Полный текст (180 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
معين وأوسان (قبل عام ٤٣٠ ق. م.) وكيف أمنت بهذا على أرضها من أطماعه بل وحصلت منه على بعض أراضي أوسان القريبة من البحر الأحمر مكافأة لها على مسلكها إزاءه. غير أن تلاصق الحدود بين الدولتين الطموحتين سبأ وقتبان كان من شأنه أن يهيئ استمرار فرص التنافس والاحتكاك ثم الاشتعال بينهما. وقد ورد في نصين ذكر حربين بينهما صعب توقيتهما إن كانتا سابقين على أيام الحياد في عهد كرب إيل وترى السبأي أم تاليتين لها. وصعب كذلك ترتيب أسبقية إحداهما على الأخرى. وعن إحدى هاتين الحربين تحدث قائد سبأي يدعى تبع كرب عن حرب بين الدولتين استمرت خمسة أعوام. وكانت قتبان فيما يبدو هي البادئة بها، وانتهت إلى ما يشبه الصلح أو الهدنة، الأمر الذي دعاه إلى أن يخصص أوقافًا كثيرة لمعابد أرباب سبأ الكبار، وذلك مما يعني من ناحية أنه اعتبر الصلح كسبًا ينبغي شكر أربابه عليه، ويعني من ناحية أخرى أن الحرب بين الدولتين لم تنته إلى نتيجة فاصلة وأن أيًا منهما لم تستطع القضاء على الأخرى.
وتحدث قائد قتباني يدعى يذمر ملك عن الحرب الأخرى وروى عن مرحلة منها أنه هزم عدة قبائل وعشائر واستولى على مدنها ونخيلها وأرضها، ثم أعلن تقديمها إلى المعبود عم وإلى أنباي وإلى ملكه يدع أب يجل بن ذمر عالي ملك قتبان. وذلك مما يعني أنه مع فخره بمجهوده في الحرب قد رد الفضل في النصر والحق في تملك الأرض المكتسبة ونتائج النصر إلى معبودي دولته الكبيرين وإلى ملكه الذي كان يعتبر نفسه ولدًا لهما وممثلًا لهما على وجه الأرض. وزاد ذلك القائد عبارة في نصه تحدث فيها عن مرحلة حرب واسعة شنتها سبأ وإمارة رعنان وقبائلها التي ساءها أن تملك القتبانيون جزءًا من أرضها، ضد قتبان. ولكي يضخم القائد القتباني من كثرة الأعداء وضراوة الحرب ألمح إلى أنه تجمع فيها حقد عهود المركبين وعهود الملوك السبأيين ضد ملكه يدع أب يجل بن ذمر عالي ملك قتبان وضد قتبان نفسها وضد أولاد عم جميعًا.
وبعد هذه الحرب التي لا يعرف شيء مؤكد عن نتائجها، والتي يفترض ألبرايت أن الملك القتباني الذى ذكر في سياق نصها وهو يدع أب يجل قد حكم في منتصف القرن الرابع ق. م -شقت قتبان طريقها وظلت تسيطر على أجزاء من المناطق الساحلية التى كانت تشغلها من قبل دولة أوسان والتي عاشت في بعض أجزائها قبائل حمير ذات الصلة والقرابة بالقبائل السبأية. وقد تلونت هذه القبائل الحميرية حينذاك بالولاء القتباني واعتبرت نفسها من ولد المعبود عم معبود القتبانين. وأطلقت على حصنها الرئيسي اسم ريدان، وهو اسم يراه الباحث فون فيسمان قتباني الأصل كان يطلق من قبل على حصن رئيسي للعاصمة.
стр. 72
القتبانية تمنع وقام على ملتقى الوديان إلى الجنوب منها. وقد ذكر في نص إنشائه (قبيل بداية القرن الرابع ق. م) أنه في اتجاه حدن، ولا زال حصن حدن (أو حادي) هذا قائمًا أسفل الجبل حيث توجد أطلال ريدان.
على أنه لم يكن من المنتظر أن تسير الأمور في مصلحة قتبان دائمًا. فبعد عام ٢٨٥ق. م استطاعت جيوش الملك السبأي يثع أمر بيين أن تسترد بعض الأراضي التي اكتسبتها قتبان من أسلافه خلال القرن الرابع ق. م، وذكر نصه من المدن التى استردتها جيوشه حينذاك مدن نعمان وصنعاء وذبحان ذو حمرور.
وشهدت قتبان فترة ازدهار أخيرة في عصر أسرة حاكمة ثالثة أو رابعة بلغت شأوها في عهد شهر يجل يهرجب الذي يؤرخ ألبرايت وفون فيسمان عهده ببداية القرن الأول ق. م. وقد تطلعت قتبان في عهده إلى دولة معين الواقعة إلى الشمال منها فاجتزأت جانبًا من أرضها وعقدت معها حلفًا احتفظت لنفسها فيه بالمكانة الأسمى، ولعلها استهدفت من وراء هذا الحلف أن تضيق به على دولة سبأ فتضغط هي عليها من الجنوب وتضغط حليفتها معين عليها من الشمال. ويرجع إلى أيام هذا التحالف نص من عهد ملك معين وقه إيل يثع أرخه كاتبه المعيني باسم ملكه واسم ولي عهده وشريكه في الحكم إيل يفيع يشور الثاني، كما أرخه في الوقت نفسه باسم الملك القتباني شهر يجل يهرجب، وذلك مما يدل على اعترافه الضمني بنفوذ قتبان على بلده. وعندما انفرد ولي العهد المعينى إيل يفع يشور بالحكم بعد أبيه حضر حفل توليته في عاصمته كاهنان قتبانيان نيابة عن ملكهما. ولعل هذه الفترة من الازدهار القتباني هي التي روى عنها الرحالة الروماني بليني أن إنتاج الكندر كان يأخذ طريقه من حضرموت وعاصمتها شبوة إلى حيث تتسلمه قتبان وعاصمتها تمنع على طريق البخور الممتد حتى ساحل الحبر المتوسط، وروى عنها كذلك ما سبق أن استشهدنا به من أن الجبانيتاي (أو القتبانيين) لهم مدن كثيرة أكبرها نجاو وتمنع، وأنها كان في هذه الأخيرة ٦٥ معبدًا مما يشير إلي ثرائها.
ولكن يبدو أن بلوغ القمة قد يعقبه الانحدار أحيانًا، فقبيل عهد شهر يجل يهرجب اهتز أحد الموارد الاقتصادية للدولة بعد نجاح السفن المصرية في عصر البطالمة في اجتياز مضيق باب المندب حوالي عام ١٢٠ أو ١١٧ ق. م للاتجاه إلى الهند والاتجار معها رأسًا دون وساطة عرب السواحل الجنوبية ومنهم القتبانيون. وليس من المستبعد أن هذا الوضع كان من أسباب تحول أطماع قتبان إلى دولة معين لكي تعوض من مكاسب تجارتها البرية ما أوشكت أن تخسره من مكاسب تجارة الساحل.
стр. 73
ولكن ترتب على تخفيف قبضة قتبان الاضطراري على المناطق الساحلية للبحر الأحمر أن تألبت عليها قبائل حمير المنتشرة فيها، ويبدو أنها كانت قد نجحت في تجميع كلمتها من قبل بداية القرن الأول ق. م. وبيتت النية على الاستقلال عن قتبان. وليس ما يعرف حتى الآن عن تفاصيل هذه المحاولة إلا أنها حققت هدفها في النصف الأخير من القرن الأول ق. م. فقاتلت قتبان وأخذت منها ما كان باقيًا لها من سواحلها.
وتوفرت بهذا فرصة ذهبية لسبأ التى سكتت على الازدهار القتباني المجاور لها على مضض، وعانت من تضييق قتبان عليها من الجنوب وتضييق حليفتها أو تابعتها معين عليها من الشمال. فاستغلت فرصتها وبدأت بأضعف الفريقين وهي معين فهاجمت عاصمتها واستولت على مناطق واسعة من أراضيها قبل الربع الثالث من القرن الأول ق. م.
وانكمشت قتبان على خارطة الجنوب بعد أن خسرت أرض حمير وخسرت حليفتها معين، ولكنها جاهدت في سبيل البقاء وساعدها على الاستمرار أن غريمتها دولة سبأ كانت تعاني هي الأخرى من مشاكل متعددة نتعرض لها في حينها، فلم تستطع أحداهما أن تقضي على الأخرى، وإن اتصلت المناوشات بينهما.
وفي هذه المرحلة المضطربة من تاريخ قتبان توالي ملوك لا يذكر لعهودهم من الأعمال الإنشائية إلا أن أول عملة ذهبية قتبانية سكت في عهد أحدهم وهو ورواو إيل غيلان في الحصن الملكي القتباني حريب. وكانوا في مجموعهم ضعاف الحيلة إزاء اضطراب موازين القوى في الجنوب، وكان ازياد ضعفهم مشجعًا أو مترتبًا على هجوم جديد غير متوقع من جارتهم الشرقية دولة حضرموت التي بسطت نفوذها على الأجزاء الشرقية من قتبان، بحيث عثر على ثلاثة نقوش في وادي بيحان القتباني تمجد ثلاثة ملوك حضرميين. وقد روى أحدهما أن ملكه الحضرمي عمل على تسوير مدينة غيلان بعد أن تغلب أبوه على قتبان (أو على جزء منها) وروى آخر أنه تم في عهد ملك حضرمي مشروع للري في منطقة وعلان (القتبانية).
وكان في العاصمة تمنع ملك قتباني لا يزال يحسن الظن بسلطته وهو شهر هلال بن ذر أكرب. إذ وجد له نص مرسوم يطلب فيه إلى كبير العاصمة (أي المدير المحافظ أو من يؤرخ باسمه) بتحصيل الضرائب ممن يسكنون ويزرعون الأراضي في سد (قرب العاصمة) وأمر المزارعين بأن يلتزموا بمرسومه ابتداء من أول ذي فرعم إلى السادس من ذي فقحو يومًا بيوم وشهرًا بشهر. واستنتج
стр. 74
الباحث رودوكاناكيس من العبارة الأخيرة أن ذا فرعم يمثل أو شهور السنة الزراعية عند القتبانيين ,أن ذا فقحو يمثل آخرها. ولو أنه ما من بأس فيما يبدو أن يكون ذو فرعم أول الحصاد، وذو فقحو آخره، فمواسم الحصاد هي التى يستيطع المزارعون أن يوفوا فيها بالتزاماتهم تجاه الدولة، وليست مواسم الزراعة كلها. وربما دل اللفظان في سبأ على العشرتين الأوليين من الشهر.
وفي عهد الملك شهر هلال أيضا حوالي عام ١٠٠ أو ١٠٦ م دمرت تمنغ عامصة قتبان تدميرًا عنيفًا لازالت آثاره باقية في معالمها القديمة التي اكتسى بعضها بطبقة كثيفة من الرماد دلت على حريق متعمد، لا تعرف حتى الآن حقيقة المتسببين فيه.
وعلى الرغم مما لحق بها، جاهدت قتبان في سبيل البقاء لفترة أربعين عامًا أخرى أو نحوها، فاكتفت بمناطقها الغربية، ونقلت عاصمتها إلى حريب التي أشرنا إلى سك أول عملة ذهبية قتبانية فيها، ووجدت بها بالفعل عملات أخرى ضربت بها، ونقشت على بعضها صورة البومة وتحتها خنجر. وكانت صورة البومة من رموز بعض العملات الإغريقية السكندرية. ويبدو أن قتبان قد اضطرت نتيجة لضعف حيلتها أن تنضم إلى حضرموت في مشاكلها ضد دولة سبأ بعد أن أصبحت هاتان الدولتان هما مركز الثقل في الجنوب العربي فحاربت في صف حضرموت، ثم تهاوت حوالي عام ١٤٠م (أو١٤٦م) بعد أن استهلكت قوتها، وانحسر كيانها السياسي، وهجرت مناطقها الزراعية بعد أن قلت رعاية مشاريع المياه فيها، وغطت الرمال عليها. وآلت أرضها فيما بعد إلى حوزة دولة سبأ وذوريدان منذ أوائل القرن الرابع الميلادي.
ملحوظة:
أسهمنا بعض الشيء في الفصول السابقة فى مناقشة تاريخ دولة سبأ وتاريخ دولة قتبان، من حيث مشكلات النشأة، وتطور الحياة السياسية، ومشاريع العمران وفروع الفنون، وتأثير العوامل الداخلية والخارجية في كيان كل دولة منهما لكي نجعل من هذه المناقشات نموذجًا للتوسع فيما يعالج به تارخ بقية الدول العربية القديمة الأخرى التى سنحاول الاكتفاء بخطوطها الرئيسية فيما يلي، مراعاة للتخفيف مؤقتًا. وندع التفصيل فيها للجزء الثاني من كتابنا في الشرق الأدنى القديم حين يصدر في وقت لاحق قريب بإذن الله.
стр. 75
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
جواد علي: المرجع السابق -ج٢ - مادة قتبان.
نيلسن وآخرون: المرجع السابق -ص١٣٢ - ١٣٦، ٢٧٩ - ٢٨٩.
Abdel-Aziz Saleh, op.cit.
Bowen, R. Jr,. Albright, W.F., and others, op., cit.,٤٣-٦٨ ١٥٥-١٦٣.
Philby, op,cit., ٥٩-٦٣.
Phillips, op.cit.,٥١f.
Pirenne,J., Le Royaume Sud-Arabe des Qataban et sa Datation,
Louvain ١٩٦١.
Rhodokanakis, N.,Katabanische Texte zur Bodenwirtschaft, I-II, Vienne ١٩١٩,١٩٢٢.
стр. 76
الفصل السادس: دولة معين
كانت دولة معين أقرب الدول الجنوبية اتصالًا بالمناطق الشمالية في شبه الجزيرة العربية. ونشأت في الجوف الجنوبي فيما يمتد بين حدود حضرموت وبين المنطقة الحدودية الحالية الفاصلة بين المملكة العربية السعودية وبين جمهورية اليمن الشمالية، عند نجران. وانتفعت معين بسهل متسع يغذيه بالخصوبة ومياه الري نهر خارد وفروعه.
واختلفت تقديرات المستشرقين في تعيين البداية السياسية لدولة معين فيما بين القرن الثالث عشر ق. م. والقرن الحادي عشر ق. م. وبداية القرن السادس ق. م. وبداية القرن الرابع ق. م. ويبدو أن أكثر هذه التقديرات احتمالًا هو بداية القرن السادس ق. م.
واتخذت الدولة عاصمتها في مدينة قرنا وفي شرق الجوف الجنوبي. وبنيت مستطيلة في مساحة صغيرة نسبيًا تبلغ نحو مائة ألف متر مربع، وسورت بسور ضخم ذي مدخلين تحميهما الأبراج الحجرية، وبقي جزء من البرجين اللذين يحفان بمدخلها الشرقي. وقام إلى جانب العاصمة معبد كبير رددت النصوص المعينية اسمه وهو معبد رصف ولازالت بقية من أعمدته ونقوشه وزخارفه قائمة تشهد بكفاية أصحابها وإن تجاوزنا عن وصفه مراعاة للإيجاز واكتفاء بما وصفنا به أمثاله في سبأ وقتبان.
وتناولت البحوث الأثرية من مواطن العمران الأخرى في معين مدن: يثل (خربة براقش) وكمنهو (خربة كمنة) ونشان (خربة السودا) ونشق (خربة البيضا) ورجمة (في أخدود نجران) .... وغيرها.
تعاقبت على حكم معين خمس أسرات حاكمة لم تحتفظ النصوص الباقية بألقاب حكامها الأوائل، ولكن يرجح أن سلطتهم بدأت بنفس الصبغة الدينية التي ظهرت عند جيرانهم. فتلقب كل منهم بلقب مزود ربما بمعنى من يزود
стр. 77
المعبودات أو المعابر بقرابينها، أو من يزود دولته بخيراتها. واعتمد هذا الترجيح على بقاء هذا اللقب مزود ضمن ألقاب حكام معين المتأخرين حتى بلغوا أن تلقبوا بألقاب الملوك.
وعملت معين على استثمار أراضيها الصالحة للزراعة بإقامة بعض مشروعات الري الصغيرة للاستفادة من الأمطار والسيول ومياه نهر خارد وفروعه، وذلك مما جعل الرحالة الروماني بلينى يصف أراضيهم بأنها أرض خصبة تكثر فيها الأشجار والنخيل والأعناب ولهم فيها قطعان كثيرة. غير أن معين اعتمدت في حياتها الاقتصادية أكثر ما اعتمدت على الاشتراك بنصيب كبير في تصدير منتجات الجنوب إلى أسواق التجارة الخارجية، ولاسيما منتجات اللادن والكندر والمر، التي كانت ترحب بها معابد الهلال الخصيب ودول البحر المتوسط ترحيبًا كبيرًا، وذلك مما جعل نفس الرحالة بلينى يعقب بقوله: والمعينيون منطقتهم يمر فيها ترانسيت الكندر عبر طريق ضيق. وهم الذين بدأوا التجارة وأهم من مارسوها. واتخذ نوع من البخور اسمه من اسمهم وهو البخور المعينى Minaean.
ويبدو أن مكاسب هذه التجارة التي سبقت عهد بليني بقرون طويلة هي التي حركت أطماع دولة سبأ منذ عهود المكربين ضد دولة معين. وقد مر بنا كيف تكررت الحروب بينهما في عهود المكربين الأواخر، وكيف أسرفت جيوش كرب إيل وتر (الثاني) السبأي في تدمير مدن معين وتشريد أهلها حتى ما يمتد إلى نجران. وإذا كنا قد تشككنا في صحة الأعداد الضخمة التي ذكرتها نصوصه عن قتلى المعينيين وأسراهم (راجع الفصل الخامس). فإن نفس هذه الأعداد تعبر ضمنًا عن اتساع عمران معين القديمة.
وعندما استردت معين كيانها بدأت بها عصور الملكية في أوائل القر الرابع ق. م. واعتاد ملوكها على أن يتلقبوا بكنيات شخصية معبرة حاول هومل وغيره تفسيرها، مثل: صدق بمعنى الصادق أو العادل، ويشور بمعنى المستقيم، وريام بمعنى المتعالي ... إلخ.
وعلى الرغم من غلبة نظام الحكم الملكي في معين ظل لمشايخ القبائل وأعيان العاصمة مجلس مسود بنفس الاسم الذي عرف به مثيله في قتبان ويراجع له الفصل السادس. وقد وصف بأنه مسد منعن أي المجلس المنيع أو شيء من هذا القبيل. وكانوا يجتمعون فيه بدعوة من الملك للبحث في أمور الضرائب والمنشآت العامة والمداولة في أمور الحرب إن وجدت، والتصديق على
стр. 78
العقود التي تبرمها الدولة مع كبار الأفراد وتعهد إليهم بمقتضاها بتنفيذ بعض مشروعاتها الدينية أو المدنية وتتفق معهم فيها على الموارد التي ينفقون منها على هذه المشروعات.
ويغلب على الظن أنه قامت إلى جانب هذا المجلس الرئيسى في العاصمة مجالس أخرى فرعية في المدن الكبيرة والأقاليم كانت تشكيلاتها واختصاصاتها تشبه المجالس البلدية أو القروية الحالية.
وتولى رياسة حكم الأقاليم والمدن الكبيرة في معين موظفون تلقب كل منهم بلقب كبر أي كبير، أو وال، وتولى كل منهم رعاية شئون إقليمه باسم ملكه في شئون القضاء وفي جباية الضرائب وفي إقامة المشروعات الإقليمية.
غير أن الكبراء أو الولاة لم يكونوا المشرفين وحدهم على جباية الضرائب وإنما أخذت دولتهم في نفس الوقت بنظام الالتزام في تحصيل بعض ضرائبها، وهو نظام سبق أن أشرنا إلى تطبيق مثله في قتبان وغيرها (في الفصل السادس). وكان معدل الضرائب يدور حول العشر أو ما يقرب منه ويؤدى عينيًا عادة.
وبحكم موقعها الشمالي ظلت معين أكثر اتصالًا بطرق التجارة الشمالية الرئيسية التي تخرج من عاصمتها قرناو ومن تابعتها نجران، إلى نجد وما ورائها وإلى الحجاز وما ورائه. ولرعاية قوافل المتاجر التى تسلك الطريق التجاري البري الكبير على طول الحجاز والممتد إلى العقبة وما يتفرع منها إلى سيناء المصرية، وإلى غزة ومعان في جنوب الشام، زودت معين هذا الطريق بحاميات وجاليات معينية كان استقرارها في مدن الحجاز من عوامل التزاوج والاختلاط السلمي بين عرب الشمال وبين عرب الجنوب كما كان من أسباب ما تناقله النسابون عن تناثر بطون جنوبية أو قحطانية بين العرب الشماليين (في مثل مدينة يثرب في عصور تالية).
وأقامت أكبر الجاليات أو الحاميات المعينية في واحة العلا شمالي يثرب وكانت في بعض عصورها مقرًا لدولة ددان ودولة لحيان مما سنتناوله فيما بعد بتفصيل. وعندما زاد النفوذ الاقتصادي لهذه الجالية زاد بالتالي نفوذه السياسي حتى غدت منطقتها حليفة لدولة معين يتولاها كبير أو كبيران على صلة بالملك المعيني الجنوبي. وربما حدث هذا التطور في أواخر القرن الثالث ق. م. وأصبحت المنطقة تذكر معه في النصوص إلى جانب أسمائها القديمة باسم ... الجنوبية أي معن أو معين، مع تخصيصها بكلمة مصرن.
وتعامل تجار معين ووسطاؤها من معن مع العواصم المصرية واستقر
стр. 79
بعضهم فيها. ومنهم رجل يدعى زيد إيل بن زيد دفن في مصر ووجد له تابوت في منطقة منف كتب عليه بحروف المسند ما يفهم منه أنه عمل في خدمة معبد مصري لعله سيرابيوم منف، وتولى توريد بعض المنتجات العربية إليه مثل المر والذريرة (قصب الطيب) وغيرهما على سفينة بحرية في مقابل ما كان يصدره إلى بلده من المنسوجات المصرية. ويعبر زيد إيل بن زيد عن استغراقه في الحياة المصرية تلقب بلقب وعب وهو لقب ديني مصري قديم يعني الكاهن المطهر. وأرخ هذا النص بالعام ٢٢ للملك توليما يوث برتولمايوس وقد يقابل عام ٢٦٣ ق. م. خلال عهد بطلميوس الثاني، أو بعده.
ووصل تجار معينيون بتجارتهم إلى جزيرة ديلوس في بحر إيجة في النصف الأخير من القرن الثاني ق. م. حيث وجدت فيها آثار صغيرة نقشت بنصوص عربية تدعو لأصحابها آلهة معين (وآلهة سبأ).
واستمرت معين في سبيلها السياسي وسبيلها الاقتصادي حتى دب الوهن في نظامها الحاكم واشتد بأس جيرانها، وتجرأت عليها دولة قتبان ودولة سبأ. وبدأت قتبان فاقتطعت جانبًا من أراضها، وأجبرتها (كما مر بنا في الفصل السادس) على عقد حلف معها احتفظت لنفسها فيه بالمكانة العليا لا سيما في أيام ملكي معين وقه إيل يثع وولده إيل يثع يشور الثاني. وحاولت قتبان أن تستغل معين في التضييق على دولة سبأ من الشمال، ولكن هذا زاد من حقد سبأ عليها فما لبثت هذه الأخيرة حتى استغلت انشغال قتبان بمشكلاتها الداخلية مع قبائل حمير وانفردت بمعين فدمرت عاصمتها قرناو واستولت على أجزاء متسعة من أراضيها قبيل الربع الثالث من القرن الأول ق. م. بحيث لم يذكرها استرابون في عام ٢٤ ق. م. حينما صحب حملة القائد الروماني آيليوس جاللوس ضد الدولة العربية الجنوبية، مما يعني أنها كانت قد فقدت استقلالها على أيامه.
ولكن الانكماش السياسي لم يؤد إلى وقف نشاط المعينيين في مجالات التجارة فظلوا يقومون بدورهم فيها ويجنون مكاسبها تحت طاعة دولة سبأ القوية، وبهذه الصورة كتب عنهم بليني في القرن الميلادي الأول ما نقلناه عنه من قبل، كما كتب عنهم الرحالة الجغرافي بطلميوس في القرن الميلادي الثاني.
стр. 80
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
جواد علي: المرجع السابق، ج٢ - مادة معين.
خليل نامي: نقوش خربة معين -القاهرة ١٩٥٢، نقوش خربة براقش- القاهرة ١٩٥٧.
محمد توفيق: آثار معين في جوف اليمن -القاهرة ١٩٥١ نقوش خربة معين - الفاهرة ١٩٥٢.
نيلسن وآخرون: المرجع السابق -ص٦٤ - ٧٥، ٢٦٧ - ٢٧٣.
Philby, op.cit., ٤٢-٥٨.
Ryckmans, J,. Institution monarchique en Arabie Meridionale avant I.htm'Islam (Maein et Saba) , Louvain ١٩٥١
Winnett, F.V., The Place of the Minaeans in the History of Pre-islamic Arabia, BASOR, ٧٣,١٩٣٩,-٣٩
стр. 81
الفصل السابع: دولة حضرموت
شغلت حضرموت منطقة واسعة من جنوب شبه الجزيرة العربية، وجمعت في أرضها الواسعة بين الجبال العالية وبين الوديان العميقة. ويبدو أن واديها الكبير وادي حضرموت كان مجرى مائيًا ضخمًا خلال الدهور المطيرة القديمة، ويمتد جزؤه الخصب نحو ٦٠ ميلًا وتجري فيه بضعه أنهار صغيرة منها نهر ميفع وهو نهر يحتمل أن يكون لاسمه صلة قديمة باسم مدينة ميفعة التي كانت من أقدم العواصم المعروفة لحضرموت.
وانتفعت حضرموت بساحل طويل على بحر العرب أو المحيط الهندي قامت عليه ميناء رئيسية أسمتها النصوص القديمة قنأ، وأطلق العبرانيون القدماء عليها اسم كنية، بينما أطلق الإغريق عليها اسم كاني Cane وتقوم على أطلالها بير علي الحالية.
ولا يزال المعروف من تاريخ المراحل الأولى لحضرموت قليلًا -ولازال الخلاف بين تقديرات الباحثين لبداية تكوينها السياسي واسعًا، فبينما أخذ فلبي برأي هومل ببداية عصور الملكية فيها بأواخر القرن الحادي عشر ق. م. أرخها ألبرايت بأواخر القرن الخامس ق. م. على أساس أنه بعد أن اختفت شخصية كرب إيل وتر السبأي القوية من الجنوب قامت الملكية في حضرموت وربما بدأت بما يشبه التبعية لدولة معين بحيث حكمهما معًا ملك واحد يدعى صدق إيل. وإذا صح هذا فقد يعني ترابط الجارتين معين وحضرموت في مجالات التجارة وتخالفهما للوقوف في وجه دولة سبأ ذات المطامع الواسعة. وبعد جيلين أو ثلاثة انفرد بحكم حضرموت أمير من أصل معيني يدعى معدكرب أسس بها أسرة حكم مستقلة، مع بقاء العلاقات الودية بين البيتين الحاكمين قائمة بحيث كان الكتبة في كل منهما يسجلون أحيانًا اسم ملك الدولة الثانية إلى جانب اسم ملكهم في النصوص التي تتناول ذكر المنشآت الجديدة والاحتفالات الكبيرة. وامتد هذا الوضع الذي لازال الشك يحيط بتفاصيل فترة صعب تحديد أمدها، ثم غابت
стр. 82
أسماء ملوك حضرموت. وعلل بعض المؤرخين هذه الظاهرة باحتمال خضوع حضرموت مرة أخرى خضوعًا مباشرًا لدولة معين، بينما عللها بعضهم الآخر بخضوعها لدولة أخرى من الدول الجنوبية مثل سبأ، وكان الملك السبئي شعر أوتر قد زوج أخته ملك حلك من الملك الحضرمي العزيلط ثم خاصمه وهاجر عاصمته.
وبعد هذه الفجوة ازدهرت الملكية الحضرمية من جديد وبدأها ملك يسمى يدع إيل بيين. ومرة أخرى ليس ما يعرف يقينًا عن الظروف التي بدأ بها ملك ولكن تخلفت بضعة قرائن يمكن الاستفادة منها في تصور هذه الظروف. ومنها أن يدع إيل بيين هذا ذكر في نصوصه أن أباه رب شمس كان من أحرار يهبأر، وذلك مما قد يعني أنه لم يكن من بيت مالك قديم وأنه بلغ العرش بمسعاه الشخصي. وقد يزكي هذا الاستنتاج أن عددًا من رعاياه تفاخروا في نصوصهم بأنهم ساعدوه، دون أن يبينوا نوع هذه المساعدة. وليس من المستبعد أنها كانت مساعدته على بلوغ العرش. وقد بدت العلاقات بين مملكته الجديدة وبين دولة سبأ التي أصبحت أكبر الدول الجنوبية في ذلك الحين علاقات طيبة. وذلك مما يحتمل معه أن سبأ عاونته على إعلان ملكه أو أنها على الأقل رضيت بما قام به في سبيل إعلان ملكه.
وزادت منذ عهد يدع إيل بيين شهرة العاصمة الحضرمية شبوة التي ذكرت نصوصه أنه عمرها بعد خرابها وأعاد تشييد حصن ومعبد رئيسي فيها. وتناقل المؤرخون والرحالة الكلاسيكيون اسم هذه العاصمة بمترادفات متقاربة تحرفت بعض الشيء عن اسمها الحقيقي، ومن هذه المترادفات: Sobatha, SabatA. Sabbatha.
وتعاقب بعد عهد يدع إيل بييين عدد من ملوك حضرموت، استطاعت دولتهم في فترة ما من القرن الأول الميلادي أن تسيطر على الأجزاء الشرقية من دولة قتبان بعد أن ضعف شأن هذه الدولة الأخيرة. فسيطرت على جزء من وادي بيحان وعثر فيه على ثلاثة نصوص تمجد أسماء ثلاثة ملوك حضرميين كما أسلفنا من قبل (في سياق الفصل السادس). غير أن تدخل حضرموت في شئون الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة جر عليها مشكلات كثيرة من القبائل الحميرية حتى أصبحت الحدود بينهما بين مد وجذر لإحديهما على حساب مصلحة الأخرى. وجرى عليه مشكلات أخرى مع دولة سبأ نتحدث عنها خلال العصر الملكي السبأي. ثم أعقبت ذلك عهود سلام ظهر فيها الملك الحضرمي إيل عزيليط أو إلعزيلط الثاني وأثبت في نص من نصوصه أنه إيل عزيليط ملك حضرموت ابن عم ذخر، وأنه سار إلى حصن أنود ليتلقب (بلقب الملك). وأشار
стр. 83
عدد من أتباعه إلى أنهم صاحبوه في هذه المرحلة. كما سجل رجلان من أشراف حمير أن ملك سبأ وذوريدان ثأران يعوب أوفدهما لحضور حفله. وتنم هذه المصادر مجتمعة عن أن حصن أنود هذا الذي لا زالت بعض أطلاله باقية تشرف على واد ينتهي إلى العاصمة شبوة قد توفرت له ذكريات خاصة في عهود الملكية الحضرمية، وأن حفل التولية كان حفلًا ضخمًا يلائم المناسبة التي أقيم من أجلها وأن العلاقات بين حضرموت وبين دولة سبأ التي دخلت في طور جديد من أطوار الملكية جمعت فيه بين سبأ وحمير، أو سبأ وريدان، قد غدت علاقات طيبة. وورد في نص ملك حضرمي آخر أنه حين احتفل بيوم توليته العرش في حصن أنود ضحى بقرابين كثيرة تضمنت ٣٥ ثورًا و٨٢ كبشًا و٢٥ غزالًا وثمانية فهود؟.
ويذهب الظن إلى أن إيل عزيليط الثاني ابن عم ذخر هو الملك الذي ورد ذكره باسم إليازوس Eleazus في مصدرين إغريقيين، عرف أحدهما باسم كتاب الطواف حول البحر الإريتيري، ومن الآراء الحديثة في شأنه ما يحتمل تأليفه في حوال الربع الأول من القرن الثالث الميلادي، وقد وصف فيه إليازوس بأنه ملك بلاد البخور والطيب وأنه أقام في عاصمته Sabatha وامتد سطانه إلى قنأ. وذكر عن هذه الميناء قنأ أنها كانت سوقًا لكل اللادن الذي ينمو في البلاد ويؤتى به إليها على ظهور الجمال وفي الأرماث المحلية المصنوعة من الجلد، وفي القوارب، ولها تجارة أخرى مع مدن الساحل البعيد، ومع بيريجازا وسكيثيا (في وادي السند) وعمانة وفارس المجاورة لها. وفي هذ الوصف ما يشير إلى ثراء حضرموت من تجارتها البرية والبحرية في أيامه.
وعبر الحضرميون عن معبودهم الأكبر الذي تخيلوه يهيمن على القمر باسم سين وهو الذي عبر عنه جيرانهم من الجنوبيين بأسماء عم وود، وإلمقه. وإذا كان هناك ما يضاف إلى هذه المقارنة فهو أن اسم سين سبق أن أطلقه الأكديون والبابليون كذلك في العراق على معبودهم الذي تخيلوه معنيًا بالقمر أيضًا، مما يعني أنه كان اسمًا ساميًا قديمًا واسع الانتشار، وربما كانت له صلته أيضًا بتسمية سيناء المصرية وإن وجدت آراء أخرى لتفسير هذه التسمية.
وانتشرت معابد سين هذا في العاصمة شبوة وفي الحواضر الحضرمية الكبيرة وعرفت في كل منها بصفة مميزة. وكان منها معبد كشفت عن آثاره بعثة جرترود كيتون طومسون في بلدة حضرمية عرفت قديمًا باسم مذاب وتعرف الآن باسم الحريضة. وكشفت هذه البعثة حول المعبد عن عدد من المقابر القديمة تضمنت إلى جانب جثث أصحابها أعدادًا كثيرة من أدوات الحياة اليومية
стр. 84
كالأواني من الفخار والخزف، والقلائد وما إليها، مما يعنى أن المعبد كان محورًا لعمران واسع من حوله ضم مساكن الأحياء وقبور الموتى.
وإذا كانت حضرموت قد أقامت أغلب بنيانها الاقتصادي على امتاد نشاطها إلى منطقة ظفار المنطقة الرئيسية لإنتاج أفضل أنواع اللادن والكندر، ثم تصديرها شرقا وغربا، فهى قد اهتمت كذلك بتنمية ثروتها الزراعية التى كشفت البحوث الحديثة عن عدد من مشروعات الري التى خدمتها، والتى نتجاوز عن التصيل فيها مؤقتا اكتفاء بما ذكرناه عن أمثالها في سبأ وقتبان.
واستمرت حضرموت في سبيلها الاقتصادي والسياسي حتى اشتدت المنافسة بينهما وبين صديقتها القديمة سبأ وذوريدان، وتطورت هذه المنافسة إلى حروب عنيفة عملت حضرموت معها على زيادة حصونها وأسوارها لمقاومة السبأيين.
وبقيت من هذه الأسوار أطلال سور كبير كان يحمي منطقة ميفعة ولكن الحروب انتهت بانتصار السبأيين في عهد ملكهم شمر يهر عش الثالث في أواخر القرن الثالث الميلادي، وبلغ من أهمية انتصاره عليها أن شجعه على أن يبدأ عهدًا جديدًا للملكية السبأية تلقب فيه هو ومن تلاه من الملوك بلقب ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنت. ويذهب رأي حديث إلى اعتبار يمنت هذه أو يمانة تمثل الجزء الجنوبي من حضرموت والمطل على ساحل البحر العربي (أو المحيط الهندي). وربما حاولت حضرموت النهوض بعد ذلك بقليل ولكن الحملات السبأية الحميرية تكررت عليها وأخضعتها لنفوذها المباشر منذ أواسط القرن الميلادي الرابع.
стр. 85
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
Bowen, Albright. and Others, op.cit., ٧٧-٨١,١٣٩-١٤٢.
Brown, W.L., and Beeston, A.F.L., JRAS, ١٩٥٤,٤٣-٦٢.
Caton Thompson, G.The Tombs and Moon Temple of Hureidha (Hadhramaut) . Oxford, ١٩٤٤.
Philby, op. cit., ٧٧-١٨.
Phillips, op.cit., ٤٣١.
Pirenne, J., Premiere mission archeologique francaise au Hadramout, C.R. de AIEL, ١٩٧٥; Deuxieme mission.. ibid, ١٩٧٦. Stark, R.F., in gJ, ٩٣, ١٩٣٩, ١-١٧; JRAs,١٩٣٩,٤٨٠-٤٩٨.
Van der Muelen and Wissmann, H, Von, Hadrmaut, Some of its Musteries unveiled, Leiden ١٩٣٢.
جواد علي: المرجع السابق، ج٢ - مادة حضرموت.
نيلسن وآخرون: المرجع السابق، ص ٢٧٤ - ٢٧٩.
стр. 86
الفصل الثامن: دولة أوسان
...
الفصل الثالث: دولة أوسان
شهد جنوب شبه الجزيرة العربية من دولة الصغرى الثرية قصيرة الأجل دولة سميت باسم أوسن أو أوسان، نشأت إلى الجنوب من قتبان وامتدت في عصور مجدها حتى حدود حضرموت. وبقي اسمها حيًا في ألقاب بعض مواطنيها إلى ما بعد ظهور الإسلام.
ويبدو أن أوسان لم تكن في بداية أمرها غير منطقة رئيسية من دولة قتبان قرب مدخل البحر الأحمر وأشرفت على جزء من الساحل العربي الجنوبي، ثم انفصلت عنها في ظروف غير معروفة بعد أن جمعت الأحلاف حولها من أقاليم وقبائل مسورا ويافع ولحج ودثينة وأبيان، ووفرت لنفسها وحلفائها كيانًا مستقلًا جنبًا إلى جنب مع قتبان وسبأ.
ومضت أوسان تشق طريقها الحضاري مستعينة فيه بنشاطها التجاري الذي انتفعت فيه بخليج عدن، حتى اتسع طموح السبأيين في أواخر عهود المكربين وتحولت أطماعهم إليها، وحينذاك تداولت المناوشات بينهم وبينها، وحالفهم النصر عليها أحيانًا وحالفها النصر عليهم أحيانًا أخرى وذلك مما سمح للملوك الأوسانيين أن يسجلوا أخبار انتصاراتهم في معابد أربابهم، وسمح لهم كذلك بأن يأسروا جماعات من السبأيين ويحتفظوا بهم رهائن في أرضهم.
ومالت كفة النصر إلى جانب السبأيين في عهد المكرب الأخير كرب إيل وتر الثاني الذى دلت الشواهد على أنه تمتع إلى جانب مهارته في إرادة دقة الحرب بمهارة أخرى في شئون السياسة، فاستطاع أن يضمن حياد قتبان وحضرموت في حربه ضد أوسان كما ضمن حيادهما في حربه ضد معين على نحو ما سبق ذكره من قبل. وإذا صح أن أوسان كانت قبل استقلالها جزءًا من قتبان كان في ذلك تفسير لرضى هذه الأخيرة بمهاجمة السبأيين لها. وعدم دفاعها عنها، وزاد كرب إيل وتر على ذلك فاستمال حلفاء أوسان وأتباعها للتخلي عنها والانضمام إليه فاستجاب له بعضهم، ومن هؤلاء أمير كان يتولى أمر إقليم
стр. 87
دهس وقبائل يافع، وهو واحد من أكبر أقاليم أوسان وحلفائها.
وانحط كرب إيل وتر بجيوشه على أوسان في عهد ملكها مرتوم (أومرتو أو مرتاوا) وادعى فيما روت نصوص انتصاراته التي سجلت بأمره في معبد عاصمته صرواح أنه (أي جيشه) قتل من الأوسانيين آلافًا كثيرة دل على مبالغته بشأنها أن تراوح عددهم في سياق عباراته بين ١٦ ألفًا وبين ما هو أكثر من العشرين ألفًا، وأنه أسر منهم آلافًا كثيرة تراوح عددهم أيضًا في سياق عباراته بين ٤٠ ألفًا وبين ٥٦ ألفًا، وافتخر بأنه حرر الأسرى السبأيين الذين احتجزهم الأوسانيون من انتصاراتهم القديمة، واستعبد عوضًا عنهم أعضاء مجلس المسود الأوساني أنفسهم وجعلهم رقيقًا للمعبودة السبأية سمهت إمعانًا في إذلالهم. وأمر بمحو وتهشيم النصوص التي كان ملوك أوسان قد تفاخروا فيها بانتصاراتهم القديمة على نصب معابدهم. في عامل حلفاء أوسان بنفس القسوة فدمر جيشه مدنهم وأحرقها. واستعبد هو مدنًا أخرى لصالحه الخاص على نحو ما ذكر في نص له أنه اقتنى كل إقليم كحد بأحراره وعبيده، وتعمد أن يقتطع أجزاء أخرى من جسم الدولة المهزومة ورد بعضها إلى قتبان، كما كافأ حضرموت ببعضها الآخر، جزاء لهما على جيادها في حروبه مع أعدائه، وربما تعويضًا لهما عن سبق اعتداء أوسان على أراضيهما.
وانطوت أوسان في ظل الخضوع والنسيان لفترة طويلة. ثم استردت كيانها السياسي في ظروف غير معروفة، واعتلى عرشها من جديد ملوك وطنيون في أواخر القرن الثالث ق. م. فيما يظن فلبي. وباعتبارهم محررين توافرت لهم قداسة واسعة بين رعاياهم دعتهم إلى التقريب إليهم بالهدايا والقرابين ربما ليحتفظوا بها في قصورهم ثم في قبورهم، أو ليضعوها بأسمائهم في معابد دولتهم. وأشهر من احتفظت الآثار بذكراه من هؤلاء الملوك ملك يدعى يصدق إيل فرعم شرح عت. وقد سجل أحد رعاياه على أثر له ما يفيد أنه الفاضل مصدان الذي قدم (الأثر) إلى سيده يصدق إيل فرعم شرح عت ملك أوسان ابن ود. وكان ود فيما أسلفنا اسمًا أو صفة لمعبود تخيله المعينيون من قبل يهيمن على القمر وامتد تقديسه إلى بعض قبائل وإمارات العرب الشماليين أيضًا. وكان في انتساب ملوك أوسان إليه واعتبارهم ولدًا له، كما كان القتبانيون يعتبرون أفسهم ولد عم ضمانًا لإحاطة حكم بالقداسة الدينية بين رعاياهم. ولعلهم تعمدوا اتخاذ ود اسمًا لإلههم مخالفة لتسمية قتبان لإلهها الأكبر باسم عم.
وازدهرت وأسان في عصر هذه الملكية الأخيرة وامتد نفوذها من باب المندب على الساحل إلى الأحور، كما امتد في الداخل إلى حدود قتبان.
стр. 88
واشتهرتت من مناطقها الأثرية مسورة ومرخا وتعمان وخلة والسقية وأم ناب، فضلًا عن خليج عدن Arabia Eudaimon. وكان في امتدادها الساحلي الطويل ما سمح له بتجارة واسعة مع شاطئ شرق أفريقيا المواجه لها حتى زنزبار بحيث سمي جزء من هذا الشاطئ حينًا باسم الساحل الأوساني. وانعكست موارد هذه التجارة على ثراء مقابر ملوك أوسان وآثارهم التي نقل بعضها إلى متحف عدن.
ومن أهمها بضعة تماثيل من الألباستر مثلت عددًا منهم في هيئاتهم العربية وملابسهم القومية، على الرغم من أن فنانيها قلدوا في نحتها أسلوبًا فنيًا يشبه أسلوب الفن الهيلينستي الذي انتشر في الشرق منذ القرن الثالث ق. م .. وكانت الأسكندرية من مراكزه الرئيسية. وأظهرت بعض هذه التماثيل أصحابها يمدون أيديهم إلى الأمام كما لو كانوا يقدمون بها قرابين وهدايا إلى معبوداتهم. ونوعت بين هيئاتهم فأظهرت بعضهم بشعور قصيرة. وبعضًا آخر بشعور طويلة تنسدل إلى ما تحت الأذنين أو تسترسل على هيئة الجدائل على الكتفين. ومثلتهم حليقي اللحى، وجعلت لبعضهم شوارب خفيفة. وبينما أظهرت بعضهم بثياب طويلة كاسية تزخرفها أيحانًا زركشة لطيفة في وسطها وعند أطرافها وعند دمالج الزراعين، أظهرت بعضًا آخر بنقبة (أو فوطة) طويلة.
ولا تبرأ هذه التماثيل من قلة التناسق بين أعضائها. حيث تبدو قاماتها قصيرة أحيانًا إلى حد ملحوظ. وسيقانها غليظة. وأكفها عريضة بالنسبة إلى بقية جسومها. ولكنها على الرغم من ذلك بلغت صناعتها مستوى لابأس به بالنسبة لإمكانات بيئتها. كما أصبحت بتنوع هيئاتها مصدرًا مهمًا للتعرف على سمات أهلها وأزبائهم.
وكجزء من مشكلات التاريخ في دول الجنوب العربي. افترض فلبي أن النهاية السياسية لدولة أوسان حدثت في أواخر القرن الثاني ق. م. بينما افترضت جاكلين بيرن بقاءها إلى قبيل ميلاد المسيح. والمرجح على أية حال هو أن أراضيها انطوت بعد ذلك تحت سيطرة حمير ثم دولة سبأ وذوريدان. ودخلت معها تحت إشراف هذه الدولة الأخيرة المناطق التي امتدت تجارتها أو ولايتها إليها على الساحل الأفريقي المواجه لها.
стр. 89
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
Conti Rossini, C., Dalle Rovine di Ausan, Dedalo, ١٩٢٧ ٧٢٧-٧٥٤.
Hamilton, R., GJ, ١٠١,١٩٤٣.
Philby, op cit.,٨٢-٨٦.
جواد علي: المرجع السابق -ج٢ - مادة أوسان.
نيلسن وآخرون: المرجع السابق -ص٨٢ - ٨٤، ٩١، ٢٩٨ - ٢٩٩.
стр. 90
الفصل التاسع: عودة إلى دولة سبأ في عصر الملكية السبأية
...
الفصل التاسع: عودة إلى دولة سبأ في عصر المملكة السبأية
بدأت عهود الملكية في سبأ باتخاذ كرب إيل وتر الثاني لقب الملك عوضًا عن لقب المكرب، أو إلى جانبه، في حوالي عام ٤١٠ ق. م. كما يعتقد أصحاب التاريخ المختصر (ومنهم ألبرايت وفون فيسمان) بعد أن أحرز لدولته توسعًا كبيرًا على حساب جيرانها. ويبدو أن الرجل قد انصرف بعد انتصاراته إلى توطيد الأمن في أرجاء دولته الجديدة الواسعة عن طريق إعادة تعمير المدن المعينية والأوسانية الخاضعة له وإسكان جماعات من السبأيين فيها، وإعادة تحصينها بعد أن اطمأن إلى موالاتها له. ثم عن طريق مواصلة سياسية أسلافه العمرانية والاقتصادية في الاهتمام بمشروعات الري وما إليها.
ولما كان الرجل قد ادعى أو اقتنع بأن مبعود دولته الأكبر إلمقه هو الذي أيده في مشروعاته وتخيره ملكًا أو صيره ملكًا كما أسلفنا من قبل، فقد ترتب على هذا أن ازداد شأن إلمقه بازدياد شأن ممثله على الأرض كرب إيل وتر، وزادت معابده في حواضر الدولة كما انتشرت عبادته في البلاد التابعة لها. وزادت الأوقاف المرصودة عليها من أهلها وأتباعها على حد سواء، ومعها ضمنيًا بقية معبودات سبأ الأخرى.
وتوسعت سبأ في عصرها الملكي فيما كانت قد بدأت به من نظم في عهود المكربيين كما تقبلت بعض عناصر الحضارة وبعض التسميات التي أخذت بها الدول الجنوبية الأخرى، الصديقة منها والمنافسة والخاضعة في آن واحد.
أشرنا في نهاية الفصل الخامس إلى نظرية جديدة تفترض أن بعض النصوص السبأية أخذت تؤرخ أحداثها منذ عهود أواخر المكربين بنيابة عظيم ذي صفة دينية يتلقب بلقب رشو ويجمع إلى كهانته للمعبود عثتر شيئًا من الإشراف على شئون الري والزراعة. ويرى صاحب هذه النظرية أن النيابة قد انتظم أمرها في عهود الملكية وأصبحت تحتسب لكبار أفراد ثلاث أسر كبيرة وهي أسرة حزفر
стр. 91
كبير خليل. وأسرة حذمة. وأسرة فضحم. وكان هؤلاء يتعاقبون ولدًا عن والد بعد كل دورة ثلاثية من الأسر الثلاث. وتستمر نيابة كل منهم ست سنوات أو سبعًا، باستثناء مرة واحدة استمرت لتسع سنوات.
وتلقب الولاة بلقب كبر (وهو لقب كان له ما يشبهه في معين وقتبان). وتسمى مجلسهم باسم مشد (وهو مسد أو مسود في معين وقتبان أيضًا). وتلقب ولاة سبأيون آخرون بلقب قين وإذا زادت منزلة أحدهم لقب بلقب أكبر أقيم أو أكبر أقين بمعنى أكبر الأقيان أو الأقيال. وإلى جانب لقب مود بمعنى صديق أو نديم (للملك في البلاط السبأي - ظهر أيضًا لقب حرج ويبدو أنه كان يخص المشرف على المنشآت الحكومية.
ويمكن أن يرد إلى العصر الملكي في سبأ إنشاء بعض العناصر المعمارية الراقية في معبد أوام إلى الجنوب الشرقي من مأرب والذي أشرنا من قبل إلى بداية إنشائه في عهود المكربين. وهو معبد ذو محيط بيضاوي امتد قطره الطويل نحو مائة متر وامتد قطره القصير ما بين ٧١ إلى ٧٥متر. وبلغ الارتفاع الحالي. لبعض جدرانه الباقية نحو تسعة أمتار. وبلغ سمك بعض أجزاء جداره الخلفي نحو أربعة أمتار وإن امتلأ داخله بالرديم وكسر الأحجار.
ولم يتميز هذا البناء بضخامته فقط وإنما تميز كذلك بفخامته، ولهذا فما من بأس في استعراض بعض أجزائه كنموذج لفن العمارة السبأية في أيامه.
تقدمت هذا المعبد صفة أو سقيفة يحمل سقفها صف من ثمانية أعمدة حجرية، كل منها حجر واحد قائم يبلغ ارتفاعه نحو ٧.٦٥. ويتلوها مدخل ذو صرحين مرتفعين يؤدي إلى بهو ضخم حفت بصفاته الداخلية وحملت سقوفها أعمدة حجرية كبيرة بقيت بعض أجزائها، وكانت تبلغ ٣٢ عمودًا. وشكلت في الجدران الداخلية لهذا البهو ٦٤ نافذة حجرية وهمية متتابعة قلد بناؤها في أحجارها هيئة النوافذ الخشبية الشبكية في إتقان بارع.
ويفترض مكتشفوا المعبد أن واجهة المدخل المؤدي إلى هذا البهو وأخشاب بابه بل وأرضيته ودرجات سلمه الرئيسي كانت مكسوة في بعض مواضعها بصفائح عريضة من البرونز تعبيرًا عن الثراء. ويعتقد أحدهم (جام) أن الدرج المؤدي إليه كانت تتوسطه نافورة تصب ماءها في حوض برونزي كبير يواجه المدخل. بينما يفترض غيره (ألبرايت) وجود خزان ماء فوق صرحي المدخل كان يملأ من بئر في داخل المعبد، ثم تجري مياهه في مجار تمر خلال أرضية المعبد لتصب في الحوض البرونزي الكبير ثم يعاد توزيعها مرة أخرى في
стр. 92
الأغراض التي خصصت من أجلها.
وعثر في المعبد وعلى جوانب مدخل البهو خاصة على عدد كبير من النصب الحجرية المنقوشة وعدد كبير آخر من التماثيل البرونزية الصغيرة والكبيرة مثلت أصحابها الأثرياء. ونقشت على هذه وتلك عبارات التعبد والإهداء إلى إلمقه صاحب معبد أوام. وقلدت بعض النماذج الطبية منها أساليب الفن الفينيقي والفن الهيلينستي.
وما من شك في أن الصورة الإجمالية التي صورها مكتشفو مدخل هذا المعبد. والتي قدمنا جزءًا منها. تدل على ما كانت عليه بقيته التي لم تكتشف حتى الآن من روعة وفخامة. وتدل بالتالي على ثراء العهود التي بني فيها وهي عهود أسلفنا أن أقدمها يرجع إلى عهود المكربين وأن أوسطها يرجع إلى العصر الملكي السبأي منذ بداية القرن الرابع ق. م. بينما يرجع أحدثها إلى القرن الأول الميلادي. وتخرب المعبد في أواخر العصور السبأية وقام مصنع في صفته الغربية. كما استخدم سورًا لمنطقته حين قل سكانها بعد أن تخرب سد مأرب. وتناثرت حوله المقابر والمساكن، ثم تحول إلى حصن في العصور الإسلامية.
وتوفر لبقية معابد سبأ ما توفر في غيرها من طقوس وثروات وممتلكات بما يتناسب مع قدرات منشئها ومدى أهمية المناطق التي نشأت فيها. وانتفع أغلبها باعتقاد أتباعها في التنبؤات (وهي رجم بالغيب) عن طريق وسطاء من الكهنة. وهو ما كانوا يسمونه باسم مسأل وإلى جانب ما تتلقاه هذه المعابد من النذور والقرابين والأضاحي من الدولة. كان بعض أثرياء مريديها يسجلون على أنفسهم حججًا أو أوقافًا مع الكهنة يلتزمون فيها بأداء قرابين معينة ويتوقعون. أو يتوقع لهم الكهنة بمعنى أصح، سوء المصير أن هم تخلفوا عن أدائها.
وتقبلت سبأ من عقائد جيرانها في عصرها الملكي تسمية ذسموي أو ذوسماوي بمعنى سيد السماء. وقد ورد اسمه أصلًا ضمن نصوص عشيرة معينية قديمة خضعت للسبأيين وهي عشيرة الحنكانيين الذين نسبت إليهم مدينة حنان. وعلى الرغم من أنهم أدخلوا ذسموي هذا ضمن عقائد التعدد الفاشية بينهم إلا أن من الباحثين من يرى فيه تطورًا في تفكيرهم. وذلك على اعتبار أنه إلى جانب اعتقادهم بوجود معبود لكل كوكب كبير في السماء. جعلوا من ذسموي هذا معبودًا للسماء كلها كوحدة واحدة.
وإذا كانت هذه بعض نواحي الازدهار العمراني والإداري في سبأ في عصرها الملكي. فقد مرت في أواخر هذا العصر بمشكلات خارجية وداخلية عدة
стр. 93
كان عليها أن تواجهها بما يناسبها.
وترتبت أهم المشكلات الخارجية على رغبة قادة الإغريق وتجارهم في مشاركة العرب في الانتفاع بتجارة البخور والتوابل عن طريق البحر الأحمر وما يتصل به من تجارة المحيط الهندي أو احتكارها وحرمانهم منها. وأطلت هذه الرغبة برأسها منذ عهد الاسكندر الأكبر المقدوني الذى تطلع بعد أن دانت له دولة بابل حتى الخليج العربي. إلى السيطرة على تجارة تجار العرب واحتكار تجارة الهند. فأرسل في عامه الأخير ثلاثة بعثات بحرية كبيرة تجوب البحار وتتعرف على مواطن العضف ومواطن الاستغلال في السواحل التى تحيط بشبه الجزيرة العربية. وبدأت هذه البعثات الملاحية رحلتها من الخليج العربي, ولكنها لم تتقدم كثيرًا إذ بلغت أكثرها نجاحًا (بقيادة Hieron) رأس الخيمة Maket. وقيل: إن الأسكندر أمر كذلك بخروج بعثة بحرية من مصر عن طريق البحر الأحمر. ولكنها تعثرت هي الأخرى وربما بلغت باب المندب أو لم تبلغه.
وعندما تقاسم قادة الاسكندر المقدوني حكم أقطار الشرق القديم بعد وفاته، وحينما استقر البطالمة في مصر في أواخر القرن الرابع ق. م. كان من سياستهم أن يستغلوا السواحل الطويلة المطلة على البحر الأحمر إلى أقصى الحدود. وأن يحققوا آمال الاسكندر لمصلحتهم بخطوات متئدة عملية لم يكن تأثر عرب الجنوب بنتائجها محسوسًا على درجة واحدة دائمًا. ويمكن إيجاز مراحلها الأولى فيما يلي:
أ) أرسل أحد البطالمة الأوائل ولعله بطلميوس الأول أو الثاني قائدًا من قادة البحر يدعى Ariston في بعثة بحرية استطلاعية ليتعرف على سواحل بلاد العرب وطبيعة الملاحة في بحارها. فطاف بجزء كبير منها. ولما عاد إلى الأسكندرية قدم إلى دولته تقريرًا مفصلًا عما شاهده ولاحظه في رحلته من الموانئ الشمالية والجنوبية.
ب) جددت في عصر البطالمة بعض الموانئ المصرية المطلة على البحر الأحمر وأنشئ بعض آخر. حتى تستعد لاستقبال المزيد من متاجر هذا البحر وتصديرها. (ومنها ميناء أرسينوى في نهاية خليج السويس، وميناء ميوس هرميس قرب ميناء القصير الحالية، وميناء برينيكي إلى الشرق من أسوان).
ج) العمل على تأمين السيطرة على خليج العقبة باعتباره مخرج تجارة البحر الأحمر المتجهة (برًا) إلى جنوب بلاد الشام.
د) زيادة الأساطيل البطلمية المقاتلة في البحر الأحمر لتأمين السفن والمصالح
стр. 94
التجارية فيه. وتشجيع الوسطاء على التعامل معها. وصرفهم عن الاعتماد على نقل المتاجر بالطرق البرية التي أشرف عليها العرب الشماليون والجنوبيون في شبه الجزيرة.
هـ) تشجيع الجاليات الإغريقية التجارية على استيطان موانئ البحر الأحمر وجزره .. وقد تحدث عنها وعن بعض المواطن التي نزلت بها على الشاطئ العربي الرحالة Agatharchides في منتصف القرن الثاني ق. م. ووصلت بعض هذه الجاليات حتى جزيرة سوقطرى في البحر العربي، وشاركوا العرب والهنود في سكناها. كما شاركوهم في نقل تجارة الهند وسواحل شرق أفريقيا.
وأدت هذه الخطوات المتتابعة إلى نتيجتين مختلفتين على المدى البعيد بالنسبة لدول شبه الجزيرة العربية. فانتفع بها أهل السواحل وازدهرت تجارة موانيهم الجنوبية والجنوبية الغربية. مثل ميناء قنأ في حضر موت. وميناء عدن.
وميناء موزا، في المنطقة التي تقاسمتها كل من قتبان وأوسان وحمير (ثم ورثتها سبأ). بينما تأثرت بعض الشيء اقتصاديات الدول العربية الداخلية التى اعتمدت على استغلال قوافل الطرق البرية ولاسيما الطريق الرئيسي الممتد من جنوب شبه الجزيرة عبر الحجاز حتى العقبة وما ورائها في سيناء أو في جنوب الشام. وإن ظل تأثرها حتى المرحلة التي وقفنا عندها. محدودًا.
وكان من أكثر المستغلين لنتائج هذه التطورات قبائل حمير التي أطلت على سواحل البحر الأحمر الجنوبية الغربية. واستفادت من نشاط التجارة البحرية في موانيها لاسيما عدن وموزا (موشج) وميناء أخرى ذكرها رحالة الإغريق باسم أوكيليس.
ويبدو أن حمير كانت تمثل الفئة الحاكمة لحلف قبلي تداخل مع بعضه بدوافع المصلحة المشتركة ورابطة الدم والموقع. وقد صورتها المصادر العربية تنقسم إلى قبائل صغيرة تعيش حول لحج بناحية ظفار ورداع (أي تجاور أوسان) وتمتد شرقًا في سرو ونجد حمير. قد أسلفنا أن هذه القبائل اعترفت بسيادة دولة قتبان منذ القران الرابع ق. م بحيث أطلقت بعض النصوص على أهلها لقب "ولد عم" مثل القتبانيين، وبحيث أصبح حصنهم الرئيسي يسمى "ريدان" تقليدًا لاسم حصن ريدان القتباني. ولكن الأمور تطورت إلى مصلحة حمير بعد ازدياد النشاط البحري على سواحلها، فأخذت تعمل لصالحها.
ونشأت ظاهرة جديرة بالاعتبار ربط بعض الباحثين بينها وبين نهضة
стр. 95
حمير. وهي أن المصادر العربية القديمة لم تنسب أحداثها إلى تاريخ ثابت (كالتاريخ الميلادي أو التاريخ الهجري الحاليين) إلا في نحو سبعة نصوص متباعدة عرفت حتى الآن. وأدت الدراسات المقارنة إلى تعيين عام البداية للتاريخ الثابت الذي ردت هذه النصوص السبعة أحداثها إليه بعام ١١٥ ق. م (أو عام ١٠٩ ق. م). ولكن تعددت النظريات في تعيين المناسبة الهامة التي ارتبطت بها هذه البداية، ومالت أحدث هذه النظريات إلى ربطها باتحاد حمير في كيان واحد، وحلت بذلك محل نظرية أخرى سبقتها كانت تربط بينها وبين نشأة مملكة سبأ وذوريدان، الأمر الذي دعا إلى إعادة ترتيب أحداث الجنوب على أساس جديد وهو ما سوف نأخذ به فيما يلي.
وقد مر بنا كيف اتجهت حمير بقبائلها المتحدة إلى الانقلاب على دولة قتبان واستقلت عنها في القرن الأول ق. م وكانت سببًا في إضعافها، وكيف دخلت في بعض الحروب ضد دولة حضر موت، ثم أخذت تتحين الفرص لإثبات كيانها إزاء جارتها العجوز مملكة سبأ.
وكانت سبأ تشق طريقها في جهد، وعانت بعض الوقت من تضييق جارتيها قتبان ومعين، ولكنها قاومت وبدأت بمعين فقضت على استقلالها كما أسلفنا، وأسكنت مجموعات من السبأيين في بعض مدنها، ولكنها لم تنتفع طويلًا بنصرها، إذ هددها خطر خارجي ربما لم تكن تحسب حسابه.
ونعود إلى العوامل الخارجية أو المنافسات الخارجية لنجد أن خطوتها الفاصلة بدأت منذ امتد اهتمام البطالمة الأواخر من رغبة الإشراف على البحر الأحمر وتجارته إلى رغبة الإشراف على تجارة المحيط الهندي الذي كانوا يعلمون أن كثيرًا مما يأتيهم به التجار العرب من متاجر إنما يأتي عن طريقهم من الهند، فودوا أن يوجهوا سفنهم إليها دون وساطة. وسجل المؤرخون خبر واحدة من أولى الرحلات التي نجحت في تحقيق هذه الرغبة، وقد ترأسها ملاح يدعى بودوكسوس الكيزيكي Eudoxus of Cyzicus وبلغ بها الهند حوالي عام ١١٧ق. م. وتعددت بعدها رحلات بحارة الإغريق والبطالمة وساعد على نجاحها اهتداء اليوناني هيبالوس Hipalus إلى إمكان استخدام الرياح الموسمية الجنوبية الغربية خلال الصيف (من يونيو إلى أكتوبر) في تقصير أمد الرحلة من البحر الأحمر إلى سواحل الهند في عرض المحيط مباشرة دون ضرورة إلى التزام خطوط سواحله الطويلة.
وأعقب البطالمة منافس أشد خطرًا منهم وتمثل في النفوذ الروماني في عهد الإمبراطور أوجسطوس (أو كتافيوس) الذي أصبح يسيطر على أغلب مناطق العالم
стр. 96
القديم دون منازع منذ أواخر القرن الأول ق. م ولم يكتف أوجسطوس بالنشاط العادي الذي يقوم به أعوانه من الإغريق والرومان في تجارة الهند والبحر الأحمر. وأراد أن يقصي العرب عن هذه التجارة جملة أو يجعلهم يعملون لصالحه فيها. أو يسيطر على أرضهم بجيوشه.
وكانت الصورة البراقة المسرفة التي أشاعها الرحالة والمؤرخون الإغريق والرومان في عالمهم الغربي عن ثراء بلاد العرب مما شجع على هذه الرغبة فقد كتب الرحالة الجغرافي استرابون ما يقول إن السبأيين والجرهائيين في عصره كانوا من أكثر القبائل ثراء نتيجة لتجارتهم في المواد العطرية، ولهذا توفرت لديهم كميات كبيرة من مصنوعات الذهب والفضة كالأسرة والموائد الصغيرة والأواني والكئوس. فضلًا عن قصورهم الرائعة التي كانت أبوابها وجدرانها وسقوفها مختلفة الألوان. يرصعون بعضها بالعاج والفضة والأحجار الكريمة ... إلخ.
وليس من ضرورة بطبيعة الحال إلى تصديق هذا التصوير بحذافيره، ولكنه كان كافيًا لإثارة أطماع ساسة الرومان الطموحين إلى السيطرة والاستغلال. ولم يعدم أولئك الساسة والتجار تقديم المبررات لأطماعهم، وصور استرابون بعضها فادعى أن أهل العربية السعيدة كانوا يحصلون على أرباح باهظة من تجارتهم مع الأعراب والرومان فلا يتركون لهم ولا للبلاد التي ينقلون تجارتهم إليها مجالًا للكسب أو الثراء.
وهكذا صدر أمر الإمبراطور أوجسطوس إلى نائبه الروماني على مصر آيليوس جاللوس ( Aelrus Gallus) بمهمة إرهاب العرب أو احتلال أرضهم.
فترأس جيشًا كثيفًا وانضم إليه عدد كبير من اليهود ومن الأنباط حلفاء الرومان. وخرج الجيش في عام ٢٤ ق. م على متن أسطول كبير (قيل إنه تألف من ١٣٠ سفينة) من خليج السويس واتجه في البحر الأحمر حتى Leuke Kome ولعلها هي ميناء الحوراء أو أملج الحالية التي استغلها قوم مدين في عصورهم القديمة ثم خضعت لنفوذ الأنباط. وسلكت جيوش جاللوس بعدها سبيل البر خلال ساحل الحجاز وتهامة اليمن وخربت في طريقها مدنًا كبيرة. وعندما وصلت إلى الجنوب بدأتب بتخريب مدن دولة معين القديمة التي أصبحت سبأ مسئولة عنها، وروى استرابون أن ملك نجران فر حين اقتراب قوات الرومان، وفتحت يثل أبوابها ودمر الغزاة مدن نشق ونشان وكمنة ولية وحريب وحاصروا مأرب. ولكن حملتهم باءت في نهاية أمرها بالفشل ولم تتعد مأرب، وفقدت كثيرًا من سفنها ومن رجالها.
وكان قد صحبها رجلان اهتم التاريخ بهما، استرابون الجغرافي الرحالة الذي روى
стр. 97
أحداثها (من وجهة نظره) وكان صديقًا شخصيًا للقائد جاللوس، ثم رجل آخر اختلف الحكم عليه، وهو رجل من الأنباط ترأس قومه الذين رافقوا الحملة واعتبره الرومان دليلًا لهم على أساس خبرته بالطرق البرية في شبه الجزيرة وخبرته بطرق العرب في القتال، وقد ذكره استرابون باسم سلياؤوس وهو اسم قد يكون محرفًا عن اسم صالح أو سلي أو سلاء (يراجع عنه بعده).
ورجعت أسباب فشل حملة جاللوس إلى عدة عوامل ذكر استرابون بعضها، ومنها عدم كفاية جاللوس في قيادة البحر وتنظيم الأسطول بحيث فقد كثيرًا من سفنه قبل أن يصل بها إلى ميناء الحوراء، وإنفاقه أغلب جهده في إعداد سفن مقاتلةلم تكن لها ضرورة ملحة في حملته لأنه لم يكن من المنتظر أن يقاتله العرب في البحر. ولعله عدل لهذا إلى طريق البر وسار بجيشه في طرق صحراوية وجبلية طويلة وعرة تمتد نحو ١٢٠٠ ميل من الحوراء أو أملج إلى داخل اليمن، وكان يستطيع أن يتابع طريقه في البحر ما دام قد بدأه حتى ساحل اليمن، وقلة الماء خلال حصار مأرب، وتفشى الجوع والأوبئة حولها، فضلًا عن عدم إخلاص الدليل النبطي في النصيحة للرومان.
وإذا زدنا شيئًا على تحليل استرابون فهو وضع مقاومة العرب لجيوش الرومان موضع الاعتبار في عدة معارك كانت إحداها عند نهر ذكره استرابون وقد يكون هو غيل خارد، وشدة تحصن السبأيين في عاصمتهم مأرب ومقاومتهم للحصار الروماني. وأخيرًا تفسير عدم إخلاص الدليل النبطي للرومان برغبته في الوفاء لبني عمومته العرب مما خيب آمال السادة الرومان.
ويبدو أن تجار الرومان قد وجدوا سبيلهم بعد ذلك إلى موانئ بلاد العرب الجنوبية عن طرق أخرى غير طرق الحرب، فتحالفوا كما يفهم من بعض الروايات المتأخرة مع أمير ظفار الحميري على أن يقدم لهم بعض الامتيازات الإقليمية، وربما نجحوا في أن يتركوا بميناء عدن جالية أو حامية رومانية تساعد سفنهم ضد أخطار القرصنة في البحر وتشرف على مصالحهم التجارية.
واستردت دولة سبأ كيانها بعد فشل الحملة الرومانية، وانفسح السبيل أمامها في الداخل بعد أن انكمش نشاط دولة قتبان وخسرت كيانها السياسي شيئًا فشيئًا تحت تأثير ضربات السبأيين والحضرميين والحميريين خلال القرن الأول الميلادي وبعده بقليل، كما مر بنا من قبل.
ولكن سبأ لم تنتفع بهدوئها طويلًا، وأخذت المشكلات الحدودية والداخلية تعمل عملها السيئ فيها، الأمر الذي قلل من هيبتها أمام القوتين الباقيتين في
стр. 98
ميدان المنافسة أمامها في جنوب شبه الجزيرة وهما قوة حمير وقوة حضر موت، ثم مهد لعصر جديد من عصورها المتميزة وهو عصر ملوك سبأ وذوريدان موضوع البحث التالي.
* * * * *
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
Bowen, Albright and Others, op. cit
Jamme, A., Sabcan lnscriptions from Mahram Biliqis
Baltimore, ١٩٦١
philby,op. cit., ٦٤-٧٦
Phillips, op. cit., ٢٧٩f
Ryckmans, j., op. cit
جواد علي: المرجع السابق، مادة ملكية سبأ.
نيلسن وآخرون: المرجع السابق، ص ٨٧ - ٨٨، ٢٩١ - ٢٩٣.
стр. 99
الفصل العاشر: دولة سبأ وذوربدان-وسيطرة حمير
...
الفصل العاشر: دولة سبأ وذو ريدان وسيطرة حمير
اختلفت نشأة هذه الدولة عن نشأة غيرها من الدول في أنهالم تبدأ ببداية زاهرة، وإنما قامت خلال ظروف مضطربة استمرت أكثر من قرن ونصف القرن بين عام ٩٠م وعام ٢٦٥م، وهي ظروف لازالت تفاصيلها خافية ونصوصها متضاربة.
وكانت قد ظهرت بين القبائل العربية الجنوبية والوسطى خلال القرن الأول الميلادي روح من التنافس الشديد ورغبة الانتشار وأطماع الرياسة والسيادة، لأسباب غير محددة، قد تكون منها تلك المحنة التي هزت كيان دولة سبأ خلال الحملة الرومانية عليها، ورؤية دول الجنوب تنهار واحدة بعد واحدة لسبب أو لآخر، وزيادة ثراء بعض المناطق مع افتقار مناطق أخرى نتيجة للمنافسة بين التجارة البحرية والتجارة البرية. وقد يكون منها كذلك ما جد من انتشار الخيول والقوات الراكبة بين رجال القبائل وما أدى إليه هذا من سرعة الحركة والكر والفر والشعور بالزهو، وهلم جرا.
وكانت أكثر القبائل السبأية شهرة خارج مأرب هي قبائل مرئد وجرت التي ارتبطت بأسرة ملوك سبأ بروابط الأصل والنسب. ولهذا ظلت صلات المودة غالبة بينها وبينهم، ولكن هذا لم يمنع بعض حكامها الكبار الذين كانوا يتلقبون من قبل بألقاب الأقيان أو الأقيال من أن يتلقبوا بلقب "ملك" بين حين وآخر، بل ولقب ملك سبأ أيضًا، الأمر الذي تقبله الملك السبأي الشرعي في مأرب، في بعض الحالات، على مضض حتى يبقوا مساندين له.
وفي الوقت نفسه ظلت أكثر القبائل القريبة من مأرب، عددًا وبأسًا، هي قبائل سمعي التي ضمت أثلاث: سخيم، وبتع، وهمدان (والأخيرة هي التي انتسب إليها فيما بعد الرحالة أبو محمد الحسن الهمداني أشهر من كتب في العصور الإسلامية عن جغرافية شبه الجزيرة العربية وتاريخها).
стр. 100
وكيفت هذه القبائل مسلكها إزاء سبأ بما يتفق مع مصالحها والظروف التي عاشت فيها. فظل موالية للدولة في عهود قوتها، واستمرت كذلك حتى رأت الأطماع تحيط بها، فبدأت تتحين الفرصة لإثبات كيانها الذاتي تحت زعامة بيت حكم كبير فيها انتسب إلى جد أكبر يدعى" أعين". وجد أصغر يدعى أوسلات رفشان.
وفي حمأة هذه الأطماع والملابسات الداخلية التي مهددت لتمزق الكيان السبأي، كانت قبائل حمير قد شقت طريقها حتى حدود سبأ، واتخذت عاصمتها في مدينة ظفار التي نشأت في منطقة خصبة قرب مدينة يريم الحالية، وحمتها عدة حصون قامت على التلال التي تحيط بها، وكان حصن ريدان أكبرها، فأصبح حصنها الملكي، وانتسب إليه ملوكها في لقبهم الذي اشتهروا به وهو ذوريدان.
وفجأة ظهر في نصوص هذا العصر المضطرب ما يدل على أنه قامت في كل من مأرب وظفار أسرة حاكمة ادعى ملوكها لأنفسهم لقب ملك سبأ وذوريدان كل على حدة. وفي تفسير هذه الظاهرة افترض الباحث فون فيسمان أن مأرب عاصمة سبأ تعرضت لهجوم من قبل ملك ريدان الحميرى في نهاية القرن الميلادى الأول، وحينما انتصر عليها أضاف اسمها إلى لقبه، ولكن تقديره لمكانة سبأ التاريخية والدينية جعله يقدم اسمها في مقدمة هذا اللقب، وإن لم يطل حكمه. وعز على القبائل المحيطة بمأرب ما صارت إليه فعملوا على إجلاء الملك الحميري عنها وأعادوا إليها الملك السبأي المنهزم أو رجلًا من أسرته اتخذ هو الآخر لقب ملك سبأ وذوريدان في الوقت الذي لم يتنازل فيه الملك الحميري في ظفار عن لقبه المزدوج.
ومع التجاوز عن الأسماء العديدة التي أتت النصوص بها، مراعاة للتخفيف مؤقتًا، تكفي الإشارة إلى أنه كان من أصحاب الفضل في إعادة الملكية الشرعية إلى مأرب زعيم قبائل بتع، وزعيمان لقبيلتي مرئد وجرت، وقد عمل كل منهم من ناحيته، ولم يكن عمله بغير ثمن، فقد تلقب كل من الثلاثة بمثل لقب ملك مأرب العائد، أي ملك سبأ.
وعمل الهمدانيون على أن يكون لهم بدورهم نصيب في ألقاب العصر وزعامته. وكان قد ترأسهم بعد أوسلات رفشان ولداه يرم أيمن وبارج يهرحب، وقد مثلا ملك سبأ في عقد صلح أنهى حروبًا متقطعة قامت بينه وبين دولة حضر موت والحميريين والقتبانيين (الذين كانت دولتهم تلفظ أنفاسها الأخيرة). وكان الجزاء على عقد الصلح أن تلقب أكبر الأخوين يرم أيمن بلقب
стр. 101
ملك وأورثه لولده.
وهكذا شهد العصر (في منتصف القرن الثاني الميلادي) أربع أسر إقليمية أو قبلية ادعى كل رئيس فيها لقب ملك سبأ. وذلك إلى جانب ملك مأرب الشرعي صاحب لقب ملك سبأ وذوريدان في دولة كانت تسيطر عليها من قبل مملكة واحدة.
وإلى جانب هؤلاء الملوك الخمسة كانت هناك ملكية حمير التي تمسكت هي الأخرى بلقب ملك سبأ وذوريدان وحاولت أن تحققه على حساب هذه الأطراف جميعًا.
وهنا تصدى زعيم همدان علهان نهفان الذي شارك أباه يرم أيمن في رئاسة قومه وفي لقب الملك، لمواجهة الأزمة، وتلمس الحلفاء حوله، ووجد بعضهم في خصوم الأمس، فتحالف مع دولة حضرموت، ومع جماعات حبشية ذكرتها النصوص تحت زعامة جدرت ملك حبشت أو جدورة ملك الحبشة أو الحبش. واختلفت آراء الباحثين في تحديد أصل هذه الجماعات. فذهب رأي إلى اعتبارهم فرعًا من سكان جنوب اليمن أو تهامة الأصيلين نزح بعضهم إلى الساحل الأفريقي المواجه لهم وكان لهم أثر في تكوين جماعات الجعزيين الأحرار الذين نشروا اللغة السامية في الحبشة، وقد عرفوا عند العرب حينذاك بتسمية الحبش على جانبي البحر الأحمر. وذهب رأي ثان إلى اعتبارهم مولدين من مهاجرين أحباش إلى سواحل تهامة تكاثروا عليها ثم عملوا لمصلحتهم في فترات التمزق الداخلي بالانحياز إلى فريق ضد فريق. وذهب رأي ثالث إلى اعتبارهم غزاة من الحبشة استغلوا فترات التفكك التي عمت المناطق اليمنية فاحتلوا مناطق ساحلية واسعة من شمال جيزان وعسير وجزء من ساحل الحجاز، ردًا على التوغل الاقتصادي والبشري العربي على الساحل الأفريقي، وللسيطرة الكاملة على التجارة الأفريقية المنقولة بالوساطة إلى الساحل العربي بعد أن فشلت الحملة الرومانية في السيطرة عليها. وأيا ما كان من هذه التفسيرات فإنها لا تخفى حقيقة واقعة وهي أن تمزق أهل الدولة الواحدة وتضارب مطامع زعمائها وتغليب المصالح القبلية أو الإقليمية فيها على حساب الصالح العام، كل ذلك كان سبيلًا إلى تدخل الأغراب في أمورها.
وجدير بالذكر أن النصوص الجنوبية أخذت تشير في هذه الفترة إلى دور الأعراب أهل البادية باسم أعرب وإلى انضمامهم إلى هذا الفريق أو ذاك. ويبدو أنه أصح لهم دور كبير في فرق الخيالة أو الفرق الراكبة في الحروب.
стр. 102
ولم يتحقق أمل علهان نهفان في إعادة هيبة دولة سبأ وريدان. إلا في عهد ولده شعر أو تر الذي أضاف إلى هذا الأمل هدفًا آخر وهو تحرير الأراضي التي سيطر الحبش عليها ولو استدعى الأمر أن يقاتل معهم من كانوا يحالفونهم من القبائل العربية الأصلية. وقد نجح في تنفيذ أغلب هدفيه وبسط سلطانه على أغلب اليمن وشماله، في أواخر القرن الثاني الميلادي.
ولكن نجاح شعر أوتر كان رهينًا بشخصه، وبعد وفاته عادت الحروب بين السبأيين وبين الحميريين لسنوات طويلة. وتحالف الحميريون فيها مع الأحباش أو الأكسوميين الأفريقيين في عهد ملكهم عذبه أو عذابًا. ويبدو أن هؤلاء الأحباش خططوا للعمل لمصالحهم الخاصة ووجدوا عونًا أو تحريضًا من الرومان الذين تلاقت مصالحهم معهم في استغلال تجارة البحر الأحمر وتقليل نصيب العرب منها. ولم ينفذ الجنوب منهم إلا وفاة عذبه الأكسومي أو الحبشي وقيام الاضطرابات في بلده بعد وفاته.
تلك كانت مجرد نماذج من فترات التشتت والصراع والمد والجذر التي شهدتها دولة سبأ وجيرانها، وقد تكررت أمثالها وتغيرت مواقع الأطراف فيها بين تحالف وتخاصم عدة مرات خلال القرون الثلاثة الميلادية الأولى. والغريب أنه على الرغم من ذلك كله، وعلى الرغم من منافسة ظفار الحميرية لمأرب السبأية في شئون التجارة والسياسة، ومنافسة ذمار (قرب صنعاء) لمأرب أيضًا في شئون العمران-ظلت أوجه النشاط الإنتاجي والتجاري قائمة إلى حد ما. وظلت تثير اهتمام المؤرخين والرحالة الكلاسيكيين المعاصرين لها.
ففي أوائل هذا العصر المضطرب تمت إعادة بناء الهويس الشمالي من سد مأرب (في الفترة بين عامي ١٠٠ - ١٢٠) بعد انهياره الأول المعروف. وإلى هذه الفترة نسب الأخباريون العرب تشييد قصر عمدان الذي أسرفوا في وصفه وتمجيد صاحبه إيل شرح يحضب ملك مرئد- وقد احترق القصر، ثم تم تدميره في بداية العصور الإسلامية وأصبح تلًا خربًا.
ونسب إلى عهد هذا الملك في نهاية القرن الميلادي الثاني إرسال بعثة إلى ملوك غسان والإزدونزار ومذحج وهي من أقدم المرات التي ذكرت فيها أسماء هذه القبائل.
وفي أوائل هذا العصر أيضًا، خلال القرن الأول الميلادي، ذكر الرحالة بليني في كتابه عن التاريخ الطبيعي أمرين متقابلين، ذكر في أولهما أن السفن التابعة للرومان كانت تخرج من برينيكي (قرب أسوان في مصر على البحر الأحمر) إلى ميناء أوكيليس على مضيق باب المندب، أو إلى قنأ في منطقة الكندر
стр. 103
دون توقف، ومن هناك إلى الهند رأسًا ودون وساطة العرب، ولكنه أصناف إلى ذلك أمرًا آخر وهو أن العرب ظلوا من أغنى الأمم لتدفق الثروة من روما وبارثيا إليهم وتكدسها بين أيديهم. فهم يبيعون ما يحصلون عليه من (تجارة) البحر ومن (إنتاج) غاباتهم ولا يشترون شيئًا في مقابله. وذكر أن السبأيين كانوا أعظم القبائل ثراء بما تنتجه غاباتهم من البخور، وما يملكونه من مناجم الذهب، وما يوجد عندهم من الأراضي الزراعية. وما ينتجونه من الحبوب والكروم والعسل .... إلخ.
وفي تصويره لمدى استهلاك العالم الخارجي لمنتجات جنوب شبه الجزيرة، روى بليني أن جنازة poppaea في روما قد استنفذت ما يساوي الإنتاج السنوي للعربية السعيدة. وروى أنه ترتب على ازدياد استهلاك البخور والصموغ في أيامه، أن أصبح الصمغ يجمع مرتين في العام دون أن يترك التجار الوقت الكافي لسيقانه لكي تنضج.
وهكذا يبدو أن تجار الإغريق والرومان وإن سيطروا على أغلب تجارة الهند في المحيط الهندي والبحر الأحمر. فقد ظل العرب ينتفعون ببيعها ويقومون بنقل منتجاتهم الخاصة من البخور والصموغ ومشتقاتها بقوافل الإبل ويعملون على تصريفها ويجنون أرباحها. وهو أمرلم ينتفع به الجنوبيون وحدهم، وإنما انتفع به العرب الشماليون أيضًا لفترات طويلة مما سنعود إلى ذكره فيما بعد.
بل إن السفن الإغريقية والرومانية وإن عرفت الطريق البحري القصير المباشر إلى الهند، إلا أنها ظلت تلجأ إلى الموانئ العربية من حين إلى آخر للإتجار معها مباشرة، أو للراحة فيها والتزود منها بالماء والزاد خلال رحلاتها الطويلة إلى سواحل الهند وعودتها منها. بل وظلت تسمح لبعض السفن العربية بالاشتراك معها في التجارة، وذلك مما يعني أنها لو تقاطعها جملة ولم تحرمها من التجارة جملة. وقد كان للحميريين على ساحل البحر الأحمر وساحل البحر العربي أسطول تجاري ضخم لا يمكن تجاهله.
وأدت هذه الأوضاع إلى أن ورد في كتاب الطواف حول البحر الإريتري Periplus Maris Erythrael من حديثه عن جنوب شبه الجزيرة في حوالي عام ٢٢٠م، ما سبق أن استشهدنا به منه عن ازدهار ميناء قنأ الحضرمية، وتجارتها الواسعة من عمان وبارثيا والهند. وقد ذكر نفس الأمر عن ميناء موزا (موشج أو المخا) فقال إنها ميناء عامرة دائمًا بأصحاب السفن والملاحين العرب وفي شغل شاغل بشئون التجارة، ويتعامل أهلها مع الساحل البعيد (الأفريقي؟) ومع بريجازا (في حوض السند) ويرسلون سفنهم إليهما.
стр. 104
وهكذا احتفظ العرب بنشاطهم على الساحل الأفريقي، لاسيما في منطقته المعروفة باسم رأس التوابل، وفي منطقة الصومال، وعلى ساحل الحبشة، وامتد نشاطهم إلى ميناء رهابتا (وقد تكون ربطة العربية) بجوار زنزبار، وذكر مؤلف كتاب الطواف أن رهابتا هذه ظلت تعترف بالسيادة لأمير معافر الحميري بحكم امتياز قديم أخضع ساحلها لنفوذ دولة قديمة في بلاد العرب (وهي دولة أوسان) وأن طائفة من تجار ميناء موزا الحميرية كانوا يعملون باسم أميرهم فيها ويسيطرون على تجارتها ويتزاوجون مع أهلها.
وظل للعرب نشاطهم في جزر البحر العربي (أو المحيط الهندي) القريبة منهم مثل جزيرة سوقطرى (دفيبا سخترا=ديوس كوريديس= الجزيرة السعيدة).وذكر مؤلف الكتاب السابق أنها كانت تابعة لملك اللبان يعني بذلك ملك حضر موت، وأنه كان يسكن على ساحلها الشمالي تجار من العرب والهنود والإغريق.
وليس من شك في أنه لو توافر للمناطق العربية الجنوبية سلامها القديم عوضًا عن الاضطرابات التي مزقت شملها في هذه الفترة لاستطاعت أن تحقق أضعاف ما استشهدنا به من روايات المؤرخين والرحالة عنها- ولكن هذا الذي استشهدنا به كاف للدلالة على أنه كان لا يزال بها من الإمكانات ما تستطيع أن تستعيد به أمجادها القديمة أو بعضها على أقل تقدير.
وإذا كانت مأرب قد استنفذت جزءًا كبيرًا من طاقتها بعد كفاحها الطويل في سبيل البقاء، فقد بقي على ظفار أن تقوم بدورها، وقد مالت موازين القوى النسبية إليها بالفعل منذ النصف الثاني للقرن الثالث الميلادي. وبجوارها قام حصن ريدان الملكي الذي نافس حصن سلحين السبأي المجاور لمأرب. وقد اعتبر الإخباريون العرب الحصنين قصرين وأشادوا بما فيهما من فخامة وروعة ما وسعتهم الإشادة. وضموا إلي ذكر قصر ريدان قصرًا فخيمًا آخر ذكروه باسم شوحطان.
نهضة حمير وملكية سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنة:
مهدت الفترة السابقة لسيادة أسرة حميرية ريدانية تنسب إلى إيل عز نوفان يهصدق. أو إلى ولده الأوسع شهرة منه ياسر يهنعم الثاني الذي حرف بعض الإخباريين اسمه إلى ناشر النعم اليعفرى. وذكر عبيد بن شرية أنه سمي كذلك واشتهر به لأنه استرجع ملك الحميريين وجمع الأمر لهم. ولما كان رأس أسرة جديدة أسرفت روايات هؤلاء الإخباريين (لاسيما ذوي الأصل اليمني) في ذكر
стр. 105
مناقبه وفتوحه فروت أنه ضرب في الشرق والغرب والبر والبحر. بتفاصيل نتجاوز عن ذكرها لعدم ثبوت شيء منها.
وشاركه في الحكم قبيل عام٢٧٠م ولده شمر يهرعش (الثالث) ثم انفرد بالحكم في حوالي ٢٩١ - ٣١٦، وتوافرت له شهرة أوسع من شهرة أبيه، واحتفظت له بعض الأساطير العربية بسمعة عريضة، فاعتبرته أعقل من حكم، وأطلقت عليه لقب تبع الأكبر، واعتبرته فاتحًا عظيمًا امتد حكمه في زعمها إلى أرض بابل وفارس وسمرقند وأرمينيا والصين والتبت ... إلخ. وعلى الرغم من وضوح عنصر التهويل فيما ادعته هذه الأساطير، فإنه يبدو أنها اعتمدت على نصيب متواضع من الواقع وضخمته باسم القومية في عصر نشطت فيه قوى خارجية من الفرس والروم والحبشة لتوجيه مصائر الأمة العربية.
فقد حاول شمر يهرعش الثالث أن يحقق الوحدة السياسية لجنوب شبه الجزيرة وأن يزيد من إمكاناته ويوسع من حدوده واتصالاته. فاستولت جيوشه على أجزاء متسعة من دولة حضرموت وتوابعها وإن لم يقض تمامًا عليها وبقيت تجاهد في سبيل البقاء لفترة قصيرة. وتغلبت جيوشه على أقاليم من تهامة واتسعت في وسط شبه الجزيرة وشمالًا في أرض سهرة وعك. وربما غزت سواحل الحبشة أو على الأقل ضيقت على مصالح الأحباش في تجارة البحر الأحمر، وبلغت اتصالاته الدبلوماسية إلى قطوسف وكوك ويحتمل وجودهما قرب المدائن بين العراق وفارس.
وفي نفس العهد الذي حقق فيه عرب الجنوب نهضتهم على يدي شمر يهرعش الثالث، كان لعرب الشمال نهضة أخرى لا تقل قيمة عنها على يدي امرئ القيس بن عمرز التنوخي المتوفى عام ٣٢٨م، وسوف نتناول تفاصيل نص امرئ القيس المشهور هذا فيما بعد، وتكفي الإشارة هنا إلى ما ذكره من أنه أحرز نجاحًا في حصار نجران مدينة شمر (يهرعش) أي الخاضعة له. وأنه شتت قبائل مذحج. وكان شمر يهرعش قد احتضن قبائل مذحج هذه، ومنها كندة، واستعان بها في مهاجمة مناطق التنوخيين قوم منافسه امرئ القيس أو أنصاره على الخليج العربي، كما وجه نشاطه من صعدة إلى أرض مالك بن كعب ملك أزد السراة.
وشجعت هذه الانتصارات المتوالية شمر يهرعش الثالث على أن يزيد في ألقاب ملكيته ألقابًا أخرى، فاتخذ لقب ملك سبأ وذوريدان وحضر موت ويمنة حول أواخر القرن الثالث الميلادي، وكانت يمنة (أو يمانة) فيما يحتمل وأشرنا من قبل هي الجزء الجنوبي من دولة حضرموت. وكان الرجل مصلحًا إلى جانب
стр. 106
كونه محاربًا، فبقي من أيامه نص ينظم بيع الرقيق والماشية. ويحدد المدة التي يكون البائع مسئولًا فيها عن الحيوان الذي باعه إذا هلك بسبعة أيام. ويبدو أن هذا النص كان جزءًا من تشريع متكامل صدر في أيامه.
ومرة أخرى ارتبطت هذه النهضة الحميرية الكبيرة بشخصية شمريهرعش الثالث ومن قبله بشخصية أبيه قبل أي شيء آخر، بحيث أن بعض أقاليم دولته في حضر موت وفي تهامة، حاولت الانسلاخ عنها في أواخر أيامه أي عندما شاخ عهده. وربما ردها إلى طاعته ولكن إلى حين.
وتجددت المشكلات في عهود خلفائه الأقربين ولم ينجحوا في غير إخضاع حضرموت التي استنفذت قواها، أما الأطراف الغربية لدولتهم فاكتنف الغموض مصيرها.
فقد ورد في ألقاب ملك الحبشة عيزانا الذي يرى بعض الباحثين أنه عاصر خلفاء شمريهرعش المباشرين منذ حوالي عام ٣٢٥م- أنه ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة وسبأ وسلحين وصيامو وبجه وكاسو ملك الملوك. ويبدو أن سيطرته على حمير وسبأ اللتين أوردهما لقبه بعد عاصمته أكسوم. كانت سيطرة مفتعلة أراد أن يمهد بذكرها لمرحلة مقبلة بعد أن أصبحت دولة سبأ وذوريدان في نظره لقمة سائغة طحنتها مشكلاتها الداخلية. ولا يستغرب مثل هذا الأمل المفتعل إذا ما قورن بما حدث بعد كثير من القرون حين أمر الإمبراطور نابليون بسك نوط تذكاري باسمه تمجيدًا لفتحه الجزر البريطانية، وهو أمر لم يتم وبقي النوط تذكارًا لأمل لم يتحقق.
ولم يقتصر هدف عيزانا من هذا اللقب على مجرد الأمل في السيطرة على بلاد الجنوب العربي وما يصل إليها من متاجر، بل كانت وراءه ملابسات أخرى، فقد سمح الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأكبر بانتشار المسيحية في دولته ابتداء من عام ٣١١م، ثم أصبحت دينًا رسميًا للإمبراطورية في عام ٣٧٥م، واتجهت بعثات بيزنظة في عهده إلى الحبشة وما يجاورها للتبشير بالمسيحية واتخاذ الدين مدخلًا إلى عقد المحالفات السياسية والاتفاقيات الاقتصادية. ونجحت هذه البعثات من ناحيتها الدينية في إطلاق حرية العبادة للمسيحيين من التجار الأغراب ومن تنصروا من رجال البلاط وأهل البلاد التي دخلتها المسيحية. ويبدو أن عيزانا ملك الحبشة قد سايرها على الرغم من أن اليهودية كانت قد سبقت المسيحية إلى بلاده منذ قرون ولكنها ظلت محصورة في نطاقها الضيق وسط الديانة الوضعية الشائعة. ولعله في مشايعته للمسيحية وفي لقبه الذي ادعى فيه سيطرته على سبأ وحمير كان يعمل على أن تكون له الصدارة
стр. 107
في تمثيل البلاد الواقعة على جانبي السواحل الجنوبية للبحر الأحمر أمام حليفته الدولة البيزنطية القوية حامية المسيحية في الشرق ووريثة الرومان في السيطرة على سياسته وتجارته.
على أن الجدير بالذكر هو أنه إذا كان ملك الحبشة هذا أو خلفاؤه قد ودوا أن تكون لهم اليد العليا على المناطق العربية الجنوبية، فقد أسلفنا من قبل أن هجرات عربية جنوبية قديمة كانت قد أثبتت وجودها وتأثيراتها في الحبشة، عن طريق استخدام اللغة العربية الجنوبية في نصوصها إلى جانب اللغة الأفريقية، أو مختلطة بها، وكتابة هذه النصوص بحروف المسند العربية. وعن طريق النشاط الاقتصادي الذي جعل لطوائفهم التي عرفت باسم الجعزيين أي الأحرار منزلة مرموقة ومكانة سياسية كبيرة في الحبشة، مع امتداد نفوذهم على أجزاء متفرقة من الساحل الأفريقي.
وعلى أية حال فما لبثت دولة أكسوم أن اضطربت أحوالها في أرضها الأفريقية فانشغلت بنفسها.
وبقيت ملكية سبأ وذوريدان وحضر موت ويمنة العربية قائمة تجاهد في سبيل الاستمرار، ومن أعمال ملوكها إصلاح سد مأرب ثلاث مرات، وفي أولاها أصلح الجزء الأوسط منه عند تهدمه للمرة الثانية المعروفة بعد عام ٣٦٠م.
وتميز من ملوك العصر أب كرب أسعد الذي مارس الحكم نحو ستين عامًا منذ أن اشترك مع أبيه طفلًا. وعندما استقل بالحكم اشرك معه ولده حسان يهنعم في حوالي عام ٤٠٠م. وأثرت له جهود لتوطيد الأمن في دولته والسيطرة على طرق القوافل المتجهة إلى الشمال. فكانت له حروب في منطقة معد، ولعلها امتدت أيضًا في نواحي الحجاز من ناحية، وحتى الربع الخالي في أواسط شبه الجزيرة من ناحية أخرى, وكانت قبيلة كندة من أعوانه. وشجعه نجاحه على أن يزيد في ألقابه الملكية عبارة أكد فيها سلطانه على بدو المرتفعات والبراري، فأصبح ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنت وأعرب طودم وتهمت. أي وأعراب الجبل وتهامة (أو النجد والسهل) ... ولا تساع أعماله العامة نسبيًا أشاد الإخباريون بذكراه وذكروه باسم أسعد تبع ونسبوا إليه فتوحات واسعة كما أشادوا بقصوره أو حصونه فيما بين ظفار وبين صنعاء.
وأصلح سد مأرب ثانية في عام ٤٤٩م في عهد الملك شرحبيل يعفور، وزيدت قنواته ودعمت جسوره، ولكن انهار جانب من سد رحب ثانية بعد عملية إصلاحه بعام واحد وأدى ذلك إلى هلع السكان وفرارهم إلى الجبال خوفًا من
стр. 108
طغيان السيول، فأصلح مرة أخرى في عام ٤٥١م وقيل إنه اشترك في إصلاحه نحو ٢٠ ألف رجل.
وارتبطت أهم أحداث العصر في الجنوب العربي الذي سوف نعبر عنه فيما يلي باسم اليمن وهو الاسم الشائع في المصادر العربية، بالتطورات الدينية وما ترتب عليها من نتائج حضارية وسياسية.
فقد سلكت اليهودية سبيلها إلى اليمن في عهود غير معروفة ود بعض الكتاب ومن اليهود بخاصة أن يرجعوا بها إلى زمن بعيد فربطوا بينها وبين عهد تخريب الرومان لبيت المقدس في عهد فسباسيانوس وتيتوس في عام ٧٠م، وتشتيتهم لمن بقي فيها من اليهود الذين هرب بعضهم إلى الصحراء وانزووا في جاليات صغيرة على الطريق التجاري المتجه إلى الجنوب حتى اليمن. والواقع أنه ليس من سند لإرجاع هجراتهم إلى بلاد العرب إلى مثل هذا الزمن البعيد الذي رددته بعض الكتب التاريخية دون تمحيص حيث لم يظهر لعقيدتهم أثر في النقوش العربية الجنوبية أو الشمالية إلا منذ القرن الرابع أو الخامس الميلاديين.
وليس من المستبعد أن بعضهم تسلل إلى اليمن عن طريق فارس التي احتضنتهم نكاية في البيزنطيين المسيحيين الذين كانوا يكرهونهم. ولأمر ما ربط بعض الإخباريين ومن ذوي الأصل العبري أيضًا بين الملك أب كرب أسعد وبين يهود يثرب، مرة بدخولهم إليها في عهده، ومرة برحلته إليها وتهوده، ومرة بامتداد نفوذه إليها وتعيين أحد أولاده عليها حيث قتل بعد رحيله عنها ... إلخ.
وسلكت المسيحية سبيلها إلى اليمن عن أكثر من طريق، فسلكته أولًا عن طريق البعثات التبشيرية. ويبدو أن الدولة البيزنطية حينما وجدت الحبشة قد انشغلت بمشاكلها الداخلية عما أملته فيها من نشر المسيحية وما يستتبعها من أهداف سياسية، تعاملت مع الدولة الحميرية رأسًا. وكان من رسلها المبشرين الأوائل ثيوفيلوس الهندي في منتصف القرن الرابع الميلادي ويروي التاريخ الكنسي أنه نجح في تنصير الملك الحميري المعاصر له. ولم يكن تنصير الملك، إن صح، هو بيت القصيد. وإنما يبدو أن بيزنطة أرادت أن تضمن لها أنصارًا باسم الدين للوقوف في وجه انطلاق نفوذ الفرس المحتمل في شبه الجزيرة العربية وما يتصل بها عبر الخليج العربي وعمان. وهكذا اتجهت البعثات التبشيرية البيزنطية إلى جزيرة سوقطرى وميناء هرمز أيضًا.
وسلكت المسيحية طريقها إلى الجنوب العربي كذلك عن طريق تجار الشام المسيحيين الذين تعاملوا مع أهله، وربما سلكته كذلك عن طريق تجار الحبشة المسيحيين، وبعض أهل الحيرة أيضًا على الرغم من اختلاف مذهبهم المسيحي
стр. 109
عن المذهب الذي أخذ به نصارى اليمن.
على أنه مهما كان من أمر المسيحية واليهودية في اليمن. فقد ظل أتباعهما قلة قليلة. وظلت غالبية أهل الجنوب العربي على عقائدهم الوضعية القديمة وإن حاولوا أن يوسعوا آفاقهم الدينية من تلقاء أنفسهم تارة ونتيجة لاتصالهم بأصحاب الديانتين اليهودية والمسيحية تارة أخرى. وهكذا ورد في نص الملك شرحبيل يعفور عن إصلاح سد مأرب عبارة تقول ما يمكن ترجمته إلى بنصر وعون الإله سيد السماء والأرض وذلك مما يعني تقديس معبود أكبر يشمل سلطانه السماء والأرض ولا يقتصر سلطانه على إقليم بعينه أو مظهر معين. ووردت في نص عبد كلال عبارة تقول بردا رحمنن أي: بعون الرحمن، مما يعني الإيمان برحمة الرب الدائمة وفضله الواسع، وروى أحد مؤرخي التاريخ الكنسي أنه كان بين الحميريين إبراهيميون عارضوا ثيوفيلوس المبشر المسيحي، غير أن أمثال هذه الفلتات القليلةلم تقض على عقائد التعدد القديمة فظلت هي الغالبة.
وتنافست الديانات الثلاث، وكان الأكثر تنافسًا أنصار الديانتين الجديدتين أي اليهودية والنصرانية. وفي خلال هذا التنافس اشتد أحد الملوك الحميريين الأواخر وهو يوسف أسأر يثأر الملقب ذو نواس في معاملة التجار المسيحيين والأشاعرة حلفاء الأحباش لسبب ما يرده البعض إلى تهوده، ويرده البعض إلى صداقته لليهود وتأثره بتحريضهم، ويرده البعض الآخر إلى ربطه بين انتشار المسيحيين في بلده وبين احتمال انتشار النفوذ الحبشي المسيحي عن طريقهم لاسيما وأن منهم من كانوا على صلة ببلاط الحبشة فعلًا. وترتب على هذه الشدة أن قل تعامل التجار البيزنطيين مع الموانئ العربية والموانئ الأفريقية القريبة منها. واستنصر المسيحيون بعضهم بعضًا، وناشدوا إمبراطور بيزنطة أن يتدخل لمعاونتهم، ولكن الشقة بين بيزنطة وبين اليمن كانت بعيدة، فوقع عبء معاونتهم على ملك الحبشة كاليب أل أصبحا حليف البيزنطيين ووجدت دعوة الاصتنصار هذه هوى في نفسه لتحقيق أمل أسلافه ولزيادة نفوذه السياسي والتجاري، لاسيما وأن بلاده قد تأثرت إلى حد ما من اضطراب أمور التجارة البيزنطية في جنوب البحر الأحمر.
وقيل: إن كاليب كان على رأس الحملة على اليمن أو أشرف على الأقل على إعدادها في ميناء عدولى الذي أبحرت منه عبر باب المندب في فترة ما تقع بين٥٢٠م و ٥٢٣م. ونجحت الحملة في غرضها، وفر ذو نواس إلى منطقة جبلية ببعض أعوانه. وأعلن الملك الحبشي سيادته على ظفار وعين عليها واليًا حبشيًا، وعندما توفي هذا الوالي استغل ذو نواس فرصته فأعاد تجميع أنصاره واستعاد
стр. 110
ظفار وانتقم ممن فيها من الأحباش وأجلى بقيتهم عن بلاده ثم رد الصاع صاعين، فترك اليهود يفتكون بمن شاءوا من منافسيهم المسيحيين. ووجه انتقامه إلى نجران أكبر مراكز تجمع المسيحيين فراسل زعيمها الحارث؟ ليتصل به، ولكن الرجل تخوف غدره فتحصن بمدينته. وشدد نواس حصار نجران وقيل: إنه وعد أهلها الأمان إن استسلموا له. فلما طال المطال عليهم فتحوا له أبواب مدينتهم فكان انتقامه هو وأعوانه منهم على نحو ما ذكر القرآن الكريم في سورة البروج (٤ - ٩) إذ يقول: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وأراد ذو نواس أن يتخذ له سندًا لو تأزمت الأمور ضده فكتب إلى ملك الحيرة المنذر الثالث يود أن يحالفه أو يجعل له سبيلًا إلى محالفة الفرس وتصادف أن كان في مجلس المنذر وقتئذ وفد من قساوسة الروم فأشاعوا أن ذا نواس دعا المنذر في رسالته إلى أن يفتك بمسيحي الحيرة كما فتك هو بمسيحي نجران.
وثارت ثائرة العالم المسيحي، وأراد الملك الحبشي أن ينتقم لما أصاب رجاله فعاود الحملة على اليمن بجيش كثيف، وانتصر جيشه بعد جهد جهيد. وقتل ذو نواس أو فر وغرق كما روت بعض المصادر العربية.
وصحب الاحتلال الحبشي الأخير لليمن في عام ٥٢٥م ما يصحب كل احتلال أجنبي من ضروب القتل والتدمير والنهب والأسر التي أفاضت المصادر الإسلامية في تصوير بشاعتها. ويبدو أن مقاومة الحميريين للغزاة قد استمرت لبعض الوقت. إذ يذكر حمزة الأصفهاني (في تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) أنه أعقب ذا نواس ولده ذو جدن ولكنه لقي نفس مصيره. ولعله من جراء هذه المقاومة أن عمل نجاشي الحبشة على أن يوطد احتلاله لبلاد اليمن بما يخدر أهلها فعين على حكمهم تحت طاعته رجلًا من سادتهم يدعى سميفع أشوع كان من كبار أعوان ذي نواس، وبعد مقتله تحصن هو بأولاده في حصنه وجمع حوله بعض حلفائه، ثم تبين عقم المقاومة أو استجاب لدعوة الأحباش فهادنهم وربما تنصر حينذاك واتخذ اسمه المسيحي الصيغة الذي سبق ذكره. وقد نسب إليه نص عربي تلقب فيه بلقب ملك سبأ وذكر إيمانه بالمسيح الذي أورد اسمه بصيغة لاتينية محرفة، مع إثبات تبعيته لنجاشي أكسوم.
وازدادت أعداد الكنائس الكبيرة في اليمن منذ ذلك الحين، وكانت كبراها كنيسة في نجران سماها أتباعها كعبة نجران وكعبة اليمن وكان لها سرادق من أدم. وأخرى في ظفار أقام فيها كبار قساوسة اليمن، وكنيسة ثالثة في عدن ... إلخ.
следующие страницы →