← История

История · id 11078

تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة

عبد العزيز صالح

Полный текст (180 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التي عرفوها في إدوم، وكانت دمشق من أكبر مراكزها، كما ساعدهم على أن يتذوقوا نعيم أهل الحضر. وكان خير ما تعلموه من حضارة جيرانهم هو حروف الكتابة الآرامية التي أسلفنا مراحل تطويرها على أيدي كتبة الأنباط وتميزهم بها، في الفصل الثاني من هذا الكتاب، وكيف أصبحت أساسًا فيما بعد الكتابة العربية. وعلى نحو ما انتفع الأنباط بحضارة الآراميين انتفعوا كذلك بالحضارة الهيلينستية التي تعهدها السليوكيون في سوريا. وعرف الأنباط منها سك العملة، ثم تطوروا بعملتهم واعتادوا على أن ينقشوا عليها صور رءوس ملوكهم. وربما صوروا معها رءوس الملكات أيضًا. أو صوروا مع رأس الملك رأس أمه إذا كان صغيرًا وكانت وصية عليه. وامتد الأنباط مع مسالك التجارة على ساحل الحجاز واستغلوا قوتهم مع ضعف بقايا أهل مدين واللحيانيين فسيطروا على أراضي هؤلاء وهؤلاء خلال القرن الأول قبل الميلاد، وتركزت جالياتهم في محاط القوافل الرئيسية بهذه الأراضي، وقد ذكرنا منها من قبل واحة البدع والحوراء في أرض مدين، والحجر ومدائن صالح وواحة العلا في أرض اللحيانيين. وعندما استتب أمر حكم الرومان في بلاد الشام أيقن الأنباط أن لا سبيل لهم إلى مقاومتهم، وربما تقربوا إلى القائد الروماني أوكنافيوس بإحراق جزء من أسطول خصيمته كليوباتره. ورأى الرومان أن يستفيدوا منهم فاستعانوا بفرقة حربية منهم لمعاونة يوليوس قيصر على التخلص من حصار المصريين له في الإسكندرية، في عهد الملك النبطي مالك الثاني، كما استعانوا بجماعة منهم في حملة آيليوس جاللوس القائد الروماني على بلاد اليمن، وصحبهم فيها الدليل صالح، أوسلي أوسلاء Syllaeus كما تقدم القول بذلك وقد عرف أحد معاوني الملك النبطي عبادة الثاني في العهد نفسه باسم صالح فعلًا، كما نزلت حامية رومانية في ميناء الحوراء التي كانت قد خضعت من قبل للأنباط. وظلت العلاقات بين الرومان وبين الأنباط في جنوب الشام بين مد وجذر، فطورًا يقتطع الرومان أرضًا من الأنباط ويهبونها لليهود، وطورًا يجاملون الأنباط ويزيدون في أملاكهم. وعلى أية حال فقد ازداد اتصال الأنباط بالحضارات الخارجية نتيجة لاتصالهم بالرومان وعملهم في جيوشهم، إلى جانب ما كانوا قد اقتبسوه من الحضارات السابقة عليهم. وسجل الرحالة استرابون للأنباط مأثرة تذكر لهم، فروى عن فيلسوف إغريقي كان يرتبط به برابطة الصداقة، أنه نشأ بين الأنباط ورأى كثيرًا من

стр. 142

الأجانب يعيشون في عاصمتهم ولاحظ كثيرًا من المنازعات تدور بين أولئك الأجانب على حين لاحظ قلة المنازعات بين السكان الأصليين وميلهم إلى حياة السلام ربما لصالح نشاطهم الاقتصادي. وعبر الأنباط عما استطاعوا استيعابه من فنون الحضارات المتنوعة التي اتصلوا بها فيما تركوه من آثار معمارية حفلت بها مدينة بترا في الأردن، ومنطقة مغاير شعيب وواحة البدع في أرض مدين، ثم مدائن صالح إلى الشمال من واحة العلا. ونكتفي هنا بآثار هذه المنطقة الأخيرة أي مدائن صالح. وترجع أهم آثارهم فيها إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد وبين القرن الأول بعد الميلاد. وتتمثل هذه الآثار في نحو مائة مقبرة نحتت وشكلت واجهاتها في السفوح الجبلية بالمنطقة، وتفاوتت فيما بينها في أحجامها وفي مدى فخامتها، وامتازت مجموعة منها تمثل مقابركبار الأثرياء بالضخامة والروعة والارتفاع حتى شابهت واجهات القصور، وإن لم يوجد في بيئتها من آثار بقايا القصور الدنيوية شيء ما يرقى إلى مستواها. وقد جمع طرازها المعماري وزخارفها بين الأسلوب المحلي وبين أساليب مصرية وهيلينستية ورومانية. ولا زال أهل المنطقة يصرون على تسمية أمثال هذه المقابر الفخمة القديمة باسم القصور، وذهب خيالهم في تصور أصحابها كل مذهب، فهذا في زعمهم قصر البنت، وذلك قصر أبي البنت، وثالث قصر الصانع، ورابع أطلقوا عليه اسم المجلس، وهلم جرا، أما النصوص النبطية التي نقشت على واجهات هذه المباني فهي لا تترك مجالًا للشك في كونها مقابر، ولكنها مقابر تدل على ما بلغه أهلها من تنعم وثراء وما بلغه عصرها من تحضر ورخاء. ويوجد في نفس المنطقة معبد استغل الأنباط له مغارة طبيعية في جوف صخرة ذات قمة تشبه القبة، وشكلوها على هيئة بهو كبير (١٢×١٠×٨ أمتار) يطلق الأهالي عليه اسم الديوان. وأخذ الأنباط بما أخذ به أغلب العرب قبل الإسلام من تقديس هبل والعزى واللات وذي الشرى وشيع القوم ... إلخ. وبعد هذا التاريخ الحافل، الذي تضمنت بترا في الأردن أضغاف ما تضمنته مدائن صالح من آثاره. قضى الرومان على اسقلال الأنباط حوالى عام ١٠٦ بعد الميلاد وسيطروا على عاصمتهم بترا في عهد الإمبراطور الروماني تراجان. وتحولت أرضهم بعد ذلك إلى مجرد ولاية خضعت للنفوذ الروماني واندمجت فيما سمي باسم الولاية العربية Provinca Arabia وإن خصوها بعد ذلك هي والأراضي التي تقع إلى جنوبها باسم منطقة بترا العربية أو المنطقة العربية الصخرية Arabia Petraea، وبعد أن كان الأنباط يؤرخون نصوصهم في عهود

стр. 143

استقلالهم بأسماء ملوكهم وسنوات حكمهم، أصبحوا يؤرخونها ببداية تبعية دولتهم لإمبراطورية الرومان. وعلى أية حال فقد انتشرت النصوص النبطية القصيرة في عهود استقلال أهلها ثم في عهود حكم الرومان لأرضهم أيضًا، في مناطق كثيرة متباعدة دلت على سعة انتشار أصحابها مع مسالك التجارة، فوجدت في أماكن متعددة من شمال شبه الجزيرة العربية ووسطها وجنوبها، وفي جنوب الشام، وفي سيناء، وفي صعيد مصر، بل ووجدت نصوص قليلة في نابولي وروما في إيطاليا، وهذه الأخيرة نصوص ربما تركها أصحابها تذكارًا لزيارتهم لعواصم الإمبراطورية الرومانية أو خلال فترات تجنيدهم في جيوشها. وقد فعلوا نفس الشيء لبعض الوقت في ظل الإمبراطورية البيزنطية الشرقية التي ورثت الرومان في حكم الشرق. وظل كيان الأنباط واضحًا حتى القرن الرابع الميلادي ثم اندمجوا بعد ذلك فيمن خالطوهم من السكان في المناطق العربية وغير العربية. من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: Abdel- Aziz Saleh. Some Monuments of North- Western Arabia in Ancient Egyptian Style, Bull, of the Faculty of Arts Caro Univ., ٢٨, ١٩٧٠,١-٣١ Albright, W.F., Dedan, ١٩٥٣ Branden, A. van den. Les Inscriotions Thamoudeennes. ١٩٥٠ Histoire de Thamoud, Essai de solution de Probleme Thamoudeens BR, ١٩٥٨, ٧-١٢ Cantineau, j., Le Nabatenn, Paris ١٩٣١ f Cakel.W., Lihyan und Lihyanisch, ١٩٥٣ Hammond Ph. C., The Nabataeans., ١٩٧٣ Kennedy, A.B. Petra, its History and Monuments, London ١٩٢٥ Krammer, A., Perta et la Nabatene, Paris ١٩٢٩ Jaussen et Savignac, Mission Archeologique en Arabie, ٤ vols, Paris, ١٩٠٤-١٩٢٠ Philby, The Land of Midian, ١٩٥٥ Riddle, J. M.,Politcal History of the Nabatans.., ١٩٦١ Starcky, J., The Nabataens, ١٩٥٥ Winnett. F.V., A Study of the Lihyanite and Thamudic Inscriptions. Toronto, ١٩٣٧

стр. 144

الفصل الرابع عشر: من ممالك الأطراف العربية أولًا: مملكة الحيرة نسبت هذه المملكة العربية إلى تنوخ تارة، وإلى لخم تارة ثانية، وسمي ملوكها باسم بنى نصر تارة واسم المناذرة تارة أخرى, وكان لكل تسمية من هذه التسميات ما يبررها في مرحلة ما من مراحل تاريخ دولتها. وكان لقبائل تنوخ دورها في قلب شبه الجزيرة العربية، كما انتشرت بطونها إلى ما بين بادية العراق وبادية الشام منذ القرون الميلادية الأولى. وتعين عليها خلال هذا الانتشار أن تحسب حساب دولة تدمر القوية التي أشرفت على طرق التجارة في الباديتين وحققت لنفسها شهرة كبيرة تجاوزنا عن دراستها هذا حيث هي أقرب إلى الدراسة مع تاريخ بلاد الشام لصلتها الوثيقة بأحداثها وثقافتها الأرامية التي جمعت بينها وبين أصولها العربية. ويبدو أن الأمور لم تسر هيئة دائمًا بين الفريقين، التدمريين والتنوخيين، مما انعكس صداه على ما صورته الروايات العربية من تنافس ومكائد بين ملكة تدمر التي أطلقت عليها تجاوزًا اسم الزباء وبين ملك تنوخ جذيمة الأبرش. وأحاط الغموض بالتفاصيل الفعلية لهذا التنافس لا سيما وأن الروايات العربية قد اختلفت في تصويره وخلعت عليه ثوب الأساطير. ولكن التاريخ قد سجل إلي جانب هذا أن دولة تدمر أتت خاتمتها على أيدي الجيوش الرومانية في عام ٢٧٣م. مما كان من شأنه أن يفسح السبيل أمام التنوخيين ليحاولوا القيام بدور التدمريين وأن بجربوا حظهم مع الدولتين المتسيطرتين على شئون الشرق حينذاك وهما دولة الفرس الساسانيين ودولة الرومان. ودل على الحالة الأولى للتنوخيين. أي حالة انتشارهم في بادية الشام وبادية العراق مصدران. فذكر الجغرافي بطلميوس السكندري في القرن الثاني الميلادي اسم شعيب يشبه اسم التنوخيين وهو Tanuetiare or Thanuitae بين إمارات أو شعوب شمال غرب شبه الجزيرة العربية. كما عثر في قرية أم الجمال

стр. 145

بشرق الأردن على نصب أقيم على قبر رجل يدعى فهر بن سلى تلقب بلقب مربي جذيمة ملك تنوخ. وكان الملك جذيمة هذا الذي أشار النص إليه من أوائل ملوك تنوخ الذين احتفظ المؤرخون المسلمون بذكراهم، وجعلوا من قبله على رئاسة تنوخ مالكًا بن فهم الذي يحتمل أن يكون تلاه عمر بن فهم، أو تلاه جذيمة نفسه. ولقبوا جذيمة بالأبرش والوضاح ونسبوا إليه فتوحات واسعة، ووصفوه جذيمة نفسه. ولقبوا جذيمة بالأبرش والوضاح ونسبوا إليه فتوحات واسعة، ووصفوه بأنه كان ثاقب الرأي، بعيد المغار، شديد النكاية، ظاهر الحزم، وأول من غزا بالجيوش، فشن الغارات على قبائل العزب. ولو أن بعض الأوصاف قد خلعت أيضًا على غيره من كبار الملوك، أي أنه ليس من ضرورة إلى التسليم بحرفيتها. ثم جعلوا نهايته في مكيدة دبرتها له ملكة تدمر واحتفظ الأدب العربي بذكراها. وإذا صح ما رواه بعض المورخين المسلمين من أن ملك جذيمة قد امتد فيما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمر والقطقطانة وخفية وما والاها، لدل ذلك على أن قومه قد بدأوا محاولتهم مع الفرس في عهده أو من قبيل عهده ليسمحوا لهم بأن يقيموا على أطراف العراق. وأضاف المؤرخون المسلمون ما يعني أن هذه الإقامة لم تتم بسهولة حيث ضاق الفرس بكثرة من أتت تنوخ بهم من العرب، فضيقوا عليهم حتى كره بعضهم الإقامة، ومنهم قضاعة، فنزحوا، وبقي بعض آخر عملوا على أن يثبتوا أقدامهم فيما نزلوا عليه، وكان منهم لخم وترأسهم حينذاك ملوك بني نصر الذين جعل المؤرخون أولهم عمرا بن عدي، واعتبروه من أقرباء جذيمة وقد يكون بن أخته. ومع هذه الرغبة في الاستقرار أخذ عمران الأنبار والحيرة في الاتساع، وكانت كل منهما مدينة حدودية دل اسمها على ما أنشلت في الأصل من أجله فنشأت الأنبار بمعنى المستودع كمركز حدودي لإمداد الحاميات العسكرية بالمؤن، منذ القرن الميلادي الأول، ثم اتسعت ودعمت أسوارها. وقامت الحيرة بدور مشابه ففسر اسمها الآرامي حيرته بنفس ما فسر به اسمها العربي الحيرة بمعاني المخيم والمعسكر والحصن وموضع الإقامة ... إلخ ويبدو أنها كانت أقدم عهدًا من الأنبار، كما قدر لها أن تصبح أكثر شهرة منها. وصور انطلاقة هؤلاء القوم في مرحلتهم الثانية لكي يتزعموا من حولهم من العرب والأعراب ولكي يشغلوا في باديتي العراق والشام ما كانت تشغله من قبل دولة تدمر، ويستفيدوا من كل من الفرس والرومان ثم الروم، نص لملكهم

стр. 146

امرئ القيس بن عمرو المتوفى في عام ٣٢٨م، وجد منقوشًا بالخط الأنباطي المتطور على نصب أقين فوق قبره في منطقة النمارة إلى الجنوب الشرقي من دمشق، وقيل فيبه عن صاحبه: إنه كان ملكًا على العرب كلهم وأنه أحرز التاج وحكم الأسديين والنزاريين والمعديين، وشتت قبائل مذحج، وحاصر نجران مدينة شمر، وولى أولاده على القبائل واستعان بهم الفرس والروم أو جعلهم فرسانًا للروم. وقد أسلفنا في الفصل العاشر. أن امرأ القيس هذا قد عاصر أواخر أيام ملك عربى جنوبي لا يقل عنه اقتدارًا وطموحًا وهو شمر يهرعش الثالث ملك سبأ وذوريدان، وكانت جيوش شمر قد انطلقت من نجران إحدى قواعده العسكرية فتحالفت مع قبائل مذحج في منطقة الأفلاج في وسط شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع في المنطقة الشرقية على الخليج العربي وأطراف العراق. وعندما ظهرت قوة امرئ القيس شن هجومه المضاد فشتت قبائل مذحج حلفاء شمر يهرعش وحاصر نجران التابعة له. ولعله وجد العون أو وجد الخضوع من قبائل عربية متفرقة مما سمح له بأن يدعى في نصه حكم قبائل أسد ونزار معد. وشيئًا فشيئًا اكتفى اللخميون بالولاء للفرس دون الرومان، وتقبل الفرس استقرارهم في الحيرة وفي الأنبار وما حولهما ليعدلوا الكفة في مقابل ملوك الطوائف في العراق، ويقوموا بدور الدولة الحاجزة لحماية الحدود وقوافل التجارة من شغب أبناء عمومتهم من بدو الصحاري. ونجح ملوك الحيرة في القيام بدورهم، وثبت أقدامهم ما يروى من أن يزدجرد ملك فارس قد ائتمن النعمان الأول ملك الحيرة ٣٨٨ - ٤١٨م على تربية ولده بهرام جور في ظاهر الحيرة، فرباه مع ولده المنذر، وقيل: إنه أدبه بآداب العرب، وكانت فرصة ذهبية لتقارب البيتين الحاكمين. وازدادت من جرائها سلطة النعمان وزاد جيشه واتسع ثراؤه ونسب إليه إنشاء قصر الخورنق. وزاد في الوقت نفسه ولاؤه للفرس وشن الغارات باسمهم على حدود أملاك الروم في بلاد الشام. وإن روى بعض المؤرخين أنه زهد في نهاية حياته وتنسك وترك لولده المنذر ملكًا مكينًا. وعندما توفي يزدجرد في عام ٤٢١م أراد عظماء الفرس أن يقصوا أولاده عن عرشه، فاستغل المنذر الفرصة وانتصر لبهرام جور وعاونه بفرقته العربية الضارية دوسر أو بفرقتين، على بلوغ عرشه، وحمد بهرام جور له هذه المبادرة وردها إليه مضاعفة وخلع عليه لقبين تشريفيين لابد أنهما اعتبرا مكرمة منه تزيد من سمعة المنذر بين الفرس والعرب وهما: رام أفزود يزدجرد بمعنى الذي أزاد سرور يزدجرد، ومهشت بمعنى أعظم الخول.

стр. 147

وأظهر عرب الحيرة كفايتهم في قتال جيوش الروم وحلفائهم، وحدهم تارة وفي صفوف الفرس تارة أخرى. وكان أشد ملوكهم ضرابًا ونجاحًا المنذر الثالث ٥١٢ - ٥٥٤م الذي نسبه المؤرخون المسلمون إلى أمه ولقبوه بلقب ابن ماء السماء، ورأى بعض الباحثين أن اسم ماء السماء هذا محرف عن اسم ماوية أو مارية، كما أطلقوا عليه لقب ذي القرنين ربما لأنه كان يرسل ضفيرتين على جانبي رأسه، أو لرغبتهم في تشبيهه بذي القرنين نظرًا لاتساع فتوحه مثله. وتتابعت حروب المنذر على فترات منقطعة منذ عام ٥١٩ حتى عام ٥٥٤م، أي خلال ٣٥ عامًا، ونستطيع أن نتجاوز عن تفاصيلها لنذكر ما يروى من أنه استطاع في أوائلها أن يكتسح بادية الشام من حدود العراق إلى أنطاكية، الأمر الذي جعل قيصر الروم يوفد إليه رسله من القساوسة ليفاوضوه في إطلاق بعض من أسرهم من قادته الكبار أو يقنعوه بقبول الهدنة أو يغروه بالانقلاب على الفرس والانضمام إلى صفوفهم. واتصلت أسباب المودة بين المنذر وبين ذي نواس الحميري كما أسلفنا في الفصل العاشر، وابتغى هذا الأخير أن يحالفه، ولكن تصادف أن وصلت رسالته في حضور قساوسة الروم عند المنذر ففسروها بأنها تحريض منه ضد نصارى الحيرة، وألبوا العالم المسيحي عليه. وعندما احتفل أبرهة الحبشى بانتهاء العمل في إصلاح سد مأرب أوفد المنذر إليه مندوبًا عنه لحضور حفله في عام ٥٤٣م. وهكذا خرج عرب الحيرة بشهرتهم عن نطاق الإقليمية والتبعية. والواقع أنه لم يفسد على دولة الحيرة أمرها في عهد المنذر الثالث إلا عداؤها لفريقين من العرب وهم الغساسنة وبنو كندة. فقد كان كل منهم أدرى بحرب الآخر، وكل منهم يعرف عن أسرار الصحراء ودروبها ما يعرفه الآخر. وكان على رأس بني غسان فيما يعاصر عهد المنذر، الحارث بن جبلة، ولم يكن أقل جرأة واقتدارًا منه، فاتصلت الحروب بينهما للأسف أكثر مما اتصلت بين الروم وبين الفرس، وعقد الروم والفرس أكثر من هدنة وصلح، ولكن المنذر والحارث لم يعترفا بهدنة أو صلح، وكما غزا المنذر أرض الشام غزا الحارث أرض الجزيرة في العراق، وهكذا أعمت المطامع بصيرة هذين الزعيمين. وانتهى الأمر بقتل المنذر حوالي عام ٥٥٤م في موقعة حليمة أو موقعة الحيار قرب قنسرين كما سيرد تفصيله بعد قليل. أما قبائل كندة فقد غدوا حينذاك قوة يخشى بأسها في قلب شبه الجزيرة العربية كما سنتناول ذلك بعد صفحات، فاستغل الفرس طموحهم لإضغاف شوكة ملك الحيرة بعد أن ارتفع شأنه، وتوقعوا أن يؤدي به طموحه إلى الإضرار

стр. 148

بمصالح دولتهم أو الخروج عن طاعتها، فتركوه يستنفذ قواه ضد الحارث بن عمرو ملك كندة ثم عزلوه، وولى قباذ ملك فارس الحارث الكندي على الحيرة في حوالي عام ٥٢٤م-ولجأ المنذر إلى بعض القبائل العربية التي بقيت على الولاء له وخرجت عن نفوذ كندة. ثم استرجع حكم دولته بعد أربع سنوات، وظل العداء قائمًا بينه وبين كندة بعد فشل الحركة المزدكية. وتعاقب على حكم الحيرة عدة ملوك اشتهر منهم عمرو بن هند ٥٥٤ - ٥٧٤م الذي ألمح الأعشى في شعره إلى أن نفوذه امتد ما بين عمان وبين ملج في أرض اليمامة من بلاد بنى جعدة. وكان قد استغل ضعف كندة فوسع نفوذه على حسابها وتحاربت قواته مع تميم وطيء وتغلب وغيرها. واشتهر كذلك النعمان بن المنذر ٥٨٣ - ٦٠٥م الملقب بلقب أبي قابوس، واشتهر أمره عند المؤرخين العرب بأقاصيص كثيرة ووصفوه بفصاحة اللسان على الرغم من دمامة خلقته، وكان بلاطه مجمعًا للشعراء فمدحه المقربون إليه منهم وأهمم النابغة الذبياني وهجاه المبعدون عنه. وحاول أن يمد نفوذه من البحرين شرقًا إلى جبل طيء غربًا. غير أن الحروب التي شنها لم يكتب له التوفيق في أغلبها سواء ضد الغساسنة، أم ضد القبائل العربية الأخرى. فذكرت الروايات أن جيوشه انهزمت أمام بني يريوع مرة، وأمام بني عامر مرة، وأمام تغلب مرة أخرى. وكذلك كان حظه سيئًا مع كسرى ملك الفرس بعد أن أوقع خصومه بينه وبينه، فتمكن كسرى منه وسجنه، وتغرق أنصاره عنه، ومات في سجنه. كان النعمان الثاني هو آخر الملوك العظام في الحيرة، وقد اختلف أولاده على الحكم بعد موته، واستغل كسرى ملك الفرس اختلافهم فولى على الحيرة ملكًا من غير أسرتهم وهو إياس بن قبيصة الطائي وكان من كبار عرب العراق الذين أقطعهم الفرس إقطاعيات واسعة، ووثق به كسرى كما وثق به النعمان نفسه وجعله نائبه، فلما ولي الحيرة في عام ٦٠٥م عاون جيوش الفرس ضد جيوش الروم ليثبت أنه ليس أقل كفاية من المناذرة في نصرتهم، ولكن التوفيق جانبه في علاقاته بأهل الحيرة وجيرانها بحيث قيل: إنه أمضى أغلب عهده القصير الذي لم يزد عن تسع سنوات حتى ٦١٤م خارجها، وتجرأت القبائل العربية على حدود العراق في عهده سواء بتحريض أنصار المناذرة أو لاضطراب الأمور في فارس نفسها. وحدث أن نشبت حينذاك موقعة خالدة بيبن عرب شبه الجزيرة العربية وبين أعوان الفرس، وكان إياس هو مندوب كسرى في قيادة أعوانه من الفرس والعرب الخاضعين له، فانهزم هو وجنوده، وكانت هزيمتهم بمثابة ضربة لسمعة

стр. 149

فارس نفسها، ولعلها كانت من الآيات المبشرة للعرب بأن الاستبسال يمكن أن يعوض قلة العدد في مقاومة إحدى الدولتين الكبيرتين اللتين حكمتا الشرقين الأدنى والأوسط في ذلك الحين وهي دولة الفرس. اشتهرت واقعة هذه الحرب باسم واقعة ذي قار، وقص المؤرخون المسلمون من أخبارها أن النعمان الثاني حينما تخوف من غدر كسرى به ترك بعض ودائعه من الأموال والأسلحة عند هانئ بن مسعود الشيباني، أو هو هانئ بن قبيصه بن مسعود في رواية الطبري، أحد رجالات ربيعة وبكر بن وائل، فلما مات النعمان في سجن الفرس كلف كسرى إياسًا بن قبيصة عامله على الحيرة بأن يستردها من هانئ فرفض هذا الأخير أن يفرط فيما اؤتمن عليه. فأمر كسرى بإعداد جيش من الولايات الفارسية والعربية الحدودية وأمر عليه إياسًا بن قبيصة كما ذكرنا. وتلاقى هذا الجيش مع قبائل بكر وحلفائها في منطقة ذي قار على مبعدة قليلة من الحيرة. واستظهر الفرس وأعوانهم على العرب في يومهم الأول نظرًا لكثرة أعدادهم وما استعانوا به من الفيلة، ولتهيب بعض العرب منهم، ولكنهم ما لبثوا حتى جزعوا من شدة الهجير واحتمال تعرضهم للعطش فتقهقروا وكانت بداية النصر للعرب فتبعوهم وشاركت النساء الرجال في شحذ العزائم، بل وصحت ضمائر بعض القبائل العربية المظاهرة للفرس فاستعدت للتخلي عنهم حين يجد الجد، وفي بطحاء ذي قار توالت أيام قليلة وجليلة تحطمت فيها عزائم جيوش الفرس وأتباعهم من شدة هجمات العرب وشدة العطش حتى هزموا هزيمة منكرة في عام تفاوتت آراء المؤرخين في تحديده بين ٦٠٩م و ٦١١م. وعن هذه الموقعة قال الرسول ﷺ : "هذا أول يوم انتصفت العرب فيه من العجم وبي نصروا". وليس ما يعرف عن مصير إياس بن قبيصة بعد هذه الموقعة إن كان قد استمر على حكم الحيرة لفترة بعدها أم عزله كسرى بعد أن خاب أمله في إخلاص العرب لحكمه. وعلى أية حال فقد حكمت الحيرة١٧ عامًا أو نحوها ٦١٤ - ٦٣١م بحكم فارسي مباشر. ووليها فارسي يدعى آزادبة عجز عن أن يبسط نفوذه على ما في خارجها، كما نافسه في عامه الأخير شاب من نسل المناذرة يدعى المنذر ويلقب بالمغرور، ثم أتت نهايتهما معًا بالفتح الإسلامي في عام ٦٣٢م أو ٦٣٣م. تلك كانت الخطوط العامة للاتجاهات السياسية والحربية لدولة الحيرة. أما حياتها الاجتماعية، فأهم ما يذكر لها أنها جمعت بين تقاليد العرب وبين رفاهة الفرس، فتتوج ملوكها بالتيجان على عادة الأكاسرة، وأمروا بالحجاب بينهم وبين الناس مثلهم، واتحذوا الروادف أشبه الوزراء أو النواب، وفتحوا بلاطهم للأدباء

стр. 150

والشعراء. أما عاصمتهم فاتسعت هي وما حولها لطوائف شتى، من اللخميين أهل الطبقة العليا، والأحلاف الذين لحقوا بهم، والعباد من النصارى، وجماعات من أهل العراق الأصليين، وجاليات وموظفين كبار من الفرس، فضلًا على أعراب الضاحية أصحاب المظال ومضارب الشعر والوبر والأخبية الذين لم يسكنوا بيوت المدر في الحيرة وانتشروا حولها. وتعددت الحرف بتعدد هذه الطوائف بين الزراعة والرعي والتجارة والصناعة ومنها صناعات النسيج المتنوعة، وكان أفخرها يطرز بالقصب وسلوك الذهب، وصناعات الحلي والأسلحة وما عداها. وتعددت المذاهب الدينية بين الوثنية والمجوسية والزرادشتية الفارسية واليهودية والمسيحية. ووجدت المسيحية مجالًا رحبًا بين هذه الديانات وأخذت بالمذهب النسطوري أكثر من المذهب اليعقوبي، وأقيمت من أجلها أديرة عدة، وعرف أتباعها باسم العباد أو العباديين ربما نسبة إلى لفظ عبد الذي يربط بين الإنسان وبين ربه أو نسبة إلى كلمة عابد. وكان لموقع الحيرة واتصالاتها التجارية والظروف التي أدت إلى احتكاك أهلها بغيرهم من الإمارات والجماعات سلمًا وحربًا، أثر في انتفاعها بالثقافات العراقية والآرامية السريانية والفارسية والبيزنطية فضلًا على العربية، وكان فيها كتبه كثيرون يكتبون بالخط الشرقي، وكتاتيب تعلم الصبية ويلحق بعضها بالأديرة. ونسب المؤرخون المسلمون إلى ملوك الحيرة كثيرًا من القصور، فنسبوا إلى أحد النعمانين النعمان الأول أو الثاني بناء قصر الخورنق بظاهر الحيرة كما تقدم، بينما رد بعض الباحثين المحدثين تشييده إلى عصر أقدم من عصر استقرار اللخميين في الحيرة، ثم زاد عليه ملوكهم، وقيل: إن بعض أجزائه وقبابه ظلت قائمة لفترة طويلة في العصور الإسلامية بعد أن جددت أكثر من مرة, ونسبوا إليهم قصر السدير ويمثل بقبابه الثلاثة المتجاورة نموذجًا لفن البناء الحيري، ويتألف مجلسه الرئيسي من إيوان يحف به كمان أو قاعتان، ونسبوا إليهم قصورًا كثيرة أخرى تتفق مع ما علموه عن ثرائهم وتحضرهم، ولم يتركوا قصرًا منها دون قصة أو أسطورة دارت حوله وميزته عن غيره. ونسبوا إلى أحد النعمانين قصة سنمار البناء وجزائه المشلوم، وقصة يوم السعد ويوم البؤس، وتحدثوا عن مقتل عبيد بن الأبرص في يوم البؤس، ونجاة حنظلة الطائي في اليوم نفسه، وما إلى ذلك مما زخرت به كتب الأدب العربي وعبرت فيه بالشعر والنثر عن كثير من النواحي الطيبة والنواحي السيئة في الحياة العربية قبل الإسلام. ورووا أن

стр. 151

النعمان الأول تنسك وساح في الأرض. وأن المنذر بن ماء السماء تنصر، وأن النعمان الثاني ولد من أم ذات أصل يهودي. وعلى الجملة ظلت أيام ملوك الحيرة مجالًا خصبًا لرواة العرب يمزجون فيها بين الواقع وبين الخيال، نظرًا لما تواتر إليهم عن ثرائهم ورفاهيتهم وقوة جيوشهم وقوافلهم، واتصالاتهم بالدولتين الكبيرتين دولة الفرس بالتبعية ودولة الروم بالعداء، وهي صفات لم يكن ينافسهم فيها من ملوك العرب الشماليين أكثر من ملوك بني غسان.

стр. 152

ثانيًا: دولة الغساسنة قام الغساسنة على أطراف جنوب الشام وما يمتد حتى منطقة الجولان جنوبي دمشق، بمثل الدور الذي قام به اللخميون المناذرة على أطراف العراق. أي: بتكوين دولة حاجزة ووسيطة على أطراف بادية الشام تدين بالولاء لدولة الروم البيزنطية وتنتفع منها وتعمل باسمها، وكانوا أحدث عهدًا من المناذرة بنحو قرنين من الزمان. كما كان أتباعهم أقل استقرارًا في حواضرهم من أهل الحيرة. وربما كانوا أقل ثراء وبذخًا أيضًا من المناذرة، وأخذ المسيحيون منهم بالمذهب المونوفيستي اليعقوبي دون المذهب النسطوري الذي أخذ به أغلب مسيحيي الحيرة. أطلق المؤرخون المسلمون على القبائل التي انتسب الملوك الغساسنة إليها اسم آل جفنة وآل ثعلبة فضلًا عن آل غسان. وذكروا أن غسان كان اسم ماء نزلوا عليه فسموا باسمه. وأضافوا أنهم نزلوا في جنوب الشام بجوار قبائل عربية قوية تدعى قبائل الضجاعمة، وهي من قضاعة، استخدمها الروم البيزنطيون في حماية حدود أملاكهم الصحراوية، فخضع الغساسنة لها حينًا وتألبوا عليها حينًا حتى أجلوها عن مواضعها فتفرقت وورثوها في أرضها وفي شهرتها، وحينذاك أقرهم الروم على مكانتهم التي حصلوا عليها بسيوفهم، ليعملوا باسمهم على مناطق الحواف وفي قوافل التجارة. وكانوا يخصصون لهم بعض موارد الشام المالية ليستعينوا بها في تقوية إمارتهم ونفقات جيشهم. وذكر المؤرخون عددًا كبيرًا من الحكام الغساسنة تراوح بين الأحد عشر وبين الاثنين والثلاثين، وخلعوا عليهم ألقاب الملوك. ولكن يذهب الترجيح إلى أن عددًا من حكامهم الأوائل لم يكونوا أكثر من مشايخ قبائل كيسار خلع البيزنطيون عليهم لقب Phylarchos بمعنى وال، ولقب Patrieius بمعنى أب أو بطريق

стр. 153

وهكذا كان شأن أواخرهم الذين لم يزد أمرهم عن كونهم امراء أو شيوخًا وإن أطلق عليهم الرواة ألقاب الملوك. ولم يتضح شأن الحكام الغساسنة في المحيط السياسي قبل أوائل القرن السادس الميلادي، وكان أشهر من احتفظت الروايات البيزنطية والعربية بأعماله منهم الحارث الثاني ابن جبلة، وولده المنذر. طال حكم الحارث الثاني بن جبلة واحدًا وأربعين عامًا ٥٢٨ - ٥٦٩م. عاصر فيها الإمبراطور يوستينيانوس، أو جستنيان، في بيزنطة، والمنذر الثالث ملك الحيرة، وكان كفئًا لهذا الأخير طموحًا مثله بدأ حروبه معه منذ العام الأول من حكمه ٥٢٨م، ليس فقط كممثلين للدولتين الكبيرتين المتنافستين دولة الروم ودولة الفرس. ولكن للتنافس بينهما كذلك على السيطرة على المناطق التي أطلقت المصادر البيزنطية عليها اسم Strata وتمتد فيما يرى نولدكه على جانبي الطريق الحربي من دمشق حتى سرجيوس إلى الشمال من تدمر. وتعاقبت الانتصارات والهزائم بين الجانبين وكانت ضاربة عنيفة كما أسلفنا في الحديث عن تاريخ المناذرة، وبحيث قيل: إن المنذر أسر ولدًا للحارث في عام ٥٤٤م وذبحه قربانًا للعزى، وأسر الحارث ولدين للمنذر في موقعة أخرى في العام نفسه، واستمر الحال هكذا حتى قتل المنذر قرب قنسرين عام ٥٥٤م، وقتل في نفس الموقعة ولد آخر للحارث، ومع ما كان في هذا التنافس من دمار مؤسف للقوتين العربيتين، ازداد سلطان الحارث مؤقتًا في أرضه وامتد نفوذه من جنوب الأردن حتى الرصافة في شمال بادية الشام، واشتهرت من مدن دولته البلقاء والصفا وحران. ولقب نفسه بلقب ملك وقيل: إنه تتوج بتاج عوضًا عن الإكليل الذي سمح الروم به لأسلافه، حتى لا تكون لخصومه المناذرة ميزة عليه، وربما أقره الإمبراطور البيزنطي على لقبه وتاجه حين زاره في القسطنطينية عام ٥٦٣م ليستأذنه في تعيين خليفته المنذر، ونعلق هذا على الاحتمال لاختلاف المؤرخين بشأنه. على أن الواقع أن العلاقات بين الروم وبين الحارث الغساني لم تكن خالية من الشوائب دائمًا، فهو وإن أخذ وقومه بالمسيحية مثلهم إلا أنه كان يأخذ بالمذهب المونوفيستي اليعقوبي ويناصره كما أسلفنا دون المذهب الذي يناصره الروم، وكان في هذا ما أثار حفيظة بعض قساوسة الروم ضده وشكهم في ولائه لهم. وقد اتهموه بالخيانة خلال اشتراكه مع جيش بليزاريوس في حرب الفرس في عام ٥٤١م حين تراجع عن صفوف الحملة بعد أن عبر معها نهر دجلة، إما عن أنفة من التبعية له في الجيش أو نتيجة لخصومة شخصية بين القائدين. وأعقب الحارث ولده المنذر ٥٦٩ - ٥٨١م الذي لا ندري كيف سماه باسم

стр. 154

خصمه فتوالت حروبه مع النعمان ملك الحيرة وتعاقبت الانتصارات والهزائم بينهما كما حدث في عهد أبويهما. فانتصر على الخميين في موقعة عين أباغ قرب الفرات في عام ٥٧٠م. ولكنه لم يستمتع بنصره طويلًا حيث غدر به الإمبراطور بوستينوس جوستين الثاني، ولم يكن يطمئن إليه فحرض عليه والي سوريا البيزنطي ليعمل على قتله، ولم يكن هذا الوالي أقل حقدًا منه عليه، ولكن المنذر استطاع النزوح بجزء من جيشه إلى البادية ورد للروم الصاع صاعين فأقلق حدودهم بإغاراته السريعة. وتشجع المناذرة بغيابه عن الميدان فأغاروا على سوريا، الأمر الذي جعل الروم يتسامحون مع المنذر في أواخر عهد يوستينيوس الثاني. وعندما ولي الإمبراطور تيبيريوس الثاني ٥٧٨م٥٨٢م وزاره المنذر الغساني في عاصمته أقره الإمبراطور على لقب الملك وسمح له بالتتوج مثل أبيه في عام ٥٨٠م. وظل سوء الظن قائمًا بين الطرفين يطل برأسه من حين إلى آخر. فحدث أن اشترك المنذر مع وإلى سوريا في حملة فاشلة على العراق فرد الروم فشلها إليه، ولكي يثبت براءته مما نسب إليه أغار مع أعوانه العرب وحدهم على الحيرة وألهب فيها الحريق. وإذا كان المنذر قد فعل هذا ليرضي سادته على حساب بني عمومته، فقد اعتبروا نجاحه في هذه الغارة تحديًا لهم ولفشلهم، ونجح أعوان الإمبراطور في هذه المرة في القبض على المنذر ونفيه إلى صقلية، وقطع المعونة التي كانت بيزنطة تقدمها إلى دولته. وحاول أولاد المنذر الغساني أن يثأروا له فشبت المنازعات بينهم وبين البيزانطيين. وكان على رأسهم أخوهم الأكبر النعمان، الذي سماه أبوه باسم خصمه أيضًا، ولكن محاولاتهم لم تجد وتشتت شمل أسرتهم الحاكمة منذ عام ٥٨٣ أو ٥٨٤م ففقدت ملكها الواسع وهبط زعماؤها الكبار إلى مرتبة الإمارة وترأسوا مناطق متفرقة من ملكهم القديم - وقيل: إن بعضهم مال إلى جانب الفرس نكاية في الروم. وأضعف من آمال الغساسنة في استرجاع مجدهم استيلاء جيوش الفرس على بلاد الشام في عام ٦١٣م. ولم يكن من المنتظر أن يطمئنوا إليهم بعد عدائهم القديم ولحلفائهم. ثم سنحت الفرصة للغساسنة من جديد بعد نجاح جيوش هرقل قيصر الروم في إجلاء جيوش الفرس عن الشام في عام ٦٢٩م. ويبدو أن ساسة الروم أدركوا أن لا أمان للأطراف الصحراوية وقوافل التجارة البرية إلا إذا عادت الزعامة إلى أهلها من الغساسنة، ومن هنا ظهرت أسماء أمراء جدد عاصروا ظهور الإسلام ومنهم الحارث بن أبي شمر الغساني أمير مؤتة الذي أرسل

стр. 155

الرسول ﵇ إليه مع شجاع بن وهب في العام السادس للهجرة بكتاب يقول فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر. سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق. وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له. يبقى لك ملكك". وأبى الحارث الإسلام، فسير الرسول ﵇ حملة ضده بقيادة زيد بن حارثة الكلبي. ثم جبلة بن الأيهم آخر الأمراء الكبار من الغساسنة، وقد عاصر الفتح الإسلامي للشام. وقيل: إنه أسلم في عهد عمر بن الخطاب ثم ارتد عن الإسلام لأسباب اختلفت روايات المؤرخين بشأنها. تنقل الغساسنة في أيام ازدهار دولتهم بين أكثر من عاصمة، وذكر المؤرخون المسلمون من عواصمهم جلق التي قد تكون جلين الحالية أو الكسوة على بعد عشرة أميال جنوبي دمشق، والجابية في منطقة الجولان ولازالت البوابة الغربية لدمشق القديمة تسمى باسمها. وبعد أن تحضرت جماعات بني غسان في بلاد الشام، أولت اهتمامها لمشروعات الري والزراعة واستفادت منها لاسيما في إقليم حوران، بحيث ذكر لها نحو ثلاثين قرية. غير أن أمور الحرب وحماية القوافل وتجارة الوساطة ظلت هي الغالبة على أوجه نشاطها. واشتهرت من مدن التجارة الخارجية ومراكز القوافل في أيامهم مدينة بصرى عاصمة إقليم حوران، وقيل: إن الرسول ﵇ قصدها للتجارة مرتين في شبابه وقابل فيها بحيرا الراهب. وكانت من مراكز الحضارات الهيلينستية والرومانية القديمة. ثم مدينة الرصافة شمال تدمر. وقد جدد الغساسنة كنائسها وأديرتها واشتهرت بقديسها المسيحي مارسرجيوس الذي خلع اسمه عليها فسميت Sargio- Plors وكان نصارى الشام يتيمنون به وبصورته ويعمدون أبناءهم في كنيسته. ولازالت أطلال بوابات الرصافة القديمة وصهاريج مياهها قائمة. على الرغم من تخريب جيوش الحيرة لها أكثر من مرة، وفعل توالي الأزمان عليها. وانتفعت حضارة الغساسنة بالحضارات الشامية المحلية والبيزنطية والساسانية فضلًا على ميولها العربية. وكان شأنها في ذلك شأن الحضارة الأموية فيما بعد حينما استكملت عناصرها المتعددة في دمشق وما حولها. وترتب على ذلك أن نسب المؤرخون المسلمون آثار كل من الغساسنة والأمويين إلى الآخر. ومن أشهر هذه الآثار قصران: القصر الأبيض بجوار منطقة النمارة. وقصر

стр. 156

المشتى وكان يقوم في الناحية الشرقية من نهر الأردن حتى نقلت أحجاره إلى متحف برلين وأعيد تركيبها فيه في أوائل القرن الحالي. ويذهب بعض المستشرقين إلى إرجاع المراحل الأولى في بناء القصرين إلى ما قبل استقرار الغساسنة في الشام. وأبقى على ذكر الأمراء الغساسنة في التاريخ المسيحي ما أسلفناه من أنهم كانوا من أكبر أنصار مذهب الطبيعة الواحدة، أي: المذهب المونوفيستي أو المذهب اليعقوبي، وكانوا ينيبون عنهم قساوستهم في حضور المجامع الدينية الكبيرة التي حاولت أن توفق بين المذاهب المسيحية المتنافرة. وخلد ذكر أمراء الغساسنة في الأدب العربي، شاعران، النابغة الذبياني الذي قصدهم بعد أن تخاصم مع ملوك الحيرة، فكان من لطيف وصفه لهم قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ثم حسان بن ثابت الذي يرجع نسبه إليهم، وقد نزل بلاطهم قبل الإسلام وحظي بإنعاماتهم، ووصف نعيمهم وترفهم، حتى بعد أن خبا نجمهم، وذكر أن نفوذهم كان لايزال يمتد في أيامه بين حوران وبين خليج العقبة. من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: خالد العسل: الحيرة وعلاقتها بالجزيرة العربية - مجلة العرب - يونيو ١٩٧٣ - ص ٨٥٧ - ٨٧٤، يوليو ١٩٧٣ - ص ٩٢٤ - ٩٣٥. ديسو رنيه: العرب في سوريا قبل الإسلام-ترجمة عبد الحميد الدواخلي-القاهرة ١٩٥٩. صالح العلي: منطقة الحيرة - مجلة كلية الآداب بجامعة بغداد، ١٩٦٢. فيليب حتى: تاريخ العرب - ترجمه بيروت ١٩٦٥. نولدكه تيودور: أمراء غسان من آل جفنة- ترجمة بيروت ١٩٣٣. يوسف رزق الله غنيمة: الحيرة-بغداد ١٩٣٦.

стр. 157

الفصل الخامس عشر: مملكة كندة في نجد وما حولها لقبائل كندة تاريخ قديم قد لا تتأخر نشأته عن نشأة تاريخ تنوخ. وقد امتدت أيامها حتى نافست المناذرة والغساسنة في عنفوان مجدهم. ولكن أحاط الغموض بتاريخ كندة أكثر مما أحاط بتاريخ هؤلاء وهؤلاء. ويرجع هذا الغموض إلى عدة أسباب، أهمها أنه لم تكتشف لجماعات كندة آثار قائمة مهمة أو نصوص وفيرة، وأن وجودهم في أغلب عهودهم في قلب البادية أقصاهم إلى حد ما عن معرفة المؤرخين الكلاسيكيين والبيزنطيين فيما خلا إشارات مختصرة ذكرها عنهم كل من بليني وبطلميوس وننوسوس وبروكوبيوس، ومالالاس، وثيوفانيس، ويوشع. وهي في مجملها إشارات تحتمل كثيرًا من الجدل. ثم إن أوائل المؤرخين والأدباء المسلمين الذين كتبوا عن كندة وملوكها تأثروا إلى حد ما بميولهم القبلية، ونقلوا قصصها من مصادر متضاربة فخرجت أخبارهم عنها متباينة مختلطة. واستفادت أغلب روايات المؤرخين والأدباء المسلمين القدامى من مؤلفات هشام بن محمد الكلبي المفقودة الآن للأسف وأخصها كتاب ملوك كندة وكتاب الكلاب الأول، وكتاب الكلاب الثاني ... إلخ. كما استفادت أغلب الدراسات الحديثة عن كندة مما حققه المستشرق جونار أو لندر عن ملوك كندة أو أسرة آكل المرار في مؤلفه المنشور في عام ١٩٢٧. ثم نشرت في الأعوام الأخيرة بضعة نصوص سبأية وحميرية ألقت ضوءًا جديدًا على نشأة كندة وأرجعتها إلى عهود أقدم مما تخيله المؤرخون المسلمون عنها. وسوف نبدأ بما أتت به المصادر الإسلامية القديمة ونستعين بما حققه أو لندر منها. ثم نعقب أخيرًا بما أضافته حديثاً قراءة النصوص الأثرية القديمة إلى المعروف عن تاريخ كندة. رد أغلب المؤرخين المسلمين كندة إلى أصل قحطاني، ورووا أنها أقامت في بداية أمرها في شرقي اليمن وغربي حضرموت، ثم احتدمت المنازعات بينها

стр. 158

وبين الحضارمة إلى أن تركت موطنها ونزحت إلى الشمال. وتعاقب على كندة رؤساء لقبهم المؤرخون المسلمون بألقاب ونسبوهم إلى جد أعلى يدعى ثور. واختلفوا في حقيقة عددهم وفي مدد حكمهم. وبعد أمد ما تحالفت كندة مع الحميرين لتكون لهم مثل اللخميين بالنسبة للفرس. في عهد الملك الحميري أب كرب أسعد الملقب بلقب تبع الأكبر، أو ولده حسان بن تبع. فولي أحدهما كبيرها حجرًا بن عمرو الملقب بآكل المرار على أرض معد فنزل ببطن عاقل بنجد. وأغار ببكر فانتزع ما كان بأيدي اللخميين من أرض بكر. وكان أب كرب أسعد قد بلغ في هذه النواحي وادي مأسل الجمح جنوب شرق الدوادمي. وسجل اسمه على صخرة فيه. وانتشرت كندة في أرض نجد وما في شمالها وتصادمت مع الضجاعمة وحلفائهم الغساسنة على أطراف الشام، كما تصادمت مع المناذرة على أطراف العراق. وولي بعد آكل المرار ولده عمرو بن حجر الذي لقب المقصور ربما لهبوط همته ولأن الظروف قصرت حكمه على جزء من ملك أبيه دون ملكه كله. فاكتفى بمناطق ربيعة ومعد في نجد وتخلى عن اليمامة لأخيه، وعوض هذا القصور بصداقاته وولائه لجيرانه الحميريين واللخميين، ومحاولته الإغارة على أملاك الغساسنة. وخلفه ولده الحارث بن عمرو الكندي في نهاية القرن الخامس الميلادي كما يعتقد أولندر، وكان أشد صلابة منه. وامتد حكمه على قبائل بكر بن وائل التي رغبت في الاحتماء بسلطانه حين نزحت هي وقبائل تغلب من أرض اليمامة نحو الشمال بعد أن مزقتها حرب البسوس، تريدان النزول في البحرين والعراق. وسنحت الفرص لعلو شأن الحارث الكندي نتيجة لأمرين، وهما انتقال صيته إلى فارس بعد أن أغار اتباعه البدو على حدود العراق وحوافه الزراعية وفشلت جيوش الحيرة في إخضاعهم. ثم رغبة الملك الفارسي قباذ في إيجاد منافس قوي أمام المنذر الثالث ملك الحيرة حتى لا تزيد أطماعه بعد انتصاراته الأولية على الغساسنة. وبعد أن وصل إليه رسل قيصر الروم يفاوضونه في فك أسراهم أو يغرونه بالانضمام إلى صفوفهم أو مهادنة أنصارهم، كما سلف القول من قبل، وربما كتغيير يناسب الحركة المزدكية في فارس. وذكر المؤرخون المسلمون أن قباذًا ملك الفرس أقر الحارث الكندى على ما استولى رجاله عليه من أطراف العراق، وأضافوا أنه استقبله بنفسه عند قنطرة

стр. 159

الفيوم قرب هيت في العراق. وبعد أن اطمأن قباذ إليه عزل المنذر الثالث وولى الحارث الكندي على أطراف فحكمها من الحيرة أو من الأنبار، وكان له أولاد كثيرون ولاهم رؤساء على القبائل العربية منذ أن ذاع صيته في البادية وخلال حكمه لمملكة الحيرة بوجه خاص، وأسند إلى أكبرهم حجر رياسة قبائل أسد وكنانة أو بني أسد بن خزيمة وغطفان، وكانت أسد قبيلة كبيرة تركزت في جنوب جبلي طيء على جانبي وادي الرمة وتوزعت بطونها فيما قيل بين المدينة وبين الفرات. فقبلت رياسته على مضض بحيث قيل: إنه لم يكن يقيم فيها وإنما كان يقيم في تهامة ويبعثث رسله ليجمعوا الإتاوة منها. ثم تشجع بما صارت إليه رئاسته فشن هجمات خاطفة على حدود الغساسنة، وتجرأ أخوه معد يكرب بمثل جرأته وكان يلي قيس عيلان فأغار على حدود فلسطين وأوغل فيها حتى أوفد قيصر الروم أناستاسيوس وفدًا إلى أبيه الحارث ليوقف شره. وهكذا زاد شأن الحارث الكندي واستمر على حكم الحيرة وما حولها، ولكن لفترة قليلة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات ٥٢٥م-٥٢٨م ثم مالبثت الآية أن انقلبت عليه حين توفي ملك الفرس الذي ولاه وعضده. وكان المنذر الثالث قد لجأ بعد عزله إلى بعض حلفائه من القبائل واستجمع قواه بينهم ثم عاد ليسترجع ملكه. ووجد التأييد من ملك فارس الجديد كسرى أنو شروان الذي سمح له باستعادة ملك الحيرة، وعزل الكندي ففر وتبعته جيوش المنذر، واختلفت الروايات العربية فيما إذا كان أفلت منها أم قتلته. وأدت هزيمة الحارث أو قتله إلى أن انقلبت القبائل الخاضعة له ضد آله وبنيه بحيث قيل: إن تغلب سلمت ثمانية وأربعين فردًا من أسرته إلى المنذر فأمر بضرب رقابهم جميعًا. ونعاهم امرؤ القيس كثيرًا في شعره. وكان شر البلية أن تناحر أبناء الحارث بعضهم مع بعض حتى ذهبت ريحهم فقيل على سبيل المثال: إن ولدًا للحارث يدعى شرحبيل كان يحكم قبائل بكر بن وائل وما والاها من قبائل المنطقة الشرقية اختلف مع أخر أصغر، له يدعى مسلمة كان يحكم قبائل تغلب والنمر بن قاسط. وزكى المنذر ملك الحيرة الفرقة بين الأخين، فتقاتلا وأضعف كل منهما هيبة الآخر، فتنمر لهما أتباعهما وحلفاؤهما إلى أن قتل الأول فيما يسمى يوم الكلاب وهو ماء بين البصرة والكوفة، وفر الثاني، فكر المنذر ملك الحيرة عليه بجيشه وقتل من اتباعه خلقًا كثيرًا. أما أسد فقد زاد حقدها على ولده حجر، ولما اشتد وعماله عليها تمكنت من قتله والفتك بأهله في ظروف اختلف الرواة في تصويرها. وهكذا تشتت أفراد أسرة آكل المرار وفت في عضدهم أن ضعف شأن

стр. 160

حليفتهم حمير واحتل الأحباش المسيحيون اليمن في عام ٥٢٥م، فلم يبق لهم نصير خارجي لا من الفرس ولا من اليمن ولا من الروم ولا من أنفسهم بعد أن فرقت المطامع صفوفهم. وكان لحجر عدة أبناء أصغرهم هو امرؤ القيس الشاعر وكان ميالًا للهو مع شهرته في الشعر. وكان أبوه فيما ذكرته الروايات العربية قد تبرأ منه في حياته حتى يقلع عن لهوه وشعره ففارقه وظل على سفره ولهوه حتى أتاه نعيه وهو يشرب ويسمر في دمون من أرض حضر موت فقال جملته المأثورة: ضيعني صغيرًا وحلمني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر، واستنصر امرؤ القيس قبائل بكر وتغلب على بني أسد قاتلي أبيه. فاستعصم بنو أسد ببني كنانة ثم تركوهم. وتعقبهم امرؤ القيس بحلفائه والتحم معهم في معركة ضارية ولكنهم هربوا منه بليل. واكتفت بكر وتغلب بما حدث وتفرقت عنه. وأبى امرؤ القيس إلا المضي في الانتقام لأبيه، فمضى يستنصر عرب العراق تارة وعرب اليمن تارة أخرى، ثم قاتل بني أسد مرة أخرى وظفر ببعض بطونهم وقيل: إنه مثل بها تمثيلًا شديدًا، ثم أحل الخمر لنفسه. ولو أن شاعر بني أسد عبيد بن الأبرص نفى في شعره تمكن امرئ القيس من قومه، وأخذ بروايته بعض المؤرخين. وكان رؤساء الحيرة لا يزالون يكنون البغضاء لكندة، فتعقبوا امرؤ القيس وشردوه ..... ، وتشجعت عليه قبائل أسد ومعد، وتفرق عنه أتباعه. ففر بأهله وأسلحته وماله وظل يتنقل بهم والمكائد تلازمه بين بني يربوع، وإياد. وطيء، وفزارة، ثم ارتحل إلى تيماء ويبدو أنها كانت تحت رئاسة قريب له من كندة يدعى قيس، وإن كانت بعض الروايات قد اكتفت من قصته فيها بأنه أودع أهله ودروعه عند السموأل بن عاديا صاحب الحصن الأبلق ورجاه أن يوصي به الحارث بن أبي شمر الغساني، ثم قصد بلاد الشام ونم شعره عن أنه مر فيها بحوران وبعلبك وحمص وحماة ... ومن هناك أوفده الحارث الغساني بتزكية منه إلى قيصر الروم في القسطنطينية، حيث مات فيها مريضًا أو مسمومًا، أو مات أثناء رجوعه منها في فترة ما بين ٥٣٠و٥٤٠م من قبل أن يحقق هدفه، وأضافت الروايات نفسها أن بعض أعدائه أو بعض أنصاره عندما تحققوا من وفاته طالبوا السموأل بودائعه فأبى، فحاصروا حصنه وقتلوا ولده، ولكنها اختلفت فيمن طالب السموأل وحاصره، إن كان الحارث بن أبي شمر الغساني، أو الأبرد ابن عمه، أو الحارث بن ظالم حليف المنذر ملك الحيرة. ونظر بعض المؤرخين المحدثين ومنهم فنكلر ومارجوليوت إلى المشكلة من وجهة نظر أخرى، فقد

стр. 161

لاحظوا أن شاع القصة وأشاد بوفاء السموأل مصدر يهودي يتمثل في دارم بن عقال الذي قيل: إنه كان من نسل السموأل، وسعية بن عريس، وغيرهما من رواة اليهود، ثم الأعشى الشاعر الجاهلي، ورأى فنكلر علامات الشك محتملة فرجح أن تكون قصة السموأل قصة موضوعة استوحاها رواة اليهود هؤلاء من بعض قصص التوراة وأشاعوها تمجيدًا لقومهم، ثم رددها بعض الإخباريين بعدهم وأعجبوا بها لما اصطبغت به من روح الوفاء والإباء المحببة إلى العرب. واعتاد الباحثون في تاريخ كندة أن يقفوا قليلًا عند قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية ومصيره فيها. حيث لم تذكر المصادر البيزنطية شيئًا عن امرئ القيس هذا ولا عن زيارته لعاصمتها من طرف صريح، وإن أشارت في مناسبات أخرى متفرقة إلى أن أعوان القيصر كانوا يقربون بين مشايخ العرب وملوكهم الصغار وبين قيصرهم ويشجعونهم على زيارة بلاطه أو يسعون عنده في أن يسمح لهم بزيارته في عاصمته. ويفهم من بعض هذه المصادر على سبيل المثال أن شيخًا من شيوخ العرب الكبار يسمى امرأ القيس ارتحل من نواحي العراق إلى دومة الجندل واتخذها مركزًا لغزو جنوب فلسطين وساحل البحر الأحمر أو ساحل العقبة واستولى على جزيرة فيه. ثم اتصلت الأسباب بينه وبين الأسقف العربي بطرس فأقنعه بمهادنة الروم والسعي إليهم. وسعى له هو عند القيصر ليو حتى دعاه إلى القسطنطينية حوالي عام ٤٧٣م فزاره وتنصر، وأقره على أرضه ولقبه بلقب فيلارخوس. وليس لامرئ القيس هذا صلة بامرئ القيس الشاعر وهو يسبق عهده بأكثر من نصف قرن. واتصلت الأسباب بين شيخ عربي آخر دعته المصادر البيزنطية أبا كرب وبين القيصر يوستينيانوس (جوستين) وكان أبو كرب يتزعم قبيلته في جنوب فلسطين، وله واحة هناك كثيرة النخيل تقرب بها إلى القيصر فقبلها منه ولقبه هو الآخر بلقب فيلارخوس، وجاور أرضه أعراب من معد كانوا يدينون بالولاء للحميريين، مما يحتمل معه أنهم كانوا من كندة. وأراد أن يستعين بالقيصر ضدهم. وذكرت رواية أخرى أن الإمبراطور يوستنيانوس أرسل رسولًا إلى سميفع إشوع المسيحي عامل الأحباش على اليمن، يدعوه إلى أن يصفح عن رئيس عربي يدعى قيس ويعاونه على رياسة معد ويتعاون معه على غزو أملاك فارس-وكانت هذه السفارة قبل عام ٥٣١م ولم تحقق غرضها - إما للخوف من فارس أو لأن سميفع لم تكن له سيادة فعلية على معد بحيث يولي قيسًا عليها.

стр. 162

وذكر الكاتب البيزنطي نونوسوس ما أسلفناه من قبل من أن القيصر أناستاسيوس أرسل وفدًا برئاسة جده إلى الحارث ملك كندة ومعد بعد أن تعددت إغارات ولده معد يكرب على حدود فلسطين. كما أرسل القيصر يوستينيايوس وفدًا برئاسة أبيه أبراهام ليقابل قيسًا حفيد الحارث، ولعله بن معد يكرب، ليعقد حلفًا معه، فقابله وأخذ منه ولده معاوية إلى القسطنطينية كرهينة على وفاته. ثم كلف القيصر نونوسوس نفسه بأن يدعو قيسًا الكندي إلى القسطنطينية فاصطحبه معه إليها ثم أرجعه إلى بلده بعد أن أقره على ولاية جزء من فلسطين. وليس قيس هذا بطبيعة الحال هو امرؤ القيس الشاعر الذي ذكر المؤرخون وفاته بحسرته قبل أن تتحقق أمنيته بالعودة إلى بلده معززًا مكرمًا. وإن افترض بعض الباحثين احتمال صحبته لقيس هذا وهو من أبناء عمومته في رحلته وعودته معه وإن اهتم الرواة المسلمون بقصته هو وتناسوا ابن عمه. أسلفنا أن ثمة ضوءًا جديدًا ألقته النصوص السبأية الحميرية المكتشفة حديثًا على بداية تاريخ كندة، وأن ما أضافته هو الرجوع بهذا التاريخ إلى أبعد مما ذهب به المؤرخون المسلمون وإلى ما حول ميلاد المسيح ﵇، وأن كندة ارتبطت في نشأتها بالعرب الشماليين أكثر مما ارتبطت بالعرب الجنوبيين على عكس ما رواه أغلب المؤرخين المسلمين، وأن الجنوبيين كانوا ينطقون اسمها كدة بدال مشددة مما قد يعني أن اسمها لم يكن من أسمائهم فحرفوه. ويرجع أقدم هذه النصوص إلى عهد شعر أوتر ملك سبأ وذوريدان في أواخر القرن الميلادي الثاني، وهو ملك عمل أن يجمع شمل المناطق العربية الجنوبية وأن يقضي شبهة النفوذ الحبشي عن ساحل تهامة كما ذكرنا في سياق الفصل العاشر. فتعددت معارك جيوشه في حضرموت وفي ردمان وعلى ساحل تهامة الجنوبي وفي نجران. ومن نجران اتجهت قواته إلى قرية ذات كاهل ولعلها كانت قريبة من الفاو الحالية ونسبت إلى معبودها كاهل، وحاربت ربيعة ذو آل ثور مالك كدة وقحطان وهو ملك قد ينتمي إليه معاوية بن ربيعة ملك قحطان ومذحج الذى ذكره نص من قرية الفاو أيضًا. وكان الرحالة بليني قد ذكر في أوائل القرن الأول الميلادي منطقة آل ثور هذه مع ملاحظة أن المؤرخين المسلمين قد ردوا نسب ملوك كندة إلى ثور فعلًا واعتبروه رجلًا، وقد يكون معبودًا قديمًا عبدوه.

стр. 163

وذكر الجغرافي بطلميوس السكندري اسم العاصمة ماؤوكسموس كعاصمة لكندة في القرن الثاني الميلادي. وبالاستفادة من هذه المصادر مجتمعة وبخريطة بطلميوس الجغرافي السكندري التي أثبتها في كتابه، يذهب الرأي الحديث إلى الاتجاه بديار كندة الأولى إلى ما في شمال نجران في منطقة الأفلاج والعارض وجبل طويق في قلب نجد. وإذا صحت قراءة قحطان التي تضمنها نص شعر أوتر وذكر ارتباطها بكندة وخضوعهما معًا لملك واحد يدعى ربيعة ومن بعده لولده؟ معاوية، فإنها قد تعني منطقة ما من أرض قحطان الواسعة في خولان الشمالية التي تمتد بين شمال شرق جيزان وبين شمال نجران. وبعد جيل أو نحوه في أوائل القرن الثالث الميلادي، روي نص من عهد إيلشرح يخضب وأخيه يأزل بين ملكي سبأ وذوريدان خبر حرب شنتها قوات هذين الملكين ضد مالك ملك كندة وشعب كندة كدة لمؤازرته لامرئ القيس بن عوف ملك خصاصة، وأسرت هذه القوات قادة كندة واحتجزتهم في مأرب حتى سلموا الغلام امرأ القيس لملكي سبأ وذوريدان وتركوا أبناءهم رهائن لديهما، وأدوا الجزية والفدية من الخيول والإبل والمتاجر. وربما قامت خصاصة هذه حليفة كندة قريبة من منازلها في شمال نجران، إلى القرب من بيشة وإلى الجنوب الغربي منها. وبعد قرن تقريبًا وفي أوائل القرن الرابع الميلادي تحدثت نصوص شمريهرعش الثالث ملك سبأ وذوريدان عن كندة ومذحج كأحلاف له ثم كأتباع له. وكانوا في الحالة الأولى لا يزالون في منطقة الأفلاج في قلب نجد، ومثلت كندة القبيلة الرئيسية في مذحج, وتعاونوا جميعًا مع قواته على مهاجمة أرض تنوخ في المنطقة الشرقية على الخليج العربي وما يمتد منها إلى جنوب العراق. ولكن ضربة مضادة وجهت إليه وإليهم في أواخر عهده على يد ملك تنوخ امرئ القيس بن عمرو الذي استشهدنا بملخص نصه العربي المتأثر قليلًا باللغة الآرامية واللهجة النبطية في الفصل الرابع عشر، وبما ذكره فيه من أنه حاصر نجران مدينة شمريهرعش, وشتت -حلفاءه- قبائل مذجح عن أرضها. وهاجرت هذه القبائل حينذاك ومعها كندة إلى دولة حليفها شمريهرعش في الجنوب، وأصبح رجالها من فرق الأعراب في جيوشه. وأقطعهم منطقة أوسان ومضحاي القديمة فأصبحوا سادتها تحت حكمه. واستمر وضع مذحج وكندة هكذا في عهود خلفاء شمريهرعش، فظهر رجالهما بين الأعراب في جيوش ياسر يهنعم الثالث وذرأ أمر أيمن ملكي سبأ

стр. 164

وذوريدان في حوالي عام ٣٣٠م، كما ظهروا بعد نحو قرن من الزمان بين الأعراب في جيوش أب كرب أسعد وولده حسان يهأمن في حملتها على أرض معد في وادي مأسل حمح، وفي بداية القرن الخامس الميلادي. ومر بنا في الفصل العاشر كذلك أن النصوص الحميرية القديمة والروايات العربية معًا قد نسبت إلى أب كرب أسعد وولده حسان في فترة اشتراكهما في الحكم مجهودًا حربيًا في منطقة أحلاف معد، وفي بعض نواحي الحجاز من ناحية، وحتى الربع الخالي في أواسط شبه الجزيرة العربية من ناحية أخرى، وأنه كان من بين قواته الراكبة رجال مذحج وكندة. وبالربط بين هذا العهد وبين ما كان يجري خارج حدود اليمن يتضح أنه كان يعاصر نهضة اللخميين على حدود العراق, ووثيق صلتهم بفارس في عهد النعمان الأول. وهكذا يبدو أنه كان من أهداف حملة أب كرب أسعد التي اصطحب معه فيها كندة ومذحج إعادة كيان إمارة كندة في الشمال تحت طاعة دولة سبأ وذوريدان أو حمير أو في حلفها، لكي ترأس قبائل معد العدنانية سبأ وذوريدان أو حمير أو في حلفها، لكي ترأس قبائل معد العدنانية وتقف في وجه التوسع اللخمي المنتظر من ناحية، وتؤمن الطرق التجارية المتجهة إلى نجد والحجاز وما ورائهما من ناحية أخرى. ومن هنا تلاقت النصوص السبأية القديمة مع الروايات العربية التي روت أن تبعًا أب كرب أسعد وهو في طريقه إلى أرض العراق نزل بأرض معد فجعل حجرًا بن عمرو الكندي ملكًا هناك. وإذا كانت قد خلطت بين أب كرب وبين ابنه حسان في هذا الأمر فذلك يرجع إلى اشتراكهما في الحكم معًا لفترة طويلة. وقامت كندة بدورها حتى الربع الأول من القرن السادس م، وفيه احتدم التنافس بين القوى الثلاث الكبيرة في شبه الجزيرة العربية وعلى أطرافها، وكل منها نجد خلفها من يؤيدها، نعني بذلك مملكة الحيرة في عهد المنذر الثالث ٥١٢ - ٥٥٤م وتؤيدها دولة الفرس، ومملكة الغساسنة في عهد الحارث بن جبلة ٥٢٨ - ٥٦٩م وتؤيدها دولة الروم، ومملكة كندة في عهد الحارث بن عمرو بن حجر ٥٢٨ - ٥٤٠م وتؤيدها دولة حمير سبأ وذوريدان, وعن مرحلة من مراحل هذا التنافس تحدث نص سبأي قديم عن خروج قوات معد يكرب ملك سبأ وذوريدان مع مذحج وكندة في عام يقع بين ٥١٦ و ٥٢٢م لإعادة الاستقرار إلى منطقة بني ثعلبة ومضر بعد مشاكلهم مع المنذر ملك الحيرة. وهكذا يتضح إلى أي مدى أفادت النصوص القديمة الأصلية في توضيح التاريخ العربي القديم وتحقيق قضاياه، وكلما زاد المكتشف منها وتمت دراسته كلما أثري هذا التاريخ وزادت حصيلته.

стр. 165

من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: أولندر (جونار): ملوك كندة من أسرة آكل المرار -١٩٢٧ - ترجمة بغداد -١٣٥٣هـ. جواد علي: المرجع السابق -مادة كندة- جـ٣، ٦، ١٠. عبد الرحمن الأنصاري: أضواء جديدة على دولة كندة من خلال آثار قرية الفاو ونقوشها -في مصادر تاريخ الجزيرة العربية- الرياض ١٩٧٩ - جـ١، ص٣ - ١١. يوسف محمد عبد الله: أوراق في تاريخ اليمن وآثاره جـ٢ - ص٨٩ - ١٢١. Jamme. A., Sabaean Inscriptions from Mahram Bilqis, Sabaean Rock Inscriptions form Qaryat al -Faw, Washington ١٩٧٣

стр. 166

الفصل السادس عشر: انتقال مركز الثقل إلى مكة ويثرب ... الفصل السادس عشر: تحول مركز الثقل إلى أواسط الحجاز في مكة ويثرب من معاني الحجاز فيما ذكرته المعاجم العربية معنى الحاجز بين الغور وتهامة وهو هابط. وبين نجد وهو ظاهر. أي بين السهل الساحلي الموازي للبحر الأحمر فيما يمتد من اليمن جنوبًا إلى خليج العقبة شمالًا، وبين مرتفعات هضبة نجد. وتعتبر سلسلة جبال السراة هي العمود الفقري لهذا السهل, وقد تخللت حافتها الداخلية عدة وديان من أهمها وادي القرى الذى تميزت من مدنه الرئيسية كل من مكة ويثرب، بعد أن ورثت كل منهما نصيبًا مما كانت تنعم به المدن القديمة الواقعة إلى شمالهما مثل: مدين ولحيان وحجر ثمود وحجر الأنباط، ثم مارست كل منهم نهضتها الخاصة فيما بين القرن الخامس وبداية القرن السابع للميلاد. وتقع مكة في واد شحيح الماء والزراعة أشبه بحوض جبلي تحوطه مرتفعات السراة الجرداء، وتشتد حرارته صيفًا كما يشتد جفافه فيقلل أخطار أوبلة المناطق الحارة على أهله. وبديهي ألا يكون للتنقيب الأثري دور هام في تتبع ماضي هاتين المدينتين، نظرا لما يحيط بهما من قداسة خاصة وحرمة دينية، الأمر الذي يكاد يقصر مصادر تاريخهما حتى الآن على بعض المأثورات الدينية، والروايات العربية. وبعض الملابسات الخارجية. وقد خص القرآن الكريم مكة بماض تاريخي بعيد تبعًا لقيام البيت الحرام فيها، والذي قال فيه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. ويبدو أن قدم هذا البيت لم يبدأ بالضرورة بعهد إبراهيم ﵇ في حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد كما افترض بعض المؤرخين ولم يبدأ بالضرورة أيضاً منذ عهد آدم كما ذهبت إليه أقوال بعض المفسرين. وإنما قد يكفي فيه ما ينم عنه ظاهر قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ

стр. 167

غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٧] وفي هذا ما قد يعني قيام البيت الحرام فعلًا في صورة أولية من قبل عهد إبراهيم, وأن إبراهيم توخى حمايته وحرمته فأودع زوجته هاجر المصرية وولده إسماعيل في رحابه. وذاك احتمال يزيد منطقية عما قيل من احتمال دعاء إبراهيم بالدعاء السابق عقب بنائه البيبت لأول مرة. وهو أمر لم يتم بطبيعة الحال إلا بعد أن انقضت على إسكانه أهله عنده سنوات طوال امتدت حتى شب إسماعيل عن طوقه وعاون أباه في البناء (انظر سورة البقرة: ١٢٧). ولعل البيت المحرم أو بناء الكعبة في صورته الأولية تلك كان هو المعني بتسمية البيت العتيق التي ذكرتها له آيتان من سورة الحج ٢٩، ٣٣، إذا أخذت لفظة العتيق هنا بمعنى شدة القدم وهو الشائع إلى جانب معاني العتق والكرم والجمال، كما تذكر قواميس اللغة. وإن كانت هذه التسمية قد انصرفت بعد ذلك إلى بقية صفات البيت الشريف واقترنت بها. ولعل الحجر الأسود أو الأسعد هو كل ما بقي من بنيان ذلك البيت العتيق، أو هو ما أمكن الاحتفاظ به منه، ونتيجة لقيمته وندرته اكتسب شيئًا من علو المكانة وإعزاز الرسول له، والعرب ثم المسلمين بكافة، باعتباره أثرًا جليلًا فريدًا من ماض كريم بعيد. وقد لا يكون من بأس بعد هذا الفرض المقترح من النظر كذلك بعين الاعتبار الروحي إلى بعض روايات المفسرين الإسلاميين عن ماضي الحرم والحجر وارتباطهما بمعجزات سماوية لا تتطرق إليها الدراسات التاريخية عادة في مناقشاتها الحديثة، ولكن لا بأس معها في الوقت ذاته من تذكر مقولة عمر بن الخطاب ﵁ عن هذا الحجر بما معناه والله إني لأعلم أنك حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك، متأدبًا في ذلك بأدب الإسلام وأدب الرسول. وظل الحجر الأسود على طول الأمد علامة مميزة لبداية الطواف بالكعبة المشرفة. ويبدو أن عندما تقادم البيت العتيق وطال العهد به، وهجر ما حوله وطمست بئر زمزم المجاورة له، وانقطع بهذا رواده المؤمنون به أو كادوا، تطلب الأمر الإلهي إقامة قواعده من جديد، وإعادة تعميره وإحياء شعائره. وتكفل إبراهيم بهذا وعاونه فيه ولده إسماعيل بعد أن شب عن طوقه, في مثل قول الذكر الحكيم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وغني عن الذكر أن بناء الكعبة قد جدد أو رمم بعد ذلك أكثر من مرة،

стр. 168

وشارك الرسول ﵇ في إحدى هذه المرات قبيل بداية بعثته الشريفة بقليل. وربما أوحى بنفس القدم البعيد للبيت قول القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [في سورة الحج: ٢٦ - ٢٨] وذلك بما يعني إلهامه أو إرشاده إلى موضع البيت الذي قام فيه، أكثر منه إلى المكان الذي سوف يقيمه هو فيه، ثم الإذن له بأن يعمل وولده على تطهير ساحته ربما مما كان قد وجد عليها من أصنام ومحرمات. وكان من دعاء إبراهيم وإسماعيل قولهما: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وهو ما قد يعني بداية تشريع هذه المناسك، أو على الأرجح هدايتهما إلى ما غاب عنهما منها والمسامحة حين النسيان والخطأ في أدائها. أما عن نشأة البيت العتيق قبل أيام إبراهيم، وصورة بنائه، والقائمين ببنائه، فكلها أمور يصعب البت فيها برأي شاف في ضوء المعارف المتيسرة عنها حتى الآن. وحسبها إمكان تفسير أولوية هذا البيت على ما عداه بأنه أول بيت وضع للناس على الأرض لعبادة الله بخاصة. وهي أفضلية تمايز بها عن المعابد أو بيوت العبادة في الديانات الوضعية القديمة والتي كان منها ما سمي باسم البيت فعلًا، مع اختلاف لفظه باختلاف لغة أهله, ونسبته إلى موضعه أو إلى معبوده الرئيسي في كل من الحضارات المصرية والآشورية والكنعانية والآرامية والعربية القديمة أيضًا. ومن المسلم به أن إبراهيم ﵇ لم يكن أقدم الرسل والأنبياء الذين دعوا إلى تقديس الله وحده في بيوت العبادة، وإنما سبقه إلى مثلها، أو كلف بمثلها، أنبياء آخرون. وإذا كان قد اعتبر أبا الأنبياء فإنما يعني هذا أبوته الشريفة البعيدة لأنبياء الإسلام والتوراة أو العرب واليهود. ولعل مثل هذه الفكرة بقدم كيان البيت عن عهد إبراهيم كانت من وراء قول بعض المفسرين القدامى, ومنهم البخاري بأن إبراهيم جاء بهاجر وإسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، ولما فارقهما ووصل الثنية استقبل بوجهه البيت ودعا بدعائه: رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. وعلى أيه حال فإذا كان سياق البحث قد تطلب التطرق هنا إلى مسائل دينية أمكن التجاوز عن الخوض في أمثالها في بقية فصول هذا الكتاب، فإن اختلاف التفاسير أمر مسموح به فيما لا يمس الفرائض وجوهر العقيدة. ولن نعيد هنا ما قامت به بعض كتب التفاسير والتاريخ من تأكيد صلة

стр. 169

إبراهيم وإسماعيل ﵉ بمكة والحرم، وقصة الذبيح، دون إسحاق وبرية فاران التي قال بها يهود العهد القديم، إلا إذا كانت تسمية فاران هذه تسمية عبرية تطلق على مواضع منها مكة كما أخذ بذلك بن منظور في لسان العرب، وهو ما تزكيه كذلك تسمية التوراة للعرب بالإسماعيليين نسبة إلى أبيهم إسماعيل حيثما امتد نشاط قبائلهم من شبه الجزيرة إلى جنوب الشام، ثم قول سفر التكوين من التوراة ١٦: ١١ في صلة هاجر بإسماعيل: وقال لها -أي: لهاجر-: ملك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابنًا وتدعين اسمه إشماعيل لأن الرب قد استمع إلى مذلتك، وحينما أمر إبراهيم بالتضحية، بابنه كان من المفروض أن يضحي ببكر أولاده وهو إسماعيل. ونضيف هنا أنه كان بعض غلاة اليهود قد حاولوا التشكيك في قدم اسم إسماعيل الأب الروحي للعرب، ومدى شيوعه في العالم القديم، فثمة ما يلقمهم حجرًا في وجود اسم يشمع إل بمعنى يسمع الله أو إسماعيل في نص آكدي عراقي يرجع إلى أكثر من أربعة آلاف عام، ثم وجوده بعد ذلك في نصوص نبطية وصفوية تسبق العصر الجاهلي والعصور الإسلامية. تعددت الآراء قديمًا وحديثًا في تفسير تسمية مكة. على نحو ما تعددت أمثالها في تفسير ما عداها من مسميات المواضع القديمة. وظهر من آراء اللغويين المسلمين ما عقد الصلة بينها وبين ألفاظ عربية معينة تشبهها في الشكل والنطق أو في دلالة التقديس. ومنها: المتك وهو امتصاص الماء حين قلته. وامتصاص الفصيل للضرع، وربما امتصاص الناس إلى مكان ما، والمتك وهو القدرة على إضعاف الجبارين, والمكوك وهو المكان الهابط بين مرتفعين. وربما المك أيضًا أو المكاء وهو طواف بعض الجاهلين بالصفير أو التصفيق. ولمالم يكن في كل هذه المشتقات ما يشفي الغليل، اتجهت آراء حديثة إلى عقد المقارنات بين اسم مكة وبين بضعة ألفاظ من لغات أو لهجات أخرى قريبة الصلة باللغة العربية الشمالية. ومنها لفظ مكربة أو مكارابو في اللغة العربية الجنوبية بمعنى التقديس والتقريب وهيكل القربان. وقد شابه هذا اللفظ الأخير ما أشار إليه الرحالة بطلميوس السكندري من وجود مدينة عربية تسمى ماكورابا Macoraba. سبق إنشاؤها بطبيعة الحال العهد الذي عاش فيه وهو منتصف القرن الثاني للميلاد. واقترح رأي آخر تقارب اسم مكة مع لفظ مك البابلي بمعني البيت بحيث إذا أضيفت كلمة رب ليكون مكرب كان معناه بيت الرب، على سبيل

стр. 170

الاحتمال. وإذا جاز عقد مثل هذه الصلة مع لغة أخرى من خارج شبه الجزيرة العربية فلا بأس من أن تضاف إليها مقارنة ثانية، وهي وجود لفظ مكة في اللغة المصرية القديمة ذات الصلة بمجموعة اللغات السامية، واستخدامه بما يعني الحماية وسلامة الوضع. وكما لم تكن اللغة البابلية غريبة تمامًا على إبراهيم ﵇ مع ما قيل عن هجرته الأولى من جنوب العراق إلى جنوب الشام، فإن اللغة المصرية القديمة لم تكن غريبة كذلك عن إسماعيل ﵇ مع بنوته للسيدة هاجر المصرية التي اصطحبته إلى مكة في رفقة إبراهيم، وما قيل كذلك في سفر التكوين من أن زوجته الثانية كانت مصرية أيضًا. وعلى أية حال فإن الاستشهاد باللفظين البابلي والمصري هنا لا يعني بالضرورة أنهما يمثلان مع لفظ مكة العربي مسمى واحدًا، ولا يعني أن أحد هذه الألفاظ الثلاثة قد اشتق من الآخر بالضرورة وإنما يكفي افتراض اشتقاقهما جميعًا من مصدر سامي قديم يصعب الآن تحديده. ورادف القرآن الكريم بين اسم مكة وبين اسم بكة في الآية التي بدأنا الاستشهاد بنصها آنفًا. وقال المؤرخون القدامى بأنهما يكونان اسمًا واحدًا بعد قلب الميم باء على عادة بعض اللهجات العربية القديمة ومنها لهجة هوازن. أو يتكاملان بحيث تعبر بكة عن الكعبة والمسجد، وتكون مكة هي ما حوله فيما سوى ذلك من بطن الوادي. أما من حيث الاشتقاق اللفظي فقد قيل باشتقاق بكة من بك الأقدام حين التزاحم، كما قيل مؤخرًا صلتها بلفظ بك في اللغة الآرامية بمعنى البيت. وتعددت أوصاف مكة بعد ذلك في المصادر العربية ومن أهمها فيما هو مشهور: أم القرى والبلد الأمين والقادس والمقدسة والعرش وأم الرحم ... إلخ. ولم يجد الإخباريون والمؤرخون القدامى ما يقال عن سكان مكة الأوائل من قبل عهد إسماعيل إلا احتمال نسبتهم إلى العماليق وهم الأقوام شبه الأسطوريين، الذين ردتهم أنساب التوراة إلى عملاق بن أرفخشذ بن سام بن نوح، على حد قولها. ويبدو كما روى المفسرون أن انكشاف بئر زمزم بعد اختفائها وتفجرها بالماء كرامة لهاجر وإسماعيل قد أغريا بعض الجماعات العربية التي كانت تمر بها على النزول عندها بعد أن كانت تتجاوزها من قبل لشدة جدب أرضها وشح مائها. وكانت جرهم القحطانية أو بطن منها من أولى هذه القبائل، وقيل: إن إسماعيل أخذ عنها لغتها أو لهجتها العربية الجنوبية إلى جانب لغة أبيه الأمورية أو الآرامية ولغة أمه المصرية، وربما زوجته المصرية أيضًا، وتناسل له إثنا عشر

стр. 171

ولدًا ظلوا يلون أمر قومهم وخدمة البيت الحرام حتى نافسهم فيها أبناء خؤولتهم من جرهم بعد أن تلاحقت بطونهم إلى مكة، وأزاحوهم فتفرقوا حولها وأسفلها. ولم يلبث الجرهميون بدورهم أن فاجأتهم هجرة للأزد من اليمن وعلى رأسها خزاعة فأزاحتهم إلى ظاهر مكة كما أزاحواهم أبناء إسماعيل وبطون كنانة من قبل، وتفرقوا حولها وفي تهامة. وولي عمرو بن لحي كبير خزاعة الحكم وشئون البيت. ولأمر أو آخر نسبت الروايات العربية إليه، أو إلى عمرو بن ربيعة المعروف بعمر بن يحيى، أنه بدل دين إبراهيم وأدخل عبادة الأصنام واستقدم بعضها من جنوب الشام. وعمل على إقامتها حول الكعبة، ربما ليغري أتباعها بزيارتها والائتناس بها كلما رحلوا إلى الحجاز، مع تقريب ما بينهم وبين شعائرها بعد أن قل وفودهم إليها اتقاء لبغي جرهم وما قيل عن تعديها على قوافل التجارة المارة بها وقوافل الحج القاصدة إليها. وظل أمر خزاعة في يدها حتى نجح قصي الجد القديم للرسول ﵇، في فترة ما من القرن الخامس الميلادي، في تزعم قريش، وقريش بطن من كنانة، وكنانة من مضر، أو هي من قبائل تهامة، كما يقول النَّسابون. ويبدو أنها عاشت قبل عهده متفرقة حول مكة في تهامة أو عاشت لفترة قبل ذلك في شمال غرب الحجاز حيث اختلطت هناك ببقايا دويلاته القديمة من اللحيانيين والأنباط ومن عايشهم في أرضهم من جاليات المعينيين والحميريين الجنوبيين، واكتسبت منهم بعض عناصر حضارتهم. كما مهرت في ممارسة التجارة حتى لقد قيل: إنها سميت قريشًا لاحترافها التجارة، والتقرش هو التجمع والاكتساب والتجارة. وثمة نص للملك الحضرمي إيلعز يليط من حوالي القرن الثالث الميلادي تحتمل دلالته على أن موكب الملك إلى الحصن الملكي أنود قد تضمن عشر نساء قرشيات. ولو صحت هذه القراءة لزكَّت قدم قريش واتصال بعض بطونها بجنوب شبه الجزيرة العربية أيضًا. وسلك قصي زعيم قريش سبيل السياسة أولًا، فأصهر إلى زعيم خزاعة حتى إذا ما ارتفع شأنه وبان ضعفها انقلب عليها، وربما استعان عليها ببطن من قضاعة قد يكون من الغساسنة أو ممن والاهم. وأجلى خزاعة عن مكة هم ومن والاهم من بكر فارتحلوا إلى بطن مر في وادي فاطمة حيث انضمت إليهم فيما بعد بطون من كنانة وخزيمة بن مدركة وحالفوهم، وأطلق عليهم مع مر الزمن اسم الأحابيش بمعنى الموالي أو شيء من هذا القبيل، وربما عاش في مجتمعهم جماعات من أصول أفريقية ضمت رقيق التجارة والحروب ومن إليهم. وضمت قريش حضرًا وبدوًا. وعاش حضرها في داخل مكة واقتسموها

стр. 172

أرباعًا، وسمح لهم قصي بالبناء حول الكعبة بعد أن كان الجرهميون والخزاعيون يقيمون على مسافة منها، وهؤلاء هم قريش الأبطح -وهو واد بمكة- أو قريش البطاح -أي: المناطق المنخفضة- وكان منهم أغلب التجار وأهل الثراء. وانتشترت بطون أخرى من قريش خارج مكة وتوزعت في الشعاب والمرتفعات، وهؤلاء هم قريش الظواهر، وكان منهم أهل سطو وإغارة. وجمع قصي بين رئاسة الحكم في مكة وبين شعائر الحرم، وولي أمر السقاية والحجابة والرفادة واللواء. وعمل على تجديد بناء الكعبة وتسقيفها. ولكنه مع ما اجتمع له من رئاسة أمور الدنيا والدين في بلده، قد حافظ على التقاليد القبلية في نظام حكمه، وأقام دارًا للحكومة والمشورة عرفت، أو عرفت مثيلتها فيما بعد، بدار الندوة لتكون منتدى للملإ من قومه ورؤساء العشائر المشهود لهم بالكفاية والفضل ممن تخطوا سن الأربعين، وكانوا يتشاورون فيها في المعاملات الكبيرة وأمور الحرب وإقرار السلم وعقد ألوية البعوث. وربما عقدوا فيها عقود زواج أشرافهم أيضًا. ولعلها أشبهت حينذاك مجلس المسود السبأي أو القتباني والمعيني القديم. وقد بلغ من شهرتها أن رأى فيها بعض المستشرقين والكتاب الحديثين صورة من صور التنظيم الجمهوري الذي يجمع بين خصائص الارستقراطية وخصائص الديمقراطية، بل وشبيهًا بإكليزيا أثينا القديمة. وما لبث أبناء قصي وخلفاؤه أن اقتسموا مختلف صلاحياته الدينية والدنيوية عن تراض حينًا وبالتنافس حينًا آخر. وعوضت قريش قلة إنتاجها الزراعي والصناعي بالتوسع في التجارة المحلية والعربية وكان من سلعها التي تتاجر بها بين العرب: الأدم والزبيب والصموغ والتبر والحرير والبرد اليمانية والثياب العدنية والأسلحة. وانتفعت في ذلك بالأسواق الكبرى التي كانت تعقد بالقرب منها في مواقيت متعاقبة من الأشهر الحرم لضمان أمنها. ومنها أسواق عكاظ ومجنة وحباشة وذو المجاز وغيرها. ومنذ أوائل القرن السادس الميلادي سنحت الفرص أمام قريش وأهل الحجاز للعمل باسم العرب على نطاق واسع، وهم بمنأى عما تدخلت به وأدت إليه أطماع الحبشة والبيزنطين والفرس في شئون اليمن والحيرة وغسان. وقامت مكة بالدور الأكبر في هذا السبيل، وانتفعت فيه بتوسط موقعها في قلب الحجاز وبعدها النسبي وحصانتها الطبيعية، وحرمتها الدينية ومنزلتها الروحية بين عرب الشمال وعرب الجنوب، فضلًا على سابق خبرتها بالتجارة والوساطة التجارية بين ممالك اليمن والشام.

стр. 173

ومن أجل تنشيط هذا الدور والخروج به من دائرته الإقليمية اتجهت بعوث رؤساء مكة إلى العالم الخارجي لعقد المعاهدات التجارية مع الدول الكبرى في أيامهم. وهكذا نسب إلى هاشم بن عبد مناف أنه آلف ملك الشام، أي حصل على إيلاف أو عهد من قيصر الروم أو ملك غسان الممثل له في جنوب الشام لتنشيط التعامل مع قريش وتأمين تجارتها في ممتلكاته، كما اكتسب مودة أحياء العرب وأمراء الشام المحليين لا سيما في أيلة وغزة والقدس حتى بصرى في حوران إلى الجنوب الشرقي من دمشق. وقيل: إن إخوة هاشم فعلوا بالمثل، فعقد نوفل والمطلب إيلافًا مع دولة الحيرة ودولة الفرس ودولة سبأ وحمير وذي ريدان. وركز عبد شمس على إيلاف الحبشة وشرق أفريقية. وبهذا اجتمع لقريش إيلاف رحلة الشتاء والصيف، رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة، أو العراق، ورحلة الصيف إلى الشام. وقيل: إن من قوافلها ما كان يضم ألف بعير, ومنها ما يضم ما يزيد عن الألفين. وأخذت هذه القوافل بنظام المشاركة بحيث يسهم فيها القادرون من الأسر والأفراد، وقد يكون لهم فيه وكيل أو شريك أو أجير، تحت رئاسة شخصية كبيرة تقود القافلة وتعمل على حمايتها. ولم تقتصر مكة على بطونها القرشية الكبيرة وحدها وإنما تضمنت معها أعدادًا ممن كانوا يقيمون فيها لفترات مؤقتة أو دائمة من تجار الحبشة والفرس والروم، أو من أملاكهم. وكانت تفرض المكوس والعشور عليهم وما يقابل أمنهم وخفارة متاجرهم. ولتشجيع نزلائها من حلفاء وموال وحجاج وتجار، أقام سادة مكة فيما بينهم حلف الفضول على ألا يظلم في رحابها قريب أو غريب، ولا حر أو عبد، إلا وكانوا معه حتى يأخذوا له بحقه من أنفسهم ومن غيرهم. وقد امتدح الرسول ﵇ فكرة هذا الحلف وأثنى عليها. ومع توالي الاتفاقات التجارية مع أقيال اليمن وأمراء اليمامة وملوك غسان والحيرة توسعت قريش في التجارة المباشرة ومتاجر الوساطة. وهكذا تحدثت الروايات العربية عن خفارة قريش للطائم ملوك الحيرة إلى عكاظ وكانت تتضمن المسك والمنسوجات وكثيرًا من المصنوعات. كما تحدثت عن تصديرها بضائع اليمن وما يصلها من الهند من العطور والجلود والمنسوجات والسيوف إلى بلاد الشام حيث تستورد عوضًا عنها أنواع الحبوب والزيوت والخمور والجواري. وكما انتفعت مكة بتجارة البر انتفعت كذلك وإلى حد ما بتجارة البحر الأحمر وما يحمله من متاجر شرق أفريقية والمحيط الهندي، عن طريق مينائها الشعبية التي بقيت حتى عهد عثمان حيث سأله أهل مكة أن ينقل الساحل من

стр. 174

الشعبية إلى جدة لقربها منهم فأمر به، وكانت تقع في جون من البحر ويصلها التجار والوسطاء البحريون من مصر والحبشة والصومال، فينقلون المتاجر منها وإليها، كما كانت تمير منها سفن الروم، وأغنت هذه الميناء مكة عن أداء المكوس لمواني اليمن وغيرها من المواني الخارجية. ومضت الأمور سراعًا في مصلحة مكة وحلفائها لسد الفراغ التجاري الناشئ من تعاقب الاضطرابات السياسية والدينية في بلاد اليمن منذ حوالي عام ٥٢٠م خلال الصراع بين أنصار الديانتين اليهودية والمسيحية والتدخل الحبشي فيها، ثم فشل الحبشة وحلفائها في تعويض تناقص سفن الروم في تجارة البحر على نطاق واسع، مع تخلخل أمن الطرق التجارية في الهلال الخصيب بين العراق والشام خلال الحروب البيزنطية الفارسية. ولم ينج ازدياد نشاطات مكة وحلفائها من العرب الشماليين من إجراءات مضادة ضمنية ومباشرة، لوأدها قبل استفحالها، من قبل اليمن والحبشة وبيزنطة. وتمثلت الإجراءات الضمنية في تزكية حملات التبشير بالمسيحية في أرجاء اليمن وتأييد الحبشة وبيزنطة لها. وبطبيعة الحال لم يكن في انتشارها من بأس لولا أن رأت مكة في هذا الانتشار ما يهدد مكانتها الدينية بين العرب الجنوبيين. وقد سلفت الإشارة إلى تسمية كبرى كنائس نجران وصنعاء حينذاك بتسمية الكعبة اجتذابًا لمشاعر العرب وصرف ولائهم عن حرم مكة إليها. ولم تنجح هذه الخطوة كثيرًا في صرف العرب الجنوبيين عن البيت الحرام ومقام إبراهيم، أو صرفهم عن عباداتهم الوضعية القديمة. وأما الإجراءات العسكرية المباشرة فأشهرها هو ما روته بعض المصادر العربية عن حملة ضد مكة قادها من يدعى حسان بن عبد كلال من أقيال اليمن. وقد أسر وباءت حملته بالفشل. وكانت حملة أبرهة الحبشي ملك سبأ وحمير ضد مكة وحرمها المقدس في عهد عبد المطلب بن هاشم حوالي عام ٥٧٠م هي الأكثر إعدادًا وأشد وقعًا. وقد أسلفنا في الفصل العاشر أنها قد تفسر بطموح أبرهة إلى مد سلطانه إلى غرب شبه الجزيرة ووسطها وشمالها، ورغبته في استعادة سيطرة اليمن على شريان التجارة الرئيسي الذي أوشكت مكة، ويثرب، على احتكار مكاسبه، أو تفسر بالتعصب الديني ورغبته في المشاركة بصورة ما في الحرب البيزنطية الرابعة عشرة ٥٧١ - ٥٨٠م والاستجابة فيها لدعوة الروم إلى التضييق على المصالح التجارية لأعدائهم الفرس عن طريق ربط مصالح الدولة المسيحية الجديدة في اليمن بالدولة الغسانية المسيحية في جنوب الشام، باعتبارهما جميعًا من حلفاء بيزنطة، وفشلت

стр. 175

حملة أبرهة بما سبق التعقيب به في الفصل نفسه، وعوضًا عما طمع فيه من إضعاف مكة وهدم كعبتها، أصبح فشله فيها من عوامل ازدياد شهرتها. وعندما انقضى عهد والديه القصير، ونجح سيف بن ذي يزن في إجلاء الأحباش عن اليمن بمعونة الفرس. ترأس عبد المطلب شيخ قريش وفدها لتهنئته. وقرن زيارته بتجديد اتفاقيات مكة التجارية مع كبار أقيال اليمن وأمراء اليمامة. كما جدد من ناحية أخرى اتفاقياتها مع ملوك غسان والحيرة. وأضافت بعض المصادر العربية نبأ محاولة دبلوماسية استهدف البيزنطيون منها ضمان ولاء مكة أو تبعيتها السياسية لهم، حيث أيدوا أحد سادة قريش وهو عثمان بن الحويرث, وكان قد عدل عن الوثنية وتنصر. فيكون ملكًا على مكة من قبلهم. وروي أنه جمع كبار قومه ولوح لهم بقوة قيصر الروم وثرائه، وسيطرته على مجالات التجارة في أملاكه، ولكنهم رفضوا وعده ووعيده، ورفضوه هو أيضًا. وكان في بعدهم عن تناول الروم وحاجة الشام إلى وساطتهم التجارية ما أنجاهم من أي رد فعل خارجي مباشر. ومع هذه التجارب ظلت قريش تؤثر الحياد بين القوى الكبرى والمتنازعة في عصرها، كي تضمن أمن تجارتها وأمن حجيجها، ولكي يزداد المتعاملون معها. ووقفت في منتصف الطريق ما استطاعت بين عرب الشمال وعرب الجنوب، وبين الحيرة وغسان، وبين الفرس والروم. وليس كثيرًا ما ارتآه البعض من أن اتساع الأهمية الدينية والتجارية لمكة قد جعل منها ملتقى لقوى العرب المتفرقة وبداية لجمعهم في إطار واحد ذي تقاليد قومية مشتركة. وبحكم طابعها الحضاري ونشاطها وأسفارها الخارجية، اتسعت مكة لأخلاط كثيرة من العقائد الوضعية والعقائد الكتابية والحنيفية، وأخلاط أخرى من طوائف العرب والأجانب أحرارًا وموالي وأرقاء وجواري، مما أثرى لغتها وثقافتها، وأشاع فيها عملات وأوزانًا وصناعات فارسية وبيزنطية ويمنية. ومن طريف ما يروى أن نجارًا أو بناء قبطيًّا، أي: مصريًّا أو روميًّا بالتبعية، يدعى باخوم اشترك في إعادة بناء الكعبة المشرفة بعد أن تطلب بنيانها إصلاحه قبيل عهد البعثة النبوية، فصنع لها سقفًا مسطحًا يرتكز فيما روى الأزرقي على دعائم وعمد. وكانت قريش قد استخدمت لها أخشاب سفينة حبشية أو رومية دفعها الريح إلى ساحل الشعبية حيث عطبت فركب إليها جماعات من قريش وأخذوا خشبها. ولم يكن سلام مكة سلامًا مطلقًا أو دائمًا، ولم تكن تستطيع أن تنأى بنفسها

стр. 176

عما يحيط بها من نزعات قبلية وروح جاهلية. فتعرضت لحروب متقطعة أرخت المصادر العربية بأيامها تذكرة بسوء ما حدث فيها، ومنها حرب الفجار وعام الغدر، وقد انتهكت فيهما الشهر الحرم ذاتها. ولم يكن ثراء المكيين وتنوع طوائفهم المحلية والطارئة بغير أثر سيئ تمثل في اتساع الهوة بين مختلف طبقاتهم، وفي تجبر بعض رؤسائهم وشيوع المفاسد بين مترفيهم. فضلًا على تباعدهم شيئًا فشيئًا عن الدين القويم وأخلاقياته، وهو ما تصدت الدعوة الإسلامية له فيما بعد بالإصلاح والتقويم والتغيير، ونشر التوحيد، وهو ما يخرج بحثه عن نطاق دراسات العصور القديمة. مدينة يثرب لمدينة يثرب كيان قديم كفله لها تعدد أوديتها وعيونها وآبارها، وخصوبة تربتها، وبالتالي وفرة أرباضها ومزارعها، مع كثرة إنتاجها وسكانها كثرة نسبية، وأهمية أسواقها المحلية والموسمية، فضلًا على موقعها قرب شرايين التجارة الرئيسية البرية والبحرية, وتعاملها بالتالي مع متاجر اليمن ومصر والشام. وتقع يثرب في مهاد من الأرض ذات لابات أو حرار سبخة، أهمها حرة واقم وحرة الوبرة وحرة قباء. وهي مفتوحة الحدود، وأقرب الجبال إليها جبال أحد وعير، وسلع وسليع، وهي ذات ارتفاعات متباينة. وانتفعت يثرب بميناء الجار في عمليات التصدير والاستيراد المناسبة لعصرها القديم، وكانت تصل إليها وتخرج منها بعض متاجر عدن وشرق أفريقية والهند ومصر, وبلغ من شهرتها القديمة أن سمي الساحل الممتد منها إلى خليج أيلة بساحل الجار لفترة من الزمن -ولعلها هى البريكة الحالية التى عمرت لفترة طويلة من العصر الإسلامي- وجاورتها جزيرة صغيرة كانت ترسو عليها سفن الحبشة بخاصة. وظلت الجار كذلك حتى حلت محلها في الأهمية ميناء ينبع. وعثر في جبل المكتب خارج المدينة على نصوص قديمة لم يتم بحثها بعد، كما عثر في جبل الصويدرة على مبعدة منها على نصوص ثمودية وصور حيوانات منقورة. وعثر في داخل المدينة نفسها عن طريق المصادفة وخلال حفر أساسات بعض المباني بالمناخة وغيرها على بقايا عمران سابق لم يتيسر تحديد عهده. واحتفظ الإخباريون المسلمون لمدينة يثرب بأسماء كثيرة تراوحت عدتها

стр. 177

في مؤلفاتهم بين العشرة، والأحد عشر، والتسعة والعشرين، بل والأربعة والتسعين، وكانت في أغلبها صفات قد يسهل تفسير القليل منها وتعليله، بينما تصعب معرفة مدلول الكثير منها أو تحليله. وكان اسم يثرب من أقدمها، أو هو أثرب، وقد يكونان لهجتين لمسمى واحد كان يشغل جزءًا من المدينة غرب مشهد حمزة الحالي، ثم عم عليها. ومن الأهمية بمكان أن ذكر نص للملك نابونهيد آخر ملوك بابل الكلدانية في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، اسم أتربيو في نهاية توسعه بجيوشه في أرض الحجاز، وخلال محاولته السيطرة على عواصم الطريق التجاري الكبير بين غرب شبه الجزيرة وبلاد الشام. وحدث هذا التسجيل بطبيعة الحال بعد نشأة يثرب فيما قبل القرن السادس ق. م بعهود طويلة. وتضمنت بعض النصوص المعينية القديمة اسم يثرب أيضًا، كما ذكره الرحالة بطلميوس السكندري في منتصف القرن الثاني للميلاد، بصيغتي Iathrip- Pa or Jathrippe، وأشار إليه اسطفانوس البيزنطي باسم Iathrippa Polis أي مدينة يثرب، وذلك بما يدل على أنها كانت قد استكملت الطابع المدني وتميزت به عما حولها من أراضي الزراعة ومضارب البدو. وتأيد هذا في تسميتها العربية المدينة التي قد تعبر عن هذا التحول، وتكون عربية الأصل، إن لم تكن مشتقة من لفظ آرامي قديم عبر العبرانيون عنه بصيغة مدينتو أو مدينتا بنفس معناه العربي أو بمعنى الحمى. وعندما دخل الإسلام يثرب استحب الرسول لها اسم المدينة وصفة طيبة أو طابة دون اسم يثرب الذي قيل: إنه قد يعني معنى الفساد أو التثريب أي المؤاخذة بالذنب. وشاعت للمدينة صفات أخرى من أهمها: أم القرى المدينة، والجارة والمجيرة والمجبورة. والبحرة والبحيرة .. إلخ. أدي خصب يثرب وثراؤها النسبي إلى كثرة عمرانها، وأدى موقعها والظروف التي مرت بها إلى تعدد طوائف سكانها. وهي طوائف يصعب تحديد مسمياتها الأولى، ولم يجد النسابون لديهم إلا أن يجعلوا من أقدمها طائفة العماليق ذات الصيغة شبه الأسطورية، كما أشاروا إلى بطون متأخرة من جذام وبلى وسليم ومن قيس عيلان وغيرها ظلت بقاياها خارج المدينة حتى العصر الجاهلي، وربماكانت في الأصل بداخلها حتى غلبها غيرها على أمرها وأخرجها منها. وفازت بالشهرة أكثر منها قبائل ذات أصول قحطانية اختطلت بالعدنانية، وبقيت منها في العصر الجاهليطوائف الأوس والخزرج ببطونها الكثيرة. وجاورتها طوائف عبرية بقي منها في العصر الجاهلي أيضاً بنو النضير وقينقاع وقريظة، وبطون غيرها صغيرة. ولعل ما يقال عن تداخل الجماعات ذات الأصول القحطانية والعدنانية في يثرب يشبه ما كانت الحال عليه قديمًا في لحيان وتيماء وغيرها من حيث نزول جاليات تجارية عربية جنوبية معينية وسبأية في أرضها لكي ترعى

стр. 178

المصالح التجارية لدولها الجنوبية، ولما طال المقام بها اختلطت وتصاهرت مع السكان الأصليين من العرب الشماليين ولكن النسابين ظلوا يردونها إلى أصولها القحطانية أو الجنوبية الأولى من حين إلى آخر. وكان من الطبيعي أن تهتم طوائف المدينة بحماية حدودها وأرباضها ومزارعها بتحصينات صناعية تمثل أكبرها في الآطام جمع أطم، وعرفت صغارها باسم الصياصي. وبني بعضها من اللبن وبني بعضها الآخر بأحجار صغيرة أو كبيرة، وزودت بأبراج كما احتوت على آبار ومخازن بحيث يحتمي بها أهلها حين الغارة، ويتحصن بها الشيوخ والنساء والصغار حين خروج رجالها إلى الحرب. وكما كانت ليثرب حصونها العامة كانت لكل طائفة من سكانها حصونها الخاصة نتيجة فيما يبدو لعدم خلوص نوايا بعضهم للبعض الآخر. واهتم رواة اليهود وكتابهم بتاريخ طوائفهم في يثرب اهتمامًا كبيرًا لا يخلو من الغرض, وتخيلوا لها ماضيًا بعيدًا تباروا في القول ببدايته منذ أيام موسى وهارون في القرن ١٣ ق. م، أو بعد انتصار داود على معارضيه في القرنالعاشر ق. م، أو بعد سقوط مدينة السامرة الإسرائيلية أمام الغزو الآشوري في عام ٧٢١ ق. م، أو بعد تدمير البابليين لأورشليم وهيكل سليمان في عام ٥٨٦ ق. م, أو بعد قضاء القائد الروماني تيتوس على ثورة اليهود الأولى وتخريب معبدهم في عام ٧٠م، أو بعد القضاء على ثورتهم الثانية في عهد الإمبراطور هادريان بين ١٣٢ - ١٣٥م، أو هم قد جمعوا بين أشتات من كل هؤلاء. ومع وضوح الشك في هذا الخليط الكثير من الآراء وجد آذانًا صاغية ممن أخذوا عن الإسرائيليات وصدقوا رواتها باعتبارهم من أهل الكتاب والكتابة لا سيما وأنه لم تظهر للأسف لعرب يثرب القدامى كتابات أصيلة تتحدث باسمهم حتى الآن. وافترض بعض المؤرخين من القدامى والمحدثين رأيًا وسطًا. احتملوا فيه أن يكون يهود يثرب أو أغلبهم من العرب المحليين الذين قد يرتد نسبهم إلى الجنوب، وأنهم تهودوا في يثرب حينما بلغتها الديانة اليهودية بطريقة ما, شأنهم في ذلك شأن من تهود من عرب تيماء وتبوك ووادي القرى وعرب اليمن أيضًا. وزكوا هذا الفرض بما قيل من أن هؤلاء اليهود المحليين لم يكونوا يعترفون بالتلمود كله، وأن معارفهم الدينية كانت محدودة بحيث أنكر عليهم بعض يهود الشام في القرن الثالث الميلادي صدق يهوديتهم. وربما انضمت إليهم أشتات صغيرة مهاجرة من الإدوميين مثلا بعد أن زالت دولتهم؛ حيث وجد رأي ينسب بني قينقاع إليهم. ولم يكن هؤلاء وهؤلاء كثرة كبيرة، وإنما قدر عدد رجالهم في إحدى المناسبات بما لا يزيد عن الألفين.

стр. 179

وكانوا يتحدثون بعربية تداخلت فيها ألفاظ ومسميات عبرية اكتسبوها من التوراة أو ممن معهم من اليهود الطارئين، وقام لهم بيت يسمى بيت المدارس, كان من المفروض أن يتدارسوا فيه أمور دينهم ويفصلوا فيه في قضاياهم. ومع عربيتهم أو استعرابهم عاشوا في أحياء محدودة ومجتمع مقفل عليهم. وقد أسلفنا في الفصل العاشر كيف ربط بعض الإخباريين بين الملك أب كرب أسعد ملك سبأ وذي ريدان وبين يهود يثرب مرة بدخولهم إليها في عهده في بداية القرن الخامس الميلادي، ومرة بامتداد نفوذه إليها حينما توسع في نواحي معد والحجاز، ومرة برحلته إليها وتهوده، ومرة بتعيينه أحد أولاده عليها حيث قتل بعد رحيله عنها ... إلخ. واعتبرت الروايات العربية الأوس والخزرج أخوين من الأزد وقضاعة هاجروا إلى يثرب بعد سيل العرم وخراب سد مأرب باليمن، وهو توقيت غير محدد بزمن صريح حيث تخرب سد مأرب في أكثر من عهد، وأصلح أكثر من مرة كما سبق التنويه بذلك في الفصل الرابع. ولهذا تباينت آراؤهم في توقيت هذه الهجرة بالقرن الثالث أو أواخر القرن الرابع، أو في القرن الخامس للميلاد. ومرة أخرى أشاعت الروايات العبرية وما تأثر بها أو وافقها من الروايات العربية أن الأوس والخزرج اكتفوا في بداية الأمر بحياة متواضعة في يثرب في مقابل كثرة استغلال يهودها للتجارة والصناعة. وعمل بعضهم في الزراعة وتعاقدوا في حلف مع اليهود ليؤمن بعضهم بعضًا. ووجد اليهود في هذا الحلف ما يزكي وجودهم ويكفل لهم معونة الأوس والخرزج في الدفاع عن يثرب, والقيام بدور الوساطة بينهم وبين من حولهم من عرب وأعراب. وشيئا فشيئًا أثري الأوس والخزرج وتحسنت أوضاعهم. ورأى بنو قريظة والنضير الحيلولة دون استفحال أمرهم فأهدروا حلفهم معهم واستبدوا بهم. وانكمش الأوس والخزرج زمنًا حتى استنفر هممهم زعيم الخزرج مالك بن العجلان -أو عمرو بن النعمان- وسعى معهم إلى إحراز السيادة. ويبدو أنه حالف بطونًا من قضاعة في غسان أو في غيرها من جنوب الشام، وربما حالف بعض الحميريين أيضًا، ثم فاجأ بقومه وحلفائه اليهود قبل أن يعتصموا بصياصيهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وساد هو وقومه يثرب في ختام القرن الخامس الميلادي أو بعده بقليل. ورأى بعض المؤرخين ومنهم إلفنسون أن هزيمة اليهود حينذاك في يثرب كانت انعكاسًا لهزيمتهم في اليمن، وأنها تمت في الحالين بناءً على تحريض مسيحي الحبشة في اليمن، وبناءً على تحريض مسيحي غسان في يثرب. ورأى آخرون العكس. ويلاحظ هنا أن هزيمتهم في يثرب سبقت هزيمتهم

стр. 180

في اليمن. واستبعد مؤرخون آخرون أثر التحريض الديني في يثرب وقصر أسباب النزاع بين العرب واليهود حينذاك على تضارب المصالح الاقتصادية والرغبة في الاستئثار بالسلطة. وبعد النصر زاد الأوس والخزرج من عمران يثرب وسمعتها، وزادوا من آطامها وحصونها. وانتشر الخزرج في بقاع خصيبة من العوالي في جنوب وشرق يثرب, بينما انتشر الخزرج في بقاع أقل ثراء في الأجزاء الوسطى والشمالية منها. وعاش عرب يثرب في بداية الأمر متحدي الصفوف، ثم ساءت العلاقات فيما بين قبائلهم الرئيسية، وفرق التنافس الاقتصادي والسياسي وحدتهم، حيث أخذ الأوس على الخزرج استئثارهم بالسيادة السياسية، بينما أخذ الخزرج على الأوس استئثارهم بأهم النواحي الاقتصادية. وعمل اليهود من حين إلى آخر على تأجيج نار الفتنة بين الفريقين وتأليب فريق منهما على فريق. وهكذا تكررت أيام الحروب بين الأوس والخزرج, وظل أغلب النصر فيها للخزرج حتى هزموا في حرب بعاث التي سبقت هجرة الرسول إلى يثرب بنحو خمس سنين. وقبيل وصوله إليها كان الأوس قد جمعوا كلمتهم برئاسة أبي عامر بن النعمان، بينما أعاد الخزرج تنظيم صفوفهم برئاسة عبد الله بن أبي سلول وأعدوه ليكون ملكًا على يثرب كلها. وكما تنافس الأوس والخزرج واليهود خفية وعلانية في يثرب، تنافست مكة ويثرب في شئون التجارة والاقتصاد وزعامة عرب الحجاز. وكانت أولاهما -كما سبق القول عنها- تغلب فيها العدنانية، وجدب التربة، وثراء التجارة الخارجية، وحرمة البيت، بينما غلبت في يثرب الأصول القحطانية الخليطة وخصب التربة وكثرة الإنتاج من النصيب الأقل من التجارة الخارجية, من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول - القاهرة ١٩٦٥. سعد زغلول: في تاريخ العرب قبل الإسلام- بيروت ١٩٧٥. عبد القدوس الأنصاري: آثار المدينة المنورة -١٩٧٣. علي حسني الخربوطلي: الكعبة على مر العصور - القاهرة ١٩٦٧. نور الدين السمهودي: خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى - المدينة المنورة ١٩٧٢.