﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
وقوله: أن النبي ﷺ لم ينكر عليهم طلب الدعاء منه، ولم يقل أنتم أشركتم لأنكم طلبتم الدعاء مني قبل الإذن.
فهذا تهويل منه وتوهيم للطغام، وهل يقول هذا أحد؟ وإنما الذي يتوقف على الإذن من الله سبحانه هو الشفاعة في الآخرة حين يرجع الأمر والملك لله الواحد القهار الذي لا يغلبه غالب ولايقهره قاهر، قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] . ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥] . ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ٣٨] . والله فرق بين أحكام الدنيا والآخرة، فشرع لأهل الدنيا دعاء بعضهم لبعض للأحياء والأموات، وملكهم ما يتصرفون فيه، فهم يتصرفون بحسب اختيارهم، وأما الآخرة فأخبر سبحانه أنه المتفرد بالملك والأمر والتصرف في ذلك اليوم، فلا يصنع أحد شيئا، ولا أمر لغيره معه يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار١٩] . ولا شفاعة إلا من بعد إذنه ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣] .
فكلام هذا الضال يدور على التسوية بين أحكام الدنيا والآخرة، وهذا من أعظم المحادة والمشاقة لله ولرسوله، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] .
وقوله: إنه ﷺ حي في قبره بالاتفاق، حكاية الاتفاق١ كذب منه، وهو قد نقض حكاية الاتفاق بما ذكره بعد من الحكاية المروية عن مالك ﵀، وقول لأبي جعفر إن حرمته ميتا كحرمته حيا فوصفه مالك بالموت
стр. 107
حال كلامه مع أبي جعفر، فما ذكره عن مالك يكذب دعواه الاتفاق. ويأتي في عبارة لهذا وصف فيها النبي ﷺ بالموت الآن، فهو متناقض.
وعبارته التي أشرنا إليها قوله في الكلام على حديث: "يا عباد الله احبسوا" ١ فقال: ولكون النبي ﷺ حاضرا مع موته شرع لنا خطابه والسلام عليه في الصلاة، وهو قولنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
فقوله: حاضرا مع موته، وصف له بالموت الآن. هذا مع أنه لا يمكنه أن يأتي بحرف واحد عن الأئمة الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم على حياته ﷺ في قبره الحياة التي يشير إليها.
قال ابن القيم: لم يرد حديث صحيح أنه ﷺ حي في قبره، لكن نقطع أن الأنبياء لاسيما خاتمهم وأفضلهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين أعلى رتبة من الشهداء، وقد قال سبحانه عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فالأنبياء أولى بذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . ومع ذلك فالشهداء داخلون تحت قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] . ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] . فأثبت سبحانه للشهداء موتا بدخولهم في العموم كالأنبياء وهو الموت المشاهد، ونفى عنهم موتا، فالموت المثبت غير الموت المنفي٢، فالموت المثبت هو فراق الروح الجسد وهو مشاهد محسوس، والمنفي زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن. انتهى.
وقال البيضاوي على قوله سبحانه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] . فيه تنبيه على أن حياتهم ليست في الجسد، ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي. انتهى.
ومن العجب أنه لو جاء إنسان إلى ميت على وجه الأرض شهيدا أو
стр. 108
غيره يطلب منه أن يدعو له فضلا أن يطلب منه أن ينصره على عدوه أو يكسوه لقال الناس هذا مجنون، فإذا صار رميما في بطن الأرض زين لهم الشيطان ودعاة الضلال من الإنس الاستغاثة به وطلب الحاجات منه. والعامي السليم الفطرة يعلم بطلان هذا بفطرته، كما حكي لنا أن رجلا من أهل مكة ينسب إلى علم قال لرجل عامي من أهل نجد: أنتم ما للأولياء عندكم قدر والله يقول في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال له العامي: هل قال يرزقون يعني بفتح الياء أو قال يرزقون يعني بالضم فإن كان يعني بالفتح فأنا أطلب منهم فإن كان يعني بالضم فأنا أطلب من الذي يرزقهم. فقال المكي: حجاجكم كثيرة وسكت.
ويقال لمن ادعى أن النبي ﷺ حي في قبره كحياته كما كان على وجه الأرض: [ثبت أنه ﷺ مات بنص القرآن، فما حجتكم على أنه عاد حيا كما كان على وجه الأرض] ١ قبل موته؟ فلن يجد٢ إلى ذلك سبيلا، وليس عندهم إلا مجرد دعوى أو شبهة لا حقيقة لها، ويدل على بطلان هذه الدعوى ما رواه أبوداود عنه ﷺ قال: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇"٣. فهذا يدل على أن روحه الشريفة ﷺ ليست في بدنه
دائما، وإنما هي في أعلى عليين، ولهذا اتصال بالجسد الله أعلم بحقيقته، لا يدركه الحس ولا العقل، وليس ذلك خاصا به ﷺ لحديث تقدم عنه ﷺ قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" ٤. وفي صحيح مسلم عنه ﷺ : "أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت
стр. 109
ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش"١. الحديث. وقد أخبر سبحانه أنهم في البرزخ أحياء عند ربهم يرزقون. وقال أبو بكر الصديق ﵁ في حق النبي ﷺ : "أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ولن يجمع الله عليك موتتين﴾ .
وقد قام الدليل القاطع أنه عند النفخة في الصور لا يبقى أحد حيا، فلو كان الأمر كما يزعمون لكان الله قد يجمع عليه موتتين، ولما قال ﷺ : " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يعني قد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"٢.
ولم يقل لهم أنا حي في قبري كحياتي الآن صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
قوله: وما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته، ومن منع فعليه الدليل.
ليس هذا خاصا به ﷺ عند هذا المعارض، بل يزعم كما تقدم أن الله أمر بطلب الحاجات ممن يعترف هذا بموتهم في قوله: إن الله أمر بالطلب من الأموات
والغائبين. وادعى في موضع آخر حياتهم، فهو متناقض كما ترى.
قوله: ومن منع فعليه الدليل.
فنقول: جميع ما تقدم من الأدلة الدالة على أن دعاء الأموات والغائبين وطلب الحاجات منهم من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، يدخل في ذلك الملائكة والأنبياء والصالحون وغيرهم، لأن ذلك عبادة، وهي محض حق الله
стр. 110
لا يرضى أن يشرك معه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] . وقال سيد ولد آدم ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"١، وقال: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله"٢.
وقول المعترض: وما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته. تقدم الجواب عنه عند قوله: لأن الشيء الواحد يكون بالنسبة للحي طاعة وبالنسبة للميت عبادة.. إلخ. تقدم هناك ما فيه كفاية لمن أراد الله هدايته.
وكلامه في هذا الموضع في حق النبي ﷺ يحتاج إلى زيادة بيان وإيضاح، فمن المعلوم بالضرورة أن الصحابة كانوا يطلبون منه ﷺ في حياته أن يدعو لهم ويستغفر لهم ويستسقي لهم ويستفتونه، ويطلب الناس منه عرض الدنيا مما أعطاه الله تعالى، ويرجعون إليه فيما أشكل عليهم من أمر دينهم، وهذا كله معلوم بالضرورة وأما بعد موته فلم يأت أحد من الصحابة إلى قبره ﷺ يطلب منه أن يدعو له، فضلا عن أن يطلب منه شيئا من عرض الدنيا أو نصر على عدو ونحو ذلك، ولا استفتاه أحد منهم فيما أشكل عليهم. فأول ذلك لما أشكل عليهم هل يجردونه من ثيابه عند غسله أو لا، لم يسألوه وهو بين أيديهم. ولما عزم الصديق على قتال مانعي الزكاة وحصل عند عمر توقف في ذلك لم يأت إلى قبره يسأله عما استراب فيه. ولما حضرت عمر الوفاة طلب من عائشة أن يدفن مع صاحبيه ولم يقل استأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك لعلمهم ﵃ أن هذه الأمور مستحيلة منه بعد موته.
واستسقى عمر بالعباس ولم يأت هو والصحابة إلى قبره يطلبون منه أن
стр. 111
يستسقي لهم كما كانوا يفعلونه في حياته. وحدث في المدينة حوادث عظيمة كوقعة الحرة ولم يأت أحد إلى قبره ليستنصر لهم، فضلا عن أن يطلبوا منه أن ينصرهم، فلو كان هذا جائزا لأتوا إلى قبره، ذكرهم وأنثاهم، لاسيما والمضطر يتشبث بأدنى سبب يظن به النفع، وهذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله لو فعل، لكنهم أعلم بالله ورسوله من هؤلاء الخلوف. وكان الناس يأتون إلى عائشة يستفتونها وهي في بيته ﷺ فكيف يستفتونها وتفتيهم وهو ﷺ عندهم يسمع كلامهم ويجيبهم لو سألوه في زعم هذا المبطل. ولما وقع الاختلاف بين علي ومعاوية وأشكل أمرهم على كثير من الناس١ لم يأتوا إلى قبره يستفتونه في هذا الأمر ليزيل الإشكال عنهم. وأشكل على الصحابة مسائل كثيرة يختلفون فيها يوجد في المسألة لهم قولان وثلاثة وأربعة وأكثر. وقال عمر: ثلاث وددت أني سألت رسول الله ﷺ عنها.
فأين هذا المفتري عن أصحاب رسول الله ﷺ من أن يقول لهم كيف تشكل عليكم المسائل وتختلفون فيها٢، وهذا نبيكم بين ظهرانيكم حي ما عرفتم
قدره؟! هذه حقيقة دعوى هذا الملبس، تخطئة أصحاب رسول الله ﷺ وتجهيلهم. وكان ابن عمر يأتي إلى القبر فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف. وقال سلمة بن وردان٣: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدران القبر ثم يدعوا.
ونص الأئمة الأربعة على أنه إذا سلم على النبي ﷺ وأراد الدعاء أنه يستقبل القبلة ولا يستقبل القبر.
ومن المعلوم أن أعظم مطلوب الأمة منه ﷺ أخذ العلم عنه، ولم
стр. 112
يقصد أحد منهم قبره ﷺ لذلك فالتابعون أخذوا العلم عن الصحابة، وتابعوا التابعين أخذوا العلم عن التابعين، وكذلك كل طبقة يأخذون العلم عمن فوقهم، والعلماء يرحلون إلى الآفاق حجازا وشاما ويمنا وعراقا لطلب الحديث بالأسانيد والوسائط الكثيرة، وتحملوا المشاق العظيمة، فلو كان ما يقوله هذا حقا من أنه يطلب منه ﷺ بعد موته كل ما يطلب منه في حياته لتزاحموا عند قبره لأخذ العلم عنه على حقيقته ويتركون الوسائط، وهذا أمر ظاهر الفساد، لكن ربما يدخل كلام هذا في نفوس بعض الجهال لظنهم أن عند هذا الرجل علما، فيتفهموا الفطرة التي فطروا عليها حتى يبين لهم بطلانه.
وقوله: فمن منع فعليه الدليل. فأي دليل أبلغ وأوضح مما قررنا من أن الصحابة قبل موته ﷺ يطلبون منه جميع ما تقدم، وأنهم بعد موته ﷺ ما فعلوا معه شيئا مما كانوا يفعلون معه في حياته من طلب الدعاء منه أو استفتائه أو طلب حاجة من حوائجهم أو نصر على عدو، وكذلك التابعون بعدهم، فلا دليل أوضح من هذا على بطلان قوله إنه يطلب منه بعد موته جميع ما يطلب منه في حياته.
قال ابن القيم رحمه الله١: ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه - إلى أن قال - ومن المحال أن يكون دعاء الأموات أو الدعاء بهم مشروعا وتصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا
стр. 113
عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا على الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة حرف واحد من ذلك، بل فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمنا من الأحاديث المرفوعة، وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها.
-وقد ذكر جملة١ مما روي في ذلك منها - ما ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال حدثنا أبو العالية قال: لما فتحت تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر الخطاب، فدعا كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول٢ رجل من العرب قرأ مثل ما أقرأ القرآن. قلت لأبي العالية ما كان فيه؟ قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه. قلت وما يرجون منه؟ قال كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجلا يقال له دانيال. فقلت منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمئة سنة. قلت ما كان تغير منه شيء؟ قال: إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع.
ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به هؤلاء المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور
стр. 114
أوثانا من لا يداني هذا ولا يقاربه وأقاموا لها سدنة، فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك ودعوا عنده وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان درجوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعا به ولا دعاه ولا دعا عنده أو استسقى به ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.
وذكر ابن القيم أيضا ما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"١.
وروى أبو يعلى عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعوا فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"٢. رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختارته.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سعيد مولى المهري قال: رسول الله ﷺ "لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".
стр. 115
وروى سعيد أيضا عن سهيل بن أبي سهيل قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم -ثم قال- إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس سواء".
قلت: ورواه عبد الرزاق في كتابه عن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلو علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني"١.
قال ابن القيم: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لاسيما وقد احتج به من أرسله فهذا يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندا.
قال شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه: ووجه الدلالة منه أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى. انتهى.
ففيما ذكرناه أوضح برهان وأبين دليل على بطلان دعوى هذا المفتري في قوله: إن ما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.
وقوله: بل على قولكم إن الطلب نفسه عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات..
إلخ.
فقد تقدم الجواب عن هذه الشبهة في كلامنا على قوله فيما تقدم: إذا كان النداء دعاء لزم ألا ينادي أحد لا حي ولا ميت.
стр. 116
وقوله هنا فعلى قولكم إن الطلب نفسه عبادة. مقتضى كلامه أن الطلب من حيث ليس بعبادة سواء كان الطلب من الله أو من غيره.
فيقال له: إن زعمت أن الطلب من الله ليس بعبادة فهذا معلوم البطلان كما قررناه فيما تقدم وبينا دلائله، من ذلك أن الله أمر بدعائه، وأثنى على من دعاه رغبا ورهبا فقال:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] ، وسمى النبي ﷺ الدعاء عبادة فقال: "إن الدعاء هو العبادة" ١ وقال: "الدعاء مخ العبادة" ٢ وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة عند جميع العلماء. فمن قال إن دعاء العبد ربه ليس بعبادة له فهو ضال، بل كافر، فإن أقر أنه عبادة ولابد أن يقر إلا أن يعاند ويكابر، فإن أقر أن دعاء العبد ربه عبادة فإذا دعا ربه راغبا وراهبا فقد عبده٣، فإذا من دعا من لا يسمعه أو لا يستجيب له من ميت أو غائب كان قد دعا من لا ينفعه ولا يضره، ونصوص القرآن صريحة في النهي عنه وذم من دعا من هذه صفته، فيدخل في ذلك الأموات والغائبون كالجماد٤، لأن كلا من هؤلاء لا يستجيب لداعيه فلا ينفعه إن دعاه ولا يضره إن لم يدعه. وتقدم حكاية الشيخ تقي الدين إجماع المسلمين على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم. وتقدم أيضا قول الله : ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] . وقول المفسرين: إنها نزلت فيمن يعبد الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والجن، وقول الشيخ تقي الدين: إن الآية تعم من دعا الأموات والغائبين. فكل من دعا ميتا أو غائبا فهو داخل في حكم هذه الآية، وهذا ظاهر لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والذين هم سبب النزول غائبون، وغائبهم
стр. 117
أقرب من غائب الإنس، ومنهم الميت كعزير ومريم.
ويقال لهؤلاء الذين يدعون الأموات والغائبين ادعوهم فيما يهمكم وينزل بكم من الشدائد فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله، فكل من دعا من لا يملك كشف الضر١، ولا تحويله داخل في عموم الآية. وأما طلب الإنسان حاجته من حي حاضر ما٢ يدخل تحت مقدور البشر فلم يمنع الله سبحانه من ذلك كما قدمنا مع أن ترك مسألة الناس من تحقيق التوحيد وكماله. فلو أن الله سبحانه أمرنا بطلب حاجاتنا من الأموات والغائبين كما زعم هذا وفعلنا ذلك امتثالا لأمر الله كان ذلك عبادة منا لله لا لغيره، كما أن الله سبحانه لما أمر الملائكة بالسجود لآدم وسجدوا كان ذلك عبادة لله لا لآدم. ولو أمرنا الله بالسجود لنبينا وفعلنا كان ذلك عبادة منا لله لا لنبينا ﷺ ولو فعلنا ما نهانا الله عنه من السجود لغيره كان ذلك عبادة للمسجود له.
واحتج المعارض بما رواه الترمذي عن أنس أنه طلب من النبي ﷺ أن يشفع له.
وهذا لا ينكر كطلب أهل موقف القيامة من الرسل أن يشفعوا لهم، وإنما ننكر الطلب منه بعد موته، وننكر الشفاعة الشركية التي أثبتها هذا بقوله إن الله ملك المؤمنين الشفاعة كما ملك أهل الدنيا ما أعطاهم فيها، فهم كما تقدمنا يتصرفون على حسب اختيارهم. وحقيقة تشبيهه أن المؤمنين يشفعون بحسب اختيارهم من غير إذن من الله كحال أهل الدنيا فيما أعطاهم الله. فهذه هي الشفاعة التي ننكرها كما نفاها القرآن.
واستدل المعترض بحديث الأعمى.
ولا حجة له فيه، وليس فيه ما يوهم جواز دعائنا له٣ والاستغاثة
стр. 118
به. وغاية ما يفهم من حديث الأعمى التوسل بجاهه ﷺ كما فهمه منه ابن عبد السلام. وقد بين شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى معنى الحديث وأوضحه غاية الإيضاح.
ولفظ الحديث: "أن رجلا أعمى جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري، قال: إن شئت دعوت لك الله وإن شئت صبرت. قال: ادعه. فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في" ١ هذا لفظه. وليس فيه حجة لهذا في جواز الاستغاثة به ﷺ فهو لم يطلب من النبي ﷺ أن يرد عليه بصره، وإنما طلب منه ﷺ أن يدعو الله له، وليس في الحديث صراحة لما فهمه ابن عبد السلام.
قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀ بعد كلام ذكره: ومن هذا استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة، بمعنى أنهم [يطلبون منه أن يشفع إلى الله كما كانوا في الدنيا] ٢ يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره. وقول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه: نتوسل إليك بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، وليس المراد أنا نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك، أو يقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه ورسله وأوليائه. ويرون حديثا موضوعا: "إذا سألتم الله فأسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض" ٣، فلو كان هذا التوسل الذي كان الصحابة
стр. 119
يفعلونه كما ذكر عمر لفعلوا ذلك بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس. فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكره عمر هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه دعاء ولا غيره، وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره أن يسأل الله به قبول شفاعته، وإن قوله: أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أي بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا. فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد. ثم قال يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في، فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. وقوله: يا محمد يا نبي الله، فهذا وأمثاله نداء١ يطلب منه استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب، كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. والإنسان يقول مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. انتهى.
وقول المعترض: إن ابن تيمية يقول إن الأعمى صور صورة النبي ﷺ وخاطبه كما يخاطب الإنسان من يتصوره في ذهنه ممن يحبه أو يبغضه وإن لم يكن حاضرا - قال - وهذا عجيب من ابن تيمية، فإن نداء الصورة والطلب منها مع كونها وهما خياليا أقوى في الحجة على المانع، فهذا الحديث هو الدليل لمن يجوز نداء النبي ﷺ في حياته وبعد موته. والناظم ممن يرى ذلك. انتهى.
انظر كذب هذا على ابن تيمية بقوله: إن ابن تيمية يقول إن الأعمى صور صورة النبي ﷺ وليس هذا لفظ ابن تيمية وإنما قال ﵀: فهذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود
стр. 120
بالقلب كقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته -ثم قال- والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. هذا لفظه على حديث الأعمى في اقتضاء الصراط المستقيم وغيره، هل قال إن الأعمى صور صورة النبي ﷺ وقول الشيخ بعد ذلك والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوره في ذهنه، أي من يستحضره في نفسه.
وقوله: وهذا عجيب من ابن تيمية فإن نداء الصورة والطلب منها مع كونه وهما خياليا أقوى في الحجة على المانع.
فيقال: وهل قال ابن تيمية إنه يطلب من الصورة شيء. ولم يذكر ابن تيمية لفظ الصورة، وإنما قال من يتصوره أي يستحضره.
ثم أتى المعارض بالكذب الصريح في قوله: وذكر ابن تيمية في معنى هذا الحديث قولين. قول بجواز التوسل به، بمعنى طلب دعائه في حياته. وقول بجواز ذلك في حياته ومماته ومغيبه-قال-وقد وافق ابن تيمية ابن عبد السلام بجواز الطلب والتوسل به ﷺ لحديث الأعمى، فصار ندؤاه والطلب منه محل اتفاق. انتهى.
ففي هذه الجملة من كلامه ثلاث كذبات:
الأولى: قوله إن ابن تيمية حكى قولا في معنى الحديث بجواز الطلب منه ﷺ في حياته ومماته وحضوره ومغيبه.
الكذبة الثانية: قوله إن ابن تيمية وافق ابن عبد السلام بقوله [إن ابن عبد السلام يقول] ١ بجواز الطلب منه في الحياة والموت.
والكذبة الثالثة: قوله فكان نداؤه والطلب منه محل اتفاق.
وكذبة رابعة على ابن عبد السلام بقوله: إن ابن عبد السلام يقول بجواز الطلب من النبي ﷺ والسؤال منه في الحياة والممات.
стр. 121
أما قوله إن ابن تيمية حكى قولا في معنى الحديث أن المراد طلب الدعاء منه في الحياة والممات والحضور والغيبة، فهو كاذب على الشيخ. والشيخ ﵀ جزم بأن معنى الحديث: أن الأعمى طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، وأن ذلك مختص بالحياة ممتنع بعد الموت، كاستسقاء عمر بالعباس. ثم ذكر قول ابن عبد السلام إنه فهم من حديث الأعمى التوسل بجاه النبي ﷺ ولم يوافقه الشيخ على ذلك، بل منع من التوسل بجاهه ﷺ وما جزم به الشيخ في معنى الحديث، [وما حكاه عن ابن عبد السلام هما القولان اللذان ذكرهما في معنى الحديث] ١ حديث الأعمى، لا كما زعم هذا الكذاب أن القولين في طلب الدعاء منه، وأن أحد القولين اختصاص ذلك بالحياة، والقول الثاني أن ذلك جائز في حياته ومماته ﷺ وأن هذا قول ابن عبد السلام وأن الشيخ وافقه على ذلك، فكذب على ابن عبد السلام وعلى الشيخ في زعمه أنهما أجازا طلب الدعاء منه ﷺ بعد موته. ما أجرأ هذا على تعمد الكذب!! لأنه يرى كلام الشيخ على هذا الحديث نفسه، وإنكاره طلب الدعاء من الأموات، لاسيما طلب ذلك منه ﷺ ويقول طلب الدعاء من الأموات شرك. وكتابه في الرد على ابن البكري الذي جوز الاستغاثة بالنبي ﷺ موجود. وكلامه على حديث استسقاء عمر بالعباس في أن طلب الدعاء منه ﷺ مختص بحياته. وكلامه في هذه المسألة معروف مشهور موجود في كتبه، فكيف يجترىء على الكذب الظاهر.
قوله: فكان نداؤه والطلب منه محل اتفاق، كذب ظاهر وخطأ فاحش.
أما أولا فإنه لو٢ يتفق ابن عبد السلام وابن تيمية على قول واحد في مسألة فإنه لا يقال فيه إنه اتفاق. وإنما يقال هذا محل اتفاق فيما اجتمع]
стр. 122
عليه علماء الأمة الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم في الأحكام. وهذا لم يذكر كلمة واحدة توافق مذهبه عن صحابي ولا تابعي ولا عن إمام من أئمة المسلمين، وإنما حقيقة أمر هذا الرجل كما قال بعض العلماء: شرك مبني على إفك.
كذب على الله في قوله: إن الله أمر بالطلب من الأموات والغائبين، وأن هذا من الوسيلة التي أمر الله بها. وكذب على النبي ﷺ في زعمه أن حديث الأعمى وغيره مما أورد يدل على ذلك. [وادعى اتفاق العلماء على حياة النبي ﷺ في قبره] ١. وادعى على ابن تيمية وابن عبد السلام أنهما أجازا الطلب من النبي ﷺ بعد موته وأن ذلك اتفاق. وكذب٢ في قوله إن في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله.
وكذبه وتناقضه ومعارضته للقرآن والحديث لا يخفى على عاقل منصف نبهنا على بعضه. وأحببت أن أذكر هنا بعض كلام الشيخ ﵀ في مسألة التوسل وقول ابن عبد السلام.
قال الشيخ تقي الدين رحمه في رده على ابن البكري: وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم، فما وجدته. ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما بالنبي فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك. وذكر القدوري في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز أن يسأل الله إلا به. انتهى.
وذكر ابن القيم في إغاثة اللهفان٣ عن أبي الحسين القدوري نحو
стр. 123
ذلك، فقال: قال القدوري، قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك، أو يقول بحق خلقك١. وهو قول أبي يوسف.
قال أبو يوسف معقد العز من عرشك هو الله، فلا أكره ذلك، وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام.
قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا تجوز يعني وفاقا.
وقال البلدجي في شرح المختارة: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك ونحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على الخالق. انتهى.
وهذه المسألة غير ما نحن فيه لكن ناسب ذكر٢ ذلك لمخالفته لما فهمه [ابن عبد السلام من حديث الأعمى، وأن الذي فهم] ٣ ابن عبد السلام إنما هو التوسل به ﷺ في الدعاء، لا دعاؤه نفسه كما زعمه هذا المفتري.
واحتج المعترض بالحديث الذي روي مرفوعا: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن لله حاضرا سيحبسه" ٤ وزعم أن سنده صحيح.
стр. 124
وليس كما ذكر من صحته، لأن في سنده معروف بن حسان وهو منكر الحديث، قاله ابن عدي، وعلى تقدير صحته فليس فيه حجة لهذا المبطل على جواز دعاء الأموات والغائبين، لأنه قال فيه: فإن الله حاضرا سيحبسه. المعنى: أن لله عبادا لا نعلمهم -وما يعلم جنود ربك إلا هو- قد وكلهم سبحانه بهذا الأمر. وهذا يدل على أن هؤلاء الذين أمر بمناداتهم حاضرون أحياء، جعل الله لهم قدرة على ذلك، فمناديهم ينادي من يسمع ويقدر على ذلك، لقوله: فإن الله حاضرا سيحبسه. وهذا كما ينادي الإنسان أصحابه الذين معه في السفر أن يردوا عليه دابته إذا انفلتت.
وكل عاقل يتيقن أن النبي ﷺ لا يأمر بمناداة من لا يسمع ولا يعين من ناداه. ومن استدل بذلك على جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين فهو ضال.
قال المعترض -بعد إيراده هذا الحديث-: وأما قول من قال إن هذا نداء لحاضر كذب
ظاهر. فإن عباد الله المدعوين -وإن كانوا حاضرين بالنسبة لعلم الله الذي لا يغيب عنه شيء- فهم غائبون بالنسبة لمن يناديهم، وكذلك الأنبياء والصالحون من أهل القبور، فإنهم أحياء١ في قبورهم، وأرواحهم موجودة، ولهذا أمر النبي ﷺ أن ينادوهم ويخاطبوهم كمخاطبة الحاضر، مع أنهم غائبون عن الأعين. انتهى.
فالعجب من تناقض هذا!! يورد هذا الحديث -ونص الحديث: فإن لله حاضرا سيحبسه- ثم يقول: من قال إن هذا نداء لحاضر كذب ظاهر. يورد الحديث ثم يكذبه.
وقوله: فإن عباد الله المدعوين وإن كانوا حاضرين بالنسبة لعلم الله فهم غائبون بالنسبة لمن يناديهم. فيا سبحان الله!! كيف يبلغ اتباع الهوى بصاحبه إلى هذا التناقض ومعارضة الأحاديث التي يحتج بها.
стр. 125
فإذا أخبر الرسول أنهم حاضرون قادرون بقوله: فإن لله حاضرا سيسحبه. فإخبار الرسول بحضورهم أبلغ من رؤيتنا لهم، كما لو كان الذي انفلتت دابته أعمى ويعلم أن عنده أناسا لا يراهم، فإنه يستعين بهم لعلمه أنهم يسمعون كلامه وإن لم يكن يراهم.
قال المعترض في كلامه على هذا الأثر قال: ولكون النبي ﷺ حاضرا مع موته شرع لنا خطابه والسلام عليه في الصلاة.
فقوله: مع موته. إقرار منه بموته في قبره الآن. ثم كابر فادعى أن جميع الصالحين في قبورهم أحياء، وكذب في هذه الدعوى، والله سبحانه أخبرنا بحياة الشهداء في كتابه، والأنبياء أرفع من الشهداء فهم أولى بذلك من الشهداء، مع أنه لم يأت حديث صحيح بحياتهم. وهذه حياة لا يعلم صفتها وحقيقتها إلا الله لقوله سبحانه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] .
وأما قوله بحياة الصالحين غير الأنبياء والشهداء في قبورهم فكذب منه وافتراء.
وقوله: ولهذا أمر النبي ﷺ أن ينادوهم ويخاطبوهم مخاطبة الحاضر مع أنهم غائبون عن الأعين.
فيقال لهذا المبطل: الذي أمر به النبي ﷺ أمته وشرعه لهم عند زيارة القبور حجة عليك كافية في إبطال مذهبك، هل فيما شرعه النبي ﷺ حرف واحد يتضمن دعاءهم والطلب منهم والاستغاثة بهم؟! بل ليس فيها ما يتضمن سؤاله بهم. فليتأمل طالب الحق جميع ما جاء عن النبي ﷺ مما كان يقول إذا زارها، وما أمر به أمته عند زيارتها، هل يجد فيها حرفا واحدا مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم يجدها مخالفة لما هم عليه من جميع الوجوه؟ فمضمون الزيارة التي شرعها ﷺ تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال العافية له، فبدل هؤلاء
стр. 126
المشركون قولا غير الذي قيل لهم، وغيروا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت بالاستغاثة به وسؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات والنصر على الأعداء واستنزال البركات.
وقوله: ولهذا أمر النبي ﷺ أن ينادوهم ويخاطبوهم مخاطبة الحاضر.
فيقال له: وهل في خطابهم لهم طلب حاجة منهم أو طلب الدعاء منهم؟ أو المخاطب الزائر المسلم هو الذي يدعو لهم ويستغفر لهم ويترحم عليهم ويسأل الله لهم العافية.
فهل في ذلك إلا ما هو حجة عليك.
ثم يقال لهذا المتخرص: هذا هدي رسول الله ﷺ وسنته مع الأموات في دعائه لهم في الصلاة على جنائزهم، وعند دفنهم وعند زيارتهم، هل تجد فيها حرفا واحدا يوافق دعواك في طلب الحاجات من الأموات والغائبين؟ ودعواك أن الله أمر بذلك بقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ فكأن النبي ﷺ ما علم من معنى الوسيلة ما علمت؟ وأنه علم ذلك ولم يدل عليه بحرف واحد.
وكذلك أصحابه من بعده عند إتيانهم إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه لا يزيدون على مجرد السلام عليه وعلى صاحبيه كما تقدم عن ابن عمر وأنس وغيرهما وما تقدم عن أهل بيته ﷺ من إنكار علي بن الحسين زين العابدين على الذي يدعوا الله عند قبره ﷺ وقول الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب للذي قال سلمت على النبي ﷺ وقال له: إذا دخلت المسجد فسلم - وفي رواية - فنهاه، واستدل بقوله ﷺ ﴿لاتتخذوا بيتي عيدا﴾ . الحديث وتقدم.
أفخفي على هؤلاء السادة ما فهمه هذا وأشياعه من قول الله ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ وما فهمه من حديث الأعمى وغيره؟! ولكن بهذا ونحوه يظهر مصداق النبي ﷺ :"لتتبعن سنن من كان قبلكم"١. وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب قبلنا بالغلو والكذب وتحريف الكلم عن موضعه.
стр. 127
وما ذكره المعترض عن عتبه بن غزوان فهو مثل الذي قبله، لقوله فيه: ﴿فإن لله عبادا لا يراهم﴾ ولفظه: ﴿إذا أضل أحدكم شيئا وأراد عونا وهو بأرض فلاة ليس بها أنيس فليقل يا عبادالله أعينوني؛ فإن لله عبادا لايراهم﴾ ١.
قال المعترض: فهب أن عباد الله المدعوين حاضرون كما قال، ولكن إذا لم يرهم الداعي لهم كيف يهتدي إلى الطريق وهو لم يرهم؟
فيقال: قولك هذا اعتراض منك على ما استدللت به.
ونقول له قد تحصل الهداية بإشارة أو علامة ترفع له، أو يكونون من جنس الملائكة الذين يلقون في قلب ابن آدم، فكل هذا جائز إن صح الأثر.
فانظر تسميته النداء دعاء في ثلاث مواطن من هذا المحل!! وهو يقول إن طلب المخلوق من المخلوق لا يسمى دعاء بل نداء. فتناقض، وهذا من سنة الله سبحانه في المبطل أنه يتناقض.
واحتج أيضا بما روي أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج فيستسقي بالناس. هذا لفظه في اقتضاء الصراط المستقيم.
قال الشيخ ﵀: ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. - قال - وليس هو مما نحن فيه - قال - وهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا، ففرق بين هذا وهذا. انتهى.
وهذه الحكاية التي احتج بها هذا المبطل هي حجة عليه في قوله: إن ما جاز أن يطلب منه في حياته ﷺ جاز أن يطلب منه بعد موته. وهو ﷺ لما
стр. 128
كان حيا معهم على وجه الأرض إذا طلبوا منه أن يستقي لهم يستسقي بنفسه، لا يقول اذهبوا إلى فلان ليستسقي لكم. وفي هذه الحكاية لم يقل أنا أستسقي لكم، بل أمر عمر يخرج بالناس يستسقي لهم، فدل على أن هذا متعذر منه بعد موته ﷺ والصحابة خرجوا إلى الصحراء مع عمر واستسقوا، ولم يأتوا إلى قبره يطلبون منه أن يستسقي لهم كما كانوا يفعلون في حياته، بل ولا جاءوا يستسقون عند قبره.
وقوله: إن صاحب هذه الحكاية صحابي أعلم من سائر علماء المسلمين.
فقوله هذا كذب ظاهر. وهل يعرف اسمه حتى يعرف حاله؟! والمدينة في ذلك الزمان يردها أهل الآفاق من العرب والعجم والبادية والحاضرة، ولا سمي صاحب هذه الشكوى، ولا يدرى من هو، فكيف يزكيه هذه التزكية البالغة وهو لا يعرفه؟! والشيخ يقول: ومثل هذا إذا وقع لا يدل على حسن حال السائل.
وقوله: إن ابن تيمية ذكر هذه الحكاية -وأنه قال- وهذا حق ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ ، والشيخ ذكر جملة من هذا النوع ثم قال وهذا حق، يعني وقوع مثل هذا ثابت، ليس مراده أنه صواب كما زعمه هذا.
والشيخ ﵀ لما قرر أن الدعاء عند القبور بدعة يعني قصدها لأجل دعاء الله عندها وأن ذلك منهي عنها، وقرر أن دعاء المقبورين وسؤالهم قضاء ١ الحاجات شرك. قال: ولا يدخل في هذا أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ﷺ أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك - إلى أن قال ﵀ فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة
стр. 129
بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أن يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك. وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها - إلى أن قال - فجنس هذا حق١ وليس مما نحن فيه إلى أن قال وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة عندها ولا قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم - قال - فذكرت
هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضتها لما ذكرنا، وليس كذلك.
واحتج المعترض بالحكاية التي ذكرها القاضي عياض في الشفاء: أن الإمام مالكا ﵀ تناظر مع أبي جعفر المنصور، فقال مالك: يا أمير المؤمنين إن الله أدب أقواما فقال ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] . ومدح قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] .
وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ قال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، بل استقبله وتشفع به. ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء"٦٤] ٢.
стр. 130
ولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى أشياء ذكرها عن السلف عامة وعن مالك خاصة، قال: وهذا الذي ذكرنا عن السلف ومالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه التي ذكرها القاضي عن محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر إلخ.
قال ﵀: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه [إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه] ١، المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وقد نص أنه لا يقف عنده للدعاء مطلقا -إلى أن قال- وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ الآية فهو والله أعلم باطل فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم. ولم يذكر عن أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت الاستغفار ولا غيره. وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي ذلك، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها بعض المتأخرين من الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا هذه الآية،
وأنشد:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي
стр. 131
وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لاسيما مثل هذا الأمر العظيم الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء الله حاجة هذا الأعرابي وأمثاله له أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع. وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون ذلك السبب مشروعا مأمورا به. فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال: "إني لأعطي أحدهم المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا " قالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: "يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل" ١.
قال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه لعدم علم، وهذا باب واسع.
قوله ﵀ في أول كلامه: وهذا الذي ذكرناه عن السلف ومالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه.
فالكلام الذي أشار إليه قوله قبل ذلك: واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره [وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما إنه يستقبل قبره] ٢ ويسلم عليه وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه. وقال أبو حنيفة بل يستقبل القبلة ويسلم عليه. هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن اسحاق في المبسوط والقاضي عياض وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ
стр. 132
ويدعو [ولكن يسلم ويمضي. وقال أيضا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو] ١ له ولأبي بكر وعمر فقيل له: إن أناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة وأكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغنا هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
ثم قال الشيخ: فقول مالك في هذه الحكاية إن كان ثابتا عنه معناه: أنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه٢ وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعل ما يشفع له به يوم
القيامة، كسؤال الله له الوسيلة.
وكذلك ما نقل من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ، ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو ويسلم. يعني دعا للنبي ﷺ وصاحبيه فهذا هو الدعاء المشروع هناك كالدعاء عند زيارة قبور المسلمين وهو الدعاء
لهم، فإن أحق الناس أن يصلى عليه ويدعى له بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
وبهذا تتفق أقوال مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة. انتهى.
ويشهد لذلك ما رواه عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول
الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
стр. 133
قال معمر وأخبرنا عبيد الله ١ بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر.
وقال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه "الصارم المنكي في الرد على
السبكي": محمد بن حميد راوي٢ هذه الحكاية -أعني حكاية أبي جعفر مع الإمام مالك- هو محمد بن حميد الرازي لا العمري٣ كما ظنه السبكي.
قال: وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي هذا غير واحد من الأئمة ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة: محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو العباس٤ محمد بن أحمد الأزدي: سمعت إسحاق بن منصور يقول أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وذكر عن جماعة كثيرة نحو ذلك، فهذا يبين عدم صحة هذه الحكاية، والله أعلم.
وذكر المعترض ما روي أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي ﷺ بعد ثلاثة أيام من دفنه ﷺ ورمى بنفسه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية. وقد جئتك مستغفرا لذنبي. فنودي من القبر: غفر لك.
فيا سبحان الله يعتمد على حكاية أعرابي بغير إسناد في هذا الأمر الذي لوكان مستحبا أو جائزا لفعله الصحابة والتابعون، ولو كانوا يفعلون
стр. 134
شيئا من ذلك لنقل عنهم لا عن أعرابي وغيره ممن لا تعرف حاله.
فلو وجد الناقل لهذه الحكاية١ شيئا من ذلك عن أحد من الصحابة وعلماء التابعين لكان أولى من نقله عمن لا يعرف بصحبة٢ ولا علم.
وأيضا فهذه حكايات بغير إسناد معروف، بحيث لو يذكر عن النبي ﷺ أحاديث بغير إسناد معروف رجاله لم يلتفت إليها، مع أنه ليس في هذه الحكاية ونحوها أنه طلب من النبي ﷺ أن يغفر له أو أن يدعو الله له.
قال المعترض ويعضد هذا الأثر المتقدم الذي تلقاه الأئمة بالقبول - يعني أثر العتبي - حتى ابن تيمية مع أنه شدد في ذلك.
فكذب على ابن تيمية في قوله إنه تلقاه بالقبول، بل ابن تيمية خطأ من احتج بحكاية العتبي كما قدمنا عنه. وما روي من قول سواد بن قارب.
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
فهذا٣ بحضرة النبي ﷺ في حياته كما تقدم من حديث أنس، وكاستشفاع الناس به يوم القيامة. وقوله: أدنى المرسلين وسيلة. فهو كذلك صلوات الله وسلامه عليه، لأن الوسيلة هي القربة، والتوسل إلى الله: التقرب إليه بطاعته وإتباع رسوله والاقتداء به، وهذا هو الوسيلة المأمور بها في قوله سبحانه: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ومن الوسيلة دعاؤه لهم ﷺ وطلبهم ذلك منه في حياته كما كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم ويستسقي لهم كقول عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. الحديث.
فهذا من الوسيلة المأمور بها.
стр. 135
اذكر أحب الناس إليك. وأن ابن عباس قاله لآخر. فقال أحدهما: محمد. وقال الآخر: يا محمد.
وليس له في هذا حجة على طلب الحاجات من الأموات والغائبين.
والقائل لم يقل ادع أحب الناس إليك. والمقول له لم يقل يا محمد أزل خدر رجلي. فإن صح الأثر فلعل المعنى في ذلك أنه توسل إلى الله بمحبة نبيه.
وأحدهما لم يأت بحرف النداء وذكرها أحدهما، فلعل هذا مثل قولنا: السلام عليك أيها النبي، السلام عليك يا رسول الله. وخدر الرجل من نوع الضر١، والمحتج بذلك يحتج به على جواز طلب كشف الضر من النبي ﷺ وغيره وقد قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن:٢١] . أي لا أقدر على كشف ضر نزل بكم ولا جلب خير إليكم. أي إن الله يملك ذلك لا أنا. وقال: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ . [الإسراء: ٥٦] . وقد ذكرنا فيما تقدم أن مفسري الصحابة والتابعين ذكروا أن الآية نزلت فيمن يعبد الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والجن. والآية تعم كل مدعو من دون الله.
فإذا كان الملائكة الذين يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا تحويله من حال إلى حال فغيرهم أولى. فإذا كان هؤلاء المذكورون لا يستجيبون لمن دعاهم فهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥،٦] وغيرها من الآيات فكيف تعارض نصوص القرآن بمثل ذلك.
ومضمون دعوى المحتج بذلك: أن الشفاء يطلب من النبي ﷺ وكان
стр. 136
في رقية النبي للمريض١: اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك٢. ٣
فالمحتج بهذا الأثر على٤ ما ادعاه معارض لنصوص القرآن والسنة مكذب لله ورسوله فيما ذكرنا من الآيات والحديث. ولو قال من خدرت رجله أعوذ برسول الله ﷺ من شر ما أجد صار مستعيذا بمخلوق. ونص العلماء أن الاستعاذة لا تجوز بمخلوق والاستعاذة٥ نوع من الدعاء كما أمر تقريره.
فلو قال من أصابه ما يكره أعوذ بمحمد مما أجد وأسأله كشف ما أجد أو أشكو إليه ما أجد كان المعنى في جميع هذه العبارات واحدا إذ المعنى: أطلب إزالة ذلك من النبي ﷺ .
وابن القيم ذكر هذا الأثر، فلو كان فيه شبهة تعارض ما كان يقرره من أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك لبين ذلك.
ورأيت من جملة فتاوى للقاضي أبي يعلى منها أنه سئل عمن يقول يامحمد، يا علي، فقال: هذا لا يجوز لأنهما ميتان.
وقول المعترض: أوليس ابن تيمية قد عذر المتأول والمقلد وقال أنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره.
فيقال لهذا: إنما يورد من كلام الشيخ هذا من يوافق على تحريم الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره من الأموات وأن ذلك شرك. ثم يقول لعله يغفر للجاهل ونحوه.
وأما من ينكر قول الشيخ في ذلك ويبدع من قال بقوله أو يكفره فلا يتوجه له القول بعذر المذكورين، لأنه يقول إنهم غير مخطئين، بل
стр. 137
مأجورين١ لامتثالهم أمر الله في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ في زعم هذا المحرف لكلام الله فلا وجه لطلب العذر لهم.
وما قاله الشيخ ﵀ في هذا الباب أعني باب التوحيد ليس باجتهاد منه لكنه بين ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء فرحمه الله ورضي عنه. والشيخ قال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما٢ أنه منهي عنه، فيثاب علي حسن قصده ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع. قال ويغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره مراده في الجملة لا في التفصيل، ولهذا قال ﵀ في شرح العمدة في أثناء كلام سبق: فكل رد لخبر الله أو أمره فهو كفر دق أو جل، لكن يعفى عما قد خفيت فيه طرق العلم وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر.
وقد قال ﵀: إن الشرك لا يغفر ولو كان أصغر. ونقل ذلك عنه تلميذه صاحب الفروع فيه قال: ذلك والله أعلم لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] .
وقال في الرسالة السنية: فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أعثني، أو أجبرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.
وكذلك قال في مسألة الوسائط: إن فاعل ذلك يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وعموم قول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] يتناول كل مشرك. والفقهاء من جميع المذاهب يذكرون في باب حكم المرتد أن من أشرك بالله كفر، ويحتجون بهذه الآية ونحوها، ولم يحرجوا الجاهل من
стр. 138
العموم وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣،١٠٤] . وقال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠] . قال ابن جرير: وهذا من أبين الأدلة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعلم منه، لأنه لوكان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد وفريق الهدى فرق، وقد فرق الله بين أسماءها وأحكامها في هذه الآية. انتهى.
وليس كلامنا في هذا الموضع في هذه المسألة وإنما الكلام مع هؤلاء الضلال الدعاة إلى الشرك الملبسين على الناس دينهم المفترين على الله الكذب المضلين للناس بغير علم.
وذكر المعترض أن في تاريخ ابن كثير أن الصحابة كان شعارهم في الحرب يا محمد. وفي تاريخ آخر أن بعض المسلمين من التابعين أسرهم الكفار وألقوهم في القدور فنادوا يا محمداه. وأن خبيبا ﵁ لما مثل به الكفار قال يا محمد.
فهذه هي وأشباهها حجة هذا المبطل وشيعته، وهذه التواريخ وأشباها فيها الصدق والكذب وأكثرها يحكى بغير إسناد، ولو كان ما ذكر في هذه التواريخ ونحوها حديثا عن النبي ﷺ بغير سند متصل صحيح لم يحكم به في فلس.
والحكاية الأولى أن هذا كان شعارهم في الحرب، لم يقل أنهم كانوا يستغيثون به في الحرب، ولا أنهم يدعونه، بل قال: هذا [شعارهم في الحرب. فلا شبهة لك فيه لأنهم كانوا يستعملون الشعار في الحرب١ باسم
стр. 139
أو كلمة ليعرف بعضهم بعضا كما روي أن١ شعارهم] في بعض غزواتهم حم لا ينصرون٢ وفي بعضها أمت أمت٣.
وما ذكر عن الذين كانوا في زمن التابعين أنهم قالوا يا محمداه. حكاية بغير إسناد عمن لم يعرف من هم.
وما حكي أن خبيبا قال يامحمد. إن صح فهذا ونحوه يقوله الإنسان توجعا لفراق حبيبه، ولا يشك عاقل أن خبيبا وأشباهه لا يستغيثون بالنبي صلي الله عليه وسلم في تلك الحال وهو لا يسمع كلامهم، كيف وقال لهم ﷺ لما استغاثوا به على رجل عنده في المدينة قال: "إنه لايستغاث بي وإنما يستغاث بالله " ٤ ولكن صاحب الباطل يروج على الناس ويلبس عليهم بكل ما يقدر عليه، ولولا إتباع الهوى ما عارض بحكاية عن أعرابي، أو عن تاريخ لا يعرف غثه من سمينه، مع أنه ليس له فيما يحكيه حجة على باطله ومع ذلك يعارض به نصوص القرآن كقوله تعالى ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٥٦] فإذا كان الملائكة المقربون لايملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا تحويله فنبينا ﷺ كذلك لا يكشف الضر عمن دعاه ولا تحويله، فلو كان يملك شيئا من ذلك لطلب أصحابه الذين هم أعلم الناس بالله وبرسوله وبدينه ذلك منه مع أن عموم هذه الآيات وغيرها تتناوله كغيره، لايشك في هذا عاقل سليم الفطرة فضلا عن العالم المنصف، هذا مع قوله
стр. 140
سبحانه في حق نبينا خاصة ماذكره في كتابه كقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن:٢١] أي لا أقدر على كشف ضر نزل بكم ولا إيصال نفع إليكم، أي لا يملك ذلك إلا الله. فمن زعم أن غير الله يطلب منه فهو مكذب لله وجاعل له شريكا في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
قال المعترض: فدل على أن نداء النبي ﷺ في الشدائد أمر معهود.
يعني الاستغاثة به ﷺ وإنما عبر بالنداء طردا لقوله الباطل المتناقض:
إن طلب المخلوق من المخلوق يسمى نداء لا دعاء. وقد بينا بطلان قوله هذا ومخالفته للكتاب والسنة والإجماع العلماء والنحويين، وأن الدعاء بطلب رفع المكروه أو دفعه يسمى استغاثة كما يسمى دعاء. فلما قال: إن نداء النبي ﷺ في الشدائد أمر معهود يعني أنه يطلب منه ﷺ كشف الشدائد، فهذا حقيقة الاستغاثة، فليسميه المبطل نداء أو طلبا أو توسلا أو تشفعا أو ما شاء من الأسماء، فإن ذلك لا ينفعه ولا يغير الحكم، فهذا الضال يزعم أن الاستغاثة بالنبي ﷺ في الشدائد بعد موته أمر معهود، يعني معروف مشهور معمول به عند الصحابة
والتابعين. فجعل هذا الصحابة والتابعين أشد غلوا في النبي ﷺ من المشركين الأولين في الملائكة والأنبياء والجن والأصنام١، لأن الله سبحانه أخبر في كتابه أن المشركين يخلصون الدعاء لله في حال الشدة وينسون آلهتهم من الملائكة والأنبياء والجن والأصنام قال سبحانه ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] وقال تعالى ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠،٤١] .
стр. 141
وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:٣٣] . ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس:١٢] .
وقول هذا الرجل فيما تقدم: إن الله أمر بالطلب من الأموات والغائبين عام في الأوقات والأحوال والأشخاص، فيا لله لعقول ضلت حين لم يتبين لها ضلال هذا في غالب كلامه وخاصة١ في قوله: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات والغائبين. فكما قدمنا إذا كان الله يحب ذلك لأمره به في زعم هذا الضال فالأولى ملازمة ذلك في الشدة والرخاء [محافظة على ما يحبه الله في جميع الحالات. والموحدون يقولون الواجب على الناس إخلاص الدعاء لله وحده في الرخاء والشدة] ٢،فلا يسأل إلا هو وحده، ولا تطلب الحاجات إلا منه، ولا يرغب إلا إليه وحده. والمشركون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ يخلصون الدعاء لله في الشدة وينسون غيره٣، ونصوص القرآن ناطقة بذلك.
وهذا الملحد يقول: الاستمرار على الطلب من الأموات والغائبين في جميع الحالات أولى، لأن الله يحب ذلك، لأنه من الوسيلة التي أمر الله بها، فالمحافظة على ما يحبه الله أولى من الغفلة عما يحبه . فيا سبحان الله كيف يتلبس أمر هذا على عاقل سليم الفطرة؟!
وما ذكره من قول صفية ألا يا رسول الله كنت رجاءنا. فهذه حال من يبكي شخصا ويرثيه، يخاطبه مخاطبة الحاضر، وتذكر حاله ﷺ معهم لأنه القائم بأمورهم فهو أبوهم خاصة وأبو المؤمنين عامة ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
وقد حمى النبي ﷺ جناب التوحيد أبلغ حماية حتى قال: " لا تجعلوا
стр. 142
قبري عيدا"١. وقال: " لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله ثم شاء محمد" ٢. وقال للذي قال له ما شاء الله وشئت "أجعلتني لله ندا" ٣ فوازن بين قوله لمن قال ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا، وبين قول هذا الضال: إنه يستغاث به في الشدائد. أليس هذا أولى بأن يقال له أجعلتني لله ندا وقد قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾ [النمل:٦٢] . أي: أءله مع الله يفعل هذا؟ والذي يقول إنه يستغاث بالنبي ﷺ في الشدائد بقوله: إن نداء النبي ﷺ في الشدائد أمر معهود، يقول إنه يجيب المضطر ويكشف السوء وإلا كانت الاستغاثة به عبثا باطلا. والمشركون يعترفون بأنه لا ينحي من الشدائد والضرورات إلا الله، ولهذا يخلصون الدعاء لله في هذه الأحوال لعلمهم أنه لا ينجي منها إلا الله قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢] . قال البيضاوي: دعوا الله مخلصين له الدين لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم٤ من الخوف الشديد. وقال أيضا على قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكروا إلا الله ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو سبحانه. انتهى.
وقال النبي ﷺ لحصين بن المنذر: "كم إلها تعبد؟ قال سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء" ٥. ولما أقبل برهة على مكة وهرب أهلها منها خوفا منه
стр. 143
قام عبد المطلب ونفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة، وأخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة ويقول:
يا رب لا أرجو لهم سواك ... يا رب فامنع منهم حماك
إن عدو البيت من عاداك ... فامنعهم أن يخربوا قراك
وإخبار الله سبحانه عنهم بالإخلاص في الكرب والشدائد كاف. فيا سبحان الله!!
هؤلاء المشركون الذين نزل القرآن بتكفيرهم وإباحة دمائهم وأموالهم للمسلمين يعلمون بقلوبهم ويقرون بألسنتهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا الله ويفزعون فيما يهمهم إلى الله وحده ويتركون الوسائط الذين اتخذوهم شفعاء لهم عند الله، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠،٤١] . وهذا الرجل الذي يسمى عالما يقول: إنه يطلب من النبي ﷺ كشف الشدائد وإنه يكشفها. فلولا أنه يقول إنه يكشفها لم يجوز طلب كشفها منه؟ وكان طلب ذلك منه عناء بلا فائدة.
ثم زعم أن الاستغاثة به ﷺ في الشدائد أمر مشهور معمول به عند الصحابة والتابعين. فنسب إلى خير القرون ما هم أبعد الناس عنه، ويكفي في إبطال شبهه كلها قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ وهذا في حال حياته ﷺ فكيف الحال بعد الموت؟
وهو أيضا لم يقتصر على النبي ﷺ كما قرر في أوراقه هذه أن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات وأنهم أحياء في قبورهم، مع ما ضم إلى ذلك من دعواه إثبات التصرف المطلق للنبي وغيره في يوم القيامة، ودعواه علم الغيب للنبي ﷺ ، وما تضمنه كلامه من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى
стр. 144
العلماء كما بيننا بعض ذلك فيما تقدم، وكذا ما في كلامه من التناقض والمعارضة الصريحة لكلام الله ورسوله، ثم العجب ممن تلقى كلامه بالقبول ولا رأوا بعض ما فيه من الفضائح التي ينكرها العامي سليم الفطرة، ولكن الأمر كما قيل باطل وافق هوى، والهوى يعمي ويصم. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
ولنختم هذا الجواب بتلخيص فصل من "إغاثة اللهفان" لشمس الدين ابن القيم - رحمه الله تعالى - قال بعد كلام سبق: ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به وما نهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها!!
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها مساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله!! ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها!! ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ويجتمعون أياما كاجتماعهم للعيد أو أكثر!! وأمر بتسويتها كما روي مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال قال علي بن أبي طالب ﵁ "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ١. وفي صحيحه عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برذوذس، فتوفي صاحب لنا. فأمر فضالة بقبره فسوي. ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها٢. وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب!! ونهى عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه، ونهى عن
стр. 145
الكتابة عليها كما روى أبو داود في سننه عن جابر أنه ﷺ "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها" ١. قال الترمذي حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره!! ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن رسول الله ﷺ "نهى أن يجصص القبر ويكتب عليه أو يزاد عليه" ٢ وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص.
إلى أن قال: فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه.
ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العد عن حصره.
فمنها تعظيم الموقع في افتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور عليها وسدانتها٣، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد والويل عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.
ومنها النذر لها ولسدنتها.
ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء ويستنزل غيث السماء وتفرج الكربات وتقضى الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف إلى غير ذلك.
ومنها الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج.
ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.