وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:٣٣] . ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس:١٢] .
وقول هذا الرجل فيما تقدم: إن الله أمر بالطلب من الأموات والغائبين عام في الأوقات والأحوال والأشخاص، فيا لله لعقول ضلت حين لم يتبين لها ضلال هذا في غالب كلامه وخاصة١ في قوله: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات والغائبين. فكما قدمنا إذا كان الله يحب ذلك لأمره به في زعم هذا الضال فالأولى ملازمة ذلك في الشدة والرخاء [محافظة على ما يحبه الله في جميع الحالات. والموحدون يقولون الواجب على الناس إخلاص الدعاء لله وحده في الرخاء والشدة] ٢،فلا يسأل إلا هو وحده، ولا تطلب الحاجات إلا منه، ولا يرغب إلا إليه وحده. والمشركون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ يخلصون الدعاء لله في الشدة وينسون غيره٣، ونصوص القرآن ناطقة بذلك.
وهذا الملحد يقول: الاستمرار على الطلب من الأموات والغائبين في جميع الحالات أولى، لأن الله يحب ذلك، لأنه من الوسيلة التي أمر الله بها، فالمحافظة على ما يحبه الله أولى من الغفلة عما يحبه . فيا سبحان الله كيف يتلبس أمر هذا على عاقل سليم الفطرة؟!
وما ذكره من قول صفية ألا يا رسول الله كنت رجاءنا. فهذه حال من يبكي شخصا ويرثيه، يخاطبه مخاطبة الحاضر، وتذكر حاله ﷺ معهم لأنه القائم بأمورهم فهو أبوهم خاصة وأبو المؤمنين عامة ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
وقد حمى النبي ﷺ جناب التوحيد أبلغ حماية حتى قال: " لا تجعلوا
стр. 142
قبري عيدا"١. وقال: " لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم شاء محمد" ٢. وقال للذي قال له ما شاء الله وشئت "أجعلتني لله ندا" ٣ فوازن بين قوله لمن قال ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا، وبين قول هذا الضال: إنه يستغاث به في الشدائد. أليس هذا أولى بأن يقال له أجعلتني لله ندا وقد قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾ [النمل:٦٢] . أي: أءله مع الله يفعل هذا؟ والذي يقول إنه يستغاث بالنبي ﷺ في الشدائد بقوله: إن نداء النبي ﷺ في الشدائد أمر معهود، يقول إنه يجيب المضطر ويكشف السوء وإلا كانت الاستغاثة به عبثا باطلا. والمشركون يعترفون بأنه لا ينحي من الشدائد والضرورات إلا الله، ولهذا يخلصون الدعاء لله في هذه الأحوال لعلمهم أنه لا ينجي منها إلا الله قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢] . قال البيضاوي: دعوا الله مخلصين له الدين لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم٤ من الخوف الشديد. وقال أيضا على قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكروا إلا الله ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو سبحانه. انتهى.
وقال النبي ﷺ لحصين بن المنذر: "كم إلها تعبد؟ قال سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء" ٥. ولما أقبل برهة على مكة وهرب أهلها منها خوفا منه
стр. 143
قام عبد المطلب ونفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة، وأخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة ويقول:
يا رب لا أرجو لهم سواك ... يا رب فامنع منهم حماك
إن عدو البيت من عاداك ... فامنعهم أن يخربوا قراك
وإخبار الله سبحانه عنهم بالإخلاص في الكرب والشدائد كاف. فيا سبحان الله!!
هؤلاء المشركون الذين نزل القرآن بتكفيرهم وإباحة دمائهم وأموالهم للمسلمين يعلمون بقلوبهم ويقرون بألسنتهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا الله ويفزعون فيما يهمهم إلى الله وحده ويتركون الوسائط الذين اتخذوهم شفعاء لهم عند الله، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠،٤١] . وهذا الرجل الذي يسمى عالما يقول: إنه يطلب من النبي ﷺ كشف الشدائد وإنه يكشفها. فلولا أنه يقول إنه يكشفها لم يجوز طلب كشفها منه؟ وكان طلب ذلك منه عناء بلا فائدة.
ثم زعم أن الاستغاثة به ﷺ في الشدائد أمر مشهور معمول به عند الصحابة والتابعين. فنسب إلى خير القرون ما هم أبعد الناس عنه، ويكفي في إبطال شبهه كلها قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ وهذا في حال حياته ﷺ فكيف الحال بعد الموت؟
وهو أيضا لم يقتصر على النبي ﷺ كما قرر في أوراقه هذه أن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات وأنهم أحياء في قبورهم، مع ما ضم إلى ذلك من دعواه إثبات التصرف المطلق للنبي وغيره في يوم القيامة، ودعواه علم الغيب للنبي ﷺ ، وما تضمنه كلامه من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى
стр. 144
العلماء كما بيننا بعض ذلك فيما تقدم، وكذا ما في كلامه من التناقض والمعارضة الصريحة لكلام الله ورسوله، ثم العجب ممن تلقى كلامه بالقبول ولا رأوا بعض ما فيه من الفضائح التي ينكرها العامي سليم الفطرة، ولكن الأمر كما قيل باطل وافق هوى، والهوى يعمي ويصم. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
ولنختم هذا الجواب بتلخيص فصل من "إغاثة اللهفان" لشمس الدين ابن القيم - رحمه الله تعالى - قال بعد كلام سبق: ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به وما نهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها!!
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها مساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله!! ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها!! ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ويجتمعون أياما كاجتماعهم للعيد أو أكثر!! وأمر بتسويتها كما روي مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي طالب ﵁ "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ١. وفي صحيحه عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برذوذس، فتوفي صاحب لنا. فأمر فضالة بقبره فسوي. ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها٢. وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب!! ونهى عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه، ونهى عن
стр. 145
الكتابة عليها كما روى أبو داود في سننه عن جابر أنه ﷺ "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها" ١. قال الترمذي حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره!! ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن رسول الله ﷺ "نهى أن يجصص القبر ويكتب عليه أو يزاد عليه" ٢ وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص.
إلى أن قال: فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه.
ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العد عن حصره.
فمنها تعظيم الموقع في افتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور عليها وسدانتها٣، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد والويل عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.
ومنها النذر لها ولسدنتها.
ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء ويستنزل غيث السماء وتفرج الكربات وتقضى الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف إلى غير ذلك.
ومنها الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج.
ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.
стр. 146
ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة.
ومنها مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها.
ومنها محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها إماتة السنن وإحياء البدع.
ومنها أن الذي شرعه رسول الله ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال العافية له.
فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت. فقلب هؤلاء المشركون الأمور١ وعكسوا الدين وجعلوا المقصود من الزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به وسؤاله حوائجهم واستنزال البركات منه ونصره لهم على الأعداء ونحوذلك فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت.
فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التي شرعها الله على لسان رسول الله ﷺ ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الشرك التي شرعها لهم الشيطان واختر لنفسك.
قال عائشة ﵂ "كان رسول الله ﷺ إذا كان ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ٢ رواه مسلم في صحيحه.
وعنها أيضا: "أن جبريل أتاه فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت كيف أقول يا رسول الله قال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين،
стр. 147
وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" ١.
وفي صحيحه أيضا عن سليمان ابن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام على أهل الديار - وفي لفظ - السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" ٢.
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن زارها فليزر ولا تقولوا هجرا" ٣ رواه الإمام أحمد والنسائي.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا للذريعة فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه ونهاهم أن يقولوا
هجرا. فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن زيارتها غير مأذون فيها. ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولا وفعلا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ :
"زوروا القبور فإنها تذكر الموت" وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة" ٤ رواه
أحمد.
وعن ابن عباس قال: "مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم
стр. 148
فقال: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم لنا سلف١ ونحن بالأثر" ٢ رواه أحمد والترمذي وحسنه.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" ٣ رواه ابن ماجه.
وروي الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإن فيها عبرة" ٤.
فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟
وما أحسن ما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.
ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا.
قال سلمة بن وردان: رأيت أنس مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو.
ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو عند القبر فإن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره "الدعاء هو العبادة"٥ فجرد السلف الصالح العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها
стр. 149
إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ من السلام على أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم.
وبالجملة فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له.
ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبا أو استحبابا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي.
قال عوف بن مالك "صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار". حتى تمنيت أن أكون أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت"١ رواه مسلم.
وقال أبو هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له"٢ رواه أحمد.
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" ٣.
وقالت عائشة وأنس عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" ٤ رواه مسلم.
стр. 150
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" رواه مسلم١.
فهذا مقصود الصلاة على الميت وهو الدعاء والاستغفار والشفاعة فيه. ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة على نعشه، فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره وقد كان رسول الله ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" ٢ فعلم أنه أحوج إلى الدعاء بعد الدفن.
فإذا كنا على جنازته ندعو له لا ندعو به ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى، فبدل أهل الشرك والبدع قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخرة سؤال الميت والإقسام به على الله وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد وأوقات الصلوات.
ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم٣ أو الدعاء عندهم مشروعا وعملا صالحا وتصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا
стр. 151
كانت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بل فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه في الأحاديث المرفوعة - قال -١ ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله وما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب وأنهم على شيء والسلف على شيء كما قيل:
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
والأمر - والله - أعظم مما ذكرنا.
وقد ذكر البخاري في صحيحه عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا. فقلت: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا٢.
وروى مالك في الموطأ عن عمر أبي سهيل٣ بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدكت عليه الناس إلا النداء بالصلاة. يعني الصحابة رضي الله عنهم٤.
وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد
стр. 152
ضيعت١. ذكره البخاري - وفي لفظ آخر - ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله ﷺ إلا قد أنكرته اليوم.
وقال الحسن البصري: سأل رجل أبا الدرداء فقال: رحمك الله لو أن رسول الله ﷺ كان حيا بين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه. فقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟
وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة وجلس يبكي. فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني٢ على البكاء !! ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم عليه إلا قبلتكم هذه٣، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
تم الكتاب