← Акыда

Акыда · id 11079

تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس

عبد الله أبا بطين

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] . أي أفلا تتقون الشرك في الألوهية إذا أقررتم بالربوبية. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٩] . ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] . واعترفوا أيضا بصفة العزة ١ والعلم لله، والآيات في هذا كثيرة معلومة عند الجميع يحتج سبحانه عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على إشراكهم في توحيد الألوهية كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] . قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السموات والأرض والجبال قالوا الله وهم يعبدون معه غيره! ولهذا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وقال عطاء في الآية: إيمانهم وإخلاصهم الدعاء لله في الشدائد وينسون في الرخاء كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] .الآية. والآية تعم ذلك كله فهذه نصوص القرآن صريحة في أن المشركين يعترفون بتوحيد الربوبية اعترافا جازما غير مترددين ولا متوقفين، بل يقرون بجملة من صفات الرب ينكرها كثير من المسلمين المنحرفين كإقرارهم بصفة العزة والعلم، ويقرون أيضا بعلوه فوق سمواته كما في حديث حصين بن المنذر لما قال له النبي ﷺ : " كم إلها تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك

стр. 37

ورهبتك؟ قال الذي في السماء" ١ وكما في شعر أمية بن الصلت وغيره. وأخبر الله عنهم أنهم ما أرادوا من آلهتهم إلا الشفاعة عند الله في أمور دنياهم، وكذا من يعترف منهم بالآخرة، فإذا طلبوا من آلهتهم حاجة من حوائجهم من رزق أو نصر على عدو ونحو ذلك لم يقولوا إن آلهتهم تحدث شيئا من مطلوبهم من دون الله وتستقل بذلك، لم يقل هذا أحد منهم، وإنما كانوا يقولون إننا إذا طلبنا حاجتنا من هذا الوجيه عند الله حصل مطلوبنا لوجاهته عند الله، ولهذا يخلصون الدعاء لله في الشدائد وينسون الوسائط كما قال تعالى: ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤١] . إذا تبين هذا فإذا خوطب النبي ﷺ أو غيره من الأموات والغائبين بلفظ من ألفاظ الاستغاثة أو طلب منه حاجة بقول أغثني، أو أنقذني من كذا، أو خذ بيدي، أوأقض حاجتي، أو أنت حسبي، أو أشكوا إليك حاجتي، أو نحو ذلك، يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك فهذا شرك العرب الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ . وقول المستغيث خد بيدي، أو أنقذني، من أبلغ ألفاظ الاستغاثة فلو اعتقد الداعي أن من دعاه وطلبه يقضي حاجته استقلالا من دون الله كان هذا شركا في توحيد الربوبية والألوهية. قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله سبحانه أن

стр. 38

الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره إن يفعل، أو دعائه إن يدعوا، ونحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠-٤١] .وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] . وقال: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] . فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به. قال ﵀: وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبير ما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] . فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالا، ولا يشركون في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، فمن لم ١ يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فقد انقطعت علاقته. وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فكما أن إثبات المخلوقات سببا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعي المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة ٢

стр. 39

كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابا لا تقدح في توحيد الألوهية، ولا تمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا توجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط ذلك ويعاقب عليه، ويكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في ألا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا به. قال: وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١] . وقال: ﴿وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع﴾ [الأنعام:٧٠] . وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] . وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] . وقال: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣،٤٤] . وسورة الزمر أصل عظيم في هذا. قال: والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. انتهى. وما احتج به هذا الملحد من قول النبي ﷺ : "أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج من في قلبه كذا وكذا من إيمان" ١ وقوله: فما المانع من إطلاق هذا اللفظ -يعني لفظ الإنقاذ- وطلبه من النبي ﷺ وهل هذا الإخراج إلا

стр. 40

الإنقاذ من عذاب الله. فالعجب من هذا التمويه، فهل فعل هذا ﷺ بنفسه أو بأمر الله له بذلك؟! فالله سبحانه هو الذي أكرمه بهذه الشفاعة فهو ﷺ عبد مأمور لا يشفع إلا بإذن ربه فيمن أذن الله له أن يشفع فيه فقط، لا يتجاسر أن يشفع في غير من أذن له فيه ربه. ثم انظر قول هذا: إن النبي ﷺ حي كحاله في الدنيا هو وجميع الخلائق فلا مانع في ذلك اليوم من أن يتسبب ويخرج وينقذ من الشدة لأنه حي حاضر، والنبي وجميع الخلائق ذلك اليوم أحياء حاضرون لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية. قال: وعند هذا الرجل وأشياعه أن الحي الحاضر له قدرة بنفسه، فكيف ينكر إنقاذ النبي أمته من العذاب ويجعله ممتنعا مع أن النبي حينئذ حاضر له قدرة فيما يقدر عليه ذلك اليوم، ويقدر على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، كما كان يرمي العدو وهم ألوف بكف من تراب فيعميهم، ويروي الألوف العطاش ويشبعهم بقليل من الماء والطعام. فلينظر المنصف إلى تقرير هذا المبطل وجعله النبي بل وغيره يتصرفون في ذلك اليوم كتصرفهم في الدنيا، وأنه ﷺ يخرج وينقذ من الشدة، ويقرر ذلك من هذا التقرير، وأنه ﷺ يقدر على ذلك أي الإنقاذ، وتعجبه ممن ينكر ذلك فقال وكيف ينكر إنقاذ النبي أمته من العذاب، ويحتج علينا بأنا إذا قلنا إن للحي ١ الحاضر قدرة في الدنيا على التصرف بالفعل بنفسه يقول ٢ فيلزمكم أن تثبتوا ذلك في الآخرة لا فرق-ثم قال- ويقدر على ذلك كما هو في حال الحياة الدنيا، وقوله والنبي وجميع الخلائق ذلك اليوم لهم قدرة فيما يقدرون عليه من الأمور العادية الحسية، والمراد بالأمور العادية الأشياء

стр. 41

التي يفعلها الحي في العادة، والحسية الأفعال المشهودة بالعيان مثل إعطاء بعضهم بعضا ومعاونة بعضهم لبعض وكذا جناية بعضهم على بعض، والعجب من هذا الضال سوى في هذه الأمور بين الدنيا والآخرة ولم يجعل لإخباره سبحانه بتفرده بالملك والأمر في ذلك اليوم فائدة ولا معنى، وأي محادة لله ورسوله أكبر من هذا؟ ! وهذه نصوص الكتاب والسنة نذكر بعضها فيعرض المصنف كلام هذا الرجل عليها. قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن كثير: إنما أضيف الملك إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هناك شيئا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ١ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨] . وقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥] . وقال: ﴿وَخَشَعَتْ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] . وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول لا يملك أحد في ذلك اليوم حكما كملكهم في الدنيا –قال- ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر إلا من عفي عنه –قال- وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر ٢. وقال البغوي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها، لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَانِ﴾ [الفرقان:٢٦] . وقال: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] . وقال ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . انتهى. وقال تعالى ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر:٤] .وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣] .وهذا معنى قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار:١٩] وقال تعالى ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾

стр. 42

[الأنعام:٧٣] . وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج:٥٦] . وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَانِ﴾ [الفرقان:٢٦] . وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة:٤٨] . قال البيضاوي في هذه الآية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ قال: وإيراده شيئا منكرا مع تتنكير النفسين ١ للتعميم والإقناط الكلي انتهى. وما ذكره البيضاوي من أن النكرة في سياق النفي تعم مجمع عليه عند البيانيين والأصوليين وعليه جميع المفسرين والفقهاء. وقال تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان:٣٣] . وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان:٤١] . وقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار:١٩] . فنكر النفسين وشيئا، وهذا من أبلغ صيغ العموم في النفي كما قال البيضاوي، فيعم جميع الأنفس وكل ما يقع عليه اسم شيء، ثم أكد بقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . وقال ابن كثير: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧،١٨] . تهويل لشأن ذلك اليوم ولهذا قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار:١٩] . أي لا ينفع أحد أحدا ولا يدفع أحد عن أحد شيئا ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَانِ﴾ [الفرقان:٢٦] . وقوله: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال قتادة: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ قال: والأمر والله لله اليوم ولكن لا ينازعه يومئذ أحد ولا يصنع أحد شيئا إلا رب العالمين. وقال الزمخشري: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار:١٧،١٨] . يعني أن أمر يوم الدين عظيم بحيث لا

стр. 43

يدرك كنهه في الهول والشدة وكيفما تصورت فهو فوق ذلك وعلى أضعافه، والتكرير لزيادة التهويل، ثم أجمل القول عن وصفه فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه ولا أمر إلا الله وحده ١. وفي تفسير الجلالين: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ من المنفعة ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ لا أمر لغيره معه أي لم يمكن أحدا من التوسط فيه ٢ بخلال الدنيا ٣. وقول المعترض: إن البغوي قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ إن هذا في النفس الكافرة. وكذب في نسبة ذلك إلى البغوي، فإن البغوي حكى ذلك عن مقاتل، فيحتمل أن مقاتلا خص بعض ما تناولته الآية لمعنى ما، والظاهر أن مراده أن غير الكافر يشفع فيه الشافعون ويرى ٤ أن من أذن له في الشفاعة يملك ما أذن له فيه كما قال بعض المفسرين في قوله سبحانه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧] . وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] بناء على أن الاستثناء في الآيتين متصل، وأن من أذن له في الشفاعة يصدق عليه أنه ملك الشفاعة فيمن أذن له فيه فقط، والشفاعة المأذون فيها هي من الأمر ٥ الذي اختص الله به سبحانه في قوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ والألف واللام في الأمر تفيد العموم عند الجميع كقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

стр. 44

﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ١ فهو سبحانه الآمر والآذن فله الأمر كله وله الملك كله. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨] . والعموم في قوله : ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار:١٩] .كالعموم في نظائرها من الآيات التي قدمنا ذكرها كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ﴿٢﴾ وقوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان:٣٣] .وما رأينا أحدا من المفسرين قال في هذه الآيات بالخصوص بل قرروا عمومها على مقتضاه، ولم يقل أحد منهم في شيء منها إنه مختص بالكفار سوى ماذكره البغوي عن مقاتل في قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ وليس هو بالصواب وهو مخالف لما عليه المفسرون وأهل العربية والأصوليون ﴿٣﴾ والفقهاء في قولهم بعموم النكرة في سياق النفي، فمن له نظر في كتب الجميع وجد ذلك صريحا. قال في شرح مختصر التحرير: ومن صيغ العموم نكرة في نفي، صرح به أهل العربية. وكذا قال العراقي في شرح جمع الجوامع إن النكرة في سياق النفي تعم ولم يذكر خلافا، وهذا يفهمه كل أحد من مثل قوله تعالى ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ . ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ . ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ . فمن سمع هذه الآيات ونحوها لم يشك في عمومها، كيف وفي قوله : ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ زيادة تأكيد للنفي لأنه نكر النفسين

стр. 45

وشيئا فهو كما قال البيضاوي في قوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ إذ قال: وإيراده شيئا منكرا مع تنكير النفسين ١ للتعميم والإقناط الكلي. ولا ريب أن الشفاعة الحاصلة بإذنه ليست داخلة تحت النفي حتى يقال إن هذا مخصوص بالكافرة، وإنما المنفي نفع أحد أحدا بشفاعة أو غيرها بدون إذنه سبحانه كما قال قتادة: وليس أحد يصنع يومئذ شيئا إلا رب العالمين. ومما يوضح خطأ من خص الآية بالكافرة ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا إلى أن قال: يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" ٢. وفي واية الترمذي لحديث أبي هريرة: "يامعشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا إلى أن قال: يافاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا، إن لك رحما سأبلها ببلالها" ٣. وفي صحيح سلم من طريق آخر عن أبي هريرة قال: "لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا انفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها" ٤، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين

стр. 46

قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئت م"١، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك" ٢ الحديث. فأخبر الصادق المصدوق أنه لا يملك لابنته سيدة نساء الأمة وعمه وعمته والمهاجرين والأنصار من الله شيئا ولا يغني عنهم من الله شيئا، فهذه الأحاديث ونحوها شاهدة للعموم في قوله : ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ مع أن الآية صريحة في ذلك، فهذه الأحاديث تزيد الواضح وضوحا ولله الحمد، مع أن قول مقاتل ليس فيه حجة لهذا المبطل لأننا نقطع أن مقاتلا لم يرد أن أحدا يفعل في ذلك شيئا من دون الله سبحانه، أو أن أحدا يشفع عنده بغير إذنه، وإنما أراد نفي الشفاعة في الكافر. وليتأمل المنصف ما ذكرنا من الآيات والأحاديث المصرحة بتفرد الله سبحانه بالملك والأمر في ذلك اليوم، وأنه لا حاكم ولا متصرف هناك سواه سبحانه، ويعرض قول هذا الملحد المشرك بين الله وبين رسوله، بل وغير الرسول في التصرف والأمر في ذلك اليوم العظيم بقوله: إن النبي ﷺ يقدر

стр. 47

على إنقاذ أمته من العذاب في ذلك اليوم، وإنه يقدر على ما كان يقدر عليه في الدنيا، وإنه يتصرف في ذلك اليوم هو وغيره كما كانوا في الدنيا، فيعرض كلامه هذا على ما ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله ليتبين الهدى لمن أراد الله هداه. قال المعترض: وصاحب البردة يخبر أنه إن لم يكن النبي ﷺ في معادي آخذا بيدي وإلا فقل يا زلة القدم. فيقال له قول صاحب البردة وقولك ليس إخبارا بل هو استغاثة ١ بل من أبلغ ألفاظ الاستغاثة، كقول الأبوين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] . وقول نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] . وقول بني إسرائيل: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩] . أترى أن الأبوين وجميع المذكورين يخبرون الله بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون وأن هذا منهم مجرد إخبار، بل كل أحد يعرف أن هؤلاء الذين أخبر الله عنهم بهذا الكلام يسألون الله ويرغبون إليه في أن يغفر لهم ويرحمهم ومعترفون بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون وهذا الجاهل لا يفرق ٢ بين نوعي الكلام من الإنشاء والخبر. فالكلام عند علماء البيان نوعان: خبر وإنشاء، فالخبر ما احتمل الصدق والكذب، أي ما احتمل أن يكون قائله صادقا ويحتمل أن يكون كاذبا كقوله: جاء زيد وقدم عمرو، فهذا قول يحتمل أن يكون صدقا وأن يكون كذبا، فهذا تعريف الخبر، وما سواه يسمى إنشاء. وأما قول صاحب البردة وقول المشطر: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

стр. 48

إلى قولهما: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ومنقذي من عذاب الله والألم ........................ فضلا ١ فقل يا زلة القدم أي وإن لم تأخذ بيدي وتنقذني من عذاب الله فقل يا زلة القدم. أي فأنا خاسر أو هالك، فهو كقول الأبوين: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] . وقول نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] . وقول بني إسرائيل: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩] . ثم أورد المعترض أشياء يستدل بها لقوله: ومنقذي من عذاب الله والألم. وليس فيها ما يستأنس له به فضلا عن أن يكون حجة، وإنما أراد الإكثار من الكلام إيهاما للطغام. وقد قدمنا جملة من شبهه حقيقتها نسبة المسبب إلى سببه منها قوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] . قال: مع أن القضاء من الله، يعني أن القضاء في هذا الموضع هو فعل الرب سبحانه الذي بمعنى التقدير كما يقال قضى الله كذا أي قدر كذا، وقد أخطأ في معنى هذه الكلمة، وإنما المراد بالقضاء في قوله ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ القتل الذي هو فعل موسى لا فعل الرب، يقول فوكزه موسى فقضى عليه أي قتله. هذا هو المراد عند جميع المفسرين، تقول العرب: قضى فلان على فلان إذا قتله، ويقال قضى فلان أي مات. وقوله ﷺ : "وأنا آخذ بحجزكم عن النار" ٢ المراد تحذيرهم عن الأعمال التي توجب غضب الرب وتورد النار.

стр. 49

وقوله: إن الله نسب إخراج الكفار من النور إلى الظلمات إلى الطاغوت وهي الأصنام. فأخطأ في قوله إن المراد بالطاغوت هنا الأصنام، وأكثر المفسرين يقولون المراد بالطاغوت هنا الشياطين، وقيل المراد كعب بن الأشرف وأشباهه من علماء اليهود، ولم نر من فسر الطاغوت هنا بالأصنام، ولهذا قال: ﴿يخرجونهم﴾ فأتى بضمير العقلاء. فلو ذهبنا نتتبع خطأه وتخبيطه في نحو ذلك لطال الكلام. وذكر قول الشاعر: منع البقاء تقلب الشمس. وقولهم: أنبت الربيع البقل. ومن استدل بنحو ذلك على جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره من الأموات والغائبين بطلب الحاجات منهم، ثم طلب الإنقاذ من عذاب يوم القيامة وشدائده فقد أتى بما ينكره العامي السليم الفطرة ولكن الهوي يعمي ويصم. ونحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها ولكن الله سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات ولا يلزم من ذلك أن نعتمد على الأسباب فضلا عن أن نسألها ونرغب إليها وهي مخلوقة، بل يتعين على العباد أن يعتمدوا على خالق الأسباب ويرغبوا إليه ويستعينوا به ويعبدوه وحده ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وقال شيخ الإسلام تقي الدين في أثناء كلام له: إن إثبات المخلوقات أسبابا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة. انتهى، وقد تقدم. وهذا المبطل يقول إذا كان الله قد جعل النبي سببا للإنقاذ من النار من أراد الله هدايته جاز أن يطلب الإنقاذ من النار منه ﷺ فطرد هذا الأصل الباطل أن يجوز ذلك في جميع الأسباب، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ

стр. 50

الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم:٤٨] . فيلزمه أن يجوز للناس أن يطلبوا من الريح أن تثير ١ لهم سحابا ماطرا، وقال تعالى في حق نبيه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] . والمراد بالظلمات ظلمات الجهل والكفر والشك إلى نور العلم والإيمان، فيجوز على أصل هذا أن يقال: يا رسول الله أخرجنا من الظلمات إلى النور، وهذا حقيقة هداية الصراط المستقيم فيقال: يا رسول الله اهدنا الصراط المستقيم، وهذا لازم لهذا المبطل على أصله الباطل لا محيد له عنه ولا أستبعد التزامه ذلك لجهله وعناده، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] . قوله: وقد ورد نسبة الإنقاذ إلى المعاني من الأعمال.. إلى آخر كلامه. هذا مما احتج به لقوله: ومنقذي من عذاب الله والألم، فانظر هذا القياس الفاسد وجعله هذا من باب أولى، وقياسه هذا أقبح من قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، لو أنه ساوى بين الأمرين فكيف وهو يقول هذا من باب أولى. فكذب على الله وعلى رسوله في زعمه إن ذوات المخلوقين تنقذ من عذاب الله كما تنقذ الأعمال الصالحة بل هي أولى في زعمه. ومراده طلب الإنقاذ من المخلوقين لأنه أراد بذلك الاحتجاج لطلبه الإنقاذ من النبي ﷺ بقوله ومنقذي من عذاب الله والألم، ويقوله إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات والغائبين، وهذا من الكذب على الله، وشرع دين لم يأذن به الله حيث زعم أن الله يحب من عباده أن يطلبوا من غيره أن ينقذهم من عذابه، وأنه يحب من المؤمنين طلب الحاجات من الأموات والغائبين ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] . وقال تعالى: ﴿قل قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا

стр. 51

تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] . والله سبحانه جعل دخول الجنة والنجاة من النار معلقا على الأعمال الصالحة، لا على الالتجاء إلى المخلوقين والاستغاثة بهم والتوسل بذواتهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف:١٠-١٢] الآيتين ١. فعلق سبحانه النجاة من عذابه ومغفرة ذنوبهم ودخولهم الجنة والنصر على الأعداء على الإيمان بالله وبرسوله والجهاد في سبيله. وقال: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] . وقال: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٢،٣] وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر] . كما جعل سبحانه اتباع رسوله سببا لمحبته ومغفرة الذنوب والفلاح في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران٣١] . وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] . وهذا المفتري على الله الكذب يزعم أن التقرب إلى الله بذوات المخلوقين أولى من التقرب إليه بالأعمال الصالحة وبإتباع رسوله ﷺ . فيا سبحان الله كيف يروج تمويه هذا على من يسمع هذه الآيات ونحوها مما لا يحصى من آي القرآن، وعلى من يسمع قول الله سبحانه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ونحو هذه الآيات مع قول النبي ﷺ

стр. 52

لابنته وعمته والمهاجرين والأنصار: " لا أغني عنكم من الله شيئا، لا أملك لكم من الله شيئا" ١ ويؤكد ذلك بحلفه لابنته وعمته أنه لا يغني عنهم من الله شيئا. وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الحن:٢١،٢٢] . أي لا اجد من التجىء إليه واعتمد عليه، وصاحب البردة يقول فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا. يعني أنا في ذمته وجواره لموافقة اسمي اسمه، وهذا يقتضي أن كل من سمى محمدا فهو في ذمته ﷺ ، وقوله في الهمزية الأمان الأمان، أي أسألك الأمان، فأكده تأكيدا لفظيا، فهو يطلب من النبي ﷺ أن يؤمنه ويجيره من عذاب الله، وقد قال النبي ﷺ :" لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا ولا انت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" ٢، وكان أكثر دعاء النبي ﷺ :" اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" ٣، ومن دعائه ﷺ :" رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك" ٤،وفي دعاء الخروج إلى الصلاة " أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ٥.

стр. 53

فالنبي ﷺ يسأل الله أن يقيه عذابه وعذاب النار ويسأله أن ينقذه من النار وهذا يطلب الإنقاذ من النبي ﷺ . ما أعظمه من ضلال. وفي بعض أدعيته ﷺ :" أسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار" ١. وقال للذي قال لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ "إني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار حولها ندندن" ٢. ومن دعائه ﷺ :" لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك" ٣. "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك" ٤. فالتجأ إلى الله منه واستعاذ به منه. وصاحب البردة والمشطر التجيا إلى الرسول ﷺ من عذاب الله، وعاذا به منه وقد قال النبي ﷺ للذي قال: اللهم إني أتوب إليك لا إلى محمد "عرف الحق لأهله" ٥. وزعم هذا المتخبط أن الشفاعة نوعان: أحدهما الأخذ باليد والإنقاذ. والثاني معنى قولي أو ٦ شافعا لي ٧ باستغفاره. فالأولى شفاعة فعلية بأن

стр. 54

يخرجه من العذاب بعد وقوعه فيه. والثانية شفاعة قولية بأن يحال بين المذنب وبين المؤاخذة ١انتهى. فانظر إلى هذا التقسيم الباطل، وهل يعقل الناس شفاعة إلا بالكلام من الشافع كما في حديث الشفاعة الطويل: "حتى استأذن على ربي فإذا رأيته وقعت له أو خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله ثم يقال ارفع محمد، قل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة" ٢. وذكر الثانية كذلك والثالثة والرابعة. وكذلك شفاعة النبي ﷺ في إخراج ناس من النار يقال له انطلق فأخرج من قلبه كذا من إيمان. فالعجب من ترويج هذا المبطل وهل يسمى الفعل المجرد عن القول شفاعة عند عالم أو جاهل؟! إنما الشفاعة بالكلام وقبولها بالفعل من الشافع فيما أذن له فيه، فإدخاله ﷺ الجنة من أمره الله بإدخاله وإخراجه من النار من أمره بإخراجه هذا حقيقة قبول الشفاعة، لا أن ذلك شفاعة أخرى. وهل يوجد في حديث أنه ﷺ أدخل أحدا الجنة أو أخرج أحدا من النار بغير أمر الله؟ وهذا أمر واضح ما يحتاج إلى توضيح لكن ربما يحصل بكلامه تشبيه على الجاهل فلو ذهبنا نتتبع ما في كلامه من الركاكة والتناقض والعيب لاحتمل مجلدا. من ذلك قوله على قوله في القصيدة: أو شافعا لي مما قد جنيت: فمراد إخباره عن نوع آخر من الشفاعة وهو كونه شافعا لي باستغفاره أو بدعائه لا بفعله، فيشفع لي شفاعة ثانية مما جنيت من الذنوب فلا يؤاخذني بها فلا أرى العذاب بالكلية أو يزيد في درجاتي.

стр. 55

ثم قال بعد ذلك: وقولي ثانيا أو شافعا لي مما قد جنيت غدا فهي شفاعة أخرى غير شفاعة الإنقاذ بالاستغفار للذنب، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] . وقال: ﴿أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] . فالأولى شفاعة فعلية بأن ينقذه من العذاب بعد وقوعه فيه، والثانية شفاعة قولية بأن يحال بين المذنب وبين المؤاخذة -قال- وهذا ظاهر. انتهى. أقول بل كله كلام باطل متناقض، من ذلك كونه جعل قوله في خطابه للنبي ﷺ ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعا لي إخبارا فهذا باطل، بل هو استغاثة به ﷺ لا خبر وقد قدمنا -عند قوله فيما تقدم: وصاحب البردة يخبر أنه إن لم يكن النبي ﷺ آخذا بيده وإلا فقل يا زلة القدم- إيضاح ذلك ولكن لو سلم أنه خبر مع استحالة كونه خبرا فهو إخبار منه للنبي ﷺ لأن الخطاب معه فهو يخبر النبي ﷺ بأن يشفع له شفاعتين قولية وفعلية، فهو يخبر النبي بما لا يعلمه لأنه لو كان يعلم ذلك لم يحتج إلى إخباره له بذلك. وحقيقة كلامه إذا جعله خبرا أنه يقول أنت يار سول الله تشفع لي شفاعتين فعلية وقولية. فهل يوجد كلام أسمج من هذا الكلام؟! مع تضمنه الكذب على الله وعلى رسوله وتزكية نفسه بحصول شفاعة النبي ﷺ له، فهو والحالة هذه شاهد لنفسه بأنه من أهل الجنة، وجعله الشفاعة الأولى بأن ينقذه النبي ﷺ من العذاب بعد وقوعه فيه، والشفاعة الثانية استغفار النبي ﷺ له ما أعجب هذا!! هل في الآخرة توبة واستغفار؟! وإنما الواقع من الأنبياء وغيرهم الشفاعة، ولم يأت أهل الموقف إلى الأنبياء يقولون استغفروا لنا بل بقولون اشفعوا لنا. وأيضا إذا حصلت لهذا الشفاعة الفعلية بزعمه، وهي الإنقاذ من العذاب فقد سلم من المؤاخذة بذنبه فلا يحتاج أن يشفع له ثانيا بأن لا يؤاخذ

стр. 56

بذنبه، ومن له أدنى نظر تبين له فساد كلامه وتناقضه في أكثر المواضع من تسو يده هذا. والله الهادي إلى سواء السبيل. وذكر المعترض أني استدللت بقول الله سبحانه: ﴿أفأنت تنقذ من في النار﴾ ولا أذكر ذلك ولا وجدته في المسودة عندي، ولا شك أن معنى الآية أن من كتبه الله شقيا لا تنقذه مما هو قيه من الضلالة لأن من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، هذا مع أني أقول الاستدلال بعموم الآية على ما نحن فيه سائغ ومازال العلماء يستدلون بآيات نزلت في أمور خاصة على ما يتناوله اللفظ بعمومه، والعبرة عند العلماء بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لا سيما والمستدل بهذه الآية عليه ثابت حكمه بنصوص آيات وأحاديث كقوله سبحانه: "مالك يوم الدين﴾ "يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ وكقوله ﷺ لسيدة نساء الأمة ولقرابته: "أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا". وقوله للمهاجرين والأنصار: "لا أملك لكم من الله شيئا" ١ ومعنى لا أملك لكم من الله شيئا: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا كما في رواية الترمذي للحديث. قال البغدادي: وهذا الرجل ينكر نسبة الإنقاذ من النار بالفعل إلى رسول الله ﷺ ويذكر الأحاديث التي فيها نسبة الإنقاذ من النار إلى قريش ولا يدري أنها رادة عليه مدعاه الذي يدعيه، إذ يقال كيف نفى الله الإنقاذ عن نبيه ويثبته لأقاربه من قريش بقوله: "أنقذوا أنفسكم من النار"؟ فإنه نسب الإنقاذ من النار لهم. فإن قلت أراد أنكم تتسببون في إنقاذ أنفسكم بالإسلام. قلنا وكذلك إطلاق كلامنا ككلامه فإن مرادنا بقولنا: ومنقذي من عذاب الله والألم أي متسببا في إنقاذي أو منقذي بفعله. انتهى. فانظر إلى هذا الكلام الباطل والقياس الفاسد، يقول كيف ينفي

стр. 57

الإنقاذ عن نبيه ويثبته لأقاربه من قريش، وقوله وإطلاق كلامنا ككلامه.... الخ. قلنا: أما الاتفاق في الحروف فنعم وأما في المعنى فبين الكلامين من التباين ما لا نهاية له، فالعجب من هذا التلبيس الذي لا يخفى على العامي السليم الفطرة. ويقال له أيضا كذبت في قولك كلامنا ككلامه، فهو ﷺ يقول أنقذوا أنفسكم من النار بطاعة الله ورسوله فهذا السبب الذي أمرهم به ﷺ في دار العمل، وأنت تطلب الإنقاذ من النار من النبي ﷺ في دار الجزاء، فسببك الذي تعتمد عليه الشرك وهو الاستغاثة به ﷺ لينقذك من عذاب الله يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، والسبب الذي أمر به ﷺ التوحيد ولزوم طاعة الله ورسوله، فالسبب الذي أمر به ﷺ يوصل إلى رضى الله والجنة والسبب الذي تدلي به يبعد عن الله غاية الإبعاد وهل قال النبي ﷺ لابنته وعمه وعمته والمهاجرين والأنصار أنا أنقذكم من عذاب الله أو أتسبب في إنقاذكم فلا تخافوا، فلو كان النبي ﷺ شيء من هذا الأمر ذلك اليوم لكان هؤلاء أحق من غيرهم. وقوله كيف ينفي الإنقاذ عن نبيه ويثبته لقريش. قلنا: لم ننف الإنقاذ عنه ﷺ ، بل هو الذي نفاه عن نفسه بقوله: " لا أملك لكم من الله شيئا". "لا أغني عنكم من الله شيئا " فالإنقاذ الذي أمرهم به غير الإنقاذ الذي نفاه عن نفسه. قال المعترض: وأما استدلاله بقوله سبحانه عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي﴾ [يس:٢٣] . فإن هذا في الأصنام التي اتخذها الكفار آلهة وأربابا من دون الله – قال - فهل يستدل من له أدنى تمييز على عدم شفاعة النبي ﷺ وإنقاذه لأمته بمثل هذا الدليل الباطل الذي ساوى فيه الأصنام بسيد الأنام

стр. 58

بعدما أخبر الله عنه بقوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] . قال: وظاهر كلام هذا الرجل إنكار الشفاعة بالكلية لقوله وهذا نص في أن من أراده الله بضر فلا منقذ له ولا شفيع – قال - ومعلوم أن من استوجب العذاب من المسلمين أو دخل فيه وشفع فيه الأنبياء أو الملائكة أو المؤمنون لا شك أن الله أراده بضر ونفعه ١ شفاعة الشافعين، فكيف يجوز لمسلم إنكار الشفاعة وهو يدعي أنه من أهل السنة والجماعة ويستدل عليها بآية الأصنام المتخذة أربابا. انتهى. قوله: إن هذه الآية أعني آية يس في الأصنام خاصة فهو كاذب ضال في قوله هذا، بل الآية عامة في كل ما عبد من دون الله، لأن من أراده الله بضر لم يغن عنه معبوده شيئا سواء كان معبوده ملكا أو نبيا أو غيرهما فلا يكشف عنه ضرا أراده الله به ولا يجلب له نفعا، وأتى سبحانه في الآية بضمير العقلاء بالواو والميم فهي عامة في كل معبود من دون الله سواء كان عاقلا أم جمادا، يوضح ذلك قوله ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦] . قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما هم الملائكة والمسيح وأمه وعزير. وقال ابن مسعود نزلت في أناس يعبدون ناسا من الجن فأخبر سبحانه أن هؤلاء لا يملكون كشف الضر عمن عبدهم ولا تحويلا من موضع إلى موضع. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] . وهذا المعترض يقول هذه الآية آية يس فيمن عبد الأصنام، ومقتضى كلامه أن من عبد غير الأصنام أن معبوده ينفعه بشفاعة وغيرها، ومن المعلوم بالسنة المتواترة وإجماع أهل السنة بل الأمة أن من مات مشركا لا شفيع له، وأخبر سيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه أن شفاعته لمن مات لا يشرك بالله شيئا، فمن عبد غير الله من ملك أو نبي أو صالح أو صنم أو غير ذلك فإنه لا يشفع فيه شافع

стр. 59

ولا يدفع عنه دافع قال الله تعالى ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] . وقال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] . وقال ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] . ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] . وانظر إلى إنكار هذا المعترض قولنا إن من أراده الله بضر فلا منقذ له ولا شفيع كما هو نص الآية بقوله ظاهر كلام هذا الرجل إنكار الشفاعة بالكلية لقوله وهذا نص في أن من أراده الله بضر فلا منقذ له ولا شفيع فيا عجبا من جرأة هذا، وهل قلت من عند نفسي إن من أراده الله بضر فلا شفيع له ولا منقذ، أو هذا قول الله لا قول غيره؟! وزعم أن استدلالنا بالآية إنكار منا للشفاعة وهو يعلم أننا لا ننكر الشفاعة الواقعة بإذن الله، وإنما ننكر الشفاعة الشركية التي يثبتها هو وأشباهه. قوله: وهل يستدل من له أدنى عقل على عدم شفاعة النبي ﷺ وإنقاذه لأمته بمثل هذا الدليل الباطل. فوصف الخبيث كلام الله بالبطلان مما يبين جهل هذا وفجوره، فلو قال الاستدلال الباطل لكان أخف إثما لأن وصف الدليل بالبطلان كفر صريح لأن القرآن هو الدليل، قال الإمام أحمد: الدال الله والدليل القرآن والمبين الرسول، والمستدل أولو العلم، هذه قواعد الإسلام. والمقصود بذكر كلام الإمام أحمد بيان أن الذي يوصف بالدليل هو القرآن، فقول المعترض مثل هذا الدليل الباطل وصف للقرآن بالبطلان. وانظر قوله: ومعلوم أن من استوجب العذاب أو دخل فيه وشفع فيه الملائكة والأنبياء وغيرهم لا شك أن الله أراده بضر ونفعه شفاعة الشافعين. فصريح كلامه هذا تكذيب لصاحب يس - الذي صدقه الله فيه، ويشهد له من نصوص القرآن ما لا يحصى إلا بكلفة - في قوله: ﴿إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي﴾ [يس: ٢٣] . فيقال

стр. 60

لهذا المتخرص: إنما تكون الشفاعة لمن أراد الله رحمته وإن كان قد عذبه قبل ذلك، فإذا أراد الله سبحانه رحمة إنسان قد استجوب العذاب أو قد دخل النار أخرجه منها برحمته، أو أذن لمن يشاء من عباده أن يشفع فيه كما في بعض أحاديث الشفاعة "أن الله سبحانه إذا أراد رحمة من شاء ممن في النار أذن في الشفاعة فيه﴾ ١ وأما من أراد الله ضره في الآخرة أو في الدنيا فلا منقذ له ولا شفيع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] . وقوله: لا شك أن الله أراد بضر ونفعه شفاعة الشافعين. فنقول لا شك في بطلان هذا الكلام، بل هو كفر، لأن حقيقة كلامه هذا أن شفاعة الشافعين منعت من نفوذ إرادة الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال المعترض: وأما استدلاله بقول الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨] . فيقال هذه نازلة في أناس مخصوصين من الكفار آذوا النبي ﷺ فدعا عليهم بالهلاك وكان علم الله فيهم من يؤمن فقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فهذه الآية في أناس مخصوصين، ونحن كلامنا في نفع النبي ﷺ أمته بالشفاعة فقد أخبره الله بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وأنزل له جبريل يقول الله٢ ﴿نرضيك في أمتك ولا نسوءك﴾ ٣ ولم يقل هنا ليس لك من الأمر شيء. انتهى. يزعم المعترض أن قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ في أناس مخصوصين، ونحن كلامنا في نفع النبي ﷺ أمته بالشفاعة وقد أخبره بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ولم يقل هنا ليس لك من الأمر شيء.

стр. 61

فيقال وهل في قوله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ معارضة لقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر كله له وحده ووعد نبيه أنه سيرضيه، وقوله إن الآية في أناس مخصوصين، مراده أن حكمها لا يتعداهم، ليس مراده أنهم سبب النزول فهو يقول إن غير هؤلاء المخصوصين للنبي من أمرهم شيء، فيكون شريكا لله في أمر غير هؤلاء المخصوصين، ولهذا احتج بقوله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ولم يقل هنا ليس لك من الأمر شيء. فجعل قوله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ معارضا لقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ لأنه عارض هذه الآية بتلك الآية وضرب كلام الله ورسوله بعضه ببعض، مع أنه ليس بين الآيتين ما يوهم التعارض فالذي له الأمر كله وعد نبيه أن يعطيه فيرضى، وإنما مراده بإيراد الآية التلبيس والإيهام للجهال، والله سبحانه لم يقل ليس لك من أمر هؤلاء المخصوصين شيء وإنما قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ والألف واللام تفيذ العموم عند الأصوليين، وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ . قال ابن كثير على قول سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بعد الكلام على أول الآية قال: ثم اعترض بجملة دالة على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له فقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بل الأمر كله لي كما قال تعالى١: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال محمد بن إسحاق: لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي ليس لك شيء من الحكم في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. انتهى. قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أورد ابن جرير عند تفسير هذه

стр. 62

الآية حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: من زعم أن الله جعل للعباد شيئا من الأمر فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فله سبحانه الأمر كله وله الملك كله والحمد كله وإليه يرجع الأمر كله، فالأمر كله له سبحانه في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة في نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩] . لتفرده سبحانه في ذلك اليوم بالتصرف والحكم والتدبير، فليس لأحد معه في ذلك اليوم تصرف ولا تدبير ولا أمر ولا نهي، بخلاف الحال في الدنيا فإن الله سبحانه ملك أهلها ما خولهم فيها، فهم يتصرفون فيما أعطاهم بحسب اختيارهم مع كون الملك والأمر في الحقيقة لله وحده في الدنيا والآخرة وقد قال الله سبحانه لنبيه لما قال في شأن عمه أبي طالب: ﴿لأستغفر ن لك ما لم أنه عنك﴾ ١ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] .وقال في شأن المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠] . وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤] . قال المعترض: وأما استدلاله بقوله لقرابته وبضعته "لا أغني عنكم من الله شيئا" معناه: إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله لا أغني عنكم من الله شيئا بدليل قوله: "أنقذوا أنفسكم من النار" ٢. يعني بالإسلام - قال - وفي بعض روايات الصحيحين أنه ﷺ دعا قريشا فاجتمعوا وقال: "يا بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار - إلى أن قال - فإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا

стр. 63

من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله". انتهى. هذه الجملة من قوله: "لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله" كل هذه الجملة التي عزاها للصحيحين كذب وافتراء منه، ليس في الصحيحين منها حرف واحد، ما أجرأ هذا على الكذب على الله ورسوله وعلى العلماء، ثم المعارضة لكلام الله وكلام رسوله في مواضع من أوراقه هذه، ثم العجب ممن تلقى ذلك كله بالقبول ولم يفطنوا لشيء من فضائحه، فيا أسفى من غلبة الجهل واستيلاء الهوى وعمى التقليد على أكثر النفوس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم كيف يقول إلا أن تقولوا لا إله إلا الله وهو يقول لابنته وعمته والمهاجرين والأنصار: "لا أغني عنكم من الله شيئا" " لا أملك لكم من الله شيئا" أليس هؤلاء هم أهل لا إله إلا الله الذين هم أحق بها وأهلها، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ وقد قال تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ . [أي لا أملك لنفسي جلب نفع ولا دفع ضرا إلا ما شاء الله] ١ ربي من النفع لي ودفع الضر عني ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ ومن المعلوم يقينا أن من أراد الله به سوءا من أهل التوحيد أن النبي ﷺ وغيره لا يملكون دفعه عنه كحال أهل الكبائر من أهل لا إله إلا الله الذين يعذبون في النار حتى تدركهم رحمة أرحم الراحمين فيأذن في الشفاعة فيهم لمن أراد إكرامه بها. ثم انظر إلى قول هذا المفتري إن قوله ﷺ لابنته وقرابته لا أغني عنكم من الله شيئا إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله! ما أجرأ هذا على الافتراء على الرسول وما أقل حياءه من ارتكاب ما فيه فضيحته، أو ليست ابنته ﷺ سيدة نساء

стр. 64

هذه الأمة أو سيدة نساء المؤمنين؟! ثبت ذلك في الصحيحين١.أو ليس المهاجرون والأنصار الذين قال لهم النبي ﷺ لا أملك لكم من الله شيئا سادات الأمة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟! وهذا يقول المعنى لا أملك لكم من الله شيئا إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله، وأيضا فقوله إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله استدراك منه على الرسول ﷺ فهو ﷺ قال: "لا أملك لكم من الله شيئا" فأطلق ولم يقيد بشرط الإيمان بالله ورسوله، ومفهوم الشرط الذي زاده هذا بقوله إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله أنه يملك لهم من الله شيئا إذا آمنوا بالله ورسوله، وهذا منه رد على النبي ﷺ ، النبي يقول لسادات المؤمنين لا أملك لكم من الله شيئا وهذا يقول بل يملك من الله شيئا لمن آمن به. ثم قال المعترض: وكيف لا يغني عن بضعته وقرابته شيئا وقد أنزل الله عليه في حقهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٣] . -قال- وكيف لا يغني عنهم شيئا وهو لما أنزلت عليه هذه الآية جمعهم وجللهم بكسائه وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" ٢ هل هذا إلا إغناء وفائدة لهم، بل هو يغني عن كل من آمن به. انتهى. فانظر قوله كيف لا يغني عن بضعته وقرابته شيئا، فهذا منه استفهام إنكار فهو ينكر على النبي ﷺ في قوله لا أغني عنكم من الله شيئا، ويكرر الخبيث هذه الكلمة مرتين. النبي ﷺ يقول لا أغني عنكم من الله شيئا، وهذا يقول كيف لا يغني عنهم من الله شيئا، فهل يستريب من له أدنى نظر أن كلامه هذا رد على الرسول وإنكار عليه، بل العامي البليد يفهم هذا ومن

стр. 65

لم يجعل الله له نورا فما له من نور، وهل في قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٣] . وفي دعائه ﷺ لهم معارضة لقوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا" ولقول الله سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ? [الانفطار ١٩] . وإنما مقصود هذا بتكثير الإيرادات التي لا شبهة له فيها الترويج على الجهال وكثرة التسويد في القرطاس، مثل كلامه في الشفاعة وذكر بعض ما ورد فيها مع علمه أننا لا ننكر ما ورد في الشفاعة من الأحاديث عنه ﷺ . وانظر قوله: فهل هذا إلا إغناء وفائدة١ لهم. فنقول: كل خير دنيوي وأخروي حصل لأمته عامة ولأهل بيته خاصة من ربهم فعلى يديه صلوات الله وسلامه عليه، وهل في هذا معارضة لقوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا" ولقول الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن ٢١] . ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩] . قال المعترض: بقي أن يقال: قوله يا أكرم الخلق، فإن هذا عندهم دعاء وهو النداء، ولا وجه للتكفير به، لأن النداء إذا كان ضارا وهو دعاء - كما يزعمون - لزم ألا ينادي أحد لا حي ولا ميت، لأن كون الشيء الواحد بالنسبة للحي يكون طاعة وللميت والغائب يكون عبادة، لم يعهد هذا شرعا ولا عرفا، وإنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها، وهذا لا يقصده أجهل المسلمين فضلا عن أكابر العلماء. والدليل على أن النداء والطلب من الأموات والغائبين ليس بعبادة بل هو مأمور به شرعا آيات وأحاديث وآثار وأقوال العلماء الكبار من الأئمة الأربعة الأخيار.. هذا لفظه. قوله: فإن هذا عندهم دعاء وهو النداء - يقول - هم يسمونه دعاء

стр. 66

وليس كما يزعمون وإنما هو نداء لا دعاء - يقول - لو كان دعاء كما يزعمون لزم ألا ينادي أحد لا حي ولا ميت، وهذا الرجل حين واجهني ادعى ذلك، فقال الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل هو نداء، وبينت له بعض الأدلة وأذعن ظاهرا في هذه المسألة وغيرها، وظننت أن مراده قطع الكلام لا الموافقة. فيقال لهذا: تفريقك بين الدعاء والنداء تفريق باطل مخالف١ للكتاب والسنة وإجماع الأمة مع مخالفته اللغة، فقد سمى الله سبحانه سؤال عباده له دعاء ونداء، قال تعالى عن نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] . وقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء ٧٦] . فسماه في موضع دعاء وفي موضع نداء، وقال عن زكريا ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم ٣] . وقال في موضع ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران ٣٨] . وقال عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنباء ٨٣] . وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء:٨٧] . وقال ﷺ : "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مسلم إلا استجيب له" ٢. وقال بعض الصحابة للنبي ﷺ :"أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه" ٣ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] . وقد سمى الله سبحانه طلب المخلوق من المخلوق واستغاثته به دعاء واستغاثة ونداء ٤. قال سبحانه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ

стр. 67

الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص ١٥] . وقال الصحابة: "قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] . فهذه نص في دعاء المسألة وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين﴾ [الأعراف:١٩٤] . قوله فادعوهم أي اطلبوا منهم. وقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف ١٩٣] . فأراد بالدعاء هنا الطلب الذي هو ضد الصمت. وقال: ﴿قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنظِرُونِي﴾ [الأعراف ١٩٥] . أي استغيثوا٣ بشركائكم. وقال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [القصص ٦٤] . أي استعينوا بهم ليخلصوكم من عذابي ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص ٦٤] . ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ليخلصوكم مما أنتم فيه ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فقال في موضع أدعوا وفي موضع نادوا. وقوله فادعوهم صريح في الطلب منهم. وقال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي استعينوا بهم، وقال: ﴿وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي استعينوا بهم. فسمى سبحانه استعانتهم بهم دعاء، بل سمى الله نعيق الراعي بالبهائم دعاءا ونداءا فقا ل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١] . فجميع ما قدمنا صريح في أن سؤال العبد ربه يسمى دعاء ونداءا وأن استغاثة المخلوق بالمخلوق وطلبه منه يسمى دعاء ونداءا. وقد قال النحويون: النداء هو الدعاء بأحرف مخصوصة وأن المنادى

стр. 68

منصوب، لفظا أو محلا بفعل محدوف، فقولك يازيد، أي أدعوا زيدا. ومن أقسام المنادى المستغاث وهو كل من نودي ليخلص من شدة أو يعين على دفع مشقة كقول عمر ﵁ يالله للمسلمين، أي أدعوك للمسلمين. فاتضح بطلان قول هذا في أن طلب المخلوق من المخلوق لا يسمى دعاءا بل نداءا، فهو يقول إن الطلب من الملائكة والمسيح وأمه وعزير والجن نداء لا دعاء، فما أدري ما يقول فيمن طلب من العزى ومناة واللات! فإن قال إن الطلب منها لا يسمى دعاءا بل هو نداء وأن النداء لا يضر عنده افتضح عند العامة والخاصة، وإن قال إنه يسمى دعاء. قيل له نقضت أصلك حيث جعلت الطلب من هذه الأوثان دعاءا ومن غيرها نداءا، فهذا شيء واحد جعلته بالنسبة إلى الأموات والغائبين والملائكة والمسيح وأمه وعزير والجن نداء، وبالنسبة إلى العزى وغيرها من الأوثان دعاء مع أنه يلزمه ألا يسميه دعاء إذا لم يسم مدعوه ربا وإلها لقوله إن الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها. إذا تبين بطلان قول هذا فالدعاء يكون أيضا أعم من النداء لأنه قد يكون بغير حرف نداء كقول نوح ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] وقول بني اسرائيل: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩] . وقول السائل أشكوا إلى الله حاجتي أو ذنوبي، وأسأل الله كذا أو أعوذ به من كذا، وكل هذا يسمى دعاء، وسمى النبي ﷺ قول ذي النون: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ دعوة كما تقدم في الحديث، وفي الترمذي: ﴿كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة لاإله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾ ١. وفي الصحيحين عن ابن عباس

стр. 69

- ﵄: "كان النبي ﷺ يدعوا عند الكرب لاإله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم" ١، فسمى هذا دعاء مع أنه ليس فيه تصريح بالسؤال. قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀ في الكلام على دعوة ذي النون قال: فالسائل تارة يسأله بصيغة الطلب، وتارة بصيغة الخبر، إما بوصف حاله أو حال المسؤول أوبهما، وهو من حسن الأدب في السؤال كقول أيوب مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، والسؤال بالحال أبلغ من جهة العلم والبيان، وبالطلب أظهر من جهة القصد والإرادة فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني لأن السائل يتصور مراده فيسٍأله بالمطابقة، فإن تضمن وصف الحال السائل والمسؤول فهو أكمل كقوله: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفرلي مغفرة من عندك وأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فيه وصف لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة ووصف ربه أنه لا يقدر على هذا غيره، وفيه تصريح بالمطلوب وفيه وصف الرب بما يقتضي الإجابة وهو وصفه بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل الأنواع. انتهى. قال ابن كثير: وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول كقول ذي النون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ

стр. 70

الظَّالِمِينَ﴾ وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول كقول الشاعر: ءأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء وقول المعترض: إن الشيئ الواحد يكون بالنسبة إلى الحي طاعة وللميت أو الغائب عبادة لم يعهد هذا شرعا ولا عرفا. يقال لهذا: وهل يوجد شيء واحد يختلف اسمه باختلاف متعلقه وهو قولك إن سؤال الميت والغائب لا يسمى دعاء بل نداء وسؤال العبد ربه يسمى دعاء، ليس معك على هذا إلا مجرد دعوى باطلة قد بينا بطلانها وافتضاحها. وقوله فيما بعد: بل على قولكم إن الطلب نفسه عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات لأن العبادة ممنوعة في الحالين. انتهى. قوله يكون بالنسبة للحي طاعة جعل سؤال الحي طاعة وهو كاذب في جعله طاعة، لأن الله سبحانه لم يأمر مخلوقا قط أن يسأل مخلوقا، بل قد تواترت الأحاديث عنه ﷺ في ذم السؤال، وبايع ﷺ جماعة من الصحابة ألا يسألوا الناس شيئا، وفي حديث ابن عباس "إذا سأٍلت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" ١ أي: إذا سألت فاسأل الله وحده، وإذا استعنت فاستعن بالله٢ وحده، وترك سؤال الناس من كمال التوحيد، وهذا المفتري يقول إن الله يقول سلوا عبادي خصوصا الأموات والغائبين واستعينوا بهم، ومسألة الناس قد تكون محرمة، وتكون مكروهة، وتكون جائزة، وتسميتها طاعة خطأ وضلال، وكذا قوله ولا عرفا خطأ لأن العرف لا مدخل له في العبادات. وأما قوله: إذا جاز سؤال الحي فالميت كذلك، أي يجوز سؤاله، بل

стр. 71

هو يقول إنه طاعة؛ لأن الله -في زعمه- أمر به. ويقول إذا قلتم إن الطلب عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات وهذه شبهة ربما تدخل في نفوس كثير من الناس. فيقال أولا ذو الفطرة السليمة وإن كان جاهلا يفرق بين الطلب من الحي الحاضر مما في يده وبين الطلب من الميت والغائب ولا يسوي بين الحي والميت إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة التي فطره الله عليها أو إنسان أعماه الهوى والتقليد، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٢] . معنى ذلك: أنه لايستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الحي والميت، [شبه المسلم بالحي والميت بالكافر] ١ فلما كان معلوما من المخاطبين أن الحي والميت لا يستويان يقول سبحانه فكذلك المؤمن والكافر، فمن سوى بين الحي والميت بقوله يطلب من الميت ما يطلب من الحي فقد سوى بين ما فرق الله والناس بينهما، حتى المجانين يفرقون بين الحي والميت، فلو قصد مجنون بيت إنسان ليطعمه فوجده ميتا وأهله عنده لعدل إلى الطلب من أهله الأحياء الحاضرين عنده ولم يلتفت إلى الميت. ومما يوضح بطلان هذه الشبهة أن الله سبحانه أمر عباده بالاستعاذة به كما في المعوذتين ومواضع من القرآن معلومة، وكذلك في السنة عن النبي ﷺ من ذلك كثير، وفعل العبد ما أمره به ربه أمر إيجاب أواستحباب عبادة له بإجماع العلماء، فإذا امتثل العبد أمر ربه فاستعاذ به أو بصفاته فقد عبده، والإستعاذة نوع من الدعاء لأن المستعيذ يلتجئ إلى الله ليدفع عنه ما يحذر وصوله إليه مما يكره أو ليرفع ما قد وصل إليه من ذلك، كما في الحديث "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" ٢ وهذا حقيقة الدعاء.

стр. 72

فلما كان مستقرا عند العلماء أن الاستعاذة بالله عبادة له قالوا لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، فلما كان هذا الأصل مستقرا عندهم استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق لأنه ثبت عن النبي ﷺ الاستعاذة بكلمات الله التامات فعلا منه وقولا، وهذا من حجة أهل السنة على الجهمية القائلين بخلق القرآن - يقولون - لو كان القرآن مخلوقا امتنعت الاستعاذة به، فعلى ما ذكرنا أن الاستعاذة نوع من الدعاء كما قرره شيخ الإسلام تقي الدين، وهو واضح، فالعلماء القائلون بامتناع الاستعاذة بالمخلوق يقولون لا يجوز دعاء المخلوق، لأن الاستعاذة دعاء حقيقة، لأن المستعيذ بربه يطلب منه دفع مكروه أو رفعه وهذا حقيقة الدعاء. قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها نوع من الدعاء، وهي ألفاظ متقاربة، وسمى النبي ﷺ الاستعاذة دعاء، كما في السنن أن رجلا قال يا رسول الله علمني دعاء أدعوا به قال: "قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي" ١. وقال أبو هريرة: "كان رسول الله ﷺ يدعوا فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة" ٢، رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي السنن عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "كان يدعوا بهؤلاء الكلمات:

стр. 73

اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، ومن شر الغنى والفقر" ١، وفي صحيح مسلم: "كان من دعاء النبي ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك"٢. والمقصود من إيراد هذه الأحاديث بيان أن الاستعاذة تسمى دعاء في كلام النبي ﷺ وأصحابه. فلما قال العلماء إن الاستعاذة لا تجوز بمخلوق بل هي مختصة بالله سبحانه لأنها دعاء فهكذا سائر أنواع الدعاء، إذا تقرر هذا فمن المعلوم بالضرورة أنه لو خاف إنسان من عدو له فالتجأ إلى حي حاضر ليجيره من عدوه لم يكن بهذا بأس عند جميع المسلمين، وليس بداخل تحت قول العلماء إن الاستعاذة لا تجوز بمخلوق، فهذا شيء واحد اختلف حكمه باختلاف متعلقه، فبالنسبة للحي الحاضر جائز وبالنسبة لغيره ممتنع، فكذلك دعاء غير الله بطلب قضاء الحاجات لا يجوز لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] . ولا يدخل في هذا النهي طلب الإنسان حاجة من حي حاضر مما يدخل تحت قدرة البشر. ويقال أيضا لهذا المساوي بين الحي والميت لو أعطى إنسان آخر مالا وقال أودعه عند ثقة، فذهب به الوكيل وأودعه عند قبر رجل صالح كالشيخ عبد القادر وقال هذا وديعة عندك لفلان واستحفظه إياه فضاع لعده الناس مجنونا جنونا لا يرفع التكليف وألزموه بالضمان، ويلزم هذا الذي ساوى بين الحي والميت أن يقول هو مصيب فيما فعله ولا ضمان عليه، وربما أنه لا يلتزم هذا خوفا من الفضيحة عند الناس وحينئذ يقول له

стр. 74

الوكيل في الإيداع أنا ما فرطت على مذهبك في التسوية بين الحي والميت، لأنك تقول ما جاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت، وأنا طلبت من الشيخ عبد القادر حفظ هذه الوديعة وهي حاجتي عنده، وأنت تجوز طلب الحاجات من الأموات فكيف تخطئني؟ ومما يوضح بطلان شبهته ما لو خرج شخصان من بيتهما وقصد أحدهما رجلا حيا غنيا وقال أشكو إليك الجوع، وقصد الآخر هبل وقال: يا هبل أشكو إليك الجوع، هل يستوي الشخصان عند جاهل فضلا عن العالم؟! فهذا شيء واحد يختلف حكمه باختلاف النسبة، فالنسبة إلى هبل شرك وبالنسبة إلى الرجل الحي الحاضر الغني جائز، لا يتوقف في هذا عاقل، وعلى مذهب هذا الضال في قوله إن الطلب من المخلوق لا يسمى دعاء بل نداء فلا يضر عنده نداء الطالب من هبل ونحوه؛ لأنه يقول إنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها، فصريح كلامه أنه لو استغاث بالعزى أو مناة أو اللات ونحوها أن ذلك لا يضر، لأنه ليس بعبادة عنده ما لم يسم من دعاه أو استغاث به ربا وإلها. ومن الفرق بين الحي والميت أن الاستغاثة بالحي إنما تكون في الأسباب الظاهرة [العادية من الأمور الحسية في قتال أو ادراك عدو ونحو ذلك] ١، بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الميت فحركته منقطعة، وإنما يزعم الذين يدعونهم أن نفعهم بالقوة والتأثير الذي يسميه بعضهم السر، ولا يشك عاقل في انقطاع الحركة من الميت المعهودة من الحي. فإن قيل هذه الأوثان المعروفة للمشركين جماد كاللات ومناة والعزى والمقبور إنسان فما الجامع بينهما. قلنا نصوص القرآن في النهي عن دعوة غير الله عامة في كل من دعا من

стр. 75

دون الله ما لايضر ولا ينفع قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨] . وقال: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٧١] . وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] . قال البيضاوي على هذه الآية: هذا إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا عن أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم وهم عن دعائهم غافلون، لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٣، ١٤] . والذم إنما توجه إلى من دعا من هذه صفته سواء كان بشرا أو ملكا أو صنما وهو من لا ينفع من دعاه ولا يضر من لم يدعه، ومن دعا من لا يسمع دعاءه أو ولو سمعه ما استجاب له لاستحالة الإجابة منه، وهذه صفة الميت. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٧] . وهذه أيضا صفة الميت، ومن المعلوم أن المشركين يعبدون الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والجن، ويعبدون اللات وهو رجل صالح في قول ابن عباس ومجاهد، ويعبدون الأصنام المصورة في زعمهم على صورة من يقصدونه كفعل قوم نوح في تصويرهم على صور الذين ذكرهم الله في سورة نوح. قال تعالى فيمن يعبد الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] . وقال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] . إلى أن قال: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] . فهذا صريح في أنهم يعبدون الملائكة، وما قاله
следующие страницы →