وكل منهما لا شك في قيامه في جنوب شبه الجزيرة العربية دون شمالها، بعد ذكر قصة سليمان ودولته، وذلك مما يمكن أن يدل على ترتيب مقصود للتنبيه إلى الرابطة القديمة بين الدولتين، دولة سليمان ودولة سبأ، وإلى العاقبة التى انتهت إليها أمور هاتين الدولتين.

стр. 40

د) ردت الأساطير الحبشية نسب أسرتها المليكة القديمة إلى سليمان وماقدة ملكة سبأ أو بلقيس ملكة سبأ. وربما تواتر خبر هذه النسبة المزعومة إلى الأحباش عن طريق أسلافهم القدامى، أو عن طريق جيرانهم السبأيين الجنوبيين، أو عن طريق رواة العبرانيين الذين اتصلوا بهم منذ أواخر القرن الرابع ق. م. وهي على أي وجه من هذه الوجوه تشير إلى أن دولة الجدة ما قدة التى انتسب ملوكهم إليها، إن حقًا وإن ادعاء، كانت في أغلب الظن قريبة من بلدهم أي في جنوب شبه الجزيرة العربية. وعلى أية حال فإنه يبدو أنه إلى جانب الكسب الديني الذي اكتسبه سليمان بتحويل حاكمة سبأ من عبادة الشمس إلى عقيدة التوحيد كما ذكر القرآن الكريم، كان هناك كسب اقتصادي آخر، إذ يسرت الصلة بينه وبين سبأ الانتفاع بطريق قوافل الإبل السبأية الجديدة التى تحمل منتجات البخور الجنوبية إلى دولته، وهو طريق يعتبر أقل نفقة وأخطارًا من طريق نقل المتاجر بأسطول سليمان عبر البحر الأحمر إلى أوفير التى ذكرتها التوراة، كما أنه أقل تكلفة قطعًا من طريق الوساطة عبر الخليج العربي والعراق إلى فلسطين. وقد روت التوراة أن ملكة سبأ حين قصدت سليمان أتت إليه بحاشية كبيرة وجمال تحمل الطيوب وذهبًا كثيرًا وأحجارًا كريمة وقالت كذلك، ولما سمعت ملكة سبأ عن اهتمام سليمان باسم الرب أتت تمتحنه بأسئلة صعبة. وأشار القرآن الكريم إلى هدايا حاكمة سبأ إلى سليمان ورفضه قبولها وتفضيله دعوتها إلى ديانة التوحيد. وبقي أخيرًا أنه إذا اعتبرت الحجة الأولى لنظرية هومل وأصحابه باستبعاد سفر الحاكمة السبأية من الجنوب العربي إلى فلسطين حجة غير ذات موضوع نظرًا لترجيح استخدام الإبل في السفر في عصرها، فإن الحجة الثانية لها لا تزال بغير رد شاف حتى الآن، وهي: لماذا لم تتضمن النصوص السبأية القديمة المعروفة اسم ملكة وليت عرش قومها في الجنوب؟ ولعل ما يمكن أن يرد به حتى الآن على هذا التساؤل هو أن الأمر قد يرجع إلى محض المصادفة، بمعنى أن أرض سبأ الجنوبية لا تزال تتضمن نصوصًا قديمة لم تكتشف بعد، هذا إذا كانت الكتابة قد عرفت فعلًا في عهد تلك السيدة التى قرئت رسالة سليمان في حضرتها أو تلت هي مضمونها وطلبت التشاور فيها. ثانيًا: ذكرت النصوص الآشورية السبأيين وحاكمين لهم في ثلاث مناسبات ترجع إلى أعوام ٧٣٨ و ٧١٤ و ٦٨٥ ق. م. فذكر نص للملك الآشوري تيجلات بيليسر الثالث في عام ٧٣٨ق. م. أنه تلقى جزى السبأيين من الذهب والإبل والتوابل. وأكد نص للملك سرجون الثاني ملك آشور في عام ٧٢٤ق. م.
следующие страницы →