← Акыда

Акыда · id 11079

تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس

عبد الله أبا بطين

Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد: فبين يديك أيها الموفق رسالة محررة من يد أحد فحول العلماء وأكابرهم العالم الشهير الفقيه الكبير عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ردا على شبهات أثارها: داود بن جرجيس، تتعلق بقضايا في توحيد الألوهية. هذه الشبهات مازال لها أهلون، يثيرونها كلما درست، ويحيونها كلما خبت، ليضلوا عباد الله، ويصرفونهم عن عبادته وحده لا شريك له، وعن تعظيمه ﷻ اللائق به دون من سواه إلى عبادة غيره من المخلوقات!! عجبا لأولئك الذين يرمون أهل التوحيد والسنة بأنهم ينتقصون الأولياء بل الأنبياء، إذ لم يجوزوا دعاءهم من دون الله! ؟ أليس هم قد تنقصوا الله ﷻ إذ جوزوا أن تصرف العبادة لغيره وهو القائل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ بلى والله: هم تنقصوا الله ﷻ ، وتنقصوا أيضا الأنبياء والأولياء، لأن أنبياء الله ورسله وأولياء الله تعالى براء مما يعملون. بل أرسلوا ليجاهدوا إخوان هؤلاء من كفار بني إسرائيل وكفار قريش بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ . [سورة سبأ: ٤٠-٤٢] فهذه براءة الملائكة ﵈ من عبادة المشركين لهم، إذ زعموا أنهم ما يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله زلفى. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا

стр. 2

الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨] . وبراءة أخرى لنبي الله عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٦، ١١٧] . كل ذلك وما جاء في معناه في القرآن العزيز والسنة المطهرة ليؤكد أن الواقعين في دعاء الأنبياء والأولياء والملائكة فضلا عن غيرهم من الجن والشياطين؛ هم المذمومون المتنقصون حقا لجناب الأنبياء والصالحين، إذ خالفوا أوامرهم، بل نقضوا أصل دعوتهم: لا معبود بحق إلا الله وحده، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . إن هؤلاء الذين يضلون الأمة ويربونها على تنقيص جانب الربوبية، ويزيدون على ذلك: رمي أهل الحق والتوحيد بأعظم الفرى وأقبح الشائعات ليصدوا الناس عن سبيل الله تعالى، لينتقم الله تعالى منهم، ومن انتقام الله تعالى منهم وغيرته تعالى وتقدس على حدوده ومحارمه؛ بعث من يتصدى لهم: يبطل ما بنوه، ويفرق ما جمعوه، ويكشف ما ستروه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . [الحج ٦٢] . وأن يضرب مثل في ذلك؛ فمثل عزيز: أمة في رجل. إنه محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى العالم الإمام شيخ الإسلام. رجل واحد حمل لواء الدعوة إلى التوحيد، وتبديد ما أرساه القبوريون بثقل علماء السوء وولاة السوء، فجعل بفضل الله وحده ذلك كله قاعا صفصفا، وبنى للتوحيد وأهله بناء مشيدا وحصنا عظيما، صمد إلى الآن أمام كل

стр. 3

التحديات، بل تثلمت معاول الهدم التي هرع إليها حفدة القبوريون ووراثهم، وذلك دليل صدق على عون الله تعالى للشيخ محمد، وتأييده له، وأنه صادق مخلص محب لصلاح الأمة مشفق عليها. لقد ترامت دعوته المباركة في جميع الأقطار، واستجاب لها أهل الفطر والأبصار، فلا بلد بحمد الله تعالى إلا وأثر دعوة الشيخ فيه واضحة وآثاره مرفوعة ظاهرة. ١ وخلفه في هذا المنصب الكبير أبناؤه وأحفاده وتلامذة الجميع رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. والشيخ العالم الفقيه: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، أحد ثمار غرس الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، فقد تتلمذ على يد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، وغيرهم من تلاميذه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى كان من أوعية العلم وفحول العلماء: درس وقضى، وأفتى، ووعظ، وألف. وكان مما جلس فيه للقضاء من الأمصار: القصيم، حيث بعثه الإمام تركي بن عبد الله عام ١٢٤٨هـ إلى ذلك. ثم رجع إلى شقراء للتدريس والإفتاء بعد مقتل الإمام تركي سنة ١٢٤٩ هـ. وفي سنة ١٢٥١ هـ بعثه الإمام فيصل ابن تركي إلى القصيم لتولي القضاء، فذهب واستوطن عنيزة حتى سنة ١٢٧٠هـ. وقد جاء إلى عنيزة وقت قضاء الشيخ بها رجل عراقي يقال له: داود بن جرجيس، في طريقه إلى الحج، فقرأ على الشيخ طرفا من تفسير

стр. 4

البيضاوي، وبعضا من فقه الحنابلة، ثم طلب من الشيخ أن يجيزه في فقه الحنابلة، فأجازه، وأذن له بالتدريس. ثم إنه وقعت منه مخالفات عقدية، فأحضره الشيخ عبد الله، وكشف شبهته فيها، وكتب رسالة في ذلك سماها بعض طلبته: "الانتصار﴾ . ١ فأظهر داود الرجوع عما وقع فيه من الخطأ، ثم إن داود حج ورجع إلى بلده، وأخذ ينصر تلك الشبهة، ويتطلب أشياء من كلام العلماء ليؤيد بها شبهته، فأخذ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أشياء ظنها له، وهي عليه. وبعد أربع سنوات حج داود مرة أخرى، ونزل أيضا في بلد عنيزة، وصرح بأنه مازال على تأييد شبهته، وأن رجوعه السابق قد رجع عنه. فأحضره الشيخ عبد الله، وسأله عن نقضه لرجوعه السابق، فأبرز داود عبارات لشيخ الإسلام ابن تيمية. فطلب الشيخ عبد الله إحضار الكتب التي نقل منها تلك العبارات، فوجدت إيرادات يوردها ابن تيمية للرد عليها وإبطالها، فسكت داود وأسر في نفسه العداوة للشيخ وعامة علماء نجد. فلما رجع إلى بلاده في العراق؛ أرسل رسالة إلى أحد أصدقائه في بلد عنيزة ضمنها أدلة لما رد به على الشيخ عبد الله، فأطلع الشيخ عليها، فوجدها نفس الشبهة الأولى إلا أنه زاد عليها: أنه لا فرق بين الأحياء والأموات، وأن السؤال من الميت كالسؤال من الحي. فانتدب لها الشيخ وردها بكتاب سماه: "تأسيس التقديس". هذه قصة كتابنا هذا كما حكاها الشيخ المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر رحمه الله تعالى في "عنوان المجد في تاريخ نجد". ٢

стр. 5

عملي في الكتاب * اعتمدت في ضبط نص الكتاب على ثلاث نسخ: الأولى: الطبعة الأولى في مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه سنة ١٢٤٤ هـ في رمضان منها. جاء على صفحة العنوان منها: طبع بإذن الشيخ عبد الله بن حسن خطيب الحرم المكي. الثانية: نسخة خطية في ملك الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله تعالى وهي محفوظة في المكتبة السعودية بالرياض. ورمزها "ب". الثالثة: نسخة خطية نسخت عام ١٣٠٦ هـ، وهي مصورة عندي. ورمزها "أ". * عزوت الأحاديث إلى مخرجيها. * وضعت فهرسا للموضوعات.

стр. 6

ترجمة موجزة للمؤلف * العالم العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبا بطين. يرجع نسبه إلى عائذ من عبيدة من قحطان. * ولد في: روضة سدير ٢٠ / ١٢ / ١١٩٤ هـ. * قرأ على قاضي روضة سدير الفقيه الشيخ محمد بن طراد الدوسري ولازمه ملازمة تامة. * ارتحل إلى شقراء، وقرأ على قاضيها الشيخ عبد العزيز الحصين. * ثم رحل إلى الدرعية فقرأ على علمائها: الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. والشيخ حمد بن ناصر بن معمر. وقرأ فيها على الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي، وأجازه. * ولاه الإمام عبد الله بن سعود قضاء عمان. وولاه الإمام تركي بن عبد الله قضاء الوشم، ثم كلفه بقضاء سدير معها، فكان يقيم في كل مقاطعة شهرين. ثم نقله الإمام تركي إلى قضاء القصيم. ثم ولاه الإمام فيصل بن تركي قضاء القصيم مرة أخرى. * له مؤلفات منها: ١. حاشية نفيسة على شرح المنتهى. ٢. مختصر بدائع الفوائد لابن قيم. ٣. مختصر إغاثة اللهفان. ٤. تأسيس التقديس في كشف شبه داود بن جرجيس. ٥. الانتصار في الرد على داود أيضا -. ٦. رسالة في تجويد القرآن الكريم. ٧. التفصيل والبيان في تنزيه الرحمن.

стр. 7

١. وله فتاوى ورسائل محررة. طبع بعضها في "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"، وجمع أخيرا الأخ الشيخ إبراهيم بن محمد الحازمي – الشريف -. * توفي في شقراء في ٧ / ٥ / ١٢٨٢ هـ.

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله، نحمده ونس تعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. أما بعد، فإنه قد قدم علينا في أثناء عشر ستين بعد المائتين والألف ١ رجل اسمه داود بن سليمان البغدادي ومعه شيء من كتب المذهب، وجلس عندنا مدة وطلب مني إجازة في الفتيا في المذهب، وكتبت له، ثم بعد ذلك بنحو أربعين سنين قدم حاجا، وذكر لي أن معه ورقة فيها عبارات من كلام الشيخ تقي الدين يشبه بها على الناس، يضع كلام الشيخ على غير موضعه فأحضرته وباحثته فإذا حقيقفة أمر دعواه: استحالة وقوع الشرك في الأمة المحمدية، ويزعم أن دعاء الأموات والغائبين والذبح والنذر لغير الله ليس بشرك، ويقول: إن الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل نداء، ويقول: الشرك هو السجود لغير الله فقط، وسألته عن معنى لا اله الله وما معنى الإله فارتبك وتحير، فقلت أخبرني عن حقيقة الشرك الذي حرمه الله وأخبر أنه لا يغفره؟ فقال: هو السجود لغير الله. فقلت: نهى الله عن السجود لغيره، لكن ما دليلك على أنه شرك؟ فلم يكن عنده جواب، فلما أوردت بعض الأدلة على بطلان دعواه ودحضت حجته أظهر الموافقة قصدا لقطع الكلام لا للموافقة باطنا فيما أظن، وكتبت على ورقته التي معه نحو ثلاثين ورقة سماها بعض الطلبة "الانتصار".

стр. 9

تأسيس التقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس ... وبعد ذلك طلب مني بعض الإخوان بيان معنى بعض أبيات في البردة وتشطيرها للرجل المذكور، فكتبت عليها قدر ورقتين فأشمأز بعض المخالفين لزيغ في قلبه، واعترض على ما كتبته بكتابة ورقة متضمنة شركا عظيما، فكتبت على كلامه قدر ثلاثة كراريس وهم قد رفعوا جوابي الأول والثاني إلى كبيرهم داود المذكور، مستنصرين به، فقام وقعد، وجد واجتهد في البحث عن الأوراق التي اعترض فيها أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمة الله عليه – فيما دعا إليه من التوحيد، فحصل فيما بلغني جملة منها فاستمد منها وزاد من عنده فضائح وضعها في تسويده هذا الذي عثرنا عليه، فيه ترويج على الجهال. فرأيت أنه يتعين على مثلي بيان تلبيسه وتمويهه لعل الله أن يحشرنا في زمرة الذين ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ذكر المعترض في أول تسويده بأنا نكّفر من كانت البردة عنده ومن قرأها ومن سمعها، وأننا نبيح قتله، وهذا من أول كذبه وافترائه. وزعم أن ما كتبناه متضمن لتنقص الرسول ﷺ ، وسلفه في ذلك عباد المسيح، لما نهى النبي ﷺ عن عبادته قالوا تنقص المسيح ﵇، ونحن إنما نهينا عن الغلو فيه ﷺ الذي حذر منه بقوله:" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم". ١ قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله". ٢ وقوله: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد"، ٣ وقوله للذي

стр. 10

قال ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا". ١ وأما ما ذكره هذا من مدحه نفسه وتزكيتها بدعوى العلم، وذمه المخالف وتجهيله فالعاقل مايغتر بذلك بل يقوم لله وينظر لنفسه ويتأمل ما يورده من الحجج ولا يقلد فإن التقليد لا يجوز ٢ في هذا الأصل العظيم. قال وقد روى هذه القصيدة مع الهمزية جماعة من العلماء وشرحها بعضهم ولم يفهموا منها محذورا. فنقول كما قال الأئمة الأعلام: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وأيضا لا يلزم أن كل من روى كتابا أو قصيدة أن يكون مستصوبا لكل ما روى. وذكر ممن روى البردة أبو حيان، والبيضاوي، والمحلي، وابن حجر العسقلاني، وكذا القسطلاني. فيقال له: تفسير الثلاثة للقرآن موجود، وكذا شرح البخاري، هل تجد في شيء منها ما يمكن تشبيهك به على الناس بما يوافق دعواكم الباطلة من أن علم اللوح والقلم من علوم النبي ﷺ وأنه لا يخفى عليه شيء من أدواء القلوب كما في بيت الهمزية من قوله: وليس يخفى عليك في القلب داء، وأن الدنيا والآخرة من جوده ﷺ وأنه يطلب منه اليوم الإنقاذ من عذاب الله والألم، وأن ما جاز طلبه منه في حياته جاز طلبه منه بعد موته، وأن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بطلب حاجاتهم من الأموات والغائبين

стр. 11

وغير ذلك من دعاويكم الباطلة، ولن تجد في كتب المذكورين وغيرهم من العلماء المحققين إلا ما يبطل حجتك، بل يوجد في كلام كثير ممن ليس من أهل العلم المعروفين به شيء كثير تصديقا لقول النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". ١ قال المعترض: وعصر الناظم متقدم على عصر ابن تيمية ولم ينقل عن ابن تيمية الإنكار عليه. قلنا: إن كان نظمه هذا قد بلغ الشيخ فهو ممن عنى بقوله: "والاستغاثة به ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان وأمثالهما. قال: وهؤلاء لهم صلاح لكن ليسوا من أهل العلم بل جروا على عادة كمن يستغيث بشيخه عند الشدائد ويدعوه"، وقد يكون البوصري وغيره ممن أراد بقوله وأمثالهما. وقد صنف شيح الإسلام ﵀ كتابا في الرد على من جوز الإستغاثة بالنبي ﷺ وقرر أن ذلك من الشرك قال ﵀ "وقد طاف هذا بجوابه -يعني الذي أجاز فيه الاستغاثة به ﷺ على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما واستعانوا بمن له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم ومكايد شيطانهم". انتهى. فهؤلاء علماء مصر في ذلك الزمان لم يخالفوا ما كتبه الشيخ فعدم مخالفتهم دليل الموافقة لا سيما وحال أكثر أهل ذلك الزمان مع الشيخ ومخالفتهم له في أشياء غير ذلك معلومة، فلو رأوا لمخالفته في هذه المسألة

стр. 12

مساغا لبادروا وأظهروا ذلك. قال البغدادي معترضا على ما كتبناه على قول الناظم: فإن من جودك الدنيا وضرتها. قال: وهو قال لك إن الدنيا والآخرة لغير الله أفلا يجوز أن الله يعطي الدنيا لأحد وهو يجود بها أو منها، أو ليس كل الوجود لله وقد ملكه لعباده، فما هذا الاعتراض الفاسد. قال: وقد ورد أن الدنيا والآخرة خلقتا لأجله، وورد في البخاري أنه أكرم من الريح المرسلة، فماذا يضر لو كرم بما لربه ١ وهو حبيبه الأعظم. انتهى. فنقول: هل يشك أحد في جوده ﷺ ، فهو أجود الناس، وأجود من الريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليه، والمعترض حرف قول الصحابي وهو ابن عباس في قوله ﵁: "فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ". ٢ فحرفه المعترض وقال إنه أكرم من الريح المرسلة. وقوله: أفلا يجوز أن الله يعطي الدنيا لأحد وهو يجود بها أو منها. يعني أنه يجوز أن الله يعطي الدنيا كلها لإنسان، وذلك الإنسان يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، وهذا لا يليق به سبحانه أن يجعل رزق العباد عند غيره بحيث يصير ذلك الغير هو مقصودهم الذي يرغبون إليه ويسألونه قضاء حوائجهم، ومقتضى قو ل الناظم فإن من جودك الدنيا وضرتها أنه ﷺ هو الذي جاد بهما لأن الله أعطاه ذلك ليجود به على عباده، بل مقتضى كلامه وإن لم يرده أن النبي ﷺ هو الذي جاد على أهل الدنيا بإعطائهم ما يحبون ويجود على أهل الجنة بها. وقوله: أوليس كل الوجود له وقد ملكه لعباده.

стр. 13

فهذا كلام باطل؛ لأن الوجود يتناول كل موجود من ذلك الجنة والنار والسماء والأرض والعرش والكرسي والحجب وغير ذلك من العالم العلوي والسفلي مما لا يعلمه إلا الله، ولم يملكه لأحد من عباده، بل لم يملك من الوجود إلا النزر القليل. قوله: وقد ورد أن الدنيا والآخرة خلقتا لأجله ١ ﷺ . فهذا حديث لا يصح، والله سبحانه قد أعلمنا بالحكمة في خلق هذه المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] . وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] . وقال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .وقال تعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٩٧] . فأخبر الله سبحانه بالحكمة في خلق هذه الأشياء، وأنه إنما خلقها لحكم التي ذكرها لا لأجل أحد من عباده، مع أن هذا الحديث لو صح لم يكن فيه حجة ولا شبهة يستأنس بها لما ادعاه، مع أنه أكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه وسيلة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، لكنه نهى عن الغلو فيه فقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ٢.

стр. 14

وقول المعترض: فماذا يضره لو كرم بما لربه. مقتضى هذه العبارة أنه يتصرف في خزائن الرب سبحانه، لأن التصرف والتكرم بما في يده ليس مختصا به ﷺ ، لأن كل أحد يتصرف فيما أعطاه الله وملكه، والنبي ﷺ إنما يتصرف فيما في يده يضعه حيث أمره ربه. قال ﷺ : "إني لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع كما أمرت" ١ وقال: في حكم الزكاة: "إن الله لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء ". ٢ وقول الناظم: إن من جودك الدنيا وضرتها: أي من عطائك وإنعامك وإفضالك الدنيا والآخرة، وهذا كلام لا يحتمل تأويله بغير ذلك، ووازن بين قول الناظم من جودك الدنيا وضرتها وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن:٢١] . وقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] . قال ابن كثير ٣ "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون "ولا أعلم الغيب" فأخبركم بما غاب ممامضى وما سيكون "ولا أقول لكم إني ملك"؛ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي. وقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .

стр. 15

قال ابن كثير: أمرا لله نبيه أن يخبر بتفويض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل إلا ما أطلعه الله عليه كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦،٢٧] . فإنه يطلعه على من يشاء من غيبه. قال: والأحسن في قوله: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ﴾ [الأعراق:١٨٨] . ما رواه الضحاك عن ابن عباس "لا ستكثرت من الخير " أي من المال، وفي رواية لعلمت إذا اشتريت رخيصا ما أربح فيه فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير – رحمه الله تعالى -: وقال آخرون معنى ذلك ولوكنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من السنة المخصبة ولوقت الغلاء من الرخيص. وقال ابن زيد-﵀: ﴿وما مسني السوء﴾ لا اجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته ١. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] . قال المعترض على ما كتبناه على قول الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم. فقال: قد قال الشراح: المراد باللوح ما يكتب فيه الناس، وبالقلم ما يكتبون به. قال: ويحتمل أن يكون المراد باللوح اللوح المحفوظ ولا يلزم على هذا الاعتراض الذي قاله هذا الرجل لأن مراده علم اللوح غير الفواتح الخمس. قال على أن قوله علم اللوح، الإضافة فيه جنسية أي بعض علم ما في اللوح، والجنس يصدق على بعض الأفراد -إلى أن قال-: بل ولو لم نقل هذا لم يلزم هذا الاعتراض؛ لأن فواتح الغيب الخمس لا يلزم أنها في اللوح المحفوظ، بل هي في أم الكتاب وهي غير اللوح -إلى أن قال-: فتبين من هذا أن أم الكتاب غير اللوح المحفوظ بل هي أصل اللوح. انتهى. قوله: إن الشراح قالوا المراد باللوح ما يكتب فيه الناس وبالقلم مايكتبون به.

стр. 16

فيقال: هذا بعيد من مراد الناظم ومن مقتضى لفظه لأن أل في اللوح والقلم للعهد الذهني، لا يقع في ذهن السامع غير اللوح المحفوظ والقلم الذي جرى بالمقادير وكونه بعيدا من مراد الناظم في هذه الحال لأنه بالغ في مدح النبي ﷺ وإطرائه، فلما وصفه بكون الدنيا والآخرة من جوده فتعدى في وصفه بالجود ناسب أن يصفه بسعة العلم، ولو أراد أقلام الناس لم يخص الألواح بل يأتي بلفظ يعم ما يكتبون فيه من لوح وقرطاس وغيره. وأيضا فالناس يكتبون بأقلامهم الحق والباطل، ويكتبون الكفر والسحر والشعر وجميع العلوم الباطلة مما ينزه الرسول ﷺ عن إضافته إليه، ويكتبون بعد موته ﷺ الرسائل والمداينات وغير ذلك مما يقع في غد وذلك من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، وقد قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: "من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ . ١ وقوله: ويحتمل أن المراد اللوح المحفوظ، ولا يلزم على هذا اعتراض المعترض لأن المراد علم اللوح غير الفواتح الخمس. إلى قوله: وهذه الفواتح لا يلزم أنها في اللوح المحفوظ بل هي في أم الكتاب وهي غير اللوح. إلى قوله: فتبين بهذا أن أم الكتاب غير اللوح بل هي أصل اللوح. لم يذكر ما يبين ذلك وإنما هو مجرد دعوى كاذبة. وذكر ما ذكره البغوي عن عكرمة عن ابن عباس، قال: هما كتابان سوى أم الكتاب. وهذا حجة عليه لأنه ذكر كتابين غير أم الكتاب بل كلامه يدل على أن اللوح الذي ذكر صفته هو أم الكتاب لأنه لما ذكره قرأ ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] . فالظاهر أن هذا إشارة إلى أن هذا اللوح الذي وصفه هو أم الكتاب، لم يقل إن اللوح المحفوظ غير أم الكتاب. وما ذكره عن عطاء عن ابن عباس لم يقل

стр. 17

فيه إن اللوح المحفوظ غير أم الكتاب. والمعترض يرى أن البغوي قد جزم عند قوله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ بأن أم الكتاب هي اللوح المحفوظ. وقال البغوي أيضا في قوله سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١،٢٢] قال هو الذي يعرف باللوح المحفوظ وهو أم الكتاب ومنه تنسخ الكتب، محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان. وقال أيضا في قوله ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني القرآن ﴿في أُمُّ الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ. قال قتادة -رحمه الله تعالى-: أم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله. قوله ﴿لدينا﴾ أي القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١،٢٢] . وقال البغوي أيضا في قوله سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] . هو اللوح المحفوظ. وقال الواحدي ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف:٤] .أي في اللوح المحفوظ. قال الزجاج: أم الكتاب أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه. قال: والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١،٢٢] وقال الواحدي على قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ عند الله وهو أم الكتاب منه نسخ القرآن والكتب وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان. وقال ابن كثير ﵀: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أي اللوح المحفوظ قاله ابن عباس ومجاهد ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وقال في قوله –سبحانه-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي وجميع الكائنات مكتوب مسطور في لوح محفوظ. والإمام المبين هنا هو أم الكتاب قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. انتهى. وقال البيضاوي ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه. وقال في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ

стр. 18

فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ فإنه أصل لكل الكتب السماوية ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . وقال النسفي: أم الكتاب أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه. انتهى. والمراد بذكرنا كلام المفسرين -رحمهم الله تعالى- وبيان إجماعهم على أن اللوح المحفوظ هو أم الكتاب وهو نص حديث عمران بن حصين الآتي قال: " وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء " ١ تبين كذب هذا وجراءته في جزمه بأن أم الكتاب غير اللوح المحفوظ مع أن هذا لا ينفعه لو سلم له لأن الكل جرى به القلم فيدخل في قول الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم. وقوله: إن الإضافة في قوله علم اللوح والقلم جنسية أي بعض علم ما في اللوح والجنس يصدق على بعض أفراده. فيقال علم بعض ما في اللوح لا يختص به ﷺ بل يشاركه في ذلك غيره من الأنبياء وغيرهم من آحاد الناس من كل من علم شيئا مما جرى به القلم، مع أنه لا يصح حمل كلام الناظم على ذلك ولا يحتمله، لأنه قال ومن علومك علم اللوح والقلم. " فمن " في كلام الناظم للتبعيض فمقتضى اللفظ أن علم اللوح والقلم بعض علومك، وزعم بعض المنازعين أن من في قول الناظم من جودك ومن علومك إلخ، أنها لبيان الجنس، وبينا غلطه في جوابنا السابق، ولو سلم أنها لبيان الجنس مع أنها لا تصلح لذلك فالمعنى على ذلك أن علومك هي عين علم اللوح والقلم لا تقصر عنها لأن هذا هو معنى من البيانية. وكلام الناظم خطأ على كلا التقديرين، ومما يبين أن مراد الناظم إحاطة النبي ﷺ بعلم الغيب قوله في الهمزية في حق النبي ﷺ : وليس يخفى عليك في القلب داء. فوصفه ﷺ بالعلم بجميع أدواء القلوب

стр. 19

وعللها لأن قوله داء نكرة في سياق النفي فتعم جميع ما احتوت عليه القلوب، وهذا مما اختص به الرب سبحانه قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤] . والآيات في هذا كثيرة معلومة وقد قال في آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] . وقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] . وقال النبي ﷺ : " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ". ١ قال القاضي عياض في الشفا على هذا الحديث: وتجرى أحكامه ﵇ على الظاهر، ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته -إلى أن قال-: وكل ذلك من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فيعلمه منه ما شاء ويستأثر بما شاء، ولا يقدح هذا في نبوته، ولا يفصم عروة من عصمته ٢، وخفي عليه ﷺ حال أهل الإفك حتى جاءه الخبر من الله، ويخفى عليه ﷺ أمور كثيرة يطول عدها، حتى يأتيه الوحي بخبرها. وقال ﷺ : " إنه سيجاء برجال من أمتي يوم القيامة فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " ٣

стр. 20

ثم قال المعترض: وهو -أي الناظم- أثبت للنبي ﷺ علم اللوح والقلم، ومراده بتعليم الله له. ثم قال بعد ذلك: ما المانع أن يكون من علوم النبي ﷺ علم اللوح والقلم. فالعجب من تناقض هذا المبطل، ادعى أولا أن المراد باللوح والقلم ألواح الناس وأقلامهم، ثم ادعى أن الإضافة جنسية، ثم اعترف بأن الناظم أثبت للنبي ﷺ علم اللوح والقلم، ثم قال: فماالمانع أن يكون من علوم النبي ﷺ علم اللوح والقلم. قال: وهذا الذي قررناه بناء على أن الله تعالى يطلع نبينا وغيره على الخمس. قال: فهناك نقول من أطلعنا على كلامه. وذكر أشياء ليس فيها ما يستأنس له به فضلا عن أن يكون حجة، وإنما أكثر من النقول للتمويه والترويج على الجهال، ومنها ما هو حجة عليه كنقله عن شرح المشكاة لعلي القاري على قوله ﷺ : "مفاتح الغيب خمس" ١ أي لا يعلم تفصيله إلا هو ولا يعلم مجمله بحسب خرق العادة إلا من قبله. وقال في شرح قوله: ﴿في خمس لا يعلمهن إلا الله﴾ فإن قلت قد أخبر الأنبياء بكثير من ذلك فكيف الحصر، قلت الحصر، باعتبار كلياتها دون جزئياتها، قال تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦،٢٧] . انتهى. وهذا حجة عليه لأننا لا ننكر أن الله يطلع الأنبياء على أشياء من الغيب معجزة لهم ويكشف لبعض أتباعهم شيئا من ذلك كرامة لهم، وإنما ننكر القول بأن محمدا ﷺ يعلم جميع ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ. ومن ذلك مفاتح الغيب الخمس، وأنه ﷺ يعلم جميع ما احتوت عليه القلوب بقوله: وليس يخفى عليك في القلب داء.

стр. 21

واستدل المعترض بقوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦،٢٧] . وبقوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . وليس في ذلك حجة له بل هي حجة عليه، ومعنى الآيتين عند جميع المفسرين: أن الله سبحانه يطلع رسله على ما يشاء من الغيب آية لهم ومعجزة، ولنبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى ولا يشك فيه مسلم. واحتج المعترض بما نقله عن المدابغي فقال: قال العلامة المدابغي في حاشيته على شرح الأربعين لابن حجر: والحق كما قال جمع إن الله لم يقبض نبينا ﵊ حتى أطلعه على كل ما أبهمه عنه إلا أنه أمر بكتم بعض وإعلام بعض. انتهى. قلت: قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن بعض ضلال أهل زمانه أنه ادعى ذلك للنبي ﷺ وهذه دعوى عظيمة تعارض نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة وتخالف ما عليه الصحابة والتابعون والعلماء بعدهم، يحتاج مدعيها إلى دليل واضح ولن يجد إلى ذلك سبيلا، ولا شبهة معه، وإنما هي مجرد دعوى كاذبة جمع مدعيها بين رد نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء وبين افتراء الكذب على الله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:١٤٤] . قال المموه: وقد أشار النبي ﷺ إلى مصارع القتلى يوم بدر، وكل منهم صرع في ذلك المكان، فقد علم أن هذه الأنفس بأي أرض تموت وهي من الخمس، وأخبر عن أشياء تقع بعده إلى يوم القيامة فوقعت كما أخبر وهذا مما لا تدري نفس ماذا تكسب غدا. انتهى. فانظر أولا إلى هذه العبارات الركيكة، وقوله: وأخبر عن أشياء تقع بعده إلى يوم القيامة فوقعت كما أخبر. مقتضى هذه العبارة أن جميع ما أخبر

стр. 22

بوقوعه بعده إلى فناء الدنيا قد وقع، وليس كذلك وإنما وقع منه ما وقع إلى زمان هذا الرجل، وأخبر عن وقوع أشياء لم تقع بعد وهي واقعة بلا شك، والمراد أن هذا الرجل يأتي بعبارات فاسدة. ويقال ثانيا هل ينكر ذلك مسلم، وهذا ونحوه مما أخبر به من الغيب الذي استثناه سبحانه في قوله ﴿إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٧] . فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه. واستدل بقول المسيح ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران:٤٩] . فنقول وهذا من معجزات المسيح ﵇. وأورد ما روي عن ابن مسعود ﵁: "أن الملك الموكل بالرحم يقول أي رب مخلقة أو غير مخلقة فإن كانت مخلقة قال ذكر أو أنثى شقي أم سعيد ما الأجل ما الأثر بأي أرض تموت. فيقال اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة ". ١ قال: فهذا يدل على أن الله يطلع بعض خلقه على شيء من الخمس وهو الملك. قال: والنبي ﷺ أولى لأنه منصوص عليه في قوله ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦،٢٧] . فقوله إنه منصوص عليه. الذي يظهر من كلامه أنه منصوص عليه بأنه يعلم ما في الأرحام، وهذا كذب منه وإنما النص في أنه سبحانه يطلعه على ما يشاء من غيبه، ومن ذلك إطلاعه سبحانه رسوله على ما يشاء إطلاعه عليه مما في الأرحام إن كان قد وجد من ذلك شيء، لا أنه يعلم جميع ما في الأرحام، وجميع ما أورده المعترض في هذا المحل من خبر المسيح وأثر ابن مسعود وأمر قتلى بدر وغير ذلك مما يعلم هو أنه لا حجة له فيه وأننا لا ننكره، إنما أراد التجهيم على الجهال وتكثير السواد في القرطاس.

стр. 23

وجاء في الحديث عنه ﷺ قال في الساعة لا يجليها لوقتها إلا الله، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك وما شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، لكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى أو سعيدا أو شقيا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه، وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها وما تدري نفس بأي أرض تموت. قال المعترض: وقد أخذ جمع من العلماء أن قول النبي ﷺ لجبريل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" ١ أن المعنى أنا وأنت في العلم بها سواء فكما تعلمها أنت أعلمها أنا. فالعجب من هذا التحريف لكلام رسول الله ﷺ الذي شابه فيه اليهود الذي يحرفون الكلم عن مواضعه مع معارضته لنص الحديث نفسه حديث جبريل من رواية أبي هريرة في الصحيحين لما سأل النبي ﷺ عن الساعة قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربتها فذلك من أشراطها، وإذا رأيت الحفاة العراة رؤوس الناس ٢ فذالك من أشراطها وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذلك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا رسول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ٣ الآية وقوله: في خمس لا يعلمهن

стр. 24

إلا الله ١ أي هي من الخمس المذكورة في الآية التي اختص الله بعلمها ولا أظن هذا التأويل يصدر ممن عنده علم لأن نص الحديث يكذبه واحتجاج المعترض بما حكاه في تأويل هذا الحديث وبما نقله عن المدابغي صريح في أنه يقول بذلك وهذا كفر صريح لمعارضته نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. واستشهد هذا على دعواه بما نقله عن علي القارئ في شرح المشكاة أنه قال: ما التوفيق بين قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] وبين ما اشتهر عن العرفاء من الأخبار الغيبية كما قال الشيخ الكبير أبو عبدا لله في معتقده أنه قال: ونعتقد أن العبد يتنقل في الأحوال حتى يصير إلى نعت الروحانية فيعلم الغيب وتطوى له الأرض، ويمشي على الماء، ويغيب عن الأبصار، فالجواب: أن للغيب مبادئ ولواحق فمباديه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل وأما اللواحق فهو ما أظهره الله على بعض أحبابه من لوحة علمه وخرج دلك عن الغيب المطلق فصار غيبا إضافيا وذلك إذا تنورت الروح ٢ القدسية وازداد نورها وإشراقها والمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية حتى يقوى النور وينبسط في فضاء قلبه فتنعكس فيه النقوش المرسمة في اللوح المحفوظ ويطلع على المغيبات ويتصرف في أجسام العالم السفلي. انتهى. مراده بالنقوش المرسمة في اللوح المحفوظ الكتابة التي جرى بها القلم في اللوح المحفوظ. أورد المعترض هذا الكلام بعد قوله وهذا قررناه بناء على أن الله سبحانه يطلع نبينا وغيره من المقربين على الخمس، فاحتج بقول هذا الضال على دعواه الباطلة من أن الله يطلع نبينا وغيره على الخمس، فمن ادعى أنه إذا أراض نفسه يرى ما كتب في اللوح المحفوظ ويعلم الغيب

стр. 25

فهو كافر، فإذا ضم إلى ذلك دعوى أنه يحصل له من القدرة ما يتصرف به في ١ العالم السفلي ازداد كفرا. ثم قال المعترض: ويحتمل أن هذه الخمس لم تكتب في اللوح المحفوظ وأنها في غامض علم الله وما استأثر الله به، وقد قال قبل ذلك وهذه الفواتح لا يلزم أنها في اللوح المحفوظ بل هي في أم الكتاب وهي غير اللوح. وهنا قال إنها في غامض علم الله، وكذب نفسه بذكره بعد ذلك الأثر المروي أن الملك الموكل بالرحم يقول أي رب مخلقة وغير مخلقة -إلى أن قال- فيقال اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. فانظر إلى تناقص هذا، تارة يقول إن الناظم أراد بقوله اللوح والقلم ألواح الناس وأقلامهم، وتارة يعترف بأن الناظم أراد اللوح والقلم الذي جرى بالمقادير ٢، ولكن هذه الخمس لم تكتب فيه، بل ٣ هي في غامض علم الله، وتارة يقول هي في أم الكتاب يعني الخمس ٤ وهي غير اللوح المحفوظ ويجزم بذلك، وتارة يقول في أثناء كلامه وهذا بناء على أن الله يطلع نبينا وغيره على الخمس، ويحتج على ذلك بما نقله عن المدابغي والقاري والشيخ الضال الذي يدعي أن الإنسان قد يطلع على اللوح المحفوظ ويعلم الغيب ويتصرف في العالم السفلي. وقوله إنها في غامض علم الله يعني الخمس وأنها لم تكتب في اللوح المحفوظ. يكذب هذا القول نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾

стр. 26

[الحج:٧٠] قال ابن كثير في الآية: يخبر عن كمال علمه بخلقه فلا يعزب عنه مثقال ذرة وأنه سبحانه علم الكائنات كلها قبل وجودها وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ١. وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: " أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة﴾ ٢، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس ﵄: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة ٣ مائة عام. وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش ﵎ اكتب، قال: وما أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله تعالى إلى يوم القيامة، فذلك قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] . وجميع المفسرين على أن المراد بالكتاب في الآية هو اللوح المحفوظ، وأن كل شيء من الكائنات مكتوب فيه، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] .وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "إقبلو البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، قال: إقبلوا البشرى يا أهل اليمن، قالوا: قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح

стр. 27

المحفوظ كل شيء ثم خلق السموات والأرض" ١. فهذا الحديث شاهد للمفسرين في تفسيرهم الكتاب في الآيات باللوح المحفوظ، وأن كل شيء مكتوب فيه وأنه أم الكتاب. والمراد بيان كذب هذا وبيان تناقضه وهو لا يشعر بذلك بل هو خابط خبط عشواء، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم أحد ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى ياتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم ٢ متى تقوم الساعة أحد إلا الله" ٣. وتقدم حديث أبي هريرة، وقول النبي ﷺ : "في خمس لا يعلمهن إلا الله" ٤. أفيظن مسلم أن أصحاب رسول الله ﷺ يحدثون الأمة بهذه الأحاديث المصرحة بتفرد الله سبحانه بعلم هذه الأمور المذكورة في هذه الأحاديث، وأن عندهم ما يخالف ذلك فيكتمونه فيحصل التلبيس على الناس في هذا الباب، فيلزم من ذلك اعتقاد الباطل حقا والحق باطلا، والصواب خطأ والخطأ صوابا، صانهم الله عن ذلك. أم يظن مسلم أنه خفي على أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ما ادعاه هؤلاء الضلال وعلموه هم، هذا من أبطل الباطل، ويزيد ذلك وضوحا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: ﴿من زعم أن محمدا يخبر بما في غد فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت: "وما تدري نفس ماذا تكسب

стр. 28

غدا" ١ هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري: "من حدثكم أن محمدا يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" ٢. ومرادها ﵂ نفي ذلك عنه ﷺ في حال ٣ حياته. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: "أوتي نبيكم مفاتيح كل شيء غير خمس ثم قرأ " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث﴾ . الآية ٤. وفيما ذكرنا من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة كفاية في بيان بطلان دعاوى هذا البغدادي ومن نقل عنه كالمدابغي والقاري وغيرهما كمحرف قوله ﷺ : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" ٥. وأورد المعترض حديث المنام وقوله ﷺ : "رأيت ربي في أحسن صورة، فقال يا محمد فيم يختصم الملأ ٦ الأعلى إلى -أن قال- فتجلى لي كل شيء وعرفت -وفي رواية- فعلمت ما في السماء والأرض -وفي رواية- فعلمت ما بين المشرق والمغرب" ٧. وليس في ذلك ما يدل على أنه ﷺ علم على ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ، ولا أنه علم مفاتيح الغيب. قال غير واحد ممن شرح الحديث: يحمل ذلك على أن الله سبحانه كشف له عن الأعيان الموجودة إذ ذاك. وهذا

стр. 29

هو الظاهر وهو صريح رواية "فعلمت ما في السماء والأرض" ورواية "فعلمت ما بين المشرق والمغرب" وما موصولة، أي فعلمت الذي بين المشرق والمغرب، أي الموجود بينهما ١، يوضح ذلك لو ٢ قلت: دخلت دار فلان فعلمت ما فيها، إنما يتناول علمك الموجود فيها من الأشياء حين دخولك، لا ما يوجد فيها بعد ذلك والله أعلم، ولما ذكر ابن كثير قول بعض المفسرين على قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٧٥] . أنه فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن، قال ٣: فيحتمل هذا أنه كشف له بصره حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما روي الإمام أحمد والترمذي وصححه عن معاذ بن جبل ﵁ في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى -فذكر الحديث- ثم تلا وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين " ٤. انتهى. وذكر المعترض حديث حذيفة أنه قال: "إن النبي ﷺ أخبرنا عن كل ما يقع إلى يوم القيامة حتى دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار حتى إنا لنرى الطائر يقلب جناحيه فنذكر منه علما ". هكذا أورده البغدادي، جعل ذلك كله من قول حذيفة، وحرف اللفظ والمعنى، فأول هذه الجملة من كلام حذيفة، وآخرها من قول أبي ذر، لكنه غير الكلام فأفسد اللفظ والمعنى. فنميز قول حذيفة من قول أبي ذر ﵄ ليتبين للناظر

стр. 30

تخبيط هذا الجاهل، ففي صحيح البخاري عن حذيفة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، فقد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون من الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إ ذا غاب عنه ثم رآه عرفه" ١. قال حذيفة: "ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا سماه لنا باسم أبيه وقبيلته" هذا لفظ حذيفة. وقال أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما" ٢. انتهى. فانظر إلى تخبيط هذا وتحريفه الفاحش، يقول أبو ذر "وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما" يعني إلا ذكر لنا النبي منه علما، وهذا يقول: "إنا لنرى الطائر يقلب جناحيه فنذكر منه علما" أي نذكر نحن من الطير علما. فغير كلام الصحابي وأبدله بكلام لا معنى له. وقول أبي ذر وحذيفة يدل على أنه ﷺ أخبرهم بأمور جزئيات من الغيب تحدث بعده أطلعه الله عليها، وهل في ذلك ما يدل على أنه أخبرهم بوقت الساعة؟ أو أنه أخبرهم بما في أرحام نسائهم ودوابهم؟ أو أنه أخبر كل واحد بأي أرض تموت؟ أو بما يحدث له من الذرية، ومتى يموت هذا؟ مما يعلم قطعا أنه لم يكن منه شيء. وكذلك حديث المنام ليس فيه ما يستأنس به لهذا المبطل، وما ذكرنا من قول عائشة وابن مسعود كاف في بطلان دعوى من قال: إن الله لم يقبض

стр. 31

نبيه حتى أطلعه على جميع ما كتمه عنه. وكذلك ما حدث به أصحاب رسول الله ﷺ عنه ﷺ مثل قوله: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله" وقوله عن الساعة:" في خمس لا يعلمهن إلا الله" ١ يخبر الصحابة التابعين بذلك؛ والتابعون يخبرون من بعدهم، وأهل الحديث يرون هذه الأحاديث ويثبتونها في كتبهم ولا يذكرون ما يخالفها مما هو الحق في زعم هؤلاء الملحدين حتى يجيء هؤلاء المفترون على الله الكذب وعلى رسوله فيبينون للناس ما خفي على الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين!! هذا مما يقطع ببطلانه كل عاقل، وأبلغ من ذلك إخبار الله سبحانه في كتابه بتفرده بعلم الغيب ونفيه عن غيره حتى عن نبيه محمد ﷺ . والمفسرون من الصحابة ومن بعدهم يقررون ما دلت عليه الآيات ولم يذكر أحد منهم خلاف مدلولها وهذا ظاهر ولله الحمد، لكن لأجل ترويج الكذبة على الجهال يحتاج إلى إيضاح ذلك. واعترض هذا على ما كتبناه على قول الناظم: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك -إلى قوله مع قول المشطر إن لم تكن في معادي آخذ بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعا لي مما قد جنيت غدا ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم قال: هذا الاعتراض باطل من وجوه. الأول: أن هذا الرجل يزعم أن قول الناظم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي. وقول المشطر، ومنقذي من عذاب الله والألم. أو شافعا لي إلى آخره أن هذا الإنقاذ بالفعل، وأنه غير الشفاعة وأنه إن لم يحصل بالفعل فبالشفاعة. وليس كما زعم لأن الإنقاذ والأخذ باليد هو أيضا بالشفاعة لأن غير الشفاعة يكون استقلالا من دون الله ولا يتصور اعتقاد هذا من مسلم ولو كان بدويا جاهلا، والمراد تنوع الشفاعة فالنوع الأول هو الأخذ باليد والإنقاذ، وقد ورد هذا في الأحاديث

стр. 32

الصحيحة في الشفاعة " فأقول يا رب أمتي، فيقال انطلق فاخرج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فأنطلق فأفعل. فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقال انطلق فأخرج من في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأنطلق فأفعل. فأقول يارب أمتي أمتي، فيقال اانطلق فأخرج من في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فانطلق فأخرجهم من النار" ١. -إلى أن قال- فما المانع من إطلاق هذا اللفظ؟ وهل هذا الإخراج إلا الإنقاذ من العذاب؟ . الوجه الثاني: أن النبي ﷺ في المعاد وهو يوم القيامة حي كحاله في الدنيا هو وجميع الخلائق فلا ما نع ذلك اليوم من أن يتسبب ويخرج وينقذ من الشدة لأنه حي حاضر. قال: وعند هذا الرجل وأشياعه أن الحي الحاضر له قدرة بنفسه، قال ابن عبد الوهاب في "كشف الشبهات" في جواب الحديث الصحيح: "أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ وعليهم أجمعين فيقول أنا لها أنا لها" ٢. قال: فأجاب عن هذا بالاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة كما قال تعالى في قصة موسى ٣: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيره في أشياء يقدر عليها المخلوق. انتهى. قال: فإذا كان الحي الحاضر عند هؤلاء ينسبون له الفعل لأنه يقدر عليه، وصاحب البردة يخبر أنه إن لم يكن النبي ﷺ في معادي وهو يوم القيامة آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم، والنبي وجميع الخلائق ذلك اليوم أحياء حاضرون لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية، ونسبة الأفعال إلى فاعلها وأسبابها جائزة شرعا وعرفا، فكيف ينكر إنقاذ النبي ﷺ أمته من العذاب ويجعله ممتنعا وأنه خلاف الشفاعة! مع أن النبي

стр. 33

حينئذ حاضر، له قدرة فيما يقدر عليه ذلك اليوم، ويقدر على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، كما كان يرمي العدو وهم ألوف بكف من تراب فيعميهم، ويروي الألوف العطاش ويشبعهم بقليل من الماء والطعام، وفي الحديث: "إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش، وأنا آخذ بحجزكم لئلا تقعوا فيها" (١) . وأعظم من هذا أن الله نسب إخراج الكفار من النور إلى الظلمات إلى الطاغوت وهي الأصنام، مع أنها لا قدرة له بوجه، لكن لما كانت سببا للإخراج نسب الإخراج إليها وكذلك هنا لما كان النبي ﷺ سببا للإنقاذ من العذاب نسب الإنقاذ إليه. وفي دعاء الاستسقاء "اللهم أغثنا غيثا مغيثا" (٢) قالوا: معناه منقذا من الشدة، مع أن الغيث جماد لا قدرة له، لكن لما كان سببا للإنقاذ والإغاثة نسب الإنقاذ إليه، وقد اشتهر عند العلماء أنبت الربيع البقل ومنع البقاء تقلب الشمس، مع أن المنبت في الحقيقة هو الله والمانع للبقاء هو الله، وقال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] . مع أن القضاء من الله، وقال في حق نبيه: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] مع أن الواضع هو الله، لكن لما كان سببا للفعل نسب الفعل إليه، بل جميع الأفعال تنسب إلى فاعلها فيقال: فلان أعطي وفلان منع، وفلان نفعني وفلان ضرني، ويلزم على قول هذا ألا تنسب الأفعال إلى فاعلها ولا قائل به. قال: وورد نسبة الإنقاذ من النار إلى

стр. 34

المعاني من الأعمال، وقد ورد في حديث صحيح قال: "رأيت رجلا من أمتي عذب في قبره، فجاءته صلاته فأنقذته من العذاب، والآخر أنقذه حجه، والآخر صيامه" ١. فإذا جاز نسبة الإنقاذ من النار إلى المعاني لكونه أسبابا فنسبتها إلى الذوات من باب أولى، خصوصا أشرف الذوات من المخلوقين. انتهى. وجوابه أن يقال: أولا وازن بين قول يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك، وبين قول الذي قال له النبي ﷺ : "أجعلتني لله ندا حيث قال له ما شاء الله وشئت" ٢. فهذا لو قال ما لي من ألوذ به إلا الله وأنت، لكان أقبح من قول القائل ما شاء الله وشئت، لأن الله أثبت للعبد مشيئة يقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] . ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان:٢٩] فكيف إذا أفرد الرسول باللياذ والالتجاء من عذاب ذلك اليوم الذي لا تكلم فيه نفس إلا بإذنه! وقد ذكرت في الجواب السابق الفرق بين قول هذا في تشطيره ومنقذي من عذاب الله والألم، وبين قوله: أو شافعا لي، لأن المعترض الأول ادعى بجهله أن عطف الشفاعة على الإنقاذ عطف تفسير ومعنى الكلمتين واحد، وبينا بطلان قوله هذا وأن قوله أو شافعا لي لا يصلح كونه عطف تفسير لأنهم ذكروا أن عطف التفسير إنما يكون بالواو خاصة، وممن ذكر ذلك ابن هشام، وأما العطف يأو فهو نص في أن المعطوف غير المعطوف عليه، مع أن العامي فضلا عن العالم يفرق بين اللفظين، فلو قصد إنسان إنسانا وقال

стр. 35

قصدتك لحاجة ١ كذا، فإما أن تقضيها أو تشفع لي عند فلان في قضائها فكل أحد يعرف الفرق بين العبارتين كما فرق القرآن بينهما في قول صاحب يس ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي﴾ [يس:٢٣] .فالإنقاذ هو بالنصرة والمظاهرة، والشفاعة بالجاه والمكانة. قال ابن القيم بعد كلام سبق على الآية: إن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت الحاجة دائما، وإن أرادني الرحمن الذي خلقني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما تنقذني بها من ذلك الضر، ولا من الجاه والمكانة ما تشفع لي إليه لأتخلص ٢ من ذلك الضر فبأي شيء تستحق العبادة، إني إذا لفي ضلال مبين إن عبدت من دون الله ٣ من هذا شأنه. انتهى. وقال البيضاوي: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي﴾ [يس:٢٣] . أي لا تنفعني شفاعتهم، ولا ينقذون بالنصر والمظاهرة: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٤] .فإن إيثار من لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال مبين لا يخفى على عاقل. انتهى. وقوله: إن الإنقاذ والأخذ باليد هو أيضا بالشفاعة لأن غير الشافع يكون استقلالا من دون الله ولا يتصور اعتقاد هذا من مسلم. قلت: ولا يتصور ذلك من أحد من مشركي العرب الذي بعث إليهم محمد ﷺ فإنهم كلهم معترفون بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تدبر شيئا من دون الله، ونصوص القرآن كثيرة في ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّ تِ

стр. 36

وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] . أي أفلا تتقون الشرك في الألوهية إذا أقررتم بالربوبية. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٩] . ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] . واعترفوا أيضا بصفة العزة ١ والعلم لله، والآيات في هذا كثيرة معلومة عند الجميع يحتج سبحانه عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على إشراكهم في توحيد الألوهية كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] . قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السموات والأرض والجبال قالوا الله وهم يعبدون معه غيره! ولهذا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وقال عطاء في الآية: إيمانهم وإخلاصهم الدعاء لله في الشدائد وينسون في الرخاء كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] .الآية. والآية تعم ذلك كله فهذه نصوص القرآن صريحة في أن المشركين يعترفون بتوحيد الربوبية اعترافا جازما غير مترددين ولا متوقفين، بل يقرون بجملة من صفات الرب ينكرها كثير من المسلمين المنحرفين كإقرارهم بصفة العزة والعلم، ويقرون أيضا بعلوه فوق سمواته كما في حديث حصين بن المنذر لما قال له النبي ﷺ : " كم إلها تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك

стр. 37

ورهبتك؟ قال الذي في السماء" ١ وكما في شعر أمية بن الصلت وغيره. وأخبر الله عنهم أنهم ما أرادوا من آلهتهم إلا الشفاعة عند الله في أمور دنياهم، وكذا من يعترف منهم بالآخرة، فإذا طلبوا من آلهتهم حاجة من حوائجهم من رزق أو نصر على عدو ونحو ذلك لم يقولوا إن آلهتهم تحدث شيئا من مطلوبهم من دون الله وتستقل بذلك، لم يقل هذا أحد منهم، وإنما كانوا يقولون إننا إذا طلبنا حاجتنا من هذا الوجيه عند الله حصل مطلوبنا لوجاهته عند الله، ولهذا يخلصون الدعاء لله في الشدائد وينسون الوسائط كما قال تعالى: ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤١] . إذا تبين هذا فإذا خوطب النبي ﷺ أو غيره من الأموات والغائبين بلفظ من ألفاظ الاستغاثة أو طلب منه حاجة بقول أغثني، أو أنقذني من كذا، أو خذ بيدي، أوأقض حاجتي، أو أنت حسبي، أو أشكوا إليك حاجتي، أو نحو ذلك، يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك فهذا شرك العرب الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ . وقول المستغيث خد بيدي، أو أنقذني، من أبلغ ألفاظ الاستغاثة فلو اعتقد الداعي أن من دعاه وطلبه يقضي حاجته استقلالا من دون الله كان هذا شركا في توحيد الربوبية والألوهية. قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله سبحانه أن

стр. 38

الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره إن يفعل، أو دعائه إن يدعوا، ونحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠-٤١] .وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] . وقال: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] . فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به. قال ﵀: وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبير ما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] . فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالا، ولا يشركون في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، فمن لم ١ يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فقد انقطعت علاقته. وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فكما أن إثبات المخلوقات سببا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعي المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة ٢

стр. 39

كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابا لا تقدح في توحيد الألوهية، ولا تمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا توجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط ذلك ويعاقب عليه، ويكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في ألا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا به. قال: وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١] . وقال: ﴿وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع﴾ [الأنعام:٧٠] . وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] . وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] . وقال: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣،٤٤] . وسورة الزمر أصل عظيم في هذا. قال: والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. انتهى. وما احتج به هذا الملحد من قول النبي ﷺ : "أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج من في قلبه كذا وكذا من إيمان" ١ وقوله: فما المانع من إطلاق هذا اللفظ -يعني لفظ الإنقاذ- وطلبه من النبي ﷺ وهل هذا الإخراج إلا

стр. 40

الإنقاذ من عذاب الله. فالعجب من هذا التمويه، فهل فعل هذا ﷺ بنفسه أو بأمر الله له بذلك؟! فالله سبحانه هو الذي أكرمه بهذه الشفاعة فهو ﷺ عبد مأمور لا يشفع إلا بإذن ربه فيمن أذن الله له أن يشفع فيه فقط، لا يتجاسر أن يشفع في غير من أذن له فيه ربه. ثم انظر قول هذا: إن النبي ﷺ حي كحاله في الدنيا هو وجميع الخلائق فلا مانع في ذلك اليوم من أن يتسبب ويخرج وينقذ من الشدة لأنه حي حاضر، والنبي وجميع الخلائق ذلك اليوم أحياء حاضرون لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية. قال: وعند هذا الرجل وأشياعه أن الحي الحاضر له قدرة بنفسه، فكيف ينكر إنقاذ النبي أمته من العذاب ويجعله ممتنعا مع أن النبي حينئذ حاضر له قدرة فيما يقدر عليه ذلك اليوم، ويقدر على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، كما كان يرمي العدو وهم ألوف بكف من تراب فيعميهم، ويروي الألوف العطاش ويشبعهم بقليل من الماء والطعام. فلينظر المنصف إلى تقرير هذا المبطل وجعله النبي بل وغيره يتصرفون في ذلك اليوم كتصرفهم في الدنيا، وأنه ﷺ يخرج وينقذ من الشدة، ويقرر ذلك من هذا التقرير، وأنه ﷺ يقدر على ذلك أي الإنقاذ، وتعجبه ممن ينكر ذلك فقال وكيف ينكر إنقاذ النبي أمته من العذاب، ويحتج علينا بأنا إذا قلنا إن للحي ١ الحاضر قدرة في الدنيا على التصرف بالفعل بنفسه يقول ٢ فيلزمكم أن تثبتوا ذلك في الآخرة لا فرق-ثم قال- ويقدر على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، وقوله والنبي وجميع الخلائق ذلك اليوم لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية، والمراد بالأمور العادية الأشياء
следующие страницы →