Полный текст (180 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الإمكانات الاقتصادية لعرب شبه الجزيرة العربية وزاد من إمكانات اتصالاتهم بالدول المحيطة بهم، وأن هذه الإمكانات وتلك قد هيأتهم لتكوين دول ودويلات غنية مستقرة تأخذ بأسباب الحضارة الراقية.
وأغلب الظن أن التحول من الأوضاع القبلية إلى تنظيمات الدول المستقرة لم يتم بسهولة أو في وقت قصير. ولعله بدأ في بعض صوره على الأقل بنوع من التحالف على قدم المساواة بين القبائل ذات المصالح المشتركة والمناطق المتقاربة، والمترابطة بروابط الدم والنسب، ثم عملت الظروف عملها في تغليب كفة فريق منهم على فريق في إطار هذا التحالف، ووصول أكبر زعمائه إلى الرياسة التى أصبحت وراثية في أعقابه، سواء تحت راية الدين أم بتأثير القوة والثراء ونبالة الأصل. ويبدو أن أقدم الجماعات التى نهجت مثل هذا النهج المحتمل هي الجماعات السبئية التي أشارت الكتب السماوية إلى أهميتها منذ أيام سليمان ﵇، أي منذ القرن العاشر ق. م على أقل تقدير. ولهذا سوف نبدأ فيما يلي بدراسة المراحل الأولي من تاريخ دولتها دولة سبأ، دون أن ينفي هذا أن دولًا أخرى من الدول التي سوف نبحث تاريخها بعدها كانت تعاصرها فعلًا في بعض عهودها الأولى.
стр. 37
مشكلة نشأ دولة سبأ في عصورها المبكرة
...
دولة سبأ في عصورها المبكرة:
توافرت لدولة سبأ بين المؤرخين القدماء والمحدثين شهرة لم تتوافر لما عداها من بقية الدول العربية الجنوبية القديمة. وترجع عوامل هذه الشهرة إلى عدة أسباب، أهمها: ذكر سبأ في أكثر من قصة من قصص العهد القديم، وفي أكثر من آية من آيات القرآن الكريم، وذكر أسماء بعض حكامها صراحة في النصوص المسمارية العراقية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، واستمرار كيانها السياسي المتطور إلى ما قبل ظهور الإسلام بقليل، وارتباطها بعدة حوادث دينية وسياسية تأثر بها العرب الشماليون والجنوبيون قبيل ظهور الإسلام بقليل أيضًا، ثم بقاء بعض معابدها ومنشأتها الكبرى ظاهرة فوق سطح الأرض خلال العصور الإسلامية نفسها وحتى الآن.
مشكلة النشأة:
تناول بعض المستشرقين نشأة السبأيين (أو السبئيين كما يكتب اللفظ أحيانًا) من أكثر من زاوية واحدة، ويمكن إيجاز آرائهم فيها في نظريتين رئيسيتين، وهما:
أولًا: نظرية زكاها عدد من الباحثين (مثل شرادر وكيبرت وهارتمان ودلتش وفريتز هومل)، ورأوا فيها أن السبأيين عاشوا أصلًا في شمال شبه الجزيرة العربية قرب منطقة الجوف الشمالي واستمروا فيها على البداوة زمنًا طويلًا، ثم دفعتهم دوافع معينة إلى الاتجاه نحو جنوب شبه الجزيرة قبيل بداية القرن الثامن ق. م بقليل حيث استقروا فيه. واعتمدت هذه النظرية على عدة قرائن سوف نناقشها واحدة بعد الأخرى بعد قليل.
ثانيًا: نظرية ألمح إليها باحثون آخرون (ومنهم مولر وجلاسر وفنكلر ومايرثم ألوا موزيل). ويرون فيها أن السبأيين عاشوا منذ بداية أمرهم في الجنوب العربي، ولكن جالية منهم اتجهت خلال القرن الثامن ق. م أو قبله بقليل إلى الشمال وأقامت قرب واحة تيماء ومنطقة الجوف الشمالي لترعى المصالح التجارية لقومها في شمال شبه الجزيرة وعلى طرق القوافل المتجهة منها إلى الهلال الخصيب.
ومع منطقية كل من هاتين النظريتين، يبدو أن النظرية الثانية منهما هي الأقرب إلى الصواب ولاسيما فيما يختص بأحوال السبأيين في عصورهم التاريخية.
стр. 38
أما النظرية الأولى فثمة شواهد تدعونا إلى الاكتفاء بالخروج منها بما يحتمل من أن السبأيين عاشوا قبل تكوين دولتهم السياسية المستقرة فى منطقتها الخصبة بجنوب شبه الجزيرة العربية، على ما عاش عليه أغلب أهل القبائل القديمة لا يعترفون بحدود إقليمية مفروضة وتتفرق بطونهم بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب وفقًا لظروفها الخاصة ومصالحها الطارئة وعلاقاتها بجيرانها. ولم يكن هذا هو شأن القبائل القديمة في الشمال والوسط فقط من شبه الجزيرة العربية، بل كان شأنها أحيانًا أيضًا في الجنوب الخصيب نفسه.
ولتوضيح ذلك نعاود عرض ومناقشة قرائن هذه النظرية الأولى التى افترضت بداية حياة السبأيين في شمال شبه الجزيرة، وهي قرائن أوردها أصحابها ممن أسلفنا ذكرهم من الباحثين متفرقة في سياق مؤلفاتهم فخرجت واضحة حينًا وغماضة حينًا آخر. وهي في مجملها قرائن لا تخلو من منطقية وإن كانت في الوقت نفسه لاتخلو من شك. ويمكن أن نجملها من ناحيتنا في ثمان قرائن نعرضها فيما يلي واحدة بعد أخرى، وتعقب على كل منها بما يزكيها أو ما يضعفها.
أولًا: ذكرت التوراة كما ذكر القرآن الكريم أن حاكمة سبأية زارت سليمان ﵇ في عاصمته أورشليم (خلال منتصف القرن العاشر ق. م)، وهي حاكمة لم تعرف حقيقة اسمها ولم يذكره لها القرآن الكريم. ولكن بعض الروايات العربية والعبرية والحبشية القديمة أطلقت عليها أسماء يلمقه وماقدة وبلقمة وبلقيس، على خلاف فيها بينها. وكلها فيما يرى أغلب اللغويين الحديثين قد تكون أسماء محرفة عن اسم إلمقه المعبود الأكبر لدولة سبأ (وذلك مع وجود احتمالات أخرى لتفسير بعض الأسماء المفترضة آنفًا لهذه الحاكمة بمعنى الزهرة في اللغة العربية القديمة، ومعنى الجارية أو المحظية في اللغة العبرية).
ولا بأس من أن نشير ابتداءً إلى أن الجدل في اسم ومكان حاكمة سبأ هذه لا يتعارض مع الكتاب السماوية في شئ، فكما أن هذه الكتب لم تذكر اسمها صراحة، فهي أيضًا لم تحدد مكان دولتها بالشمال أو الجنوب. وعلى هذا الأساس من حرية البحث نستعرض ما ارتآه فيرتزهومل وأصحابه من أن هذه الحاكمة كانت تحكم منطقة قريبة من مملكة سليمان الفلسطينية وتقديم في منطقة ما من شمال شبه الجزيرة، وذلك بحجة أنه كان من المستبعد أن تسافر بحاشيتها من أقصى جنوب شبه الجزيرة إلى مقر سليمان في أورشليم، وأنه ما من نص عربي جنوبي قد أشار إلى إمرأة حكمت سبأ الجنوبية أو وليت حكم دولة أخرى من دول الجنوب، على حين ذكرت النصوص الآشورية نحو ست ملكات عربيات حكمن
стр. 39
في منطقة شمالية من شبه الجزيرة العربية.
ومع منطقية هذا الفرض، نلاحظ أن هناك أربعة شواهد أخرى تدعو إلى إعادة النظر فيه، وهي:
أ) جاء في القرآن الكريم عن حديث الهدهد مع سليمان ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ، بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ وإذا عنت جملة ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قصر المدة الزمنية على الرغم من طول المسافة المكانية، وهو المرجح للدلالة على إعجاز الحدث، فإن سياق بقية معجزة الهدهد يدل على أن أرض سبأ كانت بعيدة عن مملكة سليمان بحيث لم يحط علمًا بها، ولهذا لم يقم بينهما من قبل اتصال مباشر، أو على أقل تقدير لم تكن إحداهما تحيط بأحوال الأخرى إحاطة كاملة.
ب) وجاء عن حديث الهدهد أيضًا: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ... ﴾ ومثل هذا الثراء الذى يتوافر فيه كل شيئ أقرب إلى أن يناسب المناطق العربية الجنوبية التى كانت لها في عصورها القديمة مواردها الطبيعية والاقتصادية ذات الوفرة النسبة.
ولو كانت من المناطق العربية الشمالية فعلًا لصح التساؤل عن ثلاث ظواهر وهي: لم تظر آثار دولتها الثرية هذه في الشمال حتى الآن؟ وهل لقلة البحوث الأثرية هناك دخل في ذلك؟ ولم أهمل الرواة والمؤرخون العرب الشماليون ذكرها ولم يتفاخروا بها؟ وهل كان لبعدها الزمني الكبير عنهم دخل في ذلك؟ وأخيرًا إذا كان السبأيون قد بلغوا مبلغًا عظيمًا من الثراء في الشمال في عهد سليمان أي في القرن العاشر قبل الميلاد، فما الذي دعاهم بعد ذلك إلى النزوح إلى الجنوب؟ وهل كان لتقلبات الظروف المناخية دخل في ذلك؟ أم أنهم كانوا يقومون في عهده بدور الوساطة في نقل المتاجر الجنوبية إلى الشمال ثم طمعوا بعد ذلك في أن يسيطروا على مصادرها بأنفسهم ويقيموا عليها؟ هذه كلها تساؤلات تصعب الإجابة عنها بردود شافية للأسف فى حدود المعلومات التاريخية والأثرية المعروفة لنا حتى الآن على الرغم مما عقبنا به عليها من احتمالات شتى.
ج) ذكر القرآن الكريم جنتي سبأ وسيل العرم، وكل منهما لا شك في قيامه في جنوب شبه الجزيرة العربية دون شمالها، بعد ذكر قصة سليمان ودولته، وذلك مما يمكن أن يدل على ترتيب مقصود للتنبيه إلى الرابطة القديمة بين الدولتين، دولة سليمان ودولة سبأ، وإلى العاقبة التى انتهت إليها أمور هاتين الدولتين.
стр. 40
د) ردت الأساطير الحبشية نسب أسرتها المليكة القديمة إلى سليمان وماقدة ملكة سبأ أو بلقيس ملكة سبأ. وربما تواتر خبر هذه النسبة المزعومة إلى الأحباش عن طريق أسلافهم القدامى، أو عن طريق جيرانهم السبأيين الجنوبيين، أو عن طريق رواة العبرانيين الذين اتصلوا بهم منذ أواخر القرن الرابع ق. م. وهي على أي وجه من هذه الوجوه تشير إلى أن دولة الجدة ما قدة التى انتسب ملوكهم إليها، إن حقًا وإن ادعاء، كانت في أغلب الظن قريبة من بلدهم أي في جنوب شبه الجزيرة العربية.
وعلى أية حال فإنه يبدو أنه إلى جانب الكسب الديني الذي اكتسبه سليمان بتحويل حاكمة سبأ من عبادة الشمس إلى عقيدة التوحيد كما ذكر القرآن الكريم، كان هناك كسب اقتصادي آخر، إذ يسرت الصلة بينه وبين سبأ الانتفاع بطريق قوافل الإبل السبأية الجديدة التى تحمل منتجات البخور الجنوبية إلى دولته، وهو طريق يعتبر أقل نفقة وأخطارًا من طريق نقل المتاجر بأسطول سليمان عبر البحر الأحمر إلى أوفير التى ذكرتها التوراة، كما أنه أقل تكلفة قطعًا من طريق الوساطة عبر الخليج العربي والعراق إلى فلسطين. وقد روت التوراة أن ملكة سبأ حين قصدت سليمان أتت إليه بحاشية كبيرة وجمال تحمل الطيوب وذهبًا كثيرًا وأحجارًا كريمة وقالت كذلك، ولما سمعت ملكة سبأ عن اهتمام سليمان باسم الرب أتت تمتحنه بأسئلة صعبة. وأشار القرآن الكريم إلى هدايا حاكمة سبأ إلى سليمان ورفضه قبولها وتفضيله دعوتها إلى ديانة التوحيد.
وبقي أخيرًا أنه إذا اعتبرت الحجة الأولى لنظرية هومل وأصحابه باستبعاد سفر الحاكمة السبأية من الجنوب العربي إلى فلسطين حجة غير ذات موضوع نظرًا لترجيح استخدام الإبل في السفر في عصرها، فإن الحجة الثانية لها لا تزال بغير رد شاف حتى الآن، وهي: لماذا لم تتضمن النصوص السبأية القديمة المعروفة اسم ملكة وليت عرش قومها في الجنوب؟ ولعل ما يمكن أن يرد به حتى الآن على هذا التساؤل هو أن الأمر قد يرجع إلى محض المصادفة، بمعنى أن أرض سبأ الجنوبية لا تزال تتضمن نصوصًا قديمة لم تكتشف بعد، هذا إذا كانت الكتابة قد عرفت فعلًا في عهد تلك السيدة التى قرئت رسالة سليمان في حضرتها أو تلت هي مضمونها وطلبت التشاور فيها.
ثانيًا: ذكرت النصوص الآشورية السبأيين وحاكمين لهم في ثلاث مناسبات ترجع إلى أعوام ٧٣٨ و ٧١٤ و ٦٨٥ ق. م. فذكر نص للملك الآشوري تيجلات بيليسر الثالث في عام ٧٣٨ق. م. أنه تلقى جزى السبأيين من الذهب والإبل والتوابل. وأكد نص للملك سرجون الثاني ملك آشور في عام ٧٢٤ق. م.
стр. 41
أنه تلقى من إتي أمر السبأي (أو السبئي) جزى من الذهب والأحجار الكريمة والأعشاب والخيول. ثم ذكر نص لولده الملك الآشوري سيناخريب في عام ٦٨٥ ق. م. أنه حين احتفل بوضع حجر أساس بيت أكيثو (وقد يكون معبدًا أو حصنًا أو قصرًا). استقبل منودبًا عن الحاكم السبأي كريبي إيلو حمل إليه جزاه (أو هداياه) من المعادن الثمينة والأحجارة الكريمة والطيوب، ووضع جانبًا منها بأمر مولاه في أساس المبنى الجديد.
ولم يجد الباحثون المحدثون بأسًا في اعتبار اسمي الحاكمين السبأيين اللذين ذكرتهما النصوص الآشورية. محرفين عن بيع أمر وكرب إيل، وهما من حكام سبأ الأوائل. ثم أضافت النظرية الأولى أن السبأيين الذين صورتهم هذه النصوص يدينون بالولاء لدولة آشور لابد وأنهم كانوا يحسون بسطوتها ويخشون بأسها، وبمعنى آخر كانوا قريبين منها في شمال شبه الجزيزة وليسوا بعيدين عنها فى مناطق الجنوب.
ولكن هذا الاستنتاج يضعفه من ناحية أخرى أن هومل وغيره (مثل سان جون فلبي) أرخوا بداية الكيان السياسي لحكام سبأ الجنوبية بعام ٨٠٠ أو٨٢٠ ق. م. وإذا صح هذا فلابد أنه حدث بعد فترة طويلة تكفي لاستقرارهم وبسط سيطرتهم على الأراضي التى نزلوها جنوبًا. وهو أمر يتعارض بداهة مع سابق الظن بوجود دولتهم في الشمال وتأثرها المباشر بسطوة الآشوريين حتى عهد سينا خريب في أوائل القرن السابع ق. م.
ولا يكفي في هذا القول بأن الضغط الآشوري على طرق التجارة في شمال شبه الجزيرة هو الذي اضطر السبأيين إلى النزوح إلى الجنوب. فالمصادر الآشورية لم تصور السبأيين كأعداء تعمل جيوشها على طردهم وحرمانهم من التجارة، وإنما صورتهم مهادنين لملوكها تتوافر فيها علامات الود والطاعة، وإن أدوا الجزى إليهم أو أرسلوا هداياهم إلى بلاطهم.
وهكذا يبدو أقرب إلى الاحتمال أن السبأيين الشماليين المتصلين بدولة آشور كانوا مجرد جالية تجارية أقامت قرب تيماء ومنطقة الجوف الشمالي كما رأت النظرية الثانية، لترعى المصالح التجارية لدولتها على طرق القوافل، وكانت تحس بسطوة الآشوريين فعلًا لقربها منهم وترى من مصلحتها أن تنتفع من الإتجار معهم والاحتماء بهم، ولم تجد بأسًا من أن تقدم إلى ملوكهم هداياها بأسماء ملوك دولتها الجنوبية، كما أن الآشوريين لم يجدوا بأسًا من ناحيتهم في أن يروا طاعتها لهم تعبيرًا عن طاعة دولتها الجنوبية لسلطانهم.
стр. 42
ثالثًا: ذكرت عبارة في الإصحاح الأول من سفر أيوب في التوراة أن لصوصًا سبأيين فتكوا برعاة أيوب، وقال قائل: البقر كانت تحرث، والأتن ترعى بجانبها، فسقط عليها السبئيون وأخذوها، وضربوا الغلمان بحد السيف، ونجوت أنا وحدي لأخبرك. ولما كان أيوب فيما يحتمل من أهل الشمال أكثر من أهل الجنوب، فإن ذلك قد عنى في رأي هومل وأصحابه أن السبأيين كانوا يعيشون في عهد أيوب قريبًا من دياره في شمال شبه الجزيرة وليس في جنوبها، وهو استنتاج طريف لولا أنه أقرب إلى أن ينطبق على بعض رجال الجالية السبأية الصغيرة التي أشرنا إليها، دون دولة سبأ الغنية الكبيرة.
رابعًا: ذكرت عبارة أخرى من عبارات العهد القديم اسم سبأ إلى جانب اسم ددان. وكانت ددان هذه دولة شمالية قامت حول واحة العلا في شمال الحجاز. وقد عنى ذلك عند هومل وأصحابه أن سبأ كانت بدورها قريبة منها في الشمال وليست بعيدة عنها. وذلك استنتاج منطقي هو الآخر، ولكن يمكن أن يرد عليه بما انتهينا إليه في القرينة السابقة من حيث أنه أقرب إلى أن ينطبق على الجالية السبأية التى سكبت حول واحة تيماء إلى الشمال الشرقي من واحة العلا أو ددان.
وقبل أن ندع قرائن التوراة لا بأس من أن نشير إلى أنه لما كانت أسفار التوراة قد أقرت في بعض قصصها الأخرى بالأمر الواقع من استقرار السبأيين في الجنوب في دولة سياسية كبيرة، اتجه بعض الباحثين إلى القول بأن هذه القصص عندما تذكر شبا تعني بها سبأ اليمن، وعندما تذكر سبأ تعني بها السبأيين القاطنين في الشمال، وإن كان كتبة التوراة قد خلطوا بين التسميتين في صحفهم ولم يراعوا هذه التفرقة كثيرًا.
خامسًا: سجل كبيران من حكام ددان أيضًا في نص مشترك أنهما توجها بالشكر إلى أرباب معين (وكانت معين دولة جنوبية ارتبطت بها دولتهما بالولاء) على نجاة قافلة تجارية اضطرت إلى المرور في مناطق شملتها الحروب. وتعرضت خلال سيرها لهجوم سبأ (وخولاني) عليها. ورأى هومل أن الأخطار التى تعرضت لها هذه القافلة كانت في شمال شبه الجزيرة العربية، كما أضاف فلبي أنه ليس من المعقول أن يعمل السبئيون على نهب قافلة تجارية في عهود نضجهم السياسي وإنما الأرجح في رأيه أنهم كانوا لا يزالون يعيشون حينذاك على حالة من البداوة.
ومرة أخرى يمكن التعقيب على هذا الاستنتاج بأنه إذا صح أن السبئيين الذين تعرضوا للقافلة المعينية كانوا من أهل الشمال فعلًا فإنه ليس هناك ما يحول دون اعتبارهم من أفراد الجالية السبأية الشمالية الصغيرة لاسيما وأن فشل
стр. 43
هجومهم عليها يدل على قلتهم وبساطة شأنهم. ويمكن أن نتجاوز هنا عن أن قبائل خولان التى ذكرت مع المهاجمين السبئيين قد عاشت هي الأخرى على أطراف الجنوب، وأن تاريخ نجاة القافلة متأخر عن تاريخ إنشاء دولة سبأ الجنوبية بأجيال كثيرة.
سادسًا: جمعت بعض النصوص السبئية بين اسم سبأ واسم يقرأه هومل يهبليح ويراه مرادفًا لاسم دقلة وأنه يدل على منطقة الجوف في شمال شبه الجزيرة كما جمعت بينه وبين اسم يقرأه هومل أيضًا بيشان أو فيشان ويراه مرادفًا لاسم وادي الدواسر أحد أودية الشمال أو أودية الجنة على حد تعبيره.
غير أنه يبدو أن هذا الاستنتاج لا يزال هو الآخر قرين الظن إن لم يكن قرين الافتعال، وكل ما يمكن قوله الآن هو أن اسم يهبليح قد استعمل كذلك للدلالة على قبيلة عاشت حول صرواح أقدم عواصم سبأ في الجنوب، وأن اسم بيشان إن دل على وادي الدواسر أو وادي بيشة فهو أقرب إلى حافة الربع الخالي، وإن دل على قبيلة عاشت حول صرواح أيضًا وانتسب إليها أوائل الحكم السبئيين.
سابعًا: يرى هومل أن اسم مأرب (أو مريب) الذي اشتهرت به عاصمة سبأ الجنوبية (بعد صرواح) ذو صلة بلفظ أريبي الذي أطلقه الآشوريون على أعراب شمال شبه الجزيرة وبادية الشام، ولفظ يارب الذى أطلقته عليهم بعض نصوص التوراة، وذلك مما يعني في رأيه أن السبئيين كانوا من الأقوام الشماليين الذين عناهم الآشوريون والعبرانيون، فلما انتقلوا إلى الجنوب أطلقوه على عاصمتهم.
ولكن يلاحظ على هذا الاستنتاج أن السبئيين في الجنوب لم يتخذوا مأرب عاصمة لهم منذ بداية أمرهم أي في الوقت الذي كانوا يستطيعون أن يتذكروا فيه أصلهم ويخلدوا ذكره، وإنما اتخذوا أولى عواصمهم في صرواح قبل أن ينتقلوا إلى مأرب بعشرات السنين. وهم لم يصفوا أنفسهم صراحة في نصوصهم المكتوبة بتسمية عرب أو أعراب المرادفة لتسمية أريبي الآشورية. بل ولم يستعملوها إلا في عهود متأخرة نسبيًا ليصفوا بها أعراب الجبال والوديان التابعين لدولتهم، وذلك في حدود ما هو معروف حتى الآن من نصوصهم.
ثامنًا: نبه هومل وأصحابه إلى أن اللهجة السبأية هي أقرب اللهجات الجنوبية صلة بلغة القرآن العربية الشمالية. وفي ذلك قرينة لطيفة لا تنكر، لولا أن هذه الصلة يمكن أن تفسر من ناحية أخرى باستمرار النصوص السبأية الحميرية حتى عهد نزول القرآن الكريم أكثر مما عداها من بقية النصوص الجنوبية الأخرى، وأن عامل الزمن كان له أثره في التقريب بين لهجات عرب الجنوب
стр. 44
ولهجات عرب الشمال نتيجة لاستمرار الصلات التجارية والحضارية والتنقلات القبلية بين الفريقين، وذلك فضلًا عن وحدة الأصل البعيد بينهما.
وعلى أية حال، فقد تعمدنا الإسهاب في مناقشة وجهات النظر المختلفة حول الأصول السبأية كنموذج لما يمكن أن تعالج به مشكلات التاريخ العربي القديم على أساس من أدب النقد، ومقارعة الحجة بالحجة، وعدم التسليم برأي ما إلا بدليل يزكيه، وعدم رفض رأي ما إلا بدليل يضعفه.
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
تكاتش، ج: سبأ -في دائرة المعارف الإسلامية- ج١٨ - ص١٦٨ وما بعدها. نيلسن وهمول ورودوكاناكيس وجروهمان: التاريخ العربي القديم -١٩٢٧ - ترجمة فؤاد حسنين -القاهرة ١٩٥٨، ص٦٣ - ٦٤.
Abdel-Aziz Saleh, The Gnbtyw of Thutmosis III.htm's Annals and the south Arabian Gebbantae of the Classical Writers,BI FAO, ١٩٧٢,٢٤٥,-٢٦٢.
Eissfeldt.O.,in CAH.II, ١٩٦٥,٥٩٣ and referncs.
Grohmann,A., Aragien, ١٩٦١.
Musil, A., The Northern Hegaz, ١٩٢٦.
стр. 45
الفصل الرابع: عهود المكربين في سبأ
...
الفصل الرابع: عهود المكربين (أو المكارب) في سبأ
اصطبغت سلطة أوائل حكام دولة سبأ بصبغة ثيوقراطية أودينية، فتلقب كل منهم بلقب مكرب وهو لقب لايزال غير محدد النطق والدلالة، وإن أمكن تفسيره احتمالًا بمعنى المقرب للمعبودات، أي من يشرف على توفير القرابين وتقديمها إلى معابدهم. أو بمعنى المقرب بين شعبه وبين معبوداته باعتباره وسيطًا مقدسًا بينهما، أو بمعنى المقرب إلى أربابه. وهو على أي وجه من هذه الوجوه يتولى رياسة الكهنوت في دولته ويضمن إحاطة حكمه بقداسة روحية تكفل احترام الناس له وتدعوهم إلى تأييده. وتوافرت لهذه الصبغة الثيوقراطية سوابقها في أمم شرقية قديمة، فتلقب أوائل الحكام السومريين في العراق، على سبيل المثال، بلقب إنسي أي النائب أو الوكيل، إشارة إلى وكالته عن معبود مدينته في حكم أهلها، وإشارة إلى القداسة بالوكالة التي يرتكز علهيا في ممارسة سلطاته الدينية والمدنية. وتكررت نفس الظاهرة في دول عربية جنوبية أخرى عاصرت السبئيين في بعض مراحل تاريخهم، وكان منها أن تلقب أوائل الحكام في دولة معين بلقب مزود، وهو ما سوف نتناول مدلوله في حينه.
ولا زال الجدل التاريخي قائمًا في شأن تحديد البداية الزمنية لعهود المكربين السبئيين (أو المكارب السبئيين). فبينما يلتزم باحثون بوضع عهد حاكمة سبأ المعاصرة لسليمان موضع الاعتبار وبدء قيام دولتها بالتالي بالقرن الحادي عشر ق. م. أو نحوه، يكتفي بعض الباحثين الآخرين بالاقتصار على عهود الحكام الذين سجلت النصوص القديمة أسماءهم، ضاربين صفحًا عن عهود ما قبل معرفة الكتابة في سبأ، ولا يذهبون بتاريخ الدولة المؤكد بناء على ذلك إلى أبعد من عهد يثع أمر السبئي الذي ذكره نص سرجون الثاني ملك آشور في عام ٧١٥ أو عام ٧١٤ق. م.، وربما قبل ذلك بفترات قليلة.
وقام جدل تاريخي مماثل حول أعداد المكربين الذين أتوا بعد يثع أمر وسبقوا عهود الملكية الصريحة في سبأ فتراوحت النظريات في تقدير عددهم بين ١٠٠، ١٣٠، ١٧٠، ٢٧٠. ولكل نظرية مبرراتها بطبيعة الحال.
стр. 46
وترتب هذا الجدل وذاك على ما سبق أن أشرنا إليه من أن كتبة السبئيين وغيرهم من كتبة الدول الجنوبيةلم يسجلوا الأحداث بتاريخ ثابت إلا في عهود متأخرة، ولم يلتزموا بتسجيل سنوات عهود حكامهم إلا في عهود متأخرة أيضًا، وفي حالات قليلة. ولم يتركوا قوائم ترتب أسماء حكامهم ومدد حكمهم واحد بعد الآخر. وترتب على هذا كله عمل الآخر، أو إذا ورد اسم حاكم وأبيه. بل إن الاعتماد على هذين الأساسين لا يخلو من مخاطرة في بعض أحواله، فقد يكمل أحدهم عمل جده وليس عمل أبيه، وقد يحكم بعد عمه وليس بعد أبيه، وقد تتشابه أسماء الحكام وآبائهم في فترات متباعدة. كما قد يحكم ابن مع أبيه في وقت واحد، أو أخ مع أخيه في آن واحد. وهكذا لم يجد الباحثون بدًا من ترتيب أسماء الحكام التى أتت الآثار بها ترتيبًا اجتهاديًا. وتقدير عهودهم تقديرًا اصطلاحيًا، على أساس افتراض ما بين ١٥ أو ٢٠ أو ٢٥ عامًا لكل منهم، وعلى أفضل الفروض بالاستعانة بما ورد عن بعضهم عن طريق المصادفة في نصوص خارجية مؤرخة عاصرت عهودهم.
على أنه مهما يكن من أمر بداية عهود المكريين وعددهم. فإن أهم ما ينسب إلى عهودهم هي آثار معابدهم الباقية، وبداية مشروع سد مأرب. وعملهم على التوسع الخارجي في المناطق الجنوبية المجاورة لهم.
اتخذ المكربون عاصمتهم الأولى في مدينة توافرت لها بعض المقومات الضرورية للعواصم السياسية، وهي مدينة صرواح. فقد نشأت في واد خصيب شبه دائري كفل لها مطالبها الزراعية وبعض مواردها الاقتصادية، وأحاطت بها بعض المرتفعات فكفلت لها الحصانة الطبيعية. وتوسط موقع صرواح بين مدينتي مأرب وصنعاء الشهيرتين، وتقوم على أطلالها الآن كل من قرية القصر وقرية الخريبة، ويظهر على سطح الأرض من عمائرها القديمة أطلال قليلة، بينما بقيت أغلب آثارها تغطيها الأنقاض حتى الآن.
ويبدو أن الصبغة الدينية التى استعان المكربون بها في تدعيم حكمهم جعلتهم يولون اهتمامًا كبيرًا لمعابد معبوداتهم. إظهارًا لتقواهم الشخصية. وتأكيدًا لصلتهم الروحية بهذه المعبودات. وعملًا على كسب ولاء رجال الكهنوت وبعض المدنيين أيضًا عن طريق تخصيص المرتبات العينية لهم من عائدات هذه المعابد.
وينسب إلى عهود المكربين البدء في إقامة أو توسيع عدة معابد قديمة نتخير منها أربعة جرى الكشف عن بعض أجزائها، وهي: معبد في صرواح، وآخر في صرواح أرحب (أوحجر أرحب). وثالث في أوام، ورابع في المساجد. وكان
стр. 47
هناك دون شك ما هو أكثر منها لولا أنه لم يكشف عنه بعد.
وحين نبحث أمر المعابد في سبأ أو في غيرها نبحثها على ثلاثة أسس، وهي:
أ) أن المؤرخ يستمد تاريخ الحضارات القديمة ويستنتجه من كل ما تركه أهلها في عالم الفكرة وعالم المادة.
ب) ما سبق أن ذكرناه من أن الآثار القائمة للأمم القديمة تعتبر من أصدق الدلالات على مدى إمكاناتها الاقتصادية والصناعية والفنية، فضلًا عن دلالتها على معتقدات قومها الدينية.
ج) أن المعابد لا تزال أكثر ما بقي من آثار الأمم القديمة، نتيجة لبناء أغلبها من الأحجار الصلبة، ومحافظة القدماء عليها بالترميم والإضافة جيلًا بعد جيل، نظرًا لما كانوا يفترضونه فيها من الحرمة والقداسة.
ومع هذه الأسس التي يجب تقديرها في الدراسات التالية لا بأس من الاكتفاء بالمعالم الرئيسية في دراسة المعابد وغيرها من الآثار المعمارية والفنية دون ضرورة للالتزام هنا بالتفاصيل الدقيقة فيها، ولا بأس كذلك من التعقيب على العناصر الدينية فيها بما تختلف به عن العقائد الإسلامية، كلما تطلب الأمر ذلك.
أنشئ معبد العاصمة صرواح الكبير لمعبود دولتها الأكبر الذى أطلق عليه اسم إلمقه ربما بمعنى الإله المقتدر أو الآمر، أو الإله البهي أو الجميل. ودل لفظ إل أو إيل عند العرب الجنوبيين وعند شعوب سامية قديمة أخرى في العراق والشام على معنى الإله. كما استخدم بنفس المعنى في اللغة العربية الشمالية أيضًا في مثل أسماء: إسماعيل وجبرائيل وميكائيل وإسرائيل ... وهلم جرا.
وتأكيدًا لقداسة أصلهم تلقب حكام سبأ بلقب ولد إلمقه أي: أبناؤه. وخص السبئيون معبودهم الأكبر هذا بربوبية القمر واعتبروه سيد وعول صرواح بما يعني تعدد المعبودات فيها إلى جانبه ورئاسته لهم. وقدسوا معه في معبد العاصمة ربة باسم حريمت ربما كزوجة له، وهي ترمز في أغلب الظن إلى روبوبية الشمس. وهكذا توافرت للقمر عندهم وعند بقية عرب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام منزلة أكبر من منزلة الشمس، على عكس شعوب الهلال الخصيب الزراعية، ربما لانتفاع أهل شبه الجزيرة بالقمر في مسرى القوافل وتوقيت الشهور، مع شدة هجير الشمس وقسوتها لاسيما في البيئات الصحراوية. وقد
стр. 48
تعددت ألقاب هذين المعبودين بتعدد الصفات التي نسبها الناس إليهما واختلاف الأماكن التى عبدوها فيها، وكان شأنهما في ذلك شأن بقية ما تخيله القدماء من معبودات نعقب على خصائصها كلما أدت مناسبة الحديث إلى ذكرها.
وتألفت العناصر المعمارية الظاهرة في معبد إلمقه في صرواح من جزئين ضخمين. أحدهما مستطيل واسع، والآخر يتصل به ويبدو على هيئة البيضاوي الناقص، وتضمن أحد نصوص المعبد اسم المكرب يدع إيل ذريح (حرفيًا: يدع إلى ذرح) وذكر أنه سور معبد إلمقه وقدم ثلاث ذبائح لربته حريمت ويميل أصحاب التاريخ المختصر إلى توقيت عهد هذا المكرب بنحو ٦٧٠ق. م. ويبدو أنه لم يشيد المعبد كله ولم يضع أساسه كله، وإنما بدأ بتوسيع معبد صغير قديم لمعبود قومه وعمل على تسويره كما أشار إلى ذلك نصه، وترك لخلفائه أن يزيدوه اتساعًا وارتفاعًا. ويدعو إلى الأخذ بهذا الرأي أمران، وهما أن بقية نقوش المعبد تضمنت أسماء عدة مكربين وملوك سبئيين آخرين، وأن مباني المعبد الحالية التي ترتفع بعض جدرانها الباقية نحو عشرة أمتار تدل على مهارة كبيرة في فن العمارة لم يكن من السهل على السبئيين أن يبلغوها في أوائل عهودهم بالاستقرار وإقامة العمائر الضخمة. ولازالت الأجزاء الداخلية من المعبد لم تكتشف كشفًا علميًا منظمًا حتى الآن، ويبدو أن جزءًا منه تحول إلى حصن في العصور الإسلامية وزادت فيه حينذاك بعض المداخل والمخارج، بل ولا زالت تقوم فوق جدرانه بعض المساكن الحالية التي غيرت إلى حد ما من خارطته الأصيلة.
وأنشئ معبد معرب في قرية المساجد ببلاد مراد وعلى مبعدة ٢٧ كيلو متر من مأرب الحالية، من أجل إلمقه أيضًا. وأتم نفس المكرب يدع إيل ذريح عمارته في مناسبتين تحدثت عنهما نصوصه، مناسبة قام فيها بتنظيمات اجتماعية، وأخرى أحرز فيها انتصارات حربية وذكر عن المناسبة الأولى أنه أسس كل الهيئات الخاصة بمعبوده، والخاصة به شخصيًا باعتباره حامي دولته، ثم الخاصة بتحقيق الاتحاد والتحالف بين طوائف شعبه. ومعنى ذلك أن دولته الناشئة كانت بسبيل إقرار تنظيمات مستقرة تجري عليها في شئونها الدينية والدنيوية. وتخليدًا لذكرى هذه الإنجازات أقيم الجزء الداخلي من المعبد وتألف من بهو أعمدة بقيت منها ثلاثة، ويعقبه إلى الداخل فناء كبير تقوم في وسطه مقصورة العبادة الرئيسية وتحمل سقفها أربعة أعمدة في صفين، بينما يتقدم المقصورة صفة ذات أعمدة. ويصل بين أعلى هذه الصفة وبين أعلى المقصورة سقف حجري منحدر. ولا تزال هذه المجموعة المعمارية للمعبد تحتفظ بروعتها على الرغم مما لحق بها من تهدم.
стр. 49
أما المناسبة الحربية فقد أدت إلى توسيع رقعة الدولة بعد أن استولى يدع إيل ذريح بجيشه على منطقة يشقر ومزارعها. ولما كان يعتقد أن هذا التوسع قد تم بتأييد إلمقه (وذات حميم وعثتر) عمل على توسيع مساحة المعبد أيضًا وإحاطته بسور مستطيل كبير بلغت أبعاده ١٠٤×٣٧ مترًا وتقدمت واجهة هذا السور صفة أخرى فخمة ذات ستة أعمدة مستطيلة المقطع بلغ ارتفاعها بين ٤.٥ و٥ أمتار، أقيمت فوق رصيف حجري ليضمن توازنها. وتألف كل عمود منها من حجر واحد. وأدت هذه الصفة الخارجية إلى المدخل الرئيسي للمعبد الذي حف به مدخلان جانبيان فتوفر له شكل مهيب. واتصل أعلى الصفة بأعلى المدخل بسقف حجري منحدر. ولا ندري هل كانت ظاهرة السقف المنحدر التى تكررت مرتين في عمارة المعبد. ظاهرة عفوية نتيجة لاختلاف الارتفاعات، أم كانت ظاهرة مقصودة لتصريف مياه الأمطار من فوقها بسهولة؟.
وبني المعبد الثالث المكتشف من عهود المكربين في بلدة صرواح أرحب (أو حجر أرحب) من أجل عبادة عثتر الذي اعتبره العرب الجنوبيون ربًا لنجم الشعرى وولدًا لرب القمر وربة الشمس. وكان شأنهم في هذا التعدد هو شأن أغلب أصحاب الديانات الوضعية القديمة، ونعني بها الديانات التى وضعها البشر ولم تكن مما أوحى به من السماء إلى الرسل والأنبياء. وكانوا يتخيلون لكل ظاهرة طبيعية ربًا يختص بها، ويتخيلون لمعبوداتهم حياة تماثلها حياة البشر يتزاوجون فيها وينجبون. ويتآلفون فيها ويختصمون. وظل العرب القدماء هكذا حتى ظهر الإسلام فخلصهم من تعدد المعبودات ووجههم إلى ديانة التوحيد وعبادة رب العالمين دون سواه. وبني المعبد بتخطيط بسيط ولكنه لا يخلو من خصائص مميزة تمثلت في تعدد المشكاوات وإدخال عنصر الزخرف على أجزائه المعمارية ولا سيما الأعمدة. فقد أقيم سور المعبد على هيئة مستطيل ينحرف قليلًا عن الجهات الأصلية الأربعة. وقامت في مؤخرة فنائه الداخلي المقصورة الرئيسية للعبادة، وبني أمامها حوض مربع متسع، لعله كان يستخدم لماء التطهير.
وظهرت عناصر التجديد في عمارة المعبد في أنه تصدرت واجهته الخارجية مشكاة عليا تطل على الطريق. وتصدرت جداره الخلفي مشكاة عليا أيضًا تطل على فنائه. كما تصدرت الجدار الداخلي لمقصورة العبادة مشكاة ثالثة كبيرة تطل على المتعبدين فيه. ويبدو أنه كان يوضع في كل مشكاة من هذه المشكاوات تمثال لصاحب المعبد. ثم تجديد زخرفي آخر، تمثل في إقامة تسعة أعمدة مثمنة الأضلاع على الجوانب الخارجية لحوض ماء التطهير الكبير، وإقامة تسعة أعمدة أخرى كل عمود منها ذو ١٦ ضلعًا داخل مقصورة العبادة الرئيسية.
стр. 50
وكان لكل عمود منها تاج زخرفي في أعلاه يضيق من أعلى إلى أسفل بما يشبه بعض العمائم اليمنية. وقد تهدمت الأعمدة ولم يتبق غير قواعدها وأجزاء من تيجانها.
وتكرر اسم المكرب يدع إيل ذريح، الذي أولى اهتمامًا خاصًا للمعابد ضمن نصوص معبد ضخم آخر يقع إلى جنوب شرقي مأرب الحالية بنحو أربع كيلو مترات، وهو معبد أطلق السبئيون عليه اسم بيت أوام أي معبدها على اعتبار أنه يعتبر بيتًا مقدسًا للمعبود الأكبر في البلد الذي يعبد فيه، وخصصوه لإلمقه بعل أوام أي سيدها. وكانت منطقة أوام هذه ذات صلة بعشيرة مرثد السبأية التي انتسب إليها كثير من حكام سبأ. وأطلق المسلمون على المعبد تجاوزًا أو خطأ اسم محرم بلقيس تأثرًا بما نشرته القصص عن هذه السيدة. ويظهر السور الكبير للمعبد على هيئة بيضاوية تقريبًا، ولا يزال داخله لم يكتشف بعضه. بينما اكتشفت بعثة أمريكية آثارية أجزاءه القريبة من مدخله فأظهرت بضعة عناصر معمارية راقية بنيت في أغلب الظن بعد عهود المكربين ولهذا نؤجل الحديث عنها إلى حين نبحث منشآت عصور الملكية في سبأ.
ويكفي هنا ما يستنتج من اتساع النشاط المعماري في عهود المكربين في أكثر من مكان، وإذا لم يكن لدينا حتى الآن ما نقدمه من صور هذا النشاط غير المعابد. فإن المعابدلم تكن تقام في مناطق مقفرة وإنما لا بد أنه صحب قيامها نشاط أكبر في توفير العمران السكاني والاقتصادي بقربها. وإذا كان مكرب واحد مثل يدع إيل ذريح قد أسعد الحظ ذكراه بأن أبقى على نصوصه في ثلاثة معابد على أقل تقدير لتكون شاهدًا على اهتماماته الدينية والعمرانية والتنظيمية والحربية كما أسلفنا، فالمرجح أن مكربين آخرين سبقوه وخلفوه كان لهم مثل نشاطه. وتحدثت بعض نصوصهم الباقية فعلًا عما عملوا على تشييده في عهودهم من معابد، وإن لم يعثر على آثار معظمها حتى الآن. وأخيرًا فقد كان اتجاه النشاط الإنشائي والديني إلى قرب مدينة مأرب مبشرًا بقرب انتقال الأهمية السياسية إليها واستغلال ما حولها، وقد أقيم فيها بالفعل أكبر مشروع بدأه السبئيون في عهود المكربين وهو:
مشروع سد مأرب:
قامت مأرب عند ملتقى طرق تجارة القوافل القديمة الواردة من بيحان وحضرموت ومواني البحر العربي والبحر الأحمر الجنوبية، فضمنت لنفسها موارد اقتصادية كبيرة من مكوس التجارة. وقامت في الوقت نفسه عند النهاية الشمالية
стр. 51
الشرقية لتل يمتد نحو نصف كيلو متر وبعرض يبلغ نحو ٣٥٠ مترًا كفل لها بعض الحماية الطبيعية. كما أشرفت، وهذا هو الأهم، على وادي أذنه الكبير الذى عمل السبئيون على استغلاله في الزراعة على نطاق واسع.
وغالبًا ما كانت الأمطار الغزيرة تسقط على مرتفعات اليمن في بعض مواسمها السنوية وتجري على هيئة السيول العنيفة في عدة وديان ينتهي بعضها إلى فتحة طبيعية كبيرة توسطت بين جانبي جبل بركاني مرتفع سمي جبل البلق، وهو جبل يفصل بين الصحراء وبين مرتفعات اليمن في منطقة مأرب ويسمى جانباه عند هذه الفتحة باسم، جبل البلق الأوسط، وجبل البلق الشمالي. ويبدو أن تسمية البلق كانت تعني الحجر كما تعني الفتحة أيضًا، وإن سميت هذه الفتحة الآن باسم الضيقة ويتراوح اتساعها في بعض أجزائها بين٥٠٠ متر وبين ١٩٠ مترًا، بمتوسط للاتساع يبلغ ٢٣٠ مترًا. وكانت السيول بعد أن تعبر هذه الفتحة تندفع إلى وادي أذنة (أو ذنة) الكبير فتتفرق فيه، ولا تلبث حتى يضيع أغلبها في التربة بغير فائدة.
واستهدف السبأيون (أو السبئيون) من إنشاء السد ثلاثة أغراض، وهي أن يقللوا من اندفاع السيول إلى وادي أذنة وما يمكن أن يؤدي إليه من بوار الزرع وتدمير القرى في مواسم الأمطار العنيفة. وأن يحولوا دون ضياع أغلب مياه السويل في جوف الأرض حين تتجاوزه. وأن يرفعوا مستوى مياه الري عدة أمتار تسمح لها بأن تصل إلى المدرجات المرتفعة القابلة للزراعة على جانبي الوادي، ثم توزيعها عن طريق فتحات جانبية يسهل التحكم فيها. وهكذا يميل المهندس ريتشارد بوين من دراساته لمشروعات السدود الجنوبية إلى تعديل الفكرة القديمة عن الغرض من السد وهي فكرة تخزين المياه خلفه في بحيرة صناعية كبيرة أو نحوها وذلك لوجوده في بيئة يمكن أن تتشرب أرضها المياه بسهولة.
وطبق بوين هذه الفكرة، والعهدة عليه فيها بحكم تخصصه، على سدود بيحان وغيرها من المناطق الجنوبية الأخرى. وكرر أن العرب الجنوبيين لم يعملوا قط على خزن المياه وراء السدود ولكنهم بنوها لكسر حدة السيول وتوزيعها على أكبر مساحة ممكنة. كما أشار إلى أن سدود الجنوب بنيت في وديان جافة وليست عبر أنهار، ومع عدم توافر الخبرة لبنائها تحت الماء.
وأقدم من سجل اسمه من حكم سبأ على صخور سد مأرب مكرب يدعى سمهو عالي ينوف (حرفيًا: سمه على ينف). وهو مكرب يرد للبي عهده إلى منتصف القرن السابع ق. م. ويرده ألبرايت إلى القرن الخامس ق. م. ويعتقد فيسمان بوجود مكربين اثنين حملا نفس
стр. 52
الاسم وحكما في هذين التارخين). وتخير المسئولون عن بناء السد منطقة تلي فم وادي أذنة وبمعنى آخر تلي مدخل فتحة جبل البلق نظرًا لتحديدها النسبي. وإمكان التحكم فيها، وسهولة الاعتماد على جوانبها الحجرية البركانية الصلدة.
وبدأوا بتشييد جسر ضخم من الرديم تختلف الآراء في تحديد امتداده الأصلي، وكسوا واجهته بالأحجار في مواجهة تيار الماء، ثم أعيد بناؤه كله بعد ذلك بأحجار جيدة في عهود تالية. وامتد هذا الجسر في الجانب الأيمن من اتساع الفتحة، وجعلوا له بوابة متسعة اعتمد أحد كتفيها عليه، أي: على الجسر أو الجدار من ناحية، واعتمد كتفها الآخر على الجبل نفسه من ناحية أخرى. ووجه المشرفون على المشروع المياه بعد هذه البوابة إلى مجرى واسع ينتهي إلى حوض ضخم حددوا جوانبه بالحجر للحيلولة دون سرعة تهدمها أو تسرب المياه منها. وتركوا في نهاية الجانب الأيمن منه فتحات مناسبة يسهل التحكم فيها لتصريف المقادير الضرورية من المياه لري الجانب الأيمن من وادي أذنة عن طريق ترع تختلف أطوالها واتساعاتها واتجاهاتها. وأطلقت النصوص القديمة على مشروع عهد سمهو عالي ينوف اسم رحب، أو رحاب، أو رحابوم، كما يقترح بعض اللغوين قراءته، وهو اسم قد يعني السد بمعناه الواسع. بينما أطلق اليمنيون المسلمون على بوابته اسم مربط الدم، أي: مربط القط تأثرًا بأسطورة عربية قديمة مستحيلة التصديق.
وعدل مشروع السد وأكمل في عهد المكرب يثع أمر بين ابن حفيد سمهو عالي ينوف، الذي تسمى بمثل اسمه منذ حولي ٤٦٠ ق. م. وعمل رجاله على توفير مياه الري للناحية اليسرى من وادي أذنة كما توفرت للناحية اليمن منه من قبل فمدوا الجسر أو جدار السد في عرض فتحة الجبل حتى نهايتها ناحية اليسار، وأطلقوا على مشروعهم الجديد اسم وادي حبابض، وتركوا في نهاية بوابة ضخمة أخرى ذات فتحتين، وأجروا خلفها مثل ما تم خلف بوابة الجانب الأيمن، فمدوا وراءها مجرى طويلًا دعمت جوانبه بالحجر، وانتهى إلى حوض واسع ذي فتحات تؤدي إلى عدة ترع للمياه تتوزع في الناحية اليسرى المتسعة من وادي ذنة.
هذه صورة عامة لفكرة سد مأرب وبداية أجزائه -أما أبعاده الحالية فيفهم من وصف من اهتموا بدراسة مقاساته التفصيلية أن الارتفاع الحالي للجزء الباقي من جدار السد يبلغ ١١ مترًا، ويبلغ امتداده العرضي ١٢.٤٠ من الأمتار. ويبلغ عرض البوابة اليمنى ٤.٥٥ من الأمتار. وامتداد ضلع الحوض الواقع خلفها ٧٨.٨٠ من الأمتار.
стр. 53
أما في الناحية اليسرى وهي الأكبر فيمتد المجرى المائي الأساسي فيها نحو١١٦٠ مترًا، وتتفرع من الحوض الذي ينتهي إليه ١٤ ترعة يبلغ عرض الواحدة منه نحو ثلاثة أمتار. وقد فتحت في أعلى الجانب الأيسر لسد حبابض أربع فتحات تساعد على تصريف المياه الزائدة عن المنسوب المطلوب، وتؤدي إلى تخفيض ضغط المياه على جدار السد نفسه. وقد اتبعت فكرة الأهوسة في الفتحات أو البوابات خلال مراحل التقدم المعماري التالية. فشق في الكتفين الجانبيين لكل بوابة تجويفان رأسيان يمتدان بارتفاعها لتنزلق فيهما كتل الأخشاب الصلبة حين يراد قفل البوابة. وترفع فيهما إلى أعلى حين فتحها. ولا تقل طرق البناء المتمثلة فيما بقي سليمًا من السد دلالة على براعة المعماريين، فقد شيد في عصر اكتماله من أحجار ضخمة قطعت من جبل البلق وثبتت في مداميكها بمونة صلبة. وربط أحيانًا بين بعض أحجارها وبعض آخر في مداميكها بمونة صلبة. وربط أحيانًا بين بعض أحجارها وبعض آخر بقضبان من النحاس المنصهر والرصاص المنصهر رغبة في زيادة ترابطها وتماسكها. وقد يقارن لهذا استخدام ذي القرنين لمصهور الحديد والنحاس في بناء سد دفاعي كبير، انظر سورة الكهف آية٩٦.
والمرجح أن جانبي وادي أذنة اللذين انتفعا بمشروع سد مأرب هما اللذان عناهما القرآن الكريم بقوله: ﴿لَقَد كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ، جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ * بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ... ﴾ ولا تزال آثار القرى التى انتفعت بالمجرى الأيمن لسد مأرب تدل على عمرانها القديم وإن تخربت الآن إلى حد كبير، ومنها مدينة النحاس وخرابة مروث ومحرم بلقيس والعمايد. وكانت مأرب أكثر انتفاعًا بالمجرى الأيسر، وقد أطلقت النصوص على منطقته اسم يسرن.
والواقع أن روعة وضخامة سد مأرب بأجزائه كما سبق وصفها تدعوان إلى الشك فيما إذا كان قد بدأ هكذا منذ عهد منشئه سمهو عالي ينوف وعهد حفيده البعيد يثع أمر بين، أم أن شقي المشروع بدءا متواضعين في عهديهما ثم زاد اتساعهما وارتفاعهما وتقويتهما في عهود من تبعوهما من المكربي والملوك، ولعل هذا الرأي الأخير هو الأرجح. فقد أصلحت جدران السد أكثر من مرة بعد أن تعرضت للتهدم نتيجة لتراكم الإرساب خلفها حينًا، وبتأثير عامل الزمن في مبانيها حينًا، وشدة السيول حينًا آخر. وسجل عدد من الحكام السبئيين أخبار مرات الإصلاح التى تمت في عهودهم. وكان من ذلك على سبيل المثال أن أعيد بناء الهويس الشمالي في عهد الملكين ذمر عالي يهابر وتأران بعد القرن الميلادي الأول. واتخذت الفتحات الشمالية للسد صورتها النهائية في عهد الملك
стр. 54
شمريهرعش في حوالي عام ٣٢٥م. ثم جدد المبنى كله أو دعم في عهد الملك شرحبيل يعفور في عام ٤٤٩م. كما أعيد إصلاح صدع فيه في العام التالي أي عام ٤٥٠م.
وتمت آخر إصلاحات السد في عهد أبرهة ملك سبأ حوالي عام ٥٤٣م وبذلت فيه حينذاك جهود ضخمة، بحيث ذكرت نصوص أبرهة أن رجاله قضوا في ترميم السد أحد عشر شهرا، واستهلكوا ٥٠٨٠٦ غرارة من الدقيق، و٢٦٠٠٠ حمل من التمر، و٣٠٠٠ بعير وثور، و٢٠٧ رأس من الغنم، وعلى الرغم من قيام ثورة ضده حينذاك في منطقة مأرب وتفشي الوباء فيها، إلا أنه أقام حفلًا كبيرًا بمناسبة انتهاء العمل في إصلاح السد. حضره وفد من الحبشة، ووفد من فارس، ووفد من بيزنطة. ووفدان من الحيرة وغسان.
وعلى أية حال فقد استطاع السبئيون على امتداد عصور اهتمامهم بسد مأرب أن يتموا مشروعًا كبيرًا حق لهم أن يفخروا به بين المشاريع المائية الأخرى في العالم القديم. وهي مشاريع كان من أقدم ما يمكن ترجيحه منها حتى الآن مشروع سد اللاهون في مصر الذى شيد في أوائل القرن الثامن عشر ق. م. لتوجيه جانب من فيضانات النيل إلى منخفض الفيوم لرفع مستوى الماء فيه حتى تنتفع به أكبر مساحة ممكنة من أراضي المدرجات الخصبة التى تحيط به. ثم الانتفاع ببعض مياهه لري الأراضي القريبة منها في غير أوقات الفيضان. وربما سبق مشروع هذا السد سد آخر في منطقة الجيزة بمصر أيضًا أقيم حوالي القرن السادس والعشرين ق. م. ولكن استخدامه لم يعمر.
وظل سد مأرب يؤدي أغراضه حتى نهاية عهد أبرهة في عام ٥٧١م أي بعد عهد بداية إنشائه بأكثر من أحد عشر قرنًا. ثم انهار أغلبه عام ٥٧٥م بما وصفه القرآن الكريم ووصف نتائجه في قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة سبأ الآيات ١٥ - ١٨].
وأقام السبئيون سدودًا أخرى محلية في عهود متفرقة في المناطق التى تصلها مياه السيول بعيدًا عن منطقة مأرب. ومنها سد يعرف باسم مبنى الحشرج لتنظم مياه وادي السيلة، ويتكون من ثلاثة جدران ضخمة يقال إن كلًا منها يمتد ما بين١٥٠ - ١٨٠ مترًا، وتوجد فتحات كثيرة طويلة بينها، وعثر جلاسر على
стр. 55
عشر نقوش على صخورها.
ولم تغن السدود السبأيين عن دعوات الاستسقاء وطلب رحمة السماء من حين إلى حين. وتخلف من نصوصهم القديمة التى وجههوها إلى معبوده عثتر ذبيان، وقال في نهايته: وسقى خرف ودثا سبأ وجوم شبعم، أي: وسقى الرب خريفًا وربيعًا سبأ وجومًا سقاية مشبعة.
واختلف اللغوين في تفسير كلمة جوم في هذا النص، ففسرها بعضهم بمعنى الشعب أو بمعنى الحلف، وفسرها بعض آخر بمعنى النهر أو معنى السهل، وفسرها بعض ثالث بأنها تعني الأراضى المنخفضة من تهامة اليمن.
التوسع الحربي:
غالبًا ما تترتب على المشروعات الداخلية الكبيرة في الدول الفتية الناشئة مطالب ونتائج متنوعة يعبر الحكام عنها ويتولون رسم سياستها باسم شعبهم. فهي من ناحية تستدعي توفير الأمن لتنفيذها، وتستدعي العمل على تغظية نفقاتها سواء من موارد داخلية أو خارجية، كما تستدعي في الوقت نفسه العمل على حمايتها من الأخطار المتوقعة الداخلية منها أو الخارجية أيضًا. فإذا تم تنفيذ هذه المشروعات وآتت ثمارها وزاد الدخل القومي منها غالبًا ما يرتفع شأن أصحابها في نظر أنفسهم ونظر شعبهم، وهنا إما أن تشجعهم شهرتهم على أن يستزيدوا من الرفاهة لأنفسهم ويخلدوا إلى النعيم. وإما أن تشجعهم على أن يستزيدوا من قوتهم العسكرية والسياسية ليزيدوا لأنفسهم عن طريقها ما يعتقدون أنهم يستحقونه من المجد والشهرة.
ومرت دولة سبأ بأمثال هذه الملابسات والظروف حين مهدت لمشروعات الري الكبرى فيها وحين أتمتها. فقبيل البدء في مشروع سد مأرب عملت دولة سبأ على الاستزادة من موارد اقتصادية جديدة ولو على حساب جيرانها، كما أخذت تؤمن نفسها منهم. وكان أقرب هؤلاء الجيران غليها: دولة معين في شمالها ودولة أوسان في جنوبها الغربي. وكانت الأولى تنافسها فيما تأتي به تجارة البر. وكانت الثانية تنافسها فيما تأتي به تجارة البحر، وبدأت دولة سبأ منذ عهد المكرب يدع إيل بيين الذي يؤرخ أصحاب التاريخ المختصر عهده ببداية القرن السادس ق. م. تقص أطراف دولة معين القريبة منها. ويفهم من نصوصه أنه عمل على تسوير مدن الحدود وتقوية أبراجها ليتخذها جيشه مراكز دفاعية أو هجومية في الوقت المناسب. ويحتمل من نفس النصوص أن مدنًا حدودية معينية
стр. 56
الأصل دخلت فعلًا في حوزة دولته مثل نشق ودابر (في جنوب منطقة الجوف). ثم أعاد رجاله تحصينها لنفس الأغراض الدفاعية والهجومية السابقة.
وجرى خلفاء هذا المكرب على سياسته وعملوا على توسيع المدن الحدودية ومنها المدن المعينية التي دخلت في طاعة دولتهم. وأسكنوا فيها جماعات من السبأيين لينتفعوا بها. ويكونوا رقباء على أهلها. وسندًا لدولتهم فيها. وكان من ذلك أن زيد اتساع مدينة نشق ٦٠ شوحطا في عهد المكرب كرب إيل بيين (في حوالي عام ٥٦٠ق. م.) ثم زاد اتساعها مرة أخرى وأصلح ما حولها وأوقفت على مصلحة السبأيين في عهد ولده ذمر عالي وتر (منذ حوالي عام ٥٣٥ ق. م.).
وانتفعت الدولة بحالة الأمن والرخاء التى وفرتها هذه الإنجازات وأمثالها فمضت في تنفيذ مشروع سد مأرب الكبير. وما أن تم تنفيذ مراحله في عهد يثع أمر بيين حتى التفتت إلى توسيع الحدود وإرهاب الجيران مرة أخرى. فقد واصل هذا المكرب العمل على تسوير المدن وتجديد الحصون وروت نصوص عهده أنه هاجم (والأصح أن جيشه هاجم) مدن معين حتى منطقة نجران. ودمر بعضها وأحرق قراها وقتل منها الألوف وسبى الألوف. وروت نفس النصوص أنه (أو جيشه) اندار على دولة قتبان التي تجاور دولته من الجنوب وأنزل بمدنها دمارًا مماثلًا. ويلاحظ هنا أننا وإن سلمنا باتجاه النشاط الحربي لدولة سبأ إلى هذه الاتجاهات إلا أننا حرصنا على أن نقول وروت نصوص الملك السبأي كذا أو ادعت كذا للإشارة إلى أننا غير ملزمين بالضرورة بأن نسلم بحرفية ما ورد فيها عن ألوف القتلى وألوف الأسرى وتوالي الانتصارات دائمًا لصالح أصحابها. ذلك أن المبالغات في تقارير الحروب أمر مألوف في العصور القديمة بل والعصور الحديثة أيضًا. وهو ما سنضعه دائمًا في الحسبان في مناسبات أخرى تالية.
وبعد جيلين أن نحوهما نشطت سبأ إلى حرب توسعية أخرى في عهد أخر مكربيها كرب إيل وتر (الثاني). وكان داهية في الحرب والسياسية. ويفهم من نصوص عهده أنه هادن دولة قتبان ودولة حضرموت ليتفرغ لحربه مع دولة معين. وضمن حيادهما مرة أخرى ليحمي ظهره في حربه مع دولة أو سان. وبدأ فاتجه بأطماعه إلى دولة معين ليستغل ما أنزلته الجيوش السبأية من قبل في نفوس أهل مدنها من الرعب وما صاروا إليه على أيامه من تفرق الكلمة وما لجأ إليه بعض أمرائهم من إعلان استقلالهم الذاتي عن جسم دولتهم، وهاجمها ببعض جيوشه. وعندما اتجه إلى دولة أوسان استمال إليه بعض حلفائها وأبتاعها ليضعفها ويحرمها من معونتهم. ثم انحط عليها بقواته. وهكذا أخذت الجيوش السبأية
стр. 57
تضرب هنا وهناك وتخرب وتحرق المدن والقرى بضراوة ثم اتجهت شمالًا لتكمل سيطرتها على منطقة الجوف ومنطقة نجران. وهنا ادعت نصوص كرب إيل وتر سيطرته على الألوف من الأسرى وقضائه على الألوف من الجنود مما سنعود إلى ذكره حين نعالج تاريخ كل من الدولتين معين وأوسان في تفصيل. وتكفي الإشارة هنا إلى ما عقبت به نصوص ذلك المكرب المنتصر من أنه أعاد توزيع الأقاليم التى خضعت له. فاحتجز بعضها لنفسه. وخصص بعضها لمعبوده الأكبر إلمقه. وأقطع بعضها للقبائل الموالية له ولاسيما قبيلته التي كانت تسمى فيشان أو بيشان، كما تنازل عن بعضها لدولتي قتبان وحضرموت مكافأة لهما على حيادهما خلال حروبه الطويلة مع خصومه، وتعويضًا لهما عن سبق اعتداء أوسان على حدودهما.
وعندما اطمأن كرب إيل وتر إلى سلامة مركزه شجعته انتصاراته على أن يصيغ حكمه بالصيغة المدنية علانية إلى جانب قداسته الروحية. فأعلن نفسه ملكًا، وادعى في نصوصه أن ربه إلمقه هو الذى تخيره ملكًا أو صيره ملكًا وأيده في مشروعاته. وسجل أخبار انتصاراته (عن طريق كتبته) في نص كبير في المعبد الأكبر بالعاصمة القديمة صرواح، ومن تصاريف الأقدار أن نص النصر الكبير هذا قد آل مصيره إلى التلف والمهانة في بداية العصر الحاضر بعد أن أطل وجه الحجر الذي نقش عليه على حظيرة للماشية وأطل وجهه الآخر على طريق السابلة ليعبث الصغار فيه ماشاءت لهم رغبة العبث.
وكما كان كرب إيل وتر خاتمة لعهود المكربين أصبح بداية لعهود جديدة في تاريخ دولته وهي عهود الملكية السبأية التي يبدؤها أصحاب التاريخ المختصر بحوالي عام ٤١٠ق. م. (بينما كان أصحاب التارخ المطول يبدأونها بحوالي عام ٦٣٠ق. م.).
وقبل أن ندع عهود الكربين نود الإشارة إلى نظرية جديدة خرج بها الباحث A.G.Loundine منذ عام ١٩٥٦، ولم تستقر صحتها تمامًا حتى الآن. ومفادها أن السبأيين وإن لم يؤرخوا نصوصهم بسنوات حكم المكربين ولم يدرجوا أسماء أولئك المكربين في قوائم متصلة. مما أدى إلى الاختلاف الواسع في تاريخ عهودهم كما أسلفنا من قبل، إلا أن التنظيمات السبأية جعلت إلى جانب المكرب موظفًا كبيرًا بلقب رشو، ربما بمعنى الكاهن النائب، ليؤرخ الناس باسمه في فترة نيابته التى تسمى رشوة أو رشاوة، وكان يلي الكهانة لمعبود قومه عثتر بالوراثة ولدًا عن والد في أكبر عشيرة في الدولة بعد عشيرة الملك (وهي عشيرة حزفر من قبيل خليل) -ويشرف إلى جانب كهانته على مشروعات الري
стр. 58
والزراعة بخاصة. وربما لم تكن لنيابته فترة محدودة في عهود المكربين ولكنها أصبحت محددة بست أو سبع سنوات في عهود الملكية كما سنعود إلى ذلك فيما بعد، وقد يحمل مع لقبه الخاص لقب مود أي صديق إشارة إلى الصلة أو المودة بينه وبين مكرب دولته.
من المؤلفات المختارة في دراسة الفصل:
أحمد فخرى: دراسات في تاريخ المشرق القديم -القاهرة ١٩٦٣، ص ١٥٩ - ١٨٥.
جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام -بيروت ١٩٦٨ - ج٢ - مادة سبأ، نيلسن، وهومل، ورودو كاناكيس، وجروهما: المرجع السابق -ص٧٥ - ٨٧، ٢٨٩ - ٢٩٢.
Bowen, R.Jr., Albright, W.F. and Others, Archacological Discoveries in South Arabia, I, Baltimore, ١٩٥٨, ٧٠.htm''٧٥.
Philby, H.JB., The Background of Islam, Alexandria, ١٩٤٧,٣٢-٤١.
phillips, W.,Qataban and Sheba, New York ١٩٥٥.
Shahid, I.Pre-Islamic Arabia. CHI, Cambridge. ١٩٧٠.
стр. 59
الفصل الخامس: دولة قطبان
...
الفصل الخامس: دولة قتبان
أ) التكوين السياسي:
قامت دولة قتبان (ق ت ب ن) إلى الجنوب من دولة سبأ وتضمنت وادي بيحان ووادي حريب وما شغل جزءًا من اليمن وجزءًا من عدن الحاليين. وعاصر كيانها السياسي في بعض عهوده بقية الدولة العربية الجنوبية، سبأ وحضرموت ومعين وأوسان. وتراوحت آراء الباحثين في تعيين بداية هذا الكيان القتباني السياسي بما بين منتصف القرن التاسع ق. م. وبين القرن السابع ق. م. ولكن الوجود الاجتماعي والنشاط الاقتصادي لجماعات القتبانيين قد رجحنا (في ص٣٧ - ٣٩) إرجاعه إلى ما قبل ذلك بعدة قرون، حينما دللنا على قيام التبادل التجاري بين الجنبتين القتبانيين وبين مصر القديمة في عهد الملك تحوتمس الثالث خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ووجد هذا الدليل المصري القديم أدلة أخرى تقاربه في نتائج أبحاث بعثة أثرية أمريكية حديثًا في قتبان. فقد عثر الباحثان ألبرت جام وفرانك ألبرايت A.Jamme and F.P.Albright على مخربشات قتبانية (أي نصوص قصيرة غير متقنة) في هجر بن حميد ووادي فرع اتجهت بعض سطورها من اليسار إلى اليمين مما يعني في رأيهما قدم عهدها، كما تعرفا فيها على أشكال حروف هجائية أرجعا أسلوب كتابتها إلى حوالي القرن العاشر ق. م. واعتبارها من حيث الشكل بقية من مرحلة التحول من الخط الكنعاني القديم الذي يحتمل أن نقله بعض العرب عن جنوب الشام إلى خط آخر تميزت به النصوص الجنوبية وهو الخط المسند. وأضاف جام عن بدائية أشكال هذه الحروف أن رسمها لم يلتزم باتجاه ثابت، فبعضها يميل يمينًا وبعضها يميل يسارًا، وبعضها مقلوب وبعضها رسم على جانبه، وكان تعدد الاتجاهات في رسم الحروف من مظاهر المرحلة الأولية في الأبجدية الكنعانية في الشام حتى القرن الثاني عشر ق. م. وزكى فان بيك وآخرون هذا الوجود القتباني القديم من ناحية أخرى بدراسة تتابع الفخار في مستويات العمران في هجر بن حميد، حيث أرجعوا أنواع الفخار
стр. 60
في أقدم مستويات هذه البلدة إلى ما يدور حول القرن الحادي عشر والقرن العاشر ق. م. وزاد وندل فيليبس على هذا فافترض من ملاحظة مستويات أطلال المباني في المدن القتبانية احتمال بناء بعضها في أواسط الألف الثاني ق. م.
ومع هذا القدم النسبي للكيان القتباني، ونعني بالنسبية هنا ما يتعلق بالجنوب العربي، وهو أحدث بطبيعة الحال في تكويناته السياسية كثيرًا عن دول الهلال الخصيب الكبيرة القديمة، فقد لاحظ بعض اللغويين أن اللهجة القتبانية وإن بدت أقرب إلى لهجات حضرموت ومعين منها إلى اللهجة السبأية، إلا أن أسلوب الكتابة القتبانية الرسمية وأسلوب تركيب أسماء وألقاب الحكام الكبار فيها ظلا أقرب إلى أمثالهما في دولة سبأ. ومن التفسيرات المحتملة. لهاتين الظاهرتين أن أقوامًا من الحضارمة والمعينيين كانوا يشاركون القتبانيين أصلهم القبلي. أو كانوا يشاركونهم أرضهم في عصور قديمة. ولكن هذه الأرض خضعت في فترة ما لنفوذ سبأي سياسي وانتقل إليها ما كان شائعًا في سبأ من أسلوب الكتابة الرسمية وطريقة تركيب أسماء (أو ألقاب) الحكام. وإذا صح الشطر الأول من هذا التفسير كان فيه ما يزكي ما سبقت الإشارة إليه من أن الجماعات العربية القديمة في الجنوب وفي الشمال كذلك ظلت لفترات قديمة طويلة لاتلتزم بحدود إقليمية أو قومية قاطعة فيما بينها. من قبل أن تقوم فيها الدول السياسية واضحة المعالم والحدود.
وبدأ الحكم في دولة قتبان بنفس الصبغة الثيوقراطية أو الدينية التى بدأ بها في بقية الدول العربية الجنوبية. فتلقب أوائل حكامها الكبار منذ القرن السابع ق. م. (في عرف أصحاب التاريخ المختصر) بلقب مكرب وهو لقب تناولنا مدلولات مثيله من قبل في سياق الحديث من حكام سبأ. ومنذ نهاية القر الخامس ق. م. أو بداية القرن الرابع ق. م. فيما يرى ألبرايت غلب الحكام القتبانيون الصبغة المدنية والسياسية في حكمهم وتلقبوا بألقاب الملوك. وليس من المستبعد أن ذلك التحول قد ارتبط في حينه بنصر سياسي أو حربي رفع من شأن الحكام القتباني في نظر نفسه ونظر شعبه وجعله يعتبر نفسه لا يقل مكانة عن ملوك سبأ الذين سبقوا في التحول إلى نظام الملكية، لا سيما بعد أن خف الضغط الذي فرضته هذه الدولة على جيرانها في عهد ملكها الداهية كرب إيل وتر.
ويبدو أن قتبان قد استفادت من وضع كانت قد سمحت لها به دولة سبأ المعتزة بقوتها. ثم استغلته هي لمصلحتها. فقد مر بنا أن كرب إيل وتر منشئ نظام الملكية في سبأ أقطع قتبان بعض الأراضي التى استولت جيوشه عليها من دولة أوسان مكافأة لها على التزامها بموقف الحياد خلال حروبه، وهو مطمئن إلى
стр. 61
بقائها موالية له. وكانت هذه الأراضي الأوسانية الأصل تطل على ساحل البحر الأحمر وتنتفع من موارده التجارية، ولهذا عملت قتبان على تدعيم سلطانها عليها وتوسيع رقعتها لمصلحتها.
ومع منطقية هذين السببين السياسي منهما والتوسعي للتحول إلى الملكية في قتبان، لا بأس من تقدير عوامل أخرى داخلية غالبًا ما تتماثل نتائجها في نظم الحكم الثيوقراطية الأصل. ذلك أن تجارب التاريخ أوضحت أن الصبغة الثيوقراطية في الحكم أشبه بسلاح ذي حدين. فهي وإن ضمنت القداسة للحاكم الأعلى وكفلت له الولاء لروحي من شعبه. إلا أنها كانت تخلق أمامه على مر الزمن منافسين من كبار رجال الكهنوت الذين يشاركونه السلطة باسم الدين، وحينذاك يرى من مصلحته أن يرتفع عن مستوى رياسة الكهنوت إلى مستوى الملكية ذات السلطات الشاملة.
وعلى أية حال. فإن التحول نحو الملكية في قتبان لم يمنع بعض ملوكها من العودة إلى التلقيب بلقب المكرب بين حين وآخر تأكيدًا لصفتهم الدينية ولا سيما في أوقات الأزمات، وقد تلقب به الملك يدع أب ذبيان في القرن الثاني ق. م. وكذا الملك شهر يجل يهرجب، ولم يقلل من استمساكهم بالألقاب التي أكدت صلتهم المباشرة بمعبوداتهم والتي كان منها ما يعتبر الملك ولد المعبود عم، والابن البكر لكل من أنباي وحوكم.
واستمر الحكم الأعلى وراثيًا في الأسرة المالكة في قتبان يتولى العرش فيه الابن بعد أبيه، أو الأخ بعد أخيه إن لم يكن له ولد يخلفه. وربما اشترك ولي العهد مع الملك الحاكم بعد أن تتقدم به السن كي يأخذ عنه خبرته ويمارسها بصورة عملية، ويؤيد حقه الوراثي عن طريق هذا الاشتراك ويضمن عدم منافسة إخوته له فيه بعد موت أبيه، وحينذاك تصدر المراسيم باسم الحاكمين الشريكين معًا. ولم يكن الوطن القتباني أقل منزلة عند أهله من مقدساتهم الدينية، فإلى جانب القسم الرسمي بأسماء المعبودات لاسيما عم وأنباي، وباسم الملك الحاكم، كان يقسم كذلك باسم قتبان.
وفي ظل الملكية قام في قتبان مجلس للأعيان من شويخ القبائل وكبار الموظفين أطلق عليه اسم (م س د) أو مسود، ووجد له شبيه بنفس الاسم في دولة معين، ولا ندري أيهما سبق الآخر. وجرت العادة على أن يجتمع هذا المجلس في العاصمة تمنع بدعوة من الملك، ربما لمرتين على الأقل في كل عام، للنظر فيما يعرض عليه من شئون الضرائب والمنشآت العامة، وللمداولة في أمور لحرب والسلم. وإصدار العفو الكلي أو العفو الجزئي في القضايا الكبيرة.
стр. 62
ويتعرف الملك على نتائج قرارات المجلس فإن أقرها صيغت على هيئة مراسيم وأعلنها باسمه، أو وقعه معه رئيس مجلس المسود. وربما وقعها كذلك في بعض الأحوال كبار رجال المجلس بأسمائهم مشفوعة بأسماء عشائرهم أو قبائلهم. وهكذا توافرت لمجلس المسود القتباني صفات متعددة: فهو مجلس ملكي يجتمع بأمر الملك وينفض بأمره، وهو مجلس استشاري يحق للملك أن يقبل اقتراحاته أو يرفضها، ثم هو في الوقت نفسه مجلس للدولة يضم كبار أعيان قبائلها وأقليمها ويبحث في مصالحها. كما أنه مجلس تشريعي يصوغ القوانين بعد موافقة الملك عليها ثم يوقع رئيسه عليها وربما وقع أعضاؤه الكبار عليها كذلك بعد توقيع الملك عليها.
وعلى الرغم من صدور المراسيم باسم الملك القتباني الحاكم إلا أنها لم تكن تؤرخ بسنوات حكمه، وإنما تؤرخ بعام رياسة رئيس مجلس المسود. ويبدو أن هذه كانت رياسة دورية يتعاقب عليها كبار أعضاء المجلس لفترات محدودة قد تقتصر على عام أو عامين لكل منهم، وقد تزيد عن العامين في أحوال استثنائية يتجدد فيها اخيتار الرئيس أكثر من مرة لسبب أو لآخر.
وكانت الأوامر أو المراسيم الملكية تنقش على مدخل العاصمة تمنع أحيانًا، وتنقش على نصب تقام في السوق الرئيسية وفي المعابد. وتخدم بذلك أغراضًا شتى منها توفير العلنية للمراسيم، وتخليدها لذكرى الملك الحاكم الذي صدرت باسمه، ولتظل مرجعًا لما يعقبها من عهود وقوانين. ويضاف إلى هذه الأغراض فيما يختص بنقشها على نصب المعابد أن من المعابد ماكان لها موضعها المتوسط داخل المدن، ويتردد عليها كثير ممن يعرفون القراءة، فضلًا عما توحي به من وضع الأوامر الملكية تحت رعاية أربابها، وإشعار الناس أن هؤلاء الأرباب شركاء فيها، لاسيما إذا تناولت حقوقًا مفروضة للمعابد ومنشآتها وكهنتها. وليس ما يمنع بعد هذا من افتراض وجود منادين يعلنون مضمون هذه الأوامر والمراسيم شفاهة في الأحياء والأقاليم والقبائل باسم الملك الحاكم.
ومن أهم ما تضمنته نقوش البوابة الجنوبية للعاصمة تمنع، والتى يحتمل تسميتها بوابة ذو سدان بقايا نص لتشريع صدر في عهد الملك يدع أب ذبيان بن شهر في بداية القرن الثاني ق. م. وفيه ما يقضي على القاتل القتباني بالحرمان (من الحقوق المدنية أو الدينية) بحكم خروجه على القانون، فإن تجاهل مقتضيات هذا الحكم وأصر على البقاء في قتبان أباح الملك دمه، دون أن تترتب على قاتله عقوبة أو ملامة.
стр. 63
ب) في الحياة الاقتصادية:
اعتمدت اقتصاديات قتبان وسلطة حكامها على ما اعتمدت عليه أغلب الدول العربية الجنوبية. من التجارة الداخلية والتجارة الخارجية، وتنمية الثروة الزراعية والصناعية. وربما الثروة الرعوية أيضًا. ثم الاستفادة في الوقت نفسه من تحصيل المكوس والضرائب على هذه وتلك. ووجدت مسلة حجرية صغيرة داخل العاصمة تمنع نقشت عليها بعض تنظيمات التجارة الداخلية والضرائب في عهد الملك شهر هلال بن يدع أب، وهدفت إلى ضمان حقوق الدولة في ضرائب التجارة، وحماية مصالح المواطنين التجار والمستهلكين. وتركيز تجارة العاصمة في سوق شمر، وإلزام التجار الأغراب بتبليغ الدولة عن شئون تجارتهم سواء للإذن بممارستها أو لتقدير الضرائب عليها.
وجاء في هذا المرسوم على سبيل المثال أنه إما تاجر في تمنع أو في برم، مهما كانت تجارته، يجب أن يدفع ضريبة في تمنع ليكون له دكانه في سوق شمر. وهذا حق وواجب لكل تاجر أياما كانت قبيلته. فإذا أسس دكانه أصبح له الحق في أن يتاجر وحده أو يشارك غيره. دون اعتراض من مدير شمر. وإذا سمح مدير شمر للتجار القتبانيين بأن يتجولوا بين القبائل للتجارة وأعلن ذلك أصبح حقًا لهم.
فإذا أخطروه بأن أجنبيًا نافسهم في هذه التجارة أو خدع أحدهم، غرم هذا الأجنبي خمسين وزنة ذهبية.
ومن أدي ضريبة سوق تمنع ليتاجر فيها. فتاجر مع قبيلة أخرى، فقد حقه في ممارسة هذه التجارة، وذلك حفاظًا على حق القتبانيين الذي خصصه الملك.
وإذا أجر مواطن داره أو مختنًا لتاجر أصبح ملزمًا بأداء ضريبة السوق في تمنع إلى الملك. من تجارة المستأجر وما تغله، فإن لم تكف دفعها مما يملكه ومن كسبه الخاص.
وإذا باع شخص تجارة جملة. وكان ينبغي أن تباع في سوق شمر، وجب أن يجري بيعها بالتجزئة عن طريق وسطاء قتبانيين.
وإذا دخل تاجر سوق شمر بتجارة يود أن يبيعها ليلًا، وجب على الناس أن ينفضوا من حوله حتى يطلع النهار.
وانتهى المرسوم بالنص على أن للملك حق السيادة على كل معاملة وكل تجارة تجري في منطقته وهذا أمر ينبغي على كل ملك تال أن يؤيده.
стр. 64
ويبدو أن ما يستخرج حتى الآن من كميات الملح من نهاية وادي بيحان، وعلى أعماق مختلفة فيه، ثم يصدر بعضه إلى مناطق أخرى من الجنوب العربي. كان يمثل موردًا اقتصاديًا له اعتباره كذلك في العصور القديمة.
ومن أجل خدمة وتشجيع قوافل التجارة الخارجية أو تجارة المرور (الترانسيت) لا سيما فيما يختص بالبخور بأنواعه ومشتقاته، ومن أجل إحكام الإشراف عليها في الوقت نفسه. مد القتبانيون الطرق البرية ومهدوها. ومن أهمها طريق ممر مبلقة (العقبة) الذي بذل فيه مجهود بارع بالنسبة لعصره وبيئته ليصل عبر الجبال بين وادي بيحان ووادي حريب. وتعبره القوافل المتجهة من عدن إلى نواحي مأرب في سبأ. عبر الأراضي القتبانية. وقد مهدت أرضيته بالأحجار باتساع يتراوح بين أربعة وخمسة أمتار. وامتد نحو ثلاثة أميال بين ارتفاع وانخفاض بانحناءات كثيرة في أجزاء شقتها الطبيعة وأجزاء أخرى مهدتها يد الإنسان على مدرجات جبلية تحمي جوانبها جدارن منحوتة أو مبنية، وأقيم على كل من طرفي هذا الطريق الطويل حوض للماء لخدمة القوافل وسقاية الإبل. ووردت ثلاثة نصوص من عهد الملك يدع أب ذبيان بن شهر تحدثت عن تعبيده في أيامه. ولوحظ أن هذا المجهود كان يمكن توفيره باستخدام طرق سهلي آخر يمتد من غرب العاصمة تمنع رأسًا إلى وادي حريب، لولا حرص القتبانيين على التحكم في التجارة التي تمر في منطقتهم ورغبتهم في إطالة مسالكها داخل أرضهم ليحصلوا أكبر نسبة من المكوس عليها. ونظرًا للأهمية الاقتصادية لهذا الطريق نشأت بعض البلدان حوله. ومنها ذو غيلان (حصن الحضيري) عند مدخله. وبجوارها هجر بن حميد على جانبه الشرقي. وحنو الزرير على جانبه الغربي. ولعلها قامت في بداية أمرها كمحطات للقوافل ومراكز لتحصيل المكوس ثم اتسع عمرانها.
ومهد القتبانيون طريقًا آخر في ممر نجد مرقد على الحافة الصحراوية بين وادي بيحان ووادي حريب أيضًا. ورصفوه. وتمر القوافل خلاله بين جدارين يبلغ سمك الواحد منهما نحو المتر، وقام فيه مركز لتحصيل المكوس من قوافل التجارة المتجهة إلى حريب التي تبعد عنه بنحو خمسة أميال. أو الخارجة منها فى اتجاهها إلى بيحان والعاصمة تمنع.
وتوفر للاستثمار الزراعي دور كبير آخر في اقتصاديات قتبان، ولا سيما في سهل بيحان وحريب. وبدأت مشروعات الري في وادي بيحان منذ القرن الخامس ق. م. وهو واد كبير ينحدر من المرتفعات الجنوبية ناحية الشمال التقريبي ويبلغ متوسط اتساعه بين ثلاثة وأربعة كيلو مترات، وإن زاد عن ذلك كثيرًا أو قل
стр. 65
عنه في بعض أجزائه. وفي انحداره تتعاقب على جانبيه تكوينات بركانية من الشست والكوارتز. ثم لا تلبث هذه التكوينات حتى تختفي تحت رملة السبعتين الصحراوية الضخمة. وقامت على البداية الشمالية للوادي مدينة تمنع عاصمة قتبان. كما قامت على بدايته الجنوبية حاضرة أخرى تعرف الآن باسم بيحان القصاب ولازالت أغلب آثارها لم تكتشف بعد.
وعادة ما كانت مياه الأمطار الموسمية تصل إلى وادي بيحان على هيئة السيول فتملأ مجراه الذي يمتد نحو ٦٥ كيلو متر بعد أن يترك الجبال. وباتساع يتراوح بين مائة ومائتي متر عرضًا. وقد تنقطع هذه السيول لعدة سنوات، وتتشرب الأرض الرملية جانبًا منها -ولكن مواسمها وسيولها القديمة أرسبت على مدرجات الوادي مع توالي الأزمنة طبقات كثيفة من الطمي تراوح عمقها في بعض مواضعها بين ١٥ وبين ١٨مترًا.
ولا ندري هل استفاد القتبانيون خبرة ما من نتائج مشروعات الري في أراضي جارتهم سبأ وقلدوها أم لا؟ ولكن الدلائل تشير إلى أنهم أحسنوا استغلال أوضاع واديهم فأنشأوا فيه شبكة مائية ضخمة. يفهم من وصف المتخصصين لها أن مجاري المياه الرئيسية منها، والتي تتلقى معينها من سيول الأمطار الموسمية، امتدت كيلو مترات طويلة وبلغ اتساع بعضها نحو ٤٠ مترًا وارتفعت عن مستوى الأرض الزراعية بنحو أربعة أمتار ولهذا بنيت فيها أهوسة ساعدت على نقل مياه الري من المجاري المرتفعة إلى أهوسة أخرى فرعية منخفضة في مستوى الحقوق. حيث تتوزع منها على قنوات كثيرة صغيرة. وكانت سرعة توزيع المياه على هذه الفروع الصغيرة مما يضمن الاستفادة بها. وعادة ما كسيت منحنيات الترع بمداميك حجرية تتراجع مع جوانب المجرى إلى الخلف لتمنع تآكلها.
وقامت منشآت ري أخرى وشقت ترع في وادي حريب الذي يقع إلى الغرب من وادي بيحان ويصل بينهما وادي مبلقة عبر الجبال. ووادي حريب أعرض من وادي بيحان ولكنه أقصر. وامتدت الترع والمنشآت المائية إلى وديان فرعية تتصل به (مثل وادي العين ووادي مقبل ووادي مبلقة ووادي وهبة). ولاتزال بعض أطلال مباني هذه المشروعات المائية ظاهرة بينما غطت الأكوام على بعضها الآخر، وتآكلت بقيتها نتيجة لارتفاع المجاري المائية عن الحقوق المنزرعة كما أسلفنا مما جعل عوامل التعرية تعمل عملها فيها. ولاتزال تتناثر في الوديان نتيجة لهذه المشروعات بعض حفر وجذور ما كان ينمو فيها من نخيل التمر والدوم وأشجار المر الذي أشار الرحالة استرابون في القرن الأول ق. م. إلى شهرة قتبان بالاتجار فيه وإنتاج بعض أنواعه.
стр. 66
ومارس القتبانيون إنشاء السدود ضمن مشروعات الري. على نطاق ضيق. ومنها سد فرعي في منطقة الحضرة يحتمل إرجاعه إلى القرن الرابع ق. م. لصد مياه وادي حماد. وشيد بأسلوب بسيط بني بأكوام من الرديم والطين الجاف دعمت واجهتها المواجهة لتيار الماء بالأحجار كما دعمت أعاليها بالأحجار أيضًا. وثمة بقايا سد آخر بجوار بيحان القصب.
ومن المشروعات المائية القتبانية أيضًا حر الصهاريج. ولا تزال تتوزع على قمة جبل ريدان وسفوحه آثار صهاريج قتبانية كان البعض منها يتسع لآلاف الجالونات. ويبدو أنها وزعت على مستويات مختلفة بحيث إذا فاض الماء في أحدها نزل الفائض منها إلى ما يليه. وحفرت هذه الصهاريج في الأرض وكسيت من الداخل بلياسة من أسفلها حتى الارتفاع المحتمل لما تختزنه من الماء. واختلف الرأي في توقيت إنشائها بين ما يعاصر العصر الفارسي في القرن الخامس ق. م. وبين القرن الميلادي الأول.
ولم تغن كل هذه المشروعات القتبانية عن حفر الآبار العادية في المناطق التي تحتاجها، ويحتمل أنه كانت تتسرب إليها المياه الزائدة في المزارع فتختزن طبيعيًا فيها حتى يحين وقت الحاجة إليها ويتيسر رفعها.
وحول نبع طبيعي في وادي فرع في بيحان ظاهرة طريفة، حيث مهد الطريق إليها بمررات ضيقة مرصوفة، وليتيسر وصول الرعاة ورجال القوافل إليه حفرت علامات على الصخور قبل الوصول إليه بنحو كيلو متر، ومنها ما يمثل شخصًا يشير بإصبعه إلى مكان الماء. ولهذه العلامات ما يماثلها في مناطق متفرقة من صخور بيحان وفي مناطق قريبة من الربع الخالي حيث تشتد الحاجة إلى معرفة أماكن المياه.
ومع هذه التيسيرات لتوفي مياه الري والشر. لوحظ في آثار المدن والقرى (في هجر بن حميد والحرجة وجبل الحضرة والنقب) أنه كان يوضع أمام كل دار حوض قليل العمق مليس من الداخل. لملئه بالماء.
وظلت مشروعات المياه تؤدي أغراضها حتى القرن الثالث الميلادي. لاسيما في وادي بيحان. غير أن استمرار الاستفادة منها كان يتطلب استرمار العناية بها. فقد كان ارتفاع المجاري الرئيسية عن مستوى الأراضي المزروعة يعرضها لعوامل التعرية كما ذكرنا، كما أن ارتفاع الإرساب نتيجة لنظام الصرف المستعمل وتوزيع المياه في الحقول. كان يتطلب الارتفاع بالقنوات الفرعية والارتفاع بمداخلها إلى مستوى الحقول.
стр. 67
واستفادت الدولة من ضرائب الزراعة كما استفادت من ضرائب التجارة ويفهم من دراسات البحث رودو كاناكيس Rhodokanakis للنظم القتبانية أن الضرائب في قتبان وفي غيرها من الدول العربية الجنوبية كانت تعادل العشر أو ما يقرب منه، وتؤدي عينية عادة أي من نفس محصول الأرض والمصانع والمتاجر. ويتولى الإشراف على تحصيلها ولاة الأقاليم وشيوخ القبائل أحيانًا. كما كانت الدولة تأخذ بنظام الالتزام في تحصيل ضرائبها أحيانًا أخرى، فتسمح لبعض كبار أهل القرى والأقاليم والمعابد بأن يتولوا جباية ضرائب معينة وتخصص لهم جعلًا منها.
وامتد تحصيل الضرائب إلى ما هو أكثر من هذا، فورد في أمر أصدره ملك قتباني إلى كبير إحدى القبائل بأن يؤدي إلى خزائنه من ضرائب قبيلته ما ترجمه رودوكاناكيس: عشر كل ربح صاف وكل ربح يرد عن طريق الالتزام وكل ربح يجبى من بيع ومن إرث. وقد تدل العبارة الأخيرة على تحصيل رسوم على عقود البيع وعقود التوريث على نحو ما تجري عليه قوانين الضرائب في أغلب المجتمعات المعاصرة.
ح) من آثار العمران والفنون:
قدر الاتساع القديم لمدينة تمنع (هجر كحلان الحالية) عاصمة قتبان بنحو ٥٢ فدانًا -وخلد الرحالة بليني أهميتها حينما روى أنها كانت تتضمن٦٥ معبدًا. ومع ما في رواية بليني من مبالغة واضحة فإن الآثار الباقية في تمنع تشهد بروعتها النسبية القديمة فعلًا رغم عوامل التخريب التي لحقت بها قديمًا وحديثًا. وقد أنشئت هذه العاصمة فوق ربوة مرتفعة بعض الشيء عند النهاية الشمالية لوادي بيحان، وكان يحيطها سور يحميها وإن تداخلت بعض المساكن في أجزائه نتيجة لازدياد العمران. وتضمن السور أربع بوابات كشف عن اثنتين منها في ناحيتي الجنوب الغربي والجنوب الشرقي للمدينة. وكانت أولى البوابتين وتعرف عادة باسم البوابة الجنوبية، هي الأقدم، وترتب على بنائها بأحجار صلبة كبيرة أن بقي للآن جزء من بنيانها يرتفع أكثر من ثلاثة أمتار، وأجزاء من الصرحين أو البرجين اللذين كانا يحيطان بها. ويبدو أنه كان لمدخلها باب خشبي ضخم ينزل من أعلى إلى أسفل حين غلقه ويدعمه من الخلف عارض خشبي أفقي متين. واحتفظت جدران البوابة، وهذا هو الأهم، بنصوص عديدة سجلت بأسماء بعض ملوك قتبان، وكان من أقدمهم يدع أب ذبيان -كما تضمن أحدهم تشريعًا للدولة أشرنا من قبل إلى فقرة منه.
стр. 68
وقام في داخل المدينة مبنى متسع فخم، اعتبره فإن بيك معبدًا رئيسيًا، واعتبره جام قصرًا ملكيًا للاحتفالات العامة. وقد شيدت الأجزاء الأقدم منه على مرحلتين خلال عهود المكربين بين القرن السابع والقرن السادس ق. م. ثم جددت أجزاؤه وأضيفت إليها إضافات مرتين أيضًا على الأقل في عصور الملكية في أواخر القرن الرابع ق. م. ثم في القرن الأول ق. م. وتشابهت بعض هذه الإضافات مع أساليب العمارة الشائعة في الحضارات الخارجية التى اتصل القتبانيون بها، فشيدت جدران المبنى خلال مرحلة البناء الثانية بمشكاوات رأسية (أو دخلات رأسية) متسعة تعاقبت على مسافات متساوية، وكان هذا الأسلوب المعماري شائعًا من قبل في أقطار شرقية قديمة مثل نواحي العراق ومصر وفارس وغيرها. وعندما تمت المرحلة الأخيرة لتجديد المبنى في عهد الملك شهر يجل يهرجب في بداية القرن الأول ق. م. أخذت عناصره ببعض خصائص فن العمارة الهيلنستية الشائعة في عصره. وقد بدأ في صورته العامة عند اكتماله تؤدي إلى بابه درجات متسعة يحف بها جداران جانبيان. ويؤدي مدخله إلى فناء كبير مرصوف كانت تحيط به من ثلاثة جوانب أعمدة مربعة، بينما يتوسط ضلعه الشرقي (المقابل للمدخل) خمس درجات حجرية متسعة أخرى يزيد عرضها عن ستة أمتار، وتؤدي إلى بهو كبير مرتفع تحتمل تكسية أرضيته وأسافل جدرانه الداخلية ببلاطات من الألباستر القرمزي رقمت بحروف تساعد على وضع كل صف منها في موضعه المناسب. وتوسط هذا البهو ممر للمواكب قامت على جانبيه أربعة صفوف من المباني الصغيرة لم يتضح الغرض منها حتى الآن. ولعل الارتفاع التدريجي من باب الدخول إلى الفناء ومن الفناء إلى البهو كان مقصودًا لذاته.
وكشفت البعثة الأمريكية للآثار التي أظهرت تفاصيل هذا المبنى الفخم منذ عام ١٩٥٠ - ١٩٥١ عن مساحة واسعة أيضًا حول البوابة الجنوبية لمدينة تمنع تضمنت مزيدًا من الجدران المتصلة بها ومدخل فنائها وشارعين وعدة مبان. كما كشف الأهلون بعد ذلك بطريق المصادفة عن مبان أخرى. وتعددت الفروض بشأن الأغراض التي خدمتها هذه العناصر المكتشفة وكانت منها دور تضمنتت نصوصًا تحدد أسماءها وأسماء أصحابها أحيانًا (مثل: دار يفش، ودار يافع، ودار هدث، ودار شعبان، ودار عثمان .. إلخ).
وظهرت مبان أخرى افترض مكتشفوها أنها خدمت أغراضًا عامة. ففي داخل بوابة المدينة وجدت على سبيل المثال ساحة رصفت بالحجر وقامت على جانبيها دكات حجرية مما احتمل معه أنها كانت ساحة سوق أو ساحة اجتماعات (بما يشبه ساحة أو دار للندوة) ومبنى آخر شيد على دكة مرتفعة ويؤدي إليه
стр. 69
درجان (أحدهما من ناحية الجنوب والآخر من ناحية الشرق)، وتضمن في مدخله صفوفًا من المناضد الحجرية، مما دفع بمكتشفه إلى أن يفترض أنه كان يمثل دار محكمة مركزًا للشرطة أو نحوه.
ومن أهم الدور الخاصة التي أشرنا إلى الكشف عنها قرب بوابة المدينة مبنيان متصلان سمي أقدمهما بيت يفش، وسمي الآخر بيت يافع أو يفعم، واتصل به بطريق يؤدي إلى فناء، وكنموذج للمباني الثرية في تمنع لا بأس من تقديم وصف مفصل لبيت يفش. فقد تألف من طابقين: طابق أرضي ذي صفات أو بواكي مسقوفة، وعدة غرف تقوم بدور مصانع خاصة صغيرة، ثم طابق علوي تضمن شرفات ومقصورة مباخر ومخزنين للبخور. ويستنتج من ستة نصوص تعلقت به أنه شيد في أواخر القرن الثاني ق. م. (كما يعتقد ألبرايت) ثم اشتراه وجدده رجل من أثرياء العاصمة يدعى هوفعم بن ثونب في بداية القرن الأول ق. م. ووقفه باسمه (وربما باسمه مع اثنين من أسرته مرة أخرى؟) على كبار معبودات قتبان: أنباي، وإيل تعلاي، وعثتر، وعم، وذات سنتم، وذات ظهران، وورفو. وبقيت بين أطلال هذا المبنى ثلاث غرف في حالة طيبة بحيث عثر في داخلها على صناديق للبخور ومرايا برونزية وما شابهها.
وأمتع ما عثر عليه بجوار جداره الجنوبي المواجه لبوابة العاصمة تمثالان من البرونز (ارتفاع كل منهما٦١ سم وطوله ٧٠سم) ولا يعرف إن كان في الأصل متجاورين أو متقابلين. ويمثل كل منهما لبؤة بكفل أسد ترفع إحدى ساقيها الأماميتين، ويعتليها غلام عار يمسك قوسًا بيمناه ويقبض بيسراه على حلقة لسلسلة كانت تنتهي بطوق يحيط بعنق اللبؤة، ولعله كان يسمك أيضًا بسوط أو نحوه. والغلامان توأمان مع اختلاف يسير بينهما في الملامح، ويعتبر التمثالان من أروع القطع الفنية التى احتفظت بها مناطق الجنوب العربي حتى الآن والتى تزكي ما رواه استرابون في القرن الأول ق. م. عن مهارة العرب الجنوبيين في الصناعات المعدنية. وسجل على قاعدة أحد التمثالين اسما الفنانين ثويب وولده عقرب (حرفيًا: ثويبم وعقربم) اللذين قاما بزخرفة الدار وقلدا بالتمثالين نموذجًا من الفن الهيلينستي السكندري فنجحا في عملية التقليد إلى حد ملحوظ وإن ظل تشكيلهما أقل إتقانًا من الأصول الهيلينستية المماثلة لهما والتي وجد بعضها في منف في مصر. وإلى جانب الهدف الزخرفي في هذه المجموعة الفنية افترض بعض الباحثين أنها رمزت إلى معنى ميثولوجي (أي ديني أسطوري). وفي تحديد هذا المعنى آراء شتى، ومنها ما يرى أن اللبؤتين ترمزان إلى شمس الشتاء وشمس الصيف، وأن راكباهما التوأمين يمثلان عثتر نجم الشعرى ابن القمر، كما
стр. 70
يقومان بدور سدنة عم المعبود الأكبر لدولة قتبان وقد أخضعا له الشمس وروضاها. وليس ما يمنع من افتراض أن المجموعة كلها كانت تخدم كذلك غرض الحماية الرمزية لبيت يفشان، أو غرض الحماية الرمزية لما يدخل من بوابة المدينة المجاورة له من قوافل التجارة. ولكل من هذه الفروض والآراء ما يبرره من عقائد العرب الجنوبيين ومن العقائد الهيلينستية المنقولة لا سيما من مدينة الأسكندرية التي روى بعض المؤرخين الكلاسيكيين أن وفودًا من التجار العرب الجنوبيين كانوا يشتركون في مواكبها وأسواقها ويتبادلون الأفكار مع أهلها، فضلًا عمن كان يقصد بلاد العرب نفسها من رحالة العصر الهيلنستي، وما يصلها عن طريق التجارة من القطع الفنية ذات الدلالات أو الأغراض العقائدية والتى تغري الفنانين بتقليدها.
ولم تخل دار من الدور الباقية الأخرى من آثار تدل على ثراء أهلها وتدل على أهمية ما يمكن أن يظهر من آثار بقية المدينة حين يتم الكشف عنها، وهو ما ندع التفصيل فيه الآن.
وكانت لقتبان فنونها المحلية في النحت والنقش وصناعة الحلي وقطع الزينة وهذه نتجاوز عنها أيضًا مؤقتًا مراعاة للإيجاز. ومن نماذج النحت في الحجر التى تأثرت بالفن الهيلينستي ولت على اتساع صلات قتبان بالخارج، رأس مرمرية توضع في مستوى تمثالي اللبؤتين والغلامين البرونزيين، وهي لأنثى أطلق عمال الحفائر الأثرية عليها اسم مريم أو مريام فاشتهرت به. وعثر عليها فى إحدى مقابر حايد بن عقيل جبانة العاصمة، ويحتمل إرجاع صناعتها إلى ما بين القرن الأول وبين القرن الثاني ق. م. وقد انعقدت خصل شعرها خلف رأسها من نفس مادة الحجر بما يشبه الطريقة المصرية القديمة، واحتفظ محجرا عينيها بآثار التطعيم باللازورد على عادة كثير من تماثيل الجنوب وعادة التماثيل المصرية أيضًا. وعنقها طويل كانت تحيط به قلادة، وأذناها مثقوبتان ليتدلى منهما قرطان. ومع ما أخذت به هذه الرأس من الأسلوب الهيلينستي، حز فنانها على صدغيها تقليدًا لوشم أو شريط قد يعبر عن عادة محلية أو قبلية، إن لم يكن تقليدًا لأثر حجامة أجريت لصاحبة الرأس ابتغاء الشفاء من مرض ما.
د) علاقات قتبان بجيرانها:
شهدت دولة قتبان أطوارًا مختلفة من التوسع ومن الانكماش في تاريخها الطويل. وكيفت سياستها نحو جيرانها الأقربين، صداقة أو عداء أو حيادًا. بما يتمشى مع قدراتها وإمكاناتهم. فقد مر بنا في تتبع العلاقة بينها وبين جارتها القوية سبأ، كيف أنها لزمت الحياد والشماتة أيام حروب كرب إيل وتر السبأي ضد
стр. 71
معين وأوسان (قبل عام ٤٣٠ ق. م.) وكيف أمنت بهذا على أرضها من أطماعه بل وحصلت منه على بعض أراضي أوسان القريبة من البحر الأحمر مكافأة لها على مسلكها إزاءه. غير أن تلاصق الحدود بين الدولتين الطموحتين سبأ وقتبان كان من شأنه أن يهيئ استمرار فرص التنافس والاحتكاك ثم الاشتعال بينهما. وقد ورد في نصين ذكر حربين بينهما صعب توقيتهما إن كانتا سابقين على أيام الحياد في عهد كرب إيل وترى السبأي أم تاليتين لها. وصعب كذلك ترتيب أسبقية إحداهما على الأخرى. وعن إحدى هاتين الحربين تحدث قائد سبأي يدعى تبع كرب عن حرب بين الدولتين استمرت خمسة أعوام. وكانت قتبان فيما يبدو هي البادئة بها، وانتهت إلى ما يشبه الصلح أو الهدنة، الأمر الذي دعاه إلى أن يخصص أوقافًا كثيرة لمعابد أرباب سبأ الكبار، وذلك مما يعني من ناحية أنه اعتبر الصلح كسبًا ينبغي شكر أربابه عليه، ويعني من ناحية أخرى أن الحرب بين الدولتين لم تنته إلى نتيجة فاصلة وأن أيًا منهما لم تستطع القضاء على الأخرى.
وتحدث قائد قتباني يدعى يذمر ملك عن الحرب الأخرى وروى عن مرحلة منها أنه هزم عدة قبائل وعشائر واستولى على مدنها ونخيلها وأرضها، ثم أعلن تقديمها إلى المعبود عم وإلى أنباي وإلى ملكه يدع أب يجل بن ذمر عالي ملك قتبان. وذلك مما يعني أنه مع فخره بمجهوده في الحرب قد رد الفضل في النصر والحق في تملك الأرض المكتسبة ونتائج النصر إلى معبودي دولته الكبيرين وإلى ملكه الذي كان يعتبر نفسه ولدًا لهما وممثلًا لهما على وجه الأرض. وزاد ذلك القائد عبارة في نصه تحدث فيها عن مرحلة حرب واسعة شنتها سبأ وإمارة رعنان وقبائلها التي ساءها أن تملك القتبانيون جزءًا من أرضها، ضد قتبان. ولكي يضخم القائد القتباني من كثرة الأعداء وضراوة الحرب ألمح إلى أنه تجمع فيها حقد عهود المركبين وعهود الملوك السبأيين ضد ملكه يدع أب يجل بن ذمر عالي ملك قتبان وضد قتبان نفسها وضد أولاد عم جميعًا.
وبعد هذه الحرب التي لا يعرف شيء مؤكد عن نتائجها، والتي يفترض ألبرايت أن الملك القتباني الذى ذكر في سياق نصها وهو يدع أب يجل قد حكم في منتصف القرن الرابع ق. م -شقت قتبان طريقها وظلت تسيطر على أجزاء من المناطق الساحلية التى كانت تشغلها من قبل دولة أوسان والتي عاشت في بعض أجزائها قبائل حمير ذات الصلة والقرابة بالقبائل السبأية. وقد تلونت هذه القبائل الحميرية حينذاك بالولاء القتباني واعتبرت نفسها من ولد المعبود عم معبود القتبانين. وأطلقت على حصنها الرئيسي اسم ريدان، وهو اسم يراه الباحث فون فيسمان قتباني الأصل كان يطلق من قبل على حصن رئيسي للعاصمة.
стр. 72
القتبانية تمنع وقام على ملتقى الوديان إلى الجنوب منها. وقد ذكر في نص إنشائه (قبيل بداية القرن الرابع ق. م) أنه في اتجاه حدن، ولا زال حصن حدن (أو حادي) هذا قائمًا أسفل الجبل حيث توجد أطلال ريدان.
على أنه لم يكن من المنتظر أن تسير الأمور في مصلحة قتبان دائمًا. فبعد عام ٢٨٥ق. م استطاعت جيوش الملك السبأي يثع أمر بيين أن تسترد بعض الأراضي التي اكتسبتها قتبان من أسلافه خلال القرن الرابع ق. م، وذكر نصه من المدن التى استردتها جيوشه حينذاك مدن نعمان وصنعاء وذبحان ذو حمرور.
وشهدت قتبان فترة ازدهار أخيرة في عصر أسرة حاكمة ثالثة أو رابعة بلغت شأوها في عهد شهر يجل يهرجب الذي يؤرخ ألبرايت وفون فيسمان عهده ببداية القرن الأول ق. م. وقد تطلعت قتبان في عهده إلى دولة معين الواقعة إلى الشمال منها فاجتزأت جانبًا من أرضها وعقدت معها حلفًا احتفظت لنفسها فيه بالمكانة الأسمى، ولعلها استهدفت من وراء هذا الحلف أن تضيق به على دولة سبأ فتضغط هي عليها من الجنوب وتضغط حليفتها معين عليها من الشمال. ويرجع إلى أيام هذا التحالف نص من عهد ملك معين وقه إيل يثع أرخه كاتبه المعيني باسم ملكه واسم ولي عهده وشريكه في الحكم إيل يفيع يشور الثاني، كما أرخه في الوقت نفسه باسم الملك القتباني شهر يجل يهرجب، وذلك مما يدل على اعترافه الضمني بنفوذ قتبان على بلده. وعندما انفرد ولي العهد المعينى إيل يفع يشور بالحكم بعد أبيه حضر حفل توليته في عاصمته كاهنان قتبانيان نيابة عن ملكهما. ولعل هذه الفترة من الازدهار القتباني هي التي روى عنها الرحالة الروماني بليني أن إنتاج الكندر كان يأخذ طريقه من حضرموت وعاصمتها شبوة إلى حيث تتسلمه قتبان وعاصمتها تمنع على طريق البخور الممتد حتى ساحل الحبر المتوسط، وروى عنها كذلك ما سبق أن استشهدنا به من أن الجبانيتاي (أو القتبانيين) لهم مدن كثيرة أكبرها نجاو وتمنع، وأنها كان في هذه الأخيرة ٦٥ معبدًا مما يشير إلي ثرائها.
ولكن يبدو أن بلوغ القمة قد يعقبه الانحدار أحيانًا، فقبيل عهد شهر يجل يهرجب اهتز أحد الموارد الاقتصادية للدولة بعد نجاح السفن المصرية في عصر البطالمة في اجتياز مضيق باب المندب حوالي عام ١٢٠ أو ١١٧ ق. م للاتجاه إلى الهند والاتجار معها رأسًا دون وساطة عرب السواحل الجنوبية ومنهم القتبانيون. وليس من المستبعد أن هذا الوضع كان من أسباب تحول أطماع قتبان إلى دولة معين لكي تعوض من مكاسب تجارتها البرية ما أوشكت أن تخسره من مكاسب تجارة الساحل.
стр. 73
ولكن ترتب على تخفيف قبضة قتبان الاضطراري على المناطق الساحلية للبحر الأحمر أن تألبت عليها قبائل حمير المنتشرة فيها، ويبدو أنها كانت قد نجحت في تجميع كلمتها من قبل بداية القرن الأول ق. م. وبيتت النية على الاستقلال عن قتبان. وليس ما يعرف حتى الآن عن تفاصيل هذه المحاولة إلا أنها حققت هدفها في النصف الأخير من القرن الأول ق. م. فقاتلت قتبان وأخذت منها ما كان باقيًا لها من سواحلها.
وتوفرت بهذا فرصة ذهبية لسبأ التى سكتت على الازدهار القتباني المجاور لها على مضض، وعانت من تضييق قتبان عليها من الجنوب وتضييق حليفتها أو تابعتها معين عليها من الشمال. فاستغلت فرصتها وبدأت بأضعف الفريقين وهي معين فهاجمت عاصمتها واستولت على مناطق واسعة من أراضيها قبل الربع الثالث من القرن الأول ق. م.
وانكمشت قتبان على خارطة الجنوب بعد أن خسرت أرض حمير وخسرت حليفتها معين، ولكنها جاهدت في سبيل البقاء وساعدها على الاستمرار أن غريمتها دولة سبأ كانت تعاني هي الأخرى من مشاكل متعددة نتعرض لها في حينها، فلم تستطع أحداهما أن تقضي على الأخرى، وإن اتصلت المناوشات بينهما.
وفي هذه المرحلة المضطربة من تاريخ قتبان توالي ملوك لا يذكر لعهودهم من الأعمال الإنشائية إلا أن أول عملة ذهبية قتبانية سكت في عهد أحدهم وهو ورواو إيل غيلان في الحصن الملكي القتباني حريب. وكانوا في مجموعهم ضعاف الحيلة إزاء اضطراب موازين القوى في الجنوب، وكان ازياد ضعفهم مشجعًا أو مترتبًا على هجوم جديد غير متوقع من جارتهم الشرقية دولة حضرموت التي بسطت نفوذها على الأجزاء الشرقية من قتبان، بحيث عثر على ثلاثة نقوش في وادي بيحان القتباني تمجد ثلاثة ملوك حضرميين. وقد روى أحدهما أن ملكه الحضرمي عمل على تسوير مدينة غيلان بعد أن تغلب أبوه على قتبان (أو على جزء منها) وروى آخر أنه تم في عهد ملك حضرمي مشروع للري في منطقة وعلان (القتبانية).
وكان في العاصمة تمنع ملك قتباني لا يزال يحسن الظن بسلطته وهو شهر هلال بن ذر أكرب. إذ وجد له نص مرسوم يطلب فيه إلى كبير العاصمة (أي المدير المحافظ أو من يؤرخ باسمه) بتحصيل الضرائب ممن يسكنون ويزرعون الأراضي في سد (قرب العاصمة) وأمر المزارعين بأن يلتزموا بمرسومه ابتداء من أول ذي فرعم إلى السادس من ذي فقحو يومًا بيوم وشهرًا بشهر. واستنتج
стр. 74
الباحث رودوكاناكيس من العبارة الأخيرة أن ذا فرعم يمثل أو شهور السنة الزراعية عند القتبانيين ,أن ذا فقحو يمثل آخرها. ولو أنه ما من بأس فيما يبدو أن يكون ذو فرعم أول الحصاد، وذو فقحو آخره، فمواسم الحصاد هي التى يستيطع المزارعون أن يوفوا فيها بالتزاماتهم تجاه الدولة، وليست مواسم الزراعة كلها. وربما دل اللفظان في سبأ على العشرتين الأوليين من الشهر.
وفي عهد الملك شهر هلال أيضا حوالي عام ١٠٠ أو ١٠٦ م دمرت تمنغ عامصة قتبان تدميرًا عنيفًا لازالت آثاره باقية في معالمها القديمة التي اكتسى بعضها بطبقة كثيفة من الرماد دلت على حريق متعمد، لا تعرف حتى الآن حقيقة المتسببين فيه.
وعلى الرغم مما لحق بها، جاهدت قتبان في سبيل البقاء لفترة أربعين عامًا أخرى أو نحوها، فاكتفت بمناطقها الغربية، ونقلت عاصمتها إلى حريب التي أشرنا إلى سك أول عملة ذهبية قتبانية فيها، ووجدت بها بالفعل عملات أخرى ضربت بها، ونقشت على بعضها صورة البومة وتحتها خنجر. وكانت صورة البومة من رموز بعض العملات الإغريقية السكندرية. ويبدو أن قتبان قد اضطرت نتيجة لضعف حيلتها أن تنضم إلى حضرموت في مشاكلها ضد دولة سبأ بعد أن أصبحت هاتان الدولتان هما مركز الثقل في الجنوب العربي فحاربت في صف حضرموت، ثم تهاوت حوالي عام ١٤٠م (أو١٤٦م) بعد أن استهلكت قوتها، وانحسر كيانها السياسي، وهجرت مناطقها الزراعية بعد أن قلت رعاية مشاريع المياه فيها، وغطت الرمال عليها. وآلت أرضها فيما بعد إلى حوزة دولة سبأ وذوريدان منذ أوائل القرن الرابع الميلادي.
ملحوظة:
أسهمنا بعض الشيء في الفصول السابقة فى مناقشة تاريخ دولة سبأ وتاريخ دولة قتبان، من حيث مشكلات النشأة، وتطور الحياة السياسية، ومشاريع العمران وفروع الفنون، وتأثير العوامل الداخلية والخارجية في كيان كل دولة منهما لكي نجعل من هذه المناقشات نموذجًا للتوسع فيما يعالج به تارخ بقية الدول العربية القديمة الأخرى التى سنحاول الاكتفاء بخطوطها الرئيسية فيما يلي، مراعاة للتخفيف مؤقتًا. وندع التفصيل فيها للجزء الثاني من كتابنا في الشرق الأدنى القديم حين يصدر في وقت لاحق قريب بإذن الله.
стр. 75
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
جواد علي: المرجع السابق -ج٢ - مادة قتبان.
نيلسن وآخرون: المرجع السابق -ص١٣٢ - ١٣٦، ٢٧٩ - ٢٨٩.
Abdel-Aziz Saleh, op.cit.
Bowen, R. Jr,. Albright, W.F., and others, op., cit.,٤٣-٦٨ ١٥٥-١٦٣.
Philby, op,cit., ٥٩-٦٣.
Phillips, op.cit.,٥١f.
Pirenne,J., Le Royaume Sud-Arabe des Qataban et sa Datation,
Louvain ١٩٦١.
Rhodokanakis, N.,Katabanische Texte zur Bodenwirtschaft, I-II, Vienne ١٩١٩,١٩٢٢.
следующие страницы →