← История

История · id 11078

تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة

عبد العزيز صالح

Полный текст (180 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كونه محاربًا، فبقي من أيامه نص ينظم بيع الرقيق والماشية. ويحدد المدة التي يكون البائع مسئولًا فيها عن الحيوان الذي باعه إذا هلك بسبعة أيام. ويبدو أن هذا النص كان جزءًا من تشريع متكامل صدر في أيامه. ومرة أخرى ارتبطت هذه النهضة الحميرية الكبيرة بشخصية شمريهرعش الثالث ومن قبله بشخصية أبيه قبل أي شيء آخر، بحيث أن بعض أقاليم دولته في حضر موت وفي تهامة، حاولت الانسلاخ عنها في أواخر أيامه أي عندما شاخ عهده. وربما ردها إلى طاعته ولكن إلى حين. وتجددت المشكلات في عهود خلفائه الأقربين ولم ينجحوا في غير إخضاع حضرموت التي استنفذت قواها، أما الأطراف الغربية لدولتهم فاكتنف الغموض مصيرها. فقد ورد في ألقاب ملك الحبشة عيزانا الذي يرى بعض الباحثين أنه عاصر خلفاء شمريهرعش المباشرين منذ حوالي عام ٣٢٥م- أنه ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة وسبأ وسلحين وصيامو وبجه وكاسو ملك الملوك. ويبدو أن سيطرته على حمير وسبأ اللتين أوردهما لقبه بعد عاصمته أكسوم. كانت سيطرة مفتعلة أراد أن يمهد بذكرها لمرحلة مقبلة بعد أن أصبحت دولة سبأ وذوريدان في نظره لقمة سائغة طحنتها مشكلاتها الداخلية. ولا يستغرب مثل هذا الأمل المفتعل إذا ما قورن بما حدث بعد كثير من القرون حين أمر الإمبراطور نابليون بسك نوط تذكاري باسمه تمجيدًا لفتحه الجزر البريطانية، وهو أمر لم يتم وبقي النوط تذكارًا لأمل لم يتحقق. ولم يقتصر هدف عيزانا من هذا اللقب على مجرد الأمل في السيطرة على بلاد الجنوب العربي وما يصل إليها من متاجر، بل كانت وراءه ملابسات أخرى، فقد سمح الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأكبر بانتشار المسيحية في دولته ابتداء من عام ٣١١م، ثم أصبحت دينًا رسميًا للإمبراطورية في عام ٣٧٥م، واتجهت بعثات بيزنظة في عهده إلى الحبشة وما يجاورها للتبشير بالمسيحية واتخاذ الدين مدخلًا إلى عقد المحالفات السياسية والاتفاقيات الاقتصادية. ونجحت هذه البعثات من ناحيتها الدينية في إطلاق حرية العبادة للمسيحيين من التجار الأغراب ومن تنصروا من رجال البلاط وأهل البلاد التي دخلتها المسيحية. ويبدو أن عيزانا ملك الحبشة قد سايرها على الرغم من أن اليهودية كانت قد سبقت المسيحية إلى بلاده منذ قرون ولكنها ظلت محصورة في نطاقها الضيق وسط الديانة الوضعية الشائعة. ولعله في مشايعته للمسيحية وفي لقبه الذي ادعى فيه سيطرته على سبأ وحمير كان يعمل على أن تكون له الصدارة

стр. 107

في تمثيل البلاد الواقعة على جانبي السواحل الجنوبية للبحر الأحمر أمام حليفته الدولة البيزنطية القوية حامية المسيحية في الشرق ووريثة الرومان في السيطرة على سياسته وتجارته. على أن الجدير بالذكر هو أنه إذا كان ملك الحبشة هذا أو خلفاؤه قد ودوا أن تكون لهم اليد العليا على المناطق العربية الجنوبية، فقد أسلفنا من قبل أن هجرات عربية جنوبية قديمة كانت قد أثبتت وجودها وتأثيراتها في الحبشة، عن طريق استخدام اللغة العربية الجنوبية في نصوصها إلى جانب اللغة الأفريقية، أو مختلطة بها، وكتابة هذه النصوص بحروف المسند العربية. وعن طريق النشاط الاقتصادي الذي جعل لطوائفهم التي عرفت باسم الجعزيين أي الأحرار منزلة مرموقة ومكانة سياسية كبيرة في الحبشة، مع امتداد نفوذهم على أجزاء متفرقة من الساحل الأفريقي. وعلى أية حال فما لبثت دولة أكسوم أن اضطربت أحوالها في أرضها الأفريقية فانشغلت بنفسها. وبقيت ملكية سبأ وذوريدان وحضر موت ويمنة العربية قائمة تجاهد في سبيل الاستمرار، ومن أعمال ملوكها إصلاح سد مأرب ثلاث مرات، وفي أولاها أصلح الجزء الأوسط منه عند تهدمه للمرة الثانية المعروفة بعد عام ٣٦٠م. وتميز من ملوك العصر أب كرب أسعد الذي مارس الحكم نحو ستين عامًا منذ أن اشترك مع أبيه طفلًا. وعندما استقل بالحكم اشرك معه ولده حسان يهنعم في حوالي عام ٤٠٠م. وأثرت له جهود لتوطيد الأمن في دولته والسيطرة على طرق القوافل المتجهة إلى الشمال. فكانت له حروب في منطقة معد، ولعلها امتدت أيضًا في نواحي الحجاز من ناحية، وحتى الربع الخالي في أواسط شبه الجزيرة من ناحية أخرى, وكانت قبيلة كندة من أعوانه. وشجعه نجاحه على أن يزيد في ألقابه الملكية عبارة أكد فيها سلطانه على بدو المرتفعات والبراري، فأصبح ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنت وأعرب طودم وتهمت. أي وأعراب الجبل وتهامة (أو النجد والسهل) ... ولا تساع أعماله العامة نسبيًا أشاد الإخباريون بذكراه وذكروه باسم أسعد تبع ونسبوا إليه فتوحات واسعة كما أشادوا بقصوره أو حصونه فيما بين ظفار وبين صنعاء. وأصلح سد مأرب ثانية في عام ٤٤٩م في عهد الملك شرحبيل يعفور، وزيدت قنواته ودعمت جسوره، ولكن انهار جانب من سد رحب ثانية بعد عملية إصلاحه بعام واحد وأدى ذلك إلى هلع السكان وفرارهم إلى الجبال خوفًا من

стр. 108

طغيان السيول، فأصلح مرة أخرى في عام ٤٥١م وقيل إنه اشترك في إصلاحه نحو ٢٠ ألف رجل. وارتبطت أهم أحداث العصر في الجنوب العربي الذي سوف نعبر عنه فيما يلي باسم اليمن وهو الاسم الشائع في المصادر العربية، بالتطورات الدينية وما ترتب عليها من نتائج حضارية وسياسية. فقد سلكت اليهودية سبيلها إلى اليمن في عهود غير معروفة ود بعض الكتاب ومن اليهود بخاصة أن يرجعوا بها إلى زمن بعيد فربطوا بينها وبين عهد تخريب الرومان لبيت المقدس في عهد فسباسيانوس وتيتوس في عام ٧٠م، وتشتيتهم لمن بقي فيها من اليهود الذين هرب بعضهم إلى الصحراء وانزووا في جاليات صغيرة على الطريق التجاري المتجه إلى الجنوب حتى اليمن. والواقع أنه ليس من سند لإرجاع هجراتهم إلى بلاد العرب إلى مثل هذا الزمن البعيد الذي رددته بعض الكتب التاريخية دون تمحيص حيث لم يظهر لعقيدتهم أثر في النقوش العربية الجنوبية أو الشمالية إلا منذ القرن الرابع أو الخامس الميلاديين. وليس من المستبعد أن بعضهم تسلل إلى اليمن عن طريق فارس التي احتضنتهم نكاية في البيزنطيين المسيحيين الذين كانوا يكرهونهم. ولأمر ما ربط بعض الإخباريين ومن ذوي الأصل العبري أيضًا بين الملك أب كرب أسعد وبين يهود يثرب، مرة بدخولهم إليها في عهده، ومرة برحلته إليها وتهوده، ومرة بامتداد نفوذه إليها وتعيين أحد أولاده عليها حيث قتل بعد رحيله عنها ... إلخ. وسلكت المسيحية سبيلها إلى اليمن عن أكثر من طريق، فسلكته أولًا عن طريق البعثات التبشيرية. ويبدو أن الدولة البيزنطية حينما وجدت الحبشة قد انشغلت بمشاكلها الداخلية عما أملته فيها من نشر المسيحية وما يستتبعها من أهداف سياسية، تعاملت مع الدولة الحميرية رأسًا. وكان من رسلها المبشرين الأوائل ثيوفيلوس الهندي في منتصف القرن الرابع الميلادي ويروي التاريخ الكنسي أنه نجح في تنصير الملك الحميري المعاصر له. ولم يكن تنصير الملك، إن صح، هو بيت القصيد. وإنما يبدو أن بيزنطة أرادت أن تضمن لها أنصارًا باسم الدين للوقوف في وجه انطلاق نفوذ الفرس المحتمل في شبه الجزيرة العربية وما يتصل بها عبر الخليج العربي وعمان. وهكذا اتجهت البعثات التبشيرية البيزنطية إلى جزيرة سوقطرى وميناء هرمز أيضًا. وسلكت المسيحية طريقها إلى الجنوب العربي كذلك عن طريق تجار الشام المسيحيين الذين تعاملوا مع أهله، وربما سلكته كذلك عن طريق تجار الحبشة المسيحيين، وبعض أهل الحيرة أيضًا على الرغم من اختلاف مذهبهم المسيحي

стр. 109

عن المذهب الذي أخذ به نصارى اليمن. على أنه مهما كان من أمر المسيحية واليهودية في اليمن. فقد ظل أتباعهما قلة قليلة. وظلت غالبية أهل الجنوب العربي على عقائدهم الوضعية القديمة وإن حاولوا أن يوسعوا آفاقهم الدينية من تلقاء أنفسهم تارة ونتيجة لاتصالهم بأصحاب الديانتين اليهودية والمسيحية تارة أخرى. وهكذا ورد في نص الملك شرحبيل يعفور عن إصلاح سد مأرب عبارة تقول ما يمكن ترجمته إلى بنصر وعون الإله سيد السماء والأرض وذلك مما يعني تقديس معبود أكبر يشمل سلطانه السماء والأرض ولا يقتصر سلطانه على إقليم بعينه أو مظهر معين. ووردت في نص عبد كلال عبارة تقول بردا رحمنن أي: بعون الرحمن، مما يعني الإيمان برحمة الرب الدائمة وفضله الواسع، وروى أحد مؤرخي التاريخ الكنسي أنه كان بين الحميريين إبراهيميون عارضوا ثيوفيلوس المبشر المسيحي، غير أن أمثال هذه الفلتات القليلةلم تقض على عقائد التعدد القديمة فظلت هي الغالبة. وتنافست الديانات الثلاث، وكان الأكثر تنافسًا أنصار الديانتين الجديدتين أي اليهودية والنصرانية. وفي خلال هذا التنافس اشتد أحد الملوك الحميريين الأواخر وهو يوسف أسأر يثأر الملقب ذو نواس في معاملة التجار المسيحيين والأشاعرة حلفاء الأحباش لسبب ما يرده البعض إلى تهوده، ويرده البعض إلى صداقته لليهود وتأثره بتحريضهم، ويرده البعض الآخر إلى ربطه بين انتشار المسيحيين في بلده وبين احتمال انتشار النفوذ الحبشي المسيحي عن طريقهم لاسيما وأن منهم من كانوا على صلة ببلاط الحبشة فعلًا. وترتب على هذه الشدة أن قل تعامل التجار البيزنطيين مع الموانئ العربية والموانئ الأفريقية القريبة منها. واستنصر المسيحيون بعضهم بعضًا، وناشدوا إمبراطور بيزنطة أن يتدخل لمعاونتهم، ولكن الشقة بين بيزنطة وبين اليمن كانت بعيدة، فوقع عبء معاونتهم على ملك الحبشة كاليب أل أصبحا حليف البيزنطيين ووجدت دعوة الاصتنصار هذه هوى في نفسه لتحقيق أمل أسلافه ولزيادة نفوذه السياسي والتجاري، لاسيما وأن بلاده قد تأثرت إلى حد ما من اضطراب أمور التجارة البيزنطية في جنوب البحر الأحمر. وقيل: إن كاليب كان على رأس الحملة على اليمن أو أشرف على الأقل على إعدادها في ميناء عدولى الذي أبحرت منه عبر باب المندب في فترة ما تقع بين٥٢٠م و ٥٢٣م. ونجحت الحملة في غرضها، وفر ذو نواس إلى منطقة جبلية ببعض أعوانه. وأعلن الملك الحبشي سيادته على ظفار وعين عليها واليًا حبشيًا، وعندما توفي هذا الوالي استغل ذو نواس فرصته فأعاد تجميع أنصاره واستعاد

стр. 110

ظفار وانتقم ممن فيها من الأحباش وأجلى بقيتهم عن بلاده ثم رد الصاع صاعين، فترك اليهود يفتكون بمن شاءوا من منافسيهم المسيحيين. ووجه انتقامه إلى نجران أكبر مراكز تجمع المسيحيين فراسل زعيمها الحارث؟ ليتصل به، ولكن الرجل تخوف غدره فتحصن بمدينته. وشدد نواس حصار نجران وقيل: إنه وعد أهلها الأمان إن استسلموا له. فلما طال المطال عليهم فتحوا له أبواب مدينتهم فكان انتقامه هو وأعوانه منهم على نحو ما ذكر القرآن الكريم في سورة البروج (٤ - ٩) إذ يقول: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وأراد ذو نواس أن يتخذ له سندًا لو تأزمت الأمور ضده فكتب إلى ملك الحيرة المنذر الثالث يود أن يحالفه أو يجعل له سبيلًا إلى محالفة الفرس وتصادف أن كان في مجلس المنذر وقتئذ وفد من قساوسة الروم فأشاعوا أن ذا نواس دعا المنذر في رسالته إلى أن يفتك بمسيحي الحيرة كما فتك هو بمسيحي نجران. وثارت ثائرة العالم المسيحي، وأراد الملك الحبشي أن ينتقم لما أصاب رجاله فعاود الحملة على اليمن بجيش كثيف، وانتصر جيشه بعد جهد جهيد. وقتل ذو نواس أو فر وغرق كما روت بعض المصادر العربية. وصحب الاحتلال الحبشي الأخير لليمن في عام ٥٢٥م ما يصحب كل احتلال أجنبي من ضروب القتل والتدمير والنهب والأسر التي أفاضت المصادر الإسلامية في تصوير بشاعتها. ويبدو أن مقاومة الحميريين للغزاة قد استمرت لبعض الوقت. إذ يذكر حمزة الأصفهاني (في تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) أنه أعقب ذا نواس ولده ذو جدن ولكنه لقي نفس مصيره. ولعله من جراء هذه المقاومة أن عمل نجاشي الحبشة على أن يوطد احتلاله لبلاد اليمن بما يخدر أهلها فعين على حكمهم تحت طاعته رجلًا من سادتهم يدعى سميفع أشوع كان من كبار أعوان ذي نواس، وبعد مقتله تحصن هو بأولاده في حصنه وجمع حوله بعض حلفائه، ثم تبين عقم المقاومة أو استجاب لدعوة الأحباش فهادنهم وربما تنصر حينذاك واتخذ اسمه المسيحي الصيغة الذي سبق ذكره. وقد نسب إليه نص عربي تلقب فيه بلقب ملك سبأ وذكر إيمانه بالمسيح الذي أورد اسمه بصيغة لاتينية محرفة، مع إثبات تبعيته لنجاشي أكسوم. وازدادت أعداد الكنائس الكبيرة في اليمن منذ ذلك الحين، وكانت كبراها كنيسة في نجران سماها أتباعها كعبة نجران وكعبة اليمن وكان لها سرادق من أدم. وأخرى في ظفار أقام فيها كبار قساوسة اليمن، وكنيسة ثالثة في عدن ... إلخ.

стр. 111

والتفت الدولتان الكبيرتان دولة الروم ودولة الفرس إلى هذا المجال لصالحهما، وكانت كل منهما قد فرغت من مشكلاتها التي شغلتها في أغلب القرن الخامس الميلادي حين تدفقت هجرات الهون على أملاك فارس، وتدفقت هجرات الجرمان على أملاك بيزنطة. وبدأ الإمبراطور البيزنطي بمحاولة استغلال رؤساء مسيحي الحبشة واليمن. وقيل: إنه طلب من نجاشي الحبشة ومن والي اليمن أن يجعلا قضية المسيحيين قضية واحدة وأن يتعاونا مع دولته في التضييق على الفرس. وأوصى الحاكم اليمني على شيخ عربي قصد بلاطه يدعى قيس أويلي زعامة قبيلة قيس وأن يجعله رئيسًا على قبائل معد وأن يتعاون معه على مهاجنة مصالح الفرس، ولكن يبدو أن أحدًا من هؤلالم يستجب له. وسواء مات الوالي سميفع ميتة طبيعية أم قتل، فقد عمل الأحباش على أن يحكموا بلاد اليمن بعده حكمًا مباشرًا بعد أن رضخ أهلها لحكم الواقع. فعينوا عليها حاكمًا حبشيًا لعله كان القائد الأعلى لجيش الاحتلال، ولكن قائدًا من أعوانه مالبث حتى انقلب عليه واغتصب مكانه في ولاية اليمن، وهو الوالي الذي ذكرته المصادر العربية باسم أبرهة أو إل إبرهة. وحاول النجاشي إقصاءه ففشل، وعندما خلفه نجاشي آخر أرضاه أبرهة فأقره على ولاية ملك سبأ العريض تحت طاعته. وهنا انتحل أبرهة فأقره على ولاية ملك سبأ العريض تحت طاعته. وهنا انتحل أبرهة اللقب السبأي الضخم ملك سبأ وذوريدان وحضرموت وأعرابها في الجبل وتهامة، مع اعترافه بنيابته أو تبعته لسيدة ملك الجعزيين رمحس زبيمان ويبدو أن رمحس أو رماحس هذه تعني الشجاع. كما كان زبيمن لقبًا من ألقاب الحكام في الحبشة. واتخذ أبرهة صنعاء عاصمة. وشيدت فيها خلال عهده كنيسة ضخمة ذكرها الإخباريون باسم القليس تحريفًا عن كلمة Eccleststic بمعنى المجمع الكنسي. وشيدت كنيسة ضخمة أخرى في مأرب. وروت المصادر العربية أن نفائس المعابد القديمة ومجهودات اليمنيين قد سخرت من أجل إخراج هاتين الكنيستين في فخامة كبيرة. ويبدو أن عرب الجنوب لم يسلموا بحكم أبرهة بسهولة، إذ تحدثت بعض نصوصه عن انقلاب والي كندة يزيد بن كبشة ضده وتعاونه مع أبناء سميفع أشوع الوالي السابق وعدد من بقايا الأسر النبيلة القديمة وبعض قبائلهم ومنها قبيلة يزن التي انتسب إليها فيما بعد سيف بن ذي يزن. وهزم أبرهة بجيشه هؤلاء الأحلاف بعد جهد جهيد. ثم سنحت له فرصته لكي يظهر بمظهر الحاكم المصلح. فقد زاد تصدع سد مأرب بعد فترات الإهمال والاضطراب المتعاقبة. فعمل على

стр. 112

إصلاحه في عامي ٥٤٢و٥٤٣م. وقد أسلفنا في الفصل الرابع ذكر بعض الجهود الضخمة التي أنفقت فيه حينذاك، وأنه حضر حفل إعادة افتتاحه مندوبون من دول الحبشة والروم والفرس والغساسنة والمناذرة، مما يعني أن أبرهة استطاع أن يوفر لنفسه شهرة كبيرة تعدت حدود اليمن. ولعل هذه الشهرة كانت من العوامل التي خدعته عن نفسه وحقيقة قوته ودفعته إلى غزو مكة ومحاولة هدم الكعبة، سواء باسم التعصب الديني للمسيحية، أم لاستعادة السيطرة على الطريق التجاري الرئيسي الذي كانت مكة قد حققت لنفسها مكانة كبيرة فيه، أم استجابة لدعوة الروم القديمة بإحكام الخناق على المصالح التجارية الفارسية عن طريق ربط الدولة المسيحية الجديدة في اليمن بالدولة الغسانية المسيحية في جنوب الشام وكلتاهما من أولياء بيزنطة. وقد أثبت القرآن الكريم في سورة الفيل نتيجة هذه المحاولة الفاشلة. وكان من تفسير الزمخشري والطبري: أنه ترتب على ما رمته الطير الأبابيل على جيوش أبرهة أن تفشى بينهم وباء لعله الجدري الذي روى ابن هشام وابن سعد وابن منبه أنه عرف أول ما عرف بأرض العرب في عام الفيل. وعوضًا عما كان أبرهة يأمل فيه من إضعاف مكة، أصبحت هزيمته بها من عوامل ازدياد شهرتها. وربما عاد هو إلى بلده بقلة قليلة بقيت من جنوده. وعندما هلك خلفه ولداه، ولد من أم حبشية كان قد ولاه من قبل على قبائل معافر. وذكره الأخباريون باسم يكسوم، وولد من أم عربية ذكروه باسم مسروق وكان أبوه قد ولاه من قبل أيضًا على قبائل شناتر. وكان كل منهما شرًا من أخيه فضاق الناس بهما وتمنوا تحرير أرضهم من حكمهما. وتزعم حركة تحرير اليمن سيف بن ذي يزن الذي خلدت الروايات والأساطير الشعبية ذكره، ولكنه لم يستطع بأعوانه أن يناهضوا الغزاة الأغراب أو المهجنين بدون عون خارجي. ربما لأن هؤلاء الغزاة كانوا قد حرموا المواطنين من السلاح أو أشاعوا الفرقة بينهم. ولعل ماروته الأساطير من اضطرار ذي يزن إلى الاستعانة بالسحر والجن. وابتلائه بأم انضمت إلى من اغتصب عرش أبيه، وكثرة مالاقاه من مصاعب وعقبات في تنقله وترحاله- كل ذلك كان يرمز إلى المشكلات التي واجهتها دعوته التحريرية في مجتمعه وخارج بلده. وقد روت المصادر العربية أن سيفًا قصد بلاد الروم واستنجد بالإمبراطور جوستين الثاني ولكنه لم يجد لديه استعدادًا لمعاونته ضد دولة مسيحية حليفة. فتركه إلى ملك الحيرة العربية ليتوسط له لدى ملك الفرس أعداء الروم وأعداء المسيحية. فاستجاب له بعد لأي عسى أن يجد سبيلًا عن طريقه إلى السيطرة على بلاد اليمن

стр. 113

وحرمان بيزنطة من امتيازاتها السياسية والاقتصادية فيها. ولكنه لم يكن مطمئنًا كثيرًا إلى إمكان نجاح المحاولة حيث روت المصادر العربية أنه أعانه بفرق قليلة تألف أغلبها من الأفاقين المجرمين تحت رئاسة قائد فارسي يدعى وهرز. وخرجت الحملة في ثمان سفن غرفت اثنتان منها ووصلت الست الباقية إلى عدن أو إلى ميناء قنأ في حضرموت وهناك ضم سيف أنصاره إليهم وانتصر بهم على جيوش ابن أبرهة ولعله المسمى مسروق، في حوالى عام ٥٧٥م. وكالعادة، لم يكن العون العسكري الأجنبي بغير ثمن يقابله، فقد حكم سيف بن ذي يزن اليمن تحت طاعة الفرس. كما حكمها من قبل سميفع أشوع تحت طاعة الحبشة. وأضافت الروايات العربية أنه لقي مصرعه بعد ذلك على أيدي جماعة من الأحباش، سواء بدافع من كراهيتهم الشخصية له. أو بدافع من تحريض دولتهم، أو بدافع من تحريض الفرس أنفسهم. وقد كان عهد ولده معد يكرب الذي خلفه تحت طاعة الفرس. فيما يذكر المسعودي، عهدًا قصيرًا. وحكم الفرس اليمن بعد ذلك حكمًا مباشرًا، كما فعل الأحباش من قبل، بعد أن أطمأنوا إلى تسليم السكان بالأمر الواقع. فولوا حاكمًا فارسيًا في ظفار، وإن تركوا المخاليف في أيدي الأمراء الوطنيين. وهنا توفر للفرس ما لم يكونوا يحلموا به من السيطرة على مخارج التجارة البرية والبحرية من بلاد اليمن وإليها عن طريق البحر الأحمر والمحيط العربي -الهندي- وعلى الطرق البرية المؤدية إلى الخليج والعراق من ناحية وإلى الشام ومصر من ناحية أخرى، إلى جانب ما كانوا يسيطرون عليه من تجارة الخليج العربي. وتتابع على حكم اليمن ثلاثة أو أربعة من ولاة الفرس كان آخرهم باذان الذي أسلم في عهد الرسول ﵇ ودخلت بلاد اليمن بعده في الإسلام في عام ٦٢٨م. وانتهى دور المناطق الجنوبية أو العربية السعيدة Arabia Felix في عصور ما قبل الإسلام عند هذا الحد. بينما كانت المناطق الشمالية في شبه الجزيرة تعاصرها في المسيرة، وهو ما سوف نتتبعه في فصول تالية.

стр. 114

من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: Beeston, A.F.L., Qahtan, Studies in Old South Arabian Epig- raphy ١٩٧٦ philby, op. cit., ٨٧-١٢١ pirenne, j., Recueil des inscriptions et antiquites sud-asabes, ١٩٧٧ Ryckmans,G, in Museon ١٩٤٢,bsoas١٩٥٢ Shahid, l., The Martyrs of Najran ١٩٧١ Wissmann, H.V., Zur Geschichte und Landeskunde von alt- Sudarabien, ١٩٦٤ Wissmann, H.V. und Hofiners, M., Beitrage Zur Historisschen Geographie des Vorislamischen Sudarrabien, ١٩٥٣ بافقيه، وبيبستون، وروبان، والغول: مختارات من النقوش اليمنية القديمة -تونس ١٩٨٥. جواد علي: المرجع السابق، جـ٢. مظهر علي الأرياني: في تاريخ اليمن- القاهرة ١٩٧٢. مجلة العرب، السنة الخامسة- يناير ١٩٧١ - ص ٤٠١ - ٤٢٤.

стр. 115

الفصل الحادي عشر: مناطق الأطراف العربية اولاً: المصادر المسمارية ... الفصل الحادي عشر: مناطق الأطراف العربية أولًا: في المصادر المسمارية توزعت مناطق التجمع والتحضر القديمة في الأجزاء الوسطى والشمالية من شبه الجزيرة العربية بشرقها وغربها. على نحو ما توزعت به في الجنوب تحت تأثير عدد من العوامل الاقتصادية والعوامل الجغرافية. فانتشر أغلبها حول الطرق التجارية الرئيسية الواصلة بين أجزاء شبه الجزيرة والمؤدية منها إلى البلاد المجاورة، كما انتشر بعضها على مناطق الحواف بين أطراف الصحراء وبين حدود دول الهلال الخصيب القريبة منها، فضلًا عن انتشارها الداخلي في الواحات والنجوع والقرى حول العيون والآبار والنهيرات الصغيرة وفي مناطق الحرات. وانصرفت تسمية عرب، التي تداولتها نصوص التاريخ القديم على العرب الشماليين أكثر منها على العرب الجنوبيين، كما انصرفت للدلالة على أعراب البادية أكثر منها على أهل الحواضر. وذلك على الرغم مما تناقلته أغلب مؤلفات الأخباريين من تسمية أهل الجنوب باسم العرب العاربة وتسمية أهل الشمال باسم العرب المستعربة. أ) في العصر الأشوري: اتسع المجال العربى في عصوره القديمة لما كان يتعدى شبه الجزيرة إلى قرب بوادي الشام والعراق وسيناء أيضًا. وبهذا المعنى الواسع ورد أقدم لفظ مكتوب مؤكد لتسمية العرب في النصوص المسمارية الآشورية خلال القرن التاسع قبل الميلاد على نحو ما سلف ذكره في مقدمة هذا الكتاب. ولا يعني وروده في هذا القرن بداية ظهوره أو بداية ظهور العرب بحال من الأحوال. فهناك قرائن عدة تناولنا بعضها في فصول سابقة ونتناول بعضها الآخر في مناسبات تالية، تدل على قدم وجود العرب بخصائصهم وخصائص لغتهم منذ عهود سبقته بآمال طويلة. ومن الباحثين من يحتمل ورود تعبير قريب من تعبير العرب في نص مسماري من عهد نارام سين الملك السامي الآكدي خلال القرن الثالث والعشرين

стр. 116

ق. م وإن كانت قراءته لا تزال موضعًا للجدل. وكان التوسع الآشوري قد امتد في القرن التاسع ق. م إلى بوادي الشام وضغط على ما في جنوبها من مناطق التجمعات العربية. وحاولت دويلات المنطقة أن تقف في وجه تقدمه بتكوين حلف كبير بزعامة إمارة دمشق وما حولها. وهنا ذكرت نصوص شلما نصر الثالث الملك الآشوري في عام ٨٥٣ ق. م. أنه انضم إلى هذا الحلف فيمن انضموا إليه ألف راكب جمل من رجال جنديبو أريبي (أو الأريبي). ويعتبر لفظ جنيديبو تحريفًا لاسم جندب أو جندبة. كما يعتبر لفظ أريبي تحريفًا لصفة العربي. وقد لقب جنديبو هذا بلقب الملك، ويبدو أنه كان يعيش بقبيلته العربية أو يتردد بها على البادية الواقعة إلى الجنوب الشرقي من دمشق. وإذا صح أنه اشترك في الحرب ضد الآشوريين بألف راكب جمل فعلًا لدل ذلك على سعة نفوذه وكثرة رجاله قياسًا على إمكانات عصره. وتعددت إشارات النصوص الآشورية بعد ذلك إلى الجماعات العربية القريبة من دولتها والواقعة على طرق التجارة الواصلة إليها. ورددت القول بانتصارات ملوكها العراقيين وجيوشهم على هذه الجماعات وتلقي الجزى منها. وهي أخبار تحتمل الصدق كما تحتمل الشك. فيحتمل صدق بعضها على أساس عدم تعادل كفتي الفريقين من حيث العدد والعدة ومن حيث وفرة الموارد. ولكن يتعين الشك في بعضها الآخر على أساس أنها أخبار تواترت من جانب واحد وهو الجانب الآشوري الذي سجل انتصارات أصحابه دون هزائمهم. وجلي أنه لو كان خصومه من العرب الشماليين قد استخدموا الكتابة حينئذاك وسجلوا بها أخبارهم، لأمكن مقارنة أخبار الجانبيين ببعضهما البعض والخروج منهما بما هو أقرب إلى الصحة. وعلى أية حال فإن ما ذكرته النصوص الآشورية نفسها عن تعدد حروب الجانبين يدل ضمنًا على استمرار مقاومة القبائل العربية التي اعتمدت على مهارتها في الكر والفر وقتال الصحراء، ووعورة مناطقها، وعملها على مضايقة خصومها عن طريق تهديد قوافل تجارتهم. واستطاعت على الرغم من قلتها النسبية أن تسجل صفحات مجيدة في الدفاع عن أرضها واستقلالها. ذكرت النصوص المسمارية الآشورية أسماء ممالك وقبائل عدة مثل سبأ وقيدرى وتيماء ومصوري وتمودي وخايابا ومساء ... إلخ. وكان أهم ما تضمنته فيما نكتفي به مؤقتًا وفيما يفيد التاريخ العربي العام هو أنها ذكرت أسماء خمس ملكات عربيات على أقل تقدير حكمن في جهة ما من شمال شبه الجزيرة العربية فيما بين أواسط القرن الثامن ق. م، وبين أواسط القرن السابع ق. م. ولم تحدد مكان دولتهن صراحة، ولكنها ذكرت خلال الحديث عنهن أحيانًا اسم أداوماتو

стр. 117

وذلك مما دفع إلى احتمال حكمهن في دومة الجندل أو بقربها في منطقة الجوف الشمالي، كما نسبت إلى إحداهن كهانة معبودتها الكبرى دلبات، وذلك مما قد يعني بدوره أن حكمهن اعتمد على تقاليد دينية جعلت رياسة الكهنوت لكبريات نساء الأسرة المالكة وسمحت لهن بوراثة الحكم واحدة بعد أخرى أو بنتًا بعد أمها. وهكذا أشارت النصوص المسمارية في القرن الثامن ق. م إلى ملكتين عربيتين أطلقت على كل منهما لقب ملكة أريبي. وذكرت أقدمهما باسم زبيبي تحريفًا عن زبيبة، وأضافت أنها اعترفت بالطاعة لدولة آشور وأدت الجزية إلى ملكها. وذكرت الثانية باسم سمسى (تحريفًا عن شمس) في مناسبتين: مناسبة أدت الجزية فيها إلى الملك الآشوري كسابقتها، ومناسبة أخرى خلعت فيها هذه الطاعة وساعدت البدو الآراميين أعداء الآشوريين. وتركت رجالها يهددون القوافل الآشورية، فحاربتها القوات الآشورية وخربت بلدتين في أرضها وأجبرتها على الطاعة، ثم عين الملك الآشوري مندوبًا له في عاصمتها يتلقب بلقب قيبو أي قيم كي يشرف على سياستها ويكتب إليه عن أمرها. ولم يكتف الآشوريون بأن يسجلوا نصرهم على قوم شمس كتابة فقط، وإنما أسرفوا في تصويره بما أشبع كبرياءهم، وبقي منه ما يصور فارسين آشوريين على جوادين يلاحقان برمحيهما محاربًا عربيًا يجري مسرعًا ببعيره ويلتفت إليهما في ضراعة بعد أن أصيب بعيره بسهم في جنبه كاد يرديه. وصوروا عددًا من قتلى جيش الملكة وقتلى حلفائها ممدين على الثرى تحت سنابك الجوادين. وزادوا فصوروا امرأة بثوب كاس تسير باكية تلطم وجهها بكفها أو تستره خجلًا بكفها وتمسك باليد الأخرى جرة كبيرة ويعقبها عدد من نياقها. وليس من المستبعد أنهم أرادوا أن يرمزوا بها إلى الملكة شمس نفسها وإلى عجزها واستسلامها وعودتها إلى رعاية الإبل. وأشارت النصوص الآشورية في القرن السابع ق. م إلى ملكتين عربيتين أخرتين: يتيئة وتلخونو، تحريفًا فيما يبدو عن اسمي يطيعة وتلهونة، وذكرت عن يطيعة أنها ناصبت الآشوريين العداء وربما تحالفت مع كبير الآراميين في العراق مردوك أيبا ليدينا الثاني ضد الملك الآشوري. وأسندت قيادة جيشها إلى أخيها بسقانو تحريفًا فيما يبدو عن الباشق. ولكن الجيوش الآشورية هزمت جيشها وأسرت أخاها. وسلكت الملكة تلهونة (أو تلخونو) مسلكها الخاص في سبيل الدفاع عن أرضها ومصالحها، فتحالفت مع من ذكرته النصوص الآشورية باسم خزا إيلي أو حزائيل، ملك قبائل قيدار المجاورة لأرضها في منطقة الجوف. وعهدت إليه

стр. 118

بقيادة جيشهما المشترك ضد الآشوريين، ولكن حلفهما فشل في أداء مهمته، على الأقل في حدود ماروته المصادر الآشورية، وفرت الملكة إلى أداوماتو (دومة؟) فلحقت بها القوات الآشورية على الرغم من وعورة الطريق وضيقت الحصار عليها حتى أسرتها هي أو الملكة أبكالاتو كما أسرت ابنتها تبؤة، واستولت على تماثيل معبوداتها، ويبدو أنه فت في عضد الملكة أنه نشب خلاف بينها وبين حليفها حزائيل عقب هزيمتها الأولى أو خلال حصار أداوماتو، فخرج إلى قلب البادية ونجا نفسه مؤقتًا وعز على الجند الآشوريين أن يتعقبوه وإن كانوا قد دمروا بلده، واستولوا على تماثيل بعض معبوداته. ولعله كان من جراء طول المقاومة والرغبة في إعادة السلام إلى الطرق التجارية أن اتبع البلاط الآشوري سياسة المهادنة، فتعهد الأميرة العربية الصغيرة تبؤة بالتربية والرعاية رغبة في أن تشب وفية مخلصة للملكية الآشورية وعندما بلغت سنًا مناسبة اعترف بها ملكة على قومها. وربطت النصوص الآشورية بين ملكة عربية أخرى وبين إيا إيلو بن حزائيل ملك قيدار كحليفة له ضمن ملوك صغار آخرين، وذكرت هذه الملكة باسم بائيلو ملكة أخيلو. واعتبر اللغوي إذوارد جلازر اسم بائيلو تحريفًا عن الاسم العربي باهلة، كما قرب اسم أخيلو إلى اسم ديار أخلة أو أجلة في منطقة الخرج في نجد. وبرر رأيه بما روته المصادر المتأخرة عن سكنى قبيلة باهلة التي يشبه اسمها اسم الملكة القديمة في هذه الديار، ولكن لازال رأيه هذا في مرحلة الفروض. ب) في العصر البابلي الأخير: عندما ورثت الدولة البابلية الكلدانية مناطق النفوذ الآشوري في الشرق الأدنى كان من الطبيعي أن تتجدد العلاقات الاقتصادية السلمية أو المناوشات الحربية بينها وبين الإمارات العربية التي تحف بهذه المناطق، لولا أن النصوص البابليةلم تسجل شيئًا كثيرًا عن هذه العلاقات حربًا كانت أم سلمًا، إلى جانب الحقيقة الأخرى المتوقعة وهي أن العرب بدورهم لم يعثر لهم على نصوص تتحدث عن أحوالهم معها. وظل الحال على هذا الغموض حتى اشتد التنافس بين دولة بابل وبين دولة الفرس. ومالت أحوال بابل إلى التدهور، فحاول آخر ملوكها نابونهيد أن يجرب حظه مع المناطق العربية عله يسترجع بها بعض مجده الذاهب فغزا جنوب الشام حتى إدوم وغزة، ثم أناب عنه على عرش بابل ولي عهده، ولأمر ما اتجه إلى واحة تيماء، ربما ليحيي أهميتها الاقتصادية على الطريق التجاري الرئيسي بين

стр. 119

شمال غرب شبه الجزيرة العربية وبين العراق من ناحية وبين البحر المتوسط من ناحية أخرى. ثم ينتفع بمواردها، أو على أمل أن يستعين بها وبوسطها البدوي على تطعيم جيشه بقوات فتية يستعد بها لمعركة قريبة بينه وبين الفرس، أو على أسوأ تقدير ليهيئ بها ملجأ يبعده عن طائلة الفرس حين الضرورة. وعلى الرغم من هذه الأغراض الملحةلم يكن نابونهيد موفقًا في سياسته، فاشتد على تيماء التي أراد أن يتخذها قاعدة جديدة لحكمه وفتك برؤسائها وأخضع سكانها وقتل ملكها، ثم أعاد تسويرها وأقام بها بضع سنوات في قصر جديد محصن على مثال قصره البابلي. ومد نفوذه منها جنوبًا على ساحل الحجاز وربما وصل حتى يثرب. وأخيرًا أدرك عقم محاولته فعاد إلى بابل حيث لم يلبث حتى خسر دولته كلها أمام الفرس فى عام ٥٣٨ ق. م ولازالت أغلب آثار هذا العصر البابلي في تيماء مطمورة تحت أنقاض العصور التي تلته. جـ) في العصر الفارسي: أدى مشروع نابو نهيا الفاشل في تيماء إلى عكس ما أراده منها، إذ كان من نتيجته أن وجه أطماع الفرس إليها وإلى ما حولها من المناطق العربية بعد أن مدوا نفوذهم على الهلال الخصيب كله. وأحس أمراء بادية فلسطين وما في جنوبها بعنفوان الفرس وشدتهم فآثروا السلامة معهم بحيث روى المؤرخ هيرودوت أن قمبيز ملك الفرس وهو في طريقه إلى فتح مصر في عام ٥٢٥ ق. م. حالف ملكًا من ملوك البادية كان يعبد هو وقومه اللات قرب خليج العقبة. أو بمعنى آخر أجبره. على أن يزوده بالإبل والماء ويرشد جيشه إلى مسالك الصحراء المؤدية إلى مصر, فعالج البدوي مشكلة الماء بملء بطون الجمال إلى حين الحاجة إليه، وعمل على إعداد ما يشبه الخراطيم الطويلة من جلود الماشية لتجري بالماء من نهير في بلده إلى ثلاث قنوات تصب في ثلاثة صهاريج ضخمة بالصحراء. وأيا ما كان في رواية هيرودوت هذه من الصحة أو من الخيال. فقد رددت نصوص الملك الفارسي دارا أن قبائل أربايا، أي القبائل العربية التي انتشرت في بادية جنوب الشام وعلى أطرافها كانت تؤدي إلى دولته كميات هائلة من البخور والطيوب وما إليها على هيئة الجزى والهدايا. وكان هذا أمرًا طبيعيًا في عصر أصبح الفرس فيه أقوى دولة في الشرق الأوسط من غير منازع بعد أن شاخت بقية دوله الأخرى وتهاوت إلى حين. وامتد النفوذ الفارسي إلى واحة تيماء نظرًا لما لها من أهمية تجارية. ويبدو أنه كان نفوذًا غير مباشر لم يحس أهل الواحة بشدة وطأته. بحيث أن أغلب ما

стр. 120

وجد بها من الآثار يرجع إلي أيامه وماتلاه. وتقع أطلال تيماء القديمة هذه في جنوب الواحة الحالية. وكان يحيط بها سور يتراوح سمكه بين١٧٥ وبين٣٢٠ من الأمتار ويبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار. أما امتداده فقد قدره دوتي بنحو ثلاثة أميال، بينما قدره سافينياك وجوسن بثلاثة كيلو مترات فقط. مما يعني أن المنطقة لا تزال تتطلب دراسة واسعة للكشف عن حقائق ماضيها، لاسيما وأنه كشف فيها بالفعل وعن طريق المصادفات ثم البحوث المحدودة بقايا قليلة من معابدها ومقابرها ونصبها الدينية. وهذه يحمل أقدمها تأثيرات عراقية ومصرية وفارسية، ويحمل أحدثها تأثيرات نبطية ورومانية نظرًا لكثرة اتصالاتها الخارجية القديمة وبحكم موقعها التجاري المتوسط. وذلك إلى جانب الخصائص المحلية التي ظهرت في أسماء معبوداتها القديمة. د) الأطراف الشرقية: توافر للأطراف الشرقية من شبه الجزيرة العربية نصيب قليل مما أتت به المصادر المسمارية ولكنه على قلته لا يعدم ما يؤيده من الكشوف الأثرية الحديثة التي سنتناول نتائجها في صفحات تالية. وعرفت أهم هذه الأطراف في النصوص المسمارية بأسماء دلمون وماجان وملوخا. ولأمر ما اعتبرت الأساطير السومرية دلمون جنة استقر السومريون زمنًا بها قبل أن يدخلوا أرض العراق. وذهب الترجيح إلى أنها، أي: دلمون، تمثلت في جزيرة البحرين. ثم تواتر ذكرها تاريخيًا وشمل اسمها فيما يعتقد بعض الباحثين المحدثين جزءًا من ساحل الأحساء المواجه لها. وذكرت نصوص الملك سرجون الآكدي في القرن الرابع والعشرين ق. م. أن إشراف دولته امتد على دلمون وماجان وملوخا وأن سفنها سارت على مياه آكد، وذلك مما دعا إلى اعتبار هذه الأقطار الثلاثة أقطارًا بحرية وساحلية ذات خبرة بالملاحة وصناعة السفن، ويعمل أهلها بالنقل البحري والتجارة البحرية. ولهذا سارت سفنهم في مياه الفرات طاعة لدولة آكد. وهكذا يتجه بعض الرأي إلى اعتبار ماجان تشغل ما تشغله عمان الحالية. وأضافت نصوص مسمارية أخرى أنه كان يستورد منها للعراق الخشب والنحاس والأحجار الصلبة. أما ملوخا التي ذكرت النصوص المسمارية أنه كان يستورد منها الذهب والخشب الثمين، فلم يتيسر تحديد موضعها الفعلي حتى الآن، وإن لم يستبعد أنها وقعت بين المنطقتين الأخريين دلمون وماجان أو البحرين وعمان. وذهبت آراء أخرى إلى المضي باتساع المناطق السابقة أو بعضها حتى وادي السند. وتعاقبت نصوص مسمارية أخرى بابلية وآشورية بعد عهد سرجون تكرر المعنى الذي أراده بامتداد النفوذ العراقي على هذه الأجزاء الشرقية. ولكن يبدو أنه

стр. 121

كان نفوذًا تجاريًا فقط. قام على أساس استيراد المواد الأولية التي ذكرناها وبعض منتجات بخور منطقة ظفار. وما يتجمع من منتجات الهند وجزر المحيط الهندي على سواحل الخليج العربي لتصريفه في أسواق العراق. وزادت النصوص الآشورية فأشارت في القرن الثامن ق. م إلى أريبيي مطلع الشمس وعنت بهم أعراب الشروق قرب الخليج العربي. وأخذت بعض الجاليات الفينيقية تتوافد على هذه المناطق الساحلية خلال العصر الفارسي، ومارست نشاطها التجاري فيها وفي البحار القريبة منها. ونقلت إليها بعض عناصر حضارتها. ثم ازدادت أعداد التجار الفينيقيين وتأثيراتهم واختلاطهم بالسكان المحليين في العصر الهيلينستي وهو ما يخرج عن دائرة المصادر المسمارية. وقد شهدت به تسمية جبيل لإحدى مدن المنطقة الشرقية.

стр. 122

ثانيًا: من نتائج الكشوف الأثرية الحديثة: ارتبطت أغلب الاكتشافات الأثرية في سواحل الخليج العربي وجزره مؤخرًا بجهود بعثة دانمركية لآثار ما قبل التاريخ، وما تبعها من بعثات أخرى. أ) في البحرين: استهلت هذه البعثة عملها في عام ١٩٥٣ في مناطق الظران وأدوات ما قبل التاريخ الحجرية على جبل الدخان والمنطقة الصحراوية في البحرين وامتدت منها إلى غيرها من مواطن الدهور الحجرية بها. ثم اتسعت مجالات بحثها فالتفتت إلى رجم المقابر التي بلغ من كثرتها أن بدت في هيئة الغرود الطبيعية في الصحراء. وقد قدر عددها بنحو مائة ألف وتنوعت بين كبيرة وصغيرة، ومخروطية ومستطيلة. وتفاوت متوسط ارتفاعات المقابر ذات القواعد الدائرية بين المتر وبين الستة أمتار، بل وارتفع أكبرها إلى ١٢ مترًا وبلغ قطر قاعدته ١٧ مترًا. وأحاط ببعضها سور دائري. وذلك إلى جانب مقابر أخرى صغيرة دفن أصحابها في جرار من الفخار. وتنقلت أعمال الكشف الأثري إلى حيث تتبعت شواهد العمران القديم في العواصم الأولى التي نسبت إلى عهود متفاوتة يحتمل أن أقدمها عاصر الحضارة السومرية، وعاصر بعضها العصر الآشوري الحديث والعصر البابلي الأخير، كما عاصر أحدثها الحضارة السليوكية الهيلنستية والحضارة البارثية، مع انقطاع عمرانها في فترات أخرى بعوامل مختلفة. وتمثلت أهم مكتشفات البعثة في أطلال معابد باربار بمستوياتها الثلاث المتعاقبة وبعض عناصرها الباقية الأمر الذي شجع على تسمية أهم الفترات الحضارية بجزيرة البحرين باسم حضارة باربار.

стр. 123

وتنوعت حصيلة ما بقي من مناطق السكن والعبادة والدفن، من أنواع الآثار المنقولة. فشملت كمية كبيرة نسبيًا من أواني الفخار والأواني الحجرية، ومجموعات من الأختام الدلمونية المستديرة ذات القمة المدببة والمسطحة. والتي نقش بعضها بمناظر محلية، ونقش بعضها الآخر بمناظر تشبه مناظر الأختام القديمة في العراق وفي وادي السند، وذلك مما يدل على العلاقات الحضارية أو التجارية بين هذه الأقطار الثلاثة، وذلك فضلًا على مجموعات من الأواني والتماثيل المعدنية والمرمرية الصغيرة، وقطع نحاسية وأخرى من العقيق واللازورد. وأوزان محلية ومنقولة ... إلخ. وأيدت هذه الآثار المنوعة الأهمية النسبية لجزيرة البحرين في العصور القديمة كمركز لمنطقة دلمون التي رددت المصادر المسمارية ذكرها، ومركزًا لحضارة خاصة بها وهي حضارة باربار، فضلًا على كونها جزءًا من حضارة الخليج العربي في مجمله. ب) في الكويت: تركزت أغلب أعمال البعثة الدانمركية منذ عام ١٩٥٨ في دولة الكويت في جزيرة فيلكا أو جزيرة أكاروس كما سميت بالإغريقية في عهد الإسكندر الأكبر. وقد ذكرتها المصادر الكلاسيكية كمحطة تجارية نظرًا لموقعها الاستراتيجي المناسب عند مدخل الخليج، ولما هيأته من المرفأ الآمن والمياه العذبة لسفن التجارة. وبقيت البعثة فيها على مستويات متعاقبة عادت بأقدم مظاهر سكانها إلى أواسط وأواخر الدهر الحجري القديم وإلى العصر الخالكولتى: النحاس الحجري. وقيل: إن بعضها عاصر الحضارة السومرية في العراق خلال النصف الأول من الألف الثالث ق. م، وحضارة كولى في السند، وما يمتد من العصر الآكدي حتى عهد إسين-لارسا في العراق (من أوائل القرن ٣٣ ق. م إلى أواخر القرن ١٨ ق. م.) حيث قلت مظاهر العمران لفترات طويلة حتى عاد نشاطها مع عهد الإسكندر والعصر السليوكي الذي مثلت فيلكا فيه مركزًا تجاريًا وحضاريًا جمع إلى صبغته المحلية والخليجية عناصر أخرى إغريقية وهيلينستية وفدت مع نشاط الملاحة والتجارة في هذا العصر وماتلاه. وظلت اتصالات الجزيرة بشبه الجزيرة العربية قائمة وعثر في أرضها على نصوص عربية قديمة. وتعددت الآثار الثابتة في مواقع التنقيب في جزيرة فيلكا وتمثلت في أطلال محلات سكنية وأفران ومواقد وأسوار وحصون، ومعابد محلية مثل معبد إنزاك ومواقع عبادة آلهة الينابيع ومصادر المياه. وأخرى هيلنستية مثل معبد

стр. 124

أرتيميس. وتباينت أطلال هذه الآثار في أحجامها وفي مدى أهميتها. كما تباينت وتداخلت في أزمنتها، لاسيما بالنسبة لمناطق السكن ومراكز العبادة التي أعيد استخدام بعضها جزئيًا أو كليًا في فترات متعاقبة، بحيث قد يضم الموقع الواحد أحيانًا بين آثار من عصور ما قبل التاريخ وبين آثار من العصر الهيلينستى متقاربة من بعضها أو مختلطة مع بعضها وقد لوحظت كثرة استخدام الأحجار في المباني القديمة على عادة بعض أهل جنوب شبه الجزيرة العربية، مع قلة البناء باللبن الذي اعتاده أهل العراق القريبين منهم. وكالعادة احتوت هذه الأطلال على آثار صغيرة منقولة تضمنت أعدادًا من أواني الفخار والأواني الحجرية والأسلحة الصغيرة والأحجار المنقوشة والتماثيل البشرية والحيوانية الصغيرة وقطع من العملات المحلية والهيليستية والعربية القديمة، وعدة آلاف من أختام صغيرة تنوعت بأشكالها وموضوعاتها بين أختام إقليمية مستديرة أنتجتها حضارة الخليج، وأختام أسطوانية قلدت أختام العراق، وأختام رباعية قلدت أختام وادي السند، بل وشكل أحد الأختام على هيئة الأختام المصرية القديمة. ونقشت على هذه الأختام أشكال مختصرة لكائنات بشرية وحيوانية وأشياء طبيعية وزخارف تخطيطية عبرت عن بعض عقائد أصحابها وأخيلتهم وأساطيرهم ومستوى فنونهم. جـ) في قطر: باشرت البعثة الدانمركية أعمالها في الساحل الغربي من قطر. وعثرت على كميات كبيرة من أدوات حجرية صنفتها في أربع حضارات بدائية ترجع إلى فترات من الدهر الحجري المتوسط والدهر الحجري الحديث والعصر النحاسي الحجري. وغلبت على حياة الدهور والعصور حرفة الصيد وحرفة الرعي ثم القليل من الزراعة. ووجدت البعثة رسومًا مختصرة على جوانب الصخور صورت مناظر زخرفية وملاحية وعقائدية. كما وجدت بقايا بلدة يرجع عمرانها إلى أواسط الألف الأول ق. م. د) في دولة الإمارات العربية: ركزت البعثة أغلب أعمالها في أبو ظبي في جزيرة أم النار التي قيل: إنها اكتبست اسمها من كثرة ما وجد بها من أحجار كانت تستخدم محطات لإيقاد النار. ثم اتسع البحث إلى منطقة العين وقرية هيلي. وظهرت شواهد أربع مراحل للعمران في محلات قديمة ذات مساكن منوعة. كما وجدت أعداد كثيرة من رجم المقابر المستديرة الفردية والأسرية، وأرجع أقدمها إلى فترات من الألف الثالث ق. م. وبني أكبرها بالحجر، وصورت على مداخلها مناظر إبل وماشية وحيات. واحتفظت بعض المقابر ببعض مازود الموتى به من أوان وخناجر وأدوات

стр. 125

للزينة، ويحتمل أن أهل جزيرة أم النار القدامى أخذوا في بعض عصورهم بتضحية الأتباع حين دفن سادتهم. هـ) في الساحل الشرقي للملكة السعودية: توزعت الأكوام الأثرية الصغيرة على طول الساحل الشرقي للملكة السعودية في مثل تاج والقطيف وتاروت والعقير والظهران وجبيل. وكان لكل هذه المواضع نشاطها الاقتصادي كمراكز بحرية وبرية لتجارة المرور، فضلًا على تجارتها المحلية. مما دلت عليه كتابات الرحالة والمؤرخين الكلاسيكيين وبعض المصادر العربية القديمة. وعثر فيما عثر عليه على أعداد من التماثيل الطينية الصغيرة لإناث وحيوانات. وقامت البعثة الدانمركية بتجميع أعداد كبيرة من كسر الفخار الخشن والرقيق، والأواني الفخارية والحجرية، ومباخر مربعة - ويبدو أنها كانت من آثار عمران لبلدة عاصرت الحضارة السليوكية أو الهيلينستية. كما عثر على نقش بكتابة عربية جنوبية قديمة في ثاج. وفي شبه جزيرة تاروت على امتداد القطيف تعددت رجم المقابر ذات الشكل المخروطي. ووجدت البعثة الدانمركية آثار عمران متقطع متفاوت قد يبدأ معاصرًا لحضارة العبيد في أقدم طبقاته، ويمتد به الزمن حتى عهد حضارة باربار في البحرين. ويضم مخلفات من الأدوات الحجرية الصغيرة لدهور ما قبل التاريخ، ومخلفات من كسر الفخار. وامتدت البحوث إلى جرها القديمة وهي الجرعاء العربية والعقير الحالية، على أساس ما شهد به الرحالة الكلاسيكيون من ثرائها ونشاطها الواسع في تجارة المرور، الترانزيت، خلال العصر السليوكي. وقد تعددت بالفعل أكوام أثرية كثيرة فيما بين العقير وبين الظهران، واستغلت البعثة الدانمركية ما وجد على سطوحها من كسر الفخار والأواني الحجرية لتصنيفها وتوقيت صناعتها. وفي الوقت ذاته كان لقرب مناطق النفط من الظهران أثر في توجيه الأنظار إلى ما كشف في أرضها مصادفة من الآثار خلال مد الطرق وتعبيدها وحفر الآبار. ونبه بيتر بروس كورنوول إلى أهمية موقعها وضخامة جبانتها القديمة، ونسبها إلى كبار منطقة دلمون الذين شمل نفوذهم البحرين والأحساء. وتفاوتت مقابر هذه الجبانة فيما بينها في سعتها وأهميتها ومحتوياتها. واحتوى أكبرها على توابيت حجرية وجدران مبنية.

стр. 126

و) من كشوف البعوث العربية: حاولت بعض البعثات الوطنية والعربية أن تدلي بدلوها في الكشف عن جوانب من تراث الخليج القديم. فأولت وزارة التربية في البحرين اهتمامها لموقعي الحجر والشاخورة منذ عام ١٩٧٠، وجرى الكشف عن مقابر يحتمل إرجاعها إلى ما يعاصر العصر الكاسي في العراق. وما يعاصر العصر السليوكي. وهي مقابر مستديرة صغيرة تنتمي لطوائف اجتماعية مختلفة. وغالبًا ما كسيت جوانبها الداخلية بملاط وعلتها قطع حجرية، وأدت إلى مدخلها درجة حجرية أو أكثر من درجة. وأولت دولة الإمارات العربية اهتمامًا بالكشف في أنحائها عن المزيد من المدافن القديمة. ووجدت على بعض أحجار المقابر رسوم هيئات بشرية وحيوانية ومناظر صيد. وتضمنت الآثار المنقولة التي عثر عليها من أوان وكسر الفخار أعدادًا مزخرفة بأشكال حيوانية وتخطيطية على الطريقة المحلية أحيانًا. وبما يقلد بعض زخارف الفخار الخارجية في مثل بامبور وكلى، أحيانًا أخرى. وانصب كثير من الاهتمام في نجد بالمملكة العربية السعودية على منطقة الفاو. وكانت مستوطنة قديمة على الطريق التجاري بين نجران وبين أطراف العراق عبر وادي الدواسر. وكشف فيها عن آثار عمرانها القديم وما تخلف عنه من الأواني الحجرية والفخارية فضلًا عن نقوش نصب المقابر ومخربشات الصخور مما اختلط فيه الأسلوب العربي الجنوبي بالأسلوب العربي الشمالي ويحتمل ربطه إلى حد ما بنشاط مملكة كندة قبل ظهور الإسلام.

стр. 127

من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: Bawden, Edens and Miller, Prelominary archaeologcal inves- tigation at Tayma, ATLAL, A ١٩٨٠ Dayton J.E"The city of tayma and the Land of Edom, ١٩٧٠- ٧٣ Dougherty R.P, "Tayma.htm's place in the Egypto-Balylonian World of the ٦th Century B.C. "Mizraim, ١, ١٩٣٠ Hamid, J.. Abu- Duruk. Introduction to the ASrchaeologyof Tayma, Riy adh, ١٩٨٦ Milik, I, Priere de Nabonidus, RB, ٦٣, ١٩٦٦. ٤٠٧-١٥ Oppenheim, L., in ANET, ٢٨٣-٢٨٤M٣٠٨f Winnett and Reed, Ancient Records from North Arabia To- ronto ١٩٧٠ من المؤلفات المختارة في دراسات ما قبل التاريخ: Bilby, G., Looking for Dil;mum ١٩٧٠ Arabian Gulf Archaeol- ogy in Kuml ١٩٥٤, ١٩٦٤-٦٦ Glob P.V., Archaeological Investigation in Four Arab States, ١٩٥٩, in Kuml,١٩٥٤, ١٠٠ f., ١١٢f., ١٩٥٨, ١٤٤f Marty, A.H., Prehistory in Northeastern Arabia, Florida. ١٩٧٤ سليمان سعدون البدر: منطقة الخليج العربي خلال الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد- الكويت١٩٧٤. عبد العزيز صالح: الرحلات الأثرية للعصر الحديث في شبه الجزيرة العربية -دراسات الخليج والجزيرة العربية-الكويت١٩٨١، إصدار ٤ - ص٦٣ - ٧٢، ٧٧ - ٨٠.

стр. 128

الفصل الثاني عشر: الجماعات العربية القديمة ذات الصلة برسالات الأنبياء أولًا: مدين أبقى على ذكر مدين ما ذكره القرآن الكريم وذكرته التوراة عن ارتباطها بالنبيين موسى وشعيب ﵉. فقد لجأ موسى ﵇ إلى أرضها هربًا من مصر بعد أن قتل فيها أحد خصومه. وصاهر في مدين رجلًا صالحًا ذكرته التوراة باسم رعوئيل وأطلقت عليه لقب يثرون بمعنى الكاهن. كما ذكرت ابنته التي تزوجها موسى باسم صفورة. وتدل معاصرة مدين لعهد موسى ﵇ على قدم وجودها وإمكان نسبتها إلى ما قبل القرن الثالث عشر ق. م على أقل تقدير. وكان قومها يتألفون من قبائل متعددة انتشرت في إقليم حسمى وما يمتد منه إلى الشرق والجنوب الشرقي من خليج العقبة. وربما وصلت إبان ازدهارها حتى حدود واحة العلا الحالية في شمال الحجاز. أما النبي شعيب ﵇ الذي ذكر القرآن الكريم قيامه بدعوة أهل مدين إلى عبادة الله وحده، فمن المحتمل توقيت عهده بأوائل فترات ازدهار تاريخها القديم. وإذا كانت قصة النبي موسى قد دلت على اعتماد بعض قبائل مدين على حرفة الرعي، فإن دعوة النبي شعيب لهم بالتزام الأمانة في الكيل والميزان تعني أن بعض قبائلهم الأخرى اعتمدت على معاملات التجارة في حياتها الاقتصادية. وكان موقع أرضهم يسمح لهم فعلًا بالانتفاع بثلاثة طرق تجارية رئيسية: طريق يتجه نحو شبه جزيرة سيناء وجنوب فلسطين. وطريق يتجه ناحية الجنوب بشعبتين في اتجاه يثرب ومكة. وطريق ثالث شرقًا نحو تبوك وتيماء. وإلى جانب الرعي والتجارة كان في اتساع المنطقة التي انتشرت فيها قبائل

стр. 129

مدين ما جعلها تنتفع كذلك بعدد من الواحات الخصبة في شئون الزراعة، وربما انتفعت أيضًا بساحلها المطل على البحر الأحمر في النشاط البحري. وكانت أكبر واحات المنطقة هي واحة البدع وتركزت حولها أهم جماعات مدين. وأدت كثرة مياهها وكثرة ما ينمو فيها وفيما يمتد منها إلى ساحل البحر من الأشجار ونخيل التمر والدوم، إلى اتجاه بعض المؤرخين المسلمين إلى ربطها باسم الأيكة بمعنى الغيضة أو الشجر الكثيف الملتف، واعتبروها على هذا الأساس هي الأيكة التي ذكر القرآن الكريم أن أصحابها كذبوا المرسلين. ووافق بعض الباحثين الغربيين على فكرة الربط بين أرض مدين وبين الأيكة فعلًا ولكنهم فسروا اسم الأيكة بطريقة أخرى، فاعتبروه النطق العربي لكلمة Leuke التي أطلقها بعض الإغريق على الميناء البحرية الواقعة في أرض مدين حين سموها Leuke Kome بمعني القرية البيضاء، وهو المعنى الذي يشبه اسم ميناء الحوراء أو أملج الحالية الواقعة إلى الجنوب الغربي من واحة البدع. ولا يزال التفسير الأول أي: تفسير المؤرخين المسلمين لكلمة الأيكة هو الأكثر شيوعًا. ويفهم من قصص التوراة أن عداء أهل مدين للعبرانيين بدأ منذ عهد موسى ﵇، وذلك ما يمكن تفسيره بما أسلفناه من أنهم تألفوا من قبائل عدة. ربما صادقت إحداها موسى بعد أن تزوج منها، بينما جاهرت القبائل الأخرى قومه اليهود بالعداء بعد أن خشيت منهم على أرضها وتجارتها. وزاد عداء مدين للأسرائيليين حينما زادت أطماع هؤلاء الأخيرين في فلسطين وما يليها جنوبًا على عهد ملكهم شاؤول في نهاية القرن الحادي عشر ق. م. وقد قاومهم المديانيون مقاومة شديدة بحيث ذكرت إحدى الروايات أنهم تمكنوا من بني إسرائيل سبع سنين. وبعد قرون دخلت مدين في طي النسيان، ثم سيطر الأنباط على أرضها بعد أن مدوا نفوذهم التجاري والسياسي من شرق الأردن إلى شمال الحجاز. وعملوا خلال القرن الأول ق. م على توسيع ميناء الحوراء وتحصينها. ولا تزال المقابر التي نحتت في الصخر بجوارها خلال عصرهم تعرف باسم مغاير شعيب وتشبهها بعض مقابر واحة البدع، كما تشبه بقية مقابر الأنباط في بترا وفي مدائن صالح لولا أنها تهدمت إلى حد كبير.

стр. 130

ثانيًا: قوم عاد اعتاد الرواة والأخباريون الأوائل أن يضربوا المثل في القدم بعاد، واعتادوا على أن ينسبوا إليها كل ما استعظموا شأنه وجهلوا أصله من أطلال القصور والآبار وبقايا الصخور والأشجار القديمة أيضًا. واعتمد أولئك الرواة والأخباريون في بعض ما ذكروه عن قوم عاد على ما جاء عنهم في القرآن الكريم، كما اعتمدوا على تفسير كتبة التوراة ومن تأثروا بهم. ويفيد ما ذكره القرآن الكريم عن قوم عاد أنهم عاشوا في منطقة تعرف بالأحقاف ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾. وأنهم تميزوا بإرم ذات العماد ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾، وأنهم كذبوا نبيهم هودًا ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. وأنهم كانوا أولي بأس وقدرة ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وربما كانوا قريبي الصلة بالثموديين ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. وأنهم عوقبوا جزاء كفرهم بريح عنيفة أطاحت بكل ما كانوا فيه ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. ولم يعين القرآن الكريم موضع الأحقاف، ولهذا تعددت آراء المفسرين والمؤرخين المسلمين بشأنها. وذهب بعضهم إلى تعيين أحقاف عاد بمنطقة الأحقاف في حضر موت وزكوا رأيهم بما يعتقده بعض أهل حضرموت من وجود قبر هود في أرضهم ووجود بئر تسمى بئر برهوت رووا أنه كانت تصدر عنها أصواتًا هائلة في العصور القديمة وتخيلوا أن هذه الأصوات قوم هود المعذبين ولكن أضعف هذا الرأي القديم عدة قرائن نذكرها في ص ١٣٨ - ٤. ومنها أن الروايات الشعبية يصعب التسليم بها دائمًا أو كاملًا دون دليل. فكما قال بعض أهل حضرموت بوجود قبر هود ﵇ في أرضهم. قال بعض أهل شبه جزيرة سيناء: إن قبره في أرضهم. وإلى جانب رأي من قالوا بوجود الأحقاف في حضرموت، قال رأي آخر: إنها رمال مستطيلة بشحر عمان. وقال ثالث: إنها حشاف من حسمى، والحشاف هي الحجارة في الموضع السهل. وقال رابع بأنها: اسم جبل في الشام. وقال خامس: إنها اسم عام يطلق على أي منطقة إذا عظم رملها واستدار ويقال له: حقف.

стр. 131

وفي اختلاف هذه الآراء ما يدعو إلى عدم التقيد برأي منها ما إلا بعد تمحيصه ووجود أدلة تؤيده. وربط القرآن الكريم بين قوم عاد وبين إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد. فاعتبر بعض المفسرين والمؤرخين إرم هذه مدينة عظيمة وعينوها بالإسكندرية تارة ودمشق تارة أخرى, واعتبرها بعض آخر قبيلة قوية، وكان من هذا البعض الأخير المؤرخ بن خلدون الذي وجه إلى أصحاب الرأي الأول نقدًا لاذعًا. وجعل ياقوت إرم جبلًا عظيمًا في ديار جذام قرب العقبة تنمو عليه الكروم وأشجار تشبه أشجار الصنوبر. وذكر الرحالة القزويني أن قوم عاد عاشوا على هذا الجبل الذي أصبح من منازل طي، وكانت توجد عنده بقايا تماثيل كثيرة ومنازل عديدة. وأدت الكشوف الأثرية الحديثة إلى الكشف عن بقايا عمران متسع فوق وحول جبل إرم هذا بالفعل شرقي العقبة، ومنها معبد أقيم فوق الجبل ترجع بعض نصوصه إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، وأعداد من التماثيل ومن النصب التي تذكر اللات والعزى. وقد لا تتيسر نسبة هذه الآثار إلى قوم عاد بصورة مؤكدة. لولا أن هناك أدلة أخرى تزكي نسبة هؤلاء القوم، قوم عاد إلى شمال شبه الجزيرة العربية أكثر من جنوبها، ومنها أن القرآن الكريم جمع بين عاد وثمود، وثمود شمالية فيما هو شائع، وجعل مواقع عاد قريبة من أهل الحجاز حين نزول القرآن فقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ وقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾. وربط بعض الشعراء المبكرين بين عاد وثمود، وأطلقوا على ثمود اسم عاد الثانية أخذًا بقول القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ - ولم يعترض عليهم معترض. هذا وقد ذكر الجغرافي بطلميوس السكندري في القرن الثاني الميلادي اسمين في شمال الحجاز يمكن الربط بينهما وبين قوم عاد، وهما اسم شعب Oaditae الذي يتشابه مع اسم عاد، واسم Aramaua الذي يتشابه مع إرم ورم وأرام وكلها أسماء تعاقبت لمسمى واحد. ومال بعض المؤرخين المحدثين إلى تفسير ما تواتر لدى أهل حضر موت عن وجود قبر هود ﵇ عندهم بأنهم وغيرهم من العرب الجنوبيين كان يعز عليهم أن ظهر الأنبياء بين العرب الشماليين دونهم، فاعتمدوا على وجود اسم

стр. 132

الأحقاف في أرضهم ونسبوه إلى عاد، واعتبروا سكانها القدامى قوم هود، حتى لا تكون للعرب الشماليين ميزة عليهم حتى ولو كان قوم هود هؤلاء قد عوقبوا جزاء تكذيبهم له. ولا يبعد مع هذا أن بئر برهوت التي دارت حولها أساطير قوم هود المعذبين كانت فوهة بركان صغير ثائر، خمدت ثورته مع مرور الزمن.

стр. 133

ثالثًا: الثموديون توافر للثموديين حظ كبير من الشهرة بين المؤرخين المسلمين نظرًا لما ذكره القرآن الكريم عنهم. ولمعرفتهم بجزء من أرضهم، وبقاء بعض آثارهم حتى بداية العصور الإسلامية (وما بعدها). وكما سلك القرآن الكريم ثمودًا مع عاد. سلكه كذلك مع قوم لوط وأصحاب الأيكة وسماهم الأحزاب. ووصف الثموديين بأنهم الذين جابوا الصخر بالواد ربما بمعني الذين قطعوا صخر الجبال ونحتوا فيه مقابرهم أو بنوا به بيوتهم. وذكر القرآن الكريم العذاب الذي نزل بهم جزاء كفرهم بدعوة نبيبهم صالح ﵇ في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. وأشارت النصوص الآشورية إلى قدامى الثموديين باسم ثمودي منذ أواخر القرن الثامن ق. م واعتبرتهم من أهل البرية، وذكرت أنهم وجيرانهم من الأعراب لم يألفوا الخضوع للملوك ولا للحكام. وليس ما يمنع من أن يكون أوائل جماعات الثموديين قد ظهروا قبل القرن الثامن ق. م. بكثير ولكنهم كانوا يزالون على حال متواضعة من البداوة، بحيث تجاهلهم فيما بعد كتبة قصص التوراة وتجاوزوا عن ذكرهم بينما ذكروا بعض أسماء القبائل التي جاورتهم في البادية مثل قبيلة خايابا وقبيلة عيفة اللتين ذكرتهما النصوص الآشورية مع الثموديين. واتفق المؤرخون المسلمون على أن أهم ديار ثمود كانت بوادي القرى فيما بين الحجاز وبين الشام، ورووا أن النبي ﵇ مر بجيشه على خرائب ديارهم في الحجر ونهى عن دخولها ربما لتأكيد كره الكافرين أو لأنه توجس أن تكون آبارها وعيونها قد سمت بفعل فاعل للإيقاع بالمسلمين الذين كانوا قد عانوا من شدة حرارة الصحراء في طريقهم إليها. كما تناقلوا القصص عن ناقة النبي صالح ﵇ ومكان خروجه ومكان محلها ... إلخ. ولسنا على بينة من العهود التي تزايد الثموديون خلالها في شمال الحجاز أو العهد الذي بعث إليهم فيه النبي صالح ﵇. ولكن يمكم إيجاز ما عرف

стр. 134

عنهم تاريخيًا في أنهم تألفوا من قبائل وعشائر متعددة وأنهم لم يكونوا دولة مستقرة واضحة المعالم، وأنهم حين انتشروا في شمال الحجاز وسيطروا على بعض أجزائه في وادى القرى بخاصة كانت مدينة الحجر من أهم الحواضر التي عاشوا فيها، وهي مدينة ظنها بعض المؤرخين القدامى مدائن صالح الحالية نظرًا لكثرة آثارها المنحوتة في الجبال، ووضوح التدمير الذي لحق بها، وارتباط اسمها باسم النبي صالح. ولكن كثرة من الباحثين المحدثين حددوها ببلدة الخريبة التي تبعد عن مدائن صالح بنحو عشرة أميال وقد أصاب آثارها هي الأخرى خراب كبير. وبنوا رأيهم على غلبة النصوص الثمودية التي عثر عليها فيها، بينما رجحوا اعتبار مدائن صالح من مناطق الأنباط على أساس غلبة الآثار والنصوص النبطية فيها وإن تضمنت إلى جانبها نصوصًا ثمودية قليلة. وساعد الثموديين على الاستمرار الحضاري أنهم اتصلوا في شمال الحجاز بطوائف متحضرة قديمة فانتفعوا بحضارتها ومنها طوائف ددان ولحيان التي أحاطت ببلدة الخريبة، وعندما امتدوا إلى الشمال أكثر انتفعوا ببعض حضارات جنوب فلسطين كما جاوروا امتداد الحضارة المصرية في شبه جزيرة سيناء. وعندما امتد نشاطهم إلى الجنوب اتصلوا ببعض الجماعات المتحضرة في انحاء اليمن. وكان من أهم ما استفادوا به حضاريًا من هذه الاتصالات المتعددة، هو الكتابة بخط متميز اشتقوه أساسًا من الخط المسند الجنوبي الذي يحتمل أنهم تعلموه عن أهل منطقة ددان ولحيان إن لم يكن عن كتبة الجنوب العربي الذين اتصلوا بهم اتصالًا مباشرًا في شئون التجارة، ثم طعموا هذا الخط ببعض خصائص الخط السينيائي المصري في سيناء. وأصبحت نصوص الثموديين هي الشاهد الحي على مدى انتشارهم، وهي نصوص قصيرة سريعة، ولكنها كثيرة تدل على كثرة من كانوا يعرفون الكتابة بينهم لأغراض التجارة. وقد وجدت نماذجها خارج وادي القرى في تبوك والطائف وفي قلب نجد وشمالها وفي شبه جزيرة سيناء، وفي مناطق متفرقة من شرق الأردن، وفي شرقي دمشق، وفي أطراف اليمن أيضًا، وكل ذلك مما يدل على سعة انتشار قوافلهم وكثرة اتصالاتهم التجارية ولاسيما في العهود المتأخرة في الزمن نسبيًا فيما قبل الميلاد بقليل وفيما بعده بقليل أيضًا. وشاعت بين الثموديين أسماء عربية خالصة مثل: سعد وقيس ومالك ووائل وزيد وأوس وعاصم وعمر وعقرب وواسط وكعب وحارثة، وسعدة ومسكة وسهرة وهانئة ... إلخ.

стр. 135

كما وجدت بينهم أسماء قل استعمالها قبيل الإسلام ويبدو أنهم تأثروا فيها بأسماء من كانوا يخالطونهم من الآراميين وغيرهم ومنها ثريت، وهمل، وببي ... إلخ. وأخذ الثموديون بتعدد المعبودات كغيرهم من الجماعات القديمة ذات الديانات الوضعية، فقدسوا الشمس وودا وكاها وبعلة ومناة ... إلخ. ومن أجل إصلاح هذه العقائد أرسل فيهم نبيهم صالح، ولكنهم خالفوه. وظل لبقايا الثموديين كيانهم حتى غلب الأنباط على وادي القرى، فتفرقوا ولكنهم ظلوا معروفين خلال القرون الأولى بعد الميلاد، فأشار إليهم مؤلف كتاب الطواف حول البحر الإريتري في بادية القرن الثالث الميلادي وذكر أنهم انتشروا في أيامه على ساحل صخري طويل لا توجد به خلجان صالحة تحتمي بها السفن. ويبدو أن جيوش الروم ظلت تتقبل أعدادًا منهم في قواتها المساعدة حتى القرن الخامس الميلادي. وأخيرًا ربط بعض النسابين بين أواخر الثموديين أو نسلهم وبين قبائل ثقيف العربية. ولكن الثقفيين أبوا هذه النسبة واستنكروها. من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: Branden, A. van den Histoire de Thamoud, Les Inscriptions Thamoudeenes de Philby. ١٩٥٠, Essai de Solution de Probleme Thamoudeens, in BR, ١٩٥٨ ٧-١٢, Studia Islamica, ١٩٥٧,٥-٢٧ Hardings, L., Some Thamudic Inscriptions ... ١٩٥٢ Iamme, A., Thamudic Studies, ١٩٦٧ Jaussen et Savignac, op. cit Littmann, E., Thamud and Safa, ١٩٤٠ Musil. A., The Norethern Hegaz, ١٩٢٦ Philby, J, The Land of Midian, ١٩٥٧ Ryckmans, R., in Studia lslamica, ١٩٥٦, ٨ f., Museon. ١٩٥٩. ١٧٧-١٨٩ winnett. F.V.. op. cit جواد علي: المرجع السابق. دائرة المعارف الإسلامية-واد ومدين وعاد وثمود.

стр. 136

الفصل الثالث عشر: من الممالك العربية المسقرة اولاً: دولة ددان ولحيان ... الفصل الثالث عشر: من الممالك العربية المستقرة أولًا: دولة ددان ولحيان قامت حاضرة هذة الدولة في واحة العلا قرب وادي القرى إلى الشمال الغربي من المدينة المنورة بنحو ٣٢٨كم، وامتدت منها في عهود ازدهارها إلى ما حولها حتى قرب تيماء. واعتمدت اقتصادياتها القديمة على الزراعة لوفرة المياة الباطنية في واحة العلا وخصوبة أرضها، وعلى التجارة نظرًا لموقعها على طريق القوافل التجاري الرئيسي القديم الممتد في غرب شبه الجزيرة بين معين على أطراف منطقة الجوف الجنوبي وبين أطراف الهلال الخصيب في الشمال. وأطلق اسم ددان في بداية الأمر على الأرض والدولة والشعب، وذكرته قصص من التوراة يرجع أقدمها إلى ما بين القرن التاسع ق. م. وبين القرن السادس ق. م.، كما تضمنته نصوص من الواحة نفسها قد يرجع أقدمها كذلك إلى القرن السادس ق. م. وبعد عهود يصعب تقديرها وربما في القرن الخامس ق. م. عرفت الواحة ودولتها وقبيلتها الحاكمة باسم لحيان، وهو اسم احتفظ به بطن من بطون العرب حتى ظهور الإسلام ثم انصهر في قبيلة هذيل. وتوثقت علاقة لحيان بدولة معين الجنوبية على أساس الاشتراك في المصالح التجارية، ونزلتها جالية من معين كما أسلفنا في الفصل السادس، وانتفعت الواحة من هذه العلاقة بمعرفة خط المسند الجنوبي الذي تطور بعد تحويره إلى الخط اللحياني وكان من أوائل الخطوط المعروفة التي كتبت بها نصوص العرب الشماليين. واتسعت علاقات لحيان بجيرانها في الشام عن طريق البر، وفي مصر عن طريق البر والبحر، بحيث وجدت في لحيان بضعة تماثيل عثرنا على بعضها منذ عدة سنوات في الخريبة المجاورة للعلا، أخذت بالأسلوب الفني المصري القديم ويرجع تاريخها إلى ما بعد القرن الخامس ق. م ويبدو أن أصحابها من حكام لحيان أو أثريائها قد أعجبوا بأمثالها في مصر فانتدبوا فنانين مصريين قاموا بنحتها من الصخر المحلي في

стр. 137

منطقة الخريبة. وجمعوا فيها بين تقاليد الفن المصري في جسم التمثال وبين الملامح وأغطية الرأس اللحيانية في الرأس والوجه. وتوثقت هذه العلاقة بين لحيان وبين مصر في عصر البطالمة، ويبدو أنه قامت مفاوضة بينهما في عهد بطلميوس الثاني في أوائل القرن الثالث ق. م. لخروج المتاجر الواصلة إلى لحيان برًا وبحرًا بطريق مباشر من ساحلها إلى إحدى المواني المصرية المقابلة لها على الساحل الغربيب للبحر الأحمر، وبهذا يقل وصول هذه المتاجر إلى خصوم الطرفين الأنباط والسليكويين في جنوب بلاد الشام. وقد شاركت لحيان في تجارة البحر فعلًا ربما عن طريق ميناء الوجه الموجودة في منطقتها، وكان من أثر نشاطها البحري أن ذكر الرحالة بليني جزءًا من خليج العقبة باسم الخليج اللحياني. وشاعت بين اللحيانيين أسماء عربية خالصة مثل: حمد وعاصم وعنزة وأوس وعمر وحجر ومسلمة. وأسماء نسبوها إلى معبوداتهم القديمة مثل: زيد غوث وبركة غوث وعبد ود وعبد مناة وظهر من أسماء ملوكهم أسماء: هناس بن شهر. وشامت جشم بن لوذان، ومنعى لوذان .. ويبدو أن ازدهار لحيان في القرن الثالث ق. م, أطمع فيها حليفتها دولة معين الجنوبية التي كانت قد بلغت بدورها مرحلة مزدهرة في تاريخها، فمدت نفوذها إليها خلال القرن نفسه، وأصبح للجالية المعينية فيها مكان الصدارة الاقتصادية. وبعد أن كان يرأس الدولة ملوك من أهلها. تولاها ولاة يتلقبون بلقب كبر وقد يشترك اثنان منهم في الحكم فى آن واحد ربما ليكون أحدهما رئيسًا للحيانيين، ويمثل الآخر مصالح المعينيين وملك معين الجنوبي، وأصبحت المنطقة أو واحتها تعرف أحيانًا باسم معن مصرن، وهو اسم أشرنا في الفصل السادس إلى أنه قد يقلد اسم الدولة الحليفة وهي معين من ناحية. ويخصصها بلفظ مصرن من ناحية أخرى ربما بمعنى المصرية على أساس قربها من مصر أو تعاملها الواسع معها. أو بمعنى الحدودية. وغالبًا ما يرجع إلى هذا العهد نص زيد إيل بن زيد ذلك التاجر المعينى الذي ذكرنا في الفصل نفسه أنه أقام في مصر حتى دفن فيها، وكان يتولى توريد البخور وملحقاته إلي معبد السبرابيوم في منف، ويصدر في مقابلة أصنافًا من المنسوجات المصرية إلى بلده، وكما أكرمه المعبد المصري بلقب الكاهن المطهر يبدو أنه منحه قرضًا ليسدد به ديونه، على أن يعتبره مقدمًا لتجارة يستوردها

стр. 138

إليه. وتعهد زيد إيل بالوفاء في موعد معلوم كما وعد برصد جانب من ثروته لبعض المعابد المصرية. وأخذ اللحيانيون في عقائدهم بتعدد المعبودات مثل غوث واللات وبعل سمين وذي غابة وسلمان وكاتب أو سافر. ومن نصوصهم الطريفة نص ذكر أن معبودهم بعل سمين، أي: بعل السماء أو سيدها، حرم أن ترتقي النساء صخرة عالية قام عليها معبده أو قام بجوارها. وإن كانوا في الوقت نفسه قد سمحوا بوجود الكاهنات أفكلت في بعض المعابد، إلى جانب الكهنة أفكل الرجال. وكان لهم معبد حجري واسع توسط منطقة الخريبة المجاورة لواحة العلا ولازالت أطلاله باقية. واستمر اللحيانيون في طريقهم الحضاري حتى امتد نفوذ الأنباط إلى أرضهم وسيطروا عليها بعد أن ضعف شأن اللحيانيين وحلفائهم المعينيين في حمايتها، خلال القرن الأول قبل الميلاد.

стр. 139

ثانيًا: دولة الأنباط كانت دولة الأنباط أكثر اتصالًا ببادية جنوب الشام منها بشبه الجزيرة العربية، حيث قامت كبرى عواصمهم في بترا أو البتراء في شرق الأردن، شأنهم في ذلك شأن الإدوميين الذين سبقوهم في هذه العاصمة نفسها. ولكننا نتناول طرفًا من تاريخ الأنباط هنا، مع تاريخ شبه الجزيرة العربية بناء على ثلاثة اعتبارات، وهي: غلبة الأسماء العربية بينهم، وامتداد نفوذهم التجاري والسياسي والحضاري في شمال الحجاز. ثم ضخامة الآثار التي تركوها في مدائن صالح. ومغاير شعيب. كان الأنباط كما قدمنا قبائل عربية الأصل غلبت عليها في مراحل نشأتها حياة البداوة وحرفة الرعي، وانتشرت بطونها بين جنوب بادية الشام وبين شمال غرب شبه الجزيرة العربية. ووصف المؤرخ ديودور الصقلي حال الأنباط الأوائل في هذه المرحلة فيما قرأه أو سمعه عمن سبقوه بأنهم كانوا بدوًا رعاة لا يعرفون الزراعة ولا يشربون الخمر، وأرضهم أغلبها صخرية وعرة توجد بها بحيرة ملحة تصدر عنها أبخرة حارة وتصعب الإقامة بجوارها، ولكن توجد معها أراض أخرى كثيرة الأشجار والنخيل. وشجع انتشار الأنباط حول طرق التجارة البرية الرئيسية على أن يتطلعوا

стр. 140

إلى مكاسبها، فعمل بعضهم في الإغارة على قوافلها، وعمل بعضهم في حراستها، وعمل بعضهم في المشاركة فيها ثم الانفراد بها. وأدى احتكاكهم بدولة إدوم في جنوب الأردن إلى أن يعتادوا على الاستقرار شيئًا فشيئًا، وأن يمارس بعضهم الزراعة، وأن يستفيدوا بعض الشيء من الحضارة الآرامية إلى أخذ الإدوميون بها. ثم استغل الأنباط ضعف هذه الدولة أمام اعتداءات العبرانيين عليها وسيطروا على أرضها خلال القرن الخامس قبل الميلاد وحلوا محل أمرائها في حكم عاصمتهم التي عرفت باسم رقيم، واسم سلع الذي يعني الصخرة، التي تفصل بين واديين، وقد ترجم الإغريق عن هذا المعنى الأخير باسم بترا فاشتهرت به ولا تزال تعرف بمرادفه البتراء حتى الآن. وهكذا عمل الأنباط بعد استقرارهم في الزراعة كما عملوا في تجارة البر، وربما تطلعوا إلى السيطرة على ما يقربهم من تجارة أيضًا. ولكن جر عليهم نشاطهم في تجارة البر منافسة خلفاء الإسكندر في الشام وآسيا الصغرى منذ أواخر القرن الرابع ق. م. كما جرت عليهن قرصنة البحر وتجارته منافسة البطالمة حكام مصر في العهد نفسه. وعن هذه المرحلة يذكر ديودور الصقلي أن جيش أنتيجونوس أحد كبار القادة من خلفاء الإسكندر في الشرق أراد إرهاب الأنباط وصرفهم عن محالفة البطالمة فأغار على عاصمتهم بترا ونهبها خلال غياب رجالها عنها للغزو أو للتجارة أو للاحتفال بعيد ديني. ولكن الأنباط لاقوا هذا الجيش في عودته وأبادوا أغلب مؤخرته. وأعاد جيش أنتيجونوس الكرة عليهم بقيادة ولده لينتقم منهم فتحصنوا بمدينتهم التي تحيط المرتفعات بها ولا يتيسر دخولها إلا عن طريق ممر جبلي ضيق يمكن أن تحميه القلة من الرجال. وطال حصاره لهم حتى صالحوه على بعض الهدايا فرجع عنهم. وكان أقدم من ذكرتهم قصص التوراة من ملوك الأنباط الملك حارثة الأول، ووصفته بأنه زعيم العرب وقصدت بذلك العرب المقيمين في بادية الأردن، وذكرت له شأنًا في منازعات رؤساء العبرانيين بعضهم مع بعض. غير أنه لم يعثر حتى الآن على نصوص نبطية صريحة إلا من قبيل القرن الثاني ق. م. ثم وضحت أطماع ملوك الأنباط للتوسع قبيل بداية القرن الأول قبل الميلاد. وتعددت معاركهم مع الجيوش السليوكية، وهاجم ملكهم حارثة الثالث دمشق واستولى بجيشه عليها، وسكت فيها عمله رسمية باسمه حوالي عام ٨٥ ق. م. ولكن لم تطل إقامة الأنباط فيها حيث استردها الرومان منهم في حوالي عام ٦٥ ق. م. بعد أن سيطروا على أغلب بلاد الشام. وأدت فترات التوسع الأنباطي إلى أن استزاد أهله من حضارة الآراميين

стр. 141

التي عرفوها في إدوم، وكانت دمشق من أكبر مراكزها، كما ساعدهم على أن يتذوقوا نعيم أهل الحضر. وكان خير ما تعلموه من حضارة جيرانهم هو حروف الكتابة الآرامية التي أسلفنا مراحل تطويرها على أيدي كتبة الأنباط وتميزهم بها، في الفصل الثاني من هذا الكتاب، وكيف أصبحت أساسًا فيما بعد الكتابة العربية. وعلى نحو ما انتفع الأنباط بحضارة الآراميين انتفعوا كذلك بالحضارة الهيلينستية التي تعهدها السليوكيون في سوريا. وعرف الأنباط منها سك العملة، ثم تطوروا بعملتهم واعتادوا على أن ينقشوا عليها صور رءوس ملوكهم. وربما صوروا معها رءوس الملكات أيضًا. أو صوروا مع رأس الملك رأس أمه إذا كان صغيرًا وكانت وصية عليه. وامتد الأنباط مع مسالك التجارة على ساحل الحجاز واستغلوا قوتهم مع ضعف بقايا أهل مدين واللحيانيين فسيطروا على أراضي هؤلاء وهؤلاء خلال القرن الأول قبل الميلاد، وتركزت جالياتهم في محاط القوافل الرئيسية بهذه الأراضي، وقد ذكرنا منها من قبل واحة البدع والحوراء في أرض مدين، والحجر ومدائن صالح وواحة العلا في أرض اللحيانيين. وعندما استتب أمر حكم الرومان في بلاد الشام أيقن الأنباط أن لا سبيل لهم إلى مقاومتهم، وربما تقربوا إلى القائد الروماني أوكنافيوس بإحراق جزء من أسطول خصيمته كليوباتره. ورأى الرومان أن يستفيدوا منهم فاستعانوا بفرقة حربية منهم لمعاونة يوليوس قيصر على التخلص من حصار المصريين له في الإسكندرية، في عهد الملك النبطي مالك الثاني، كما استعانوا بجماعة منهم في حملة آيليوس جاللوس القائد الروماني على بلاد اليمن، وصحبهم فيها الدليل صالح، أوسلي أوسلاء Syllaeus كما تقدم القول بذلك وقد عرف أحد معاوني الملك النبطي عبادة الثاني في العهد نفسه باسم صالح فعلًا، كما نزلت حامية رومانية في ميناء الحوراء التي كانت قد خضعت من قبل للأنباط. وظلت العلاقات بين الرومان وبين الأنباط في جنوب الشام بين مد وجذر، فطورًا يقتطع الرومان أرضًا من الأنباط ويهبونها لليهود، وطورًا يجاملون الأنباط ويزيدون في أملاكهم. وعلى أية حال فقد ازداد اتصال الأنباط بالحضارات الخارجية نتيجة لاتصالهم بالرومان وعملهم في جيوشهم، إلى جانب ما كانوا قد اقتبسوه من الحضارات السابقة عليهم. وسجل الرحالة استرابون للأنباط مأثرة تذكر لهم، فروى عن فيلسوف إغريقي كان يرتبط به برابطة الصداقة، أنه نشأ بين الأنباط ورأى كثيرًا من

стр. 142

الأجانب يعيشون في عاصمتهم ولاحظ كثيرًا من المنازعات تدور بين أولئك الأجانب على حين لاحظ قلة المنازعات بين السكان الأصليين وميلهم إلى حياة السلام ربما لصالح نشاطهم الاقتصادي. وعبر الأنباط عما استطاعوا استيعابه من فنون الحضارات المتنوعة التي اتصلوا بها فيما تركوه من آثار معمارية حفلت بها مدينة بترا في الأردن، ومنطقة مغاير شعيب وواحة البدع في أرض مدين، ثم مدائن صالح إلى الشمال من واحة العلا. ونكتفي هنا بآثار هذه المنطقة الأخيرة أي مدائن صالح. وترجع أهم آثارهم فيها إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد وبين القرن الأول بعد الميلاد. وتتمثل هذه الآثار في نحو مائة مقبرة نحتت وشكلت واجهاتها في السفوح الجبلية بالمنطقة، وتفاوتت فيما بينها في أحجامها وفي مدى فخامتها، وامتازت مجموعة منها تمثل مقابركبار الأثرياء بالضخامة والروعة والارتفاع حتى شابهت واجهات القصور، وإن لم يوجد في بيئتها من آثار بقايا القصور الدنيوية شيء ما يرقى إلى مستواها. وقد جمع طرازها المعماري وزخارفها بين الأسلوب المحلي وبين أساليب مصرية وهيلينستية ورومانية. ولا زال أهل المنطقة يصرون على تسمية أمثال هذه المقابر الفخمة القديمة باسم القصور، وذهب خيالهم في تصور أصحابها كل مذهب، فهذا في زعمهم قصر البنت، وذلك قصر أبي البنت، وثالث قصر الصانع، ورابع أطلقوا عليه اسم المجلس، وهلم جرا، أما النصوص النبطية التي نقشت على واجهات هذه المباني فهي لا تترك مجالًا للشك في كونها مقابر، ولكنها مقابر تدل على ما بلغه أهلها من تنعم وثراء وما بلغه عصرها من تحضر ورخاء. ويوجد في نفس المنطقة معبد استغل الأنباط له مغارة طبيعية في جوف صخرة ذات قمة تشبه القبة، وشكلوها على هيئة بهو كبير (١٢×١٠×٨ أمتار) يطلق الأهالي عليه اسم الديوان. وأخذ الأنباط بما أخذ به أغلب العرب قبل الإسلام من تقديس هبل والعزى واللات وذي الشرى وشيع القوم ... إلخ. وبعد هذا التاريخ الحافل، الذي تضمنت بترا في الأردن أضغاف ما تضمنته مدائن صالح من آثاره. قضى الرومان على اسقلال الأنباط حوالى عام ١٠٦ بعد الميلاد وسيطروا على عاصمتهم بترا في عهد الإمبراطور الروماني تراجان. وتحولت أرضهم بعد ذلك إلى مجرد ولاية خضعت للنفوذ الروماني واندمجت فيما سمي باسم الولاية العربية Provinca Arabia وإن خصوها بعد ذلك هي والأراضي التي تقع إلى جنوبها باسم منطقة بترا العربية أو المنطقة العربية الصخرية Arabia Petraea، وبعد أن كان الأنباط يؤرخون نصوصهم في عهود

стр. 143

استقلالهم بأسماء ملوكهم وسنوات حكمهم، أصبحوا يؤرخونها ببداية تبعية دولتهم لإمبراطورية الرومان. وعلى أية حال فقد انتشرت النصوص النبطية القصيرة في عهود استقلال أهلها ثم في عهود حكم الرومان لأرضهم أيضًا، في مناطق كثيرة متباعدة دلت على سعة انتشار أصحابها مع مسالك التجارة، فوجدت في أماكن متعددة من شمال شبه الجزيرة العربية ووسطها وجنوبها، وفي جنوب الشام، وفي سيناء، وفي صعيد مصر، بل ووجدت نصوص قليلة في نابولي وروما في إيطاليا، وهذه الأخيرة نصوص ربما تركها أصحابها تذكارًا لزيارتهم لعواصم الإمبراطورية الرومانية أو خلال فترات تجنيدهم في جيوشها. وقد فعلوا نفس الشيء لبعض الوقت في ظل الإمبراطورية البيزنطية الشرقية التي ورثت الرومان في حكم الشرق. وظل كيان الأنباط واضحًا حتى القرن الرابع الميلادي ثم اندمجوا بعد ذلك فيمن خالطوهم من السكان في المناطق العربية وغير العربية. من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل: Abdel- Aziz Saleh. Some Monuments of North- Western Arabia in Ancient Egyptian Style, Bull, of the Faculty of Arts Caro Univ., ٢٨, ١٩٧٠,١-٣١ Albright, W.F., Dedan, ١٩٥٣ Branden, A. van den. Les Inscriotions Thamoudeennes. ١٩٥٠ Histoire de Thamoud, Essai de solution de Probleme Thamoudeens BR, ١٩٥٨, ٧-١٢ Cantineau, j., Le Nabatenn, Paris ١٩٣١ f Cakel.W., Lihyan und Lihyanisch, ١٩٥٣ Hammond Ph. C., The Nabataeans., ١٩٧٣ Kennedy, A.B. Petra, its History and Monuments, London ١٩٢٥ Krammer, A., Perta et la Nabatene, Paris ١٩٢٩ Jaussen et Savignac, Mission Archeologique en Arabie, ٤ vols, Paris, ١٩٠٤-١٩٢٠ Philby, The Land of Midian, ١٩٥٥ Riddle, J. M.,Politcal History of the Nabatans.., ١٩٦١ Starcky, J., The Nabataens, ١٩٥٥ Winnett. F.V., A Study of the Lihyanite and Thamudic Inscriptions. Toronto, ١٩٣٧

стр. 144

الفصل الرابع عشر: من ممالك الأطراف العربية أولًا: مملكة الحيرة نسبت هذه المملكة العربية إلى تنوخ تارة، وإلى لخم تارة ثانية، وسمي ملوكها باسم بنى نصر تارة واسم المناذرة تارة أخرى, وكان لكل تسمية من هذه التسميات ما يبررها في مرحلة ما من مراحل تاريخ دولتها. وكان لقبائل تنوخ دورها في قلب شبه الجزيرة العربية، كما انتشرت بطونها إلى ما بين بادية العراق وبادية الشام منذ القرون الميلادية الأولى. وتعين عليها خلال هذا الانتشار أن تحسب حساب دولة تدمر القوية التي أشرفت على طرق التجارة في الباديتين وحققت لنفسها شهرة كبيرة تجاوزنا عن دراستها هذا حيث هي أقرب إلى الدراسة مع تاريخ بلاد الشام لصلتها الوثيقة بأحداثها وثقافتها الأرامية التي جمعت بينها وبين أصولها العربية. ويبدو أن الأمور لم تسر هيئة دائمًا بين الفريقين، التدمريين والتنوخيين، مما انعكس صداه على ما صورته الروايات العربية من تنافس ومكائد بين ملكة تدمر التي أطلقت عليها تجاوزًا اسم الزباء وبين ملك تنوخ جذيمة الأبرش. وأحاط الغموض بالتفاصيل الفعلية لهذا التنافس لا سيما وأن الروايات العربية قد اختلفت في تصويره وخلعت عليه ثوب الأساطير. ولكن التاريخ قد سجل إلي جانب هذا أن دولة تدمر أتت خاتمتها على أيدي الجيوش الرومانية في عام ٢٧٣م. مما كان من شأنه أن يفسح السبيل أمام التنوخيين ليحاولوا القيام بدور التدمريين وأن بجربوا حظهم مع الدولتين المتسيطرتين على شئون الشرق حينذاك وهما دولة الفرس الساسانيين ودولة الرومان. ودل على الحالة الأولى للتنوخيين. أي حالة انتشارهم في بادية الشام وبادية العراق مصدران. فذكر الجغرافي بطلميوس السكندري في القرن الثاني الميلادي اسم شعيب يشبه اسم التنوخيين وهو Tanuetiare or Thanuitae بين إمارات أو شعوب شمال غرب شبه الجزيرة العربية. كما عثر في قرية أم الجمال

стр. 145

بشرق الأردن على نصب أقيم على قبر رجل يدعى فهر بن سلى تلقب بلقب مربي جذيمة ملك تنوخ. وكان الملك جذيمة هذا الذي أشار النص إليه من أوائل ملوك تنوخ الذين احتفظ المؤرخون المسلمون بذكراهم، وجعلوا من قبله على رئاسة تنوخ مالكًا بن فهم الذي يحتمل أن يكون تلاه عمر بن فهم، أو تلاه جذيمة نفسه. ولقبوا جذيمة بالأبرش والوضاح ونسبوا إليه فتوحات واسعة، ووصفوه جذيمة نفسه. ولقبوا جذيمة بالأبرش والوضاح ونسبوا إليه فتوحات واسعة، ووصفوه بأنه كان ثاقب الرأي، بعيد المغار، شديد النكاية، ظاهر الحزم، وأول من غزا بالجيوش، فشن الغارات على قبائل العزب. ولو أن بعض الأوصاف قد خلعت أيضًا على غيره من كبار الملوك، أي أنه ليس من ضرورة إلى التسليم بحرفيتها. ثم جعلوا نهايته في مكيدة دبرتها له ملكة تدمر واحتفظ الأدب العربي بذكراها. وإذا صح ما رواه بعض المورخين المسلمين من أن ملك جذيمة قد امتد فيما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمر والقطقطانة وخفية وما والاها، لدل ذلك على أن قومه قد بدأوا محاولتهم مع الفرس في عهده أو من قبيل عهده ليسمحوا لهم بأن يقيموا على أطراف العراق. وأضاف المؤرخون المسلمون ما يعني أن هذه الإقامة لم تتم بسهولة حيث ضاق الفرس بكثرة من أتت تنوخ بهم من العرب، فضيقوا عليهم حتى كره بعضهم الإقامة، ومنهم قضاعة، فنزحوا، وبقي بعض آخر عملوا على أن يثبتوا أقدامهم فيما نزلوا عليه، وكان منهم لخم وترأسهم حينذاك ملوك بني نصر الذين جعل المؤرخون أولهم عمرا بن عدي، واعتبروه من أقرباء جذيمة وقد يكون بن أخته. ومع هذه الرغبة في الاستقرار أخذ عمران الأنبار والحيرة في الاتساع، وكانت كل منهما مدينة حدودية دل اسمها على ما أنشلت في الأصل من أجله فنشأت الأنبار بمعنى المستودع كمركز حدودي لإمداد الحاميات العسكرية بالمؤن، منذ القرن الميلادي الأول، ثم اتسعت ودعمت أسوارها. وقامت الحيرة بدور مشابه ففسر اسمها الآرامي حيرته بنفس ما فسر به اسمها العربي الحيرة بمعاني المخيم والمعسكر والحصن وموضع الإقامة ... إلخ ويبدو أنها كانت أقدم عهدًا من الأنبار، كما قدر لها أن تصبح أكثر شهرة منها. وصور انطلاقة هؤلاء القوم في مرحلتهم الثانية لكي يتزعموا من حولهم من العرب والأعراب ولكي يشغلوا في باديتي العراق والشام ما كانت تشغله من قبل دولة تدمر، ويستفيدوا من كل من الفرس والرومان ثم الروم، نص لملكهم
следующие страницы →