← Акыда

Акыда · id 11079

تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس

عبد الله أبا بطين

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هو يقول إنه طاعة؛ لأن الله -في زعمه- أمر به. ويقول إذا قلتم إن الطلب عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات وهذه شبهة ربما تدخل في نفوس كثير من الناس. فيقال أولا ذو الفطرة السليمة وإن كان جاهلا يفرق بين الطلب من الحي الحاضر مما في يده وبين الطلب من الميت والغائب ولا يسوي بين الحي والميت إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة التي فطره الله عليها أو إنسان أعماه الهوى والتقليد، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٢] . معنى ذلك: أنه لايستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الحي والميت، [شبه المسلم بالحي والميت بالكافر] ١ فلما كان معلوما من المخاطبين أن الحي والميت لا يستويان يقول سبحانه فكذلك المؤمن والكافر، فمن سوى بين الحي والميت بقوله يطلب من الميت ما يطلب من الحي فقد سوى بين ما فرق الله والناس بينهما، حتى المجانين يفرقون بين الحي والميت، فلو قصد مجنون بيت إنسان ليطعمه فوجده ميتا وأهله عنده لعدل إلى الطلب من أهله الأحياء الحاضرين عنده ولم يلتفت إلى الميت. ومما يوضح بطلان هذه الشبهة أن الله سبحانه أمر عباده بالاستعاذة به كما في المعوذتين ومواضع من القرآن معلومة، وكذلك في السنة عن النبي ﷺ من ذلك كثير، وفعل العبد ما أمره به ربه أمر إيجاب أواستحباب عبادة له بإجماع العلماء، فإذا امتثل العبد أمر ربه فاستعاذ به أو بصفاته فقد عبده، والإستعاذة نوع من الدعاء لأن المستعيذ يلتجئ إلى الله ليدفع عنه ما يحذر وصوله إليه مما يكره أو ليرفع ما قد وصل إليه من ذلك، كما في الحديث "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" ٢ وهذا حقيقة الدعاء.

стр. 72

فلما كان مستقرا عند العلماء أن الاستعاذة بالله عبادة له قالوا لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، فلما كان هذا الأصل مستقرا عندهم استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق لأنه ثبت عن النبي ﷺ الاستعاذة بكلمات الله التامات فعلا منه وقولا، وهذا من حجة أهل السنة على الجهمية القائلين بخلق القرآن - يقولون - لو كان القرآن مخلوقا امتنعت الاستعاذة به، فعلى ما ذكرنا أن الاستعاذة نوع من الدعاء كما قرره شيخ الإسلام تقي الدين، وهو واضح، فالعلماء القائلون بامتناع الاستعاذة بالمخلوق يقولون لا يجوز دعاء المخلوق، لأن الاستعاذة دعاء حقيقة، لأن المستعيذ بربه يطلب منه دفع مكروه أو رفعه وهذا حقيقة الدعاء. قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها نوع من الدعاء، وهي ألفاظ متقاربة، وسمى النبي ﷺ الاستعاذة دعاء، كما في السنن أن رجلا قال يا رسول الله علمني دعاء أدعوا به قال: "قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي" ١. وقال أبو هريرة: "كان رسول الله ﷺ يدعوا فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة" ٢، رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي السنن عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "كان يدعوا بهؤلاء الكلمات:

стр. 73

اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، ومن شر الغنى والفقر" ١، وفي صحيح مسلم: "كان من دعاء النبي ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك"٢. والمقصود من إيراد هذه الأحاديث بيان أن الاستعاذة تسمى دعاء في كلام النبي ﷺ وأصحابه. فلما قال العلماء إن الاستعاذة لا تجوز بمخلوق بل هي مختصة بالله سبحانه لأنها دعاء فهكذا سائر أنواع الدعاء، إذا تقرر هذا فمن المعلوم بالضرورة أنه لو خاف إنسان من عدو له فالتجأ إلى حي حاضر ليجيره من عدوه لم يكن بهذا بأس عند جميع المسلمين، وليس بداخل تحت قول العلماء إن الاستعاذة لا تجوز بمخلوق، فهذا شيء واحد اختلف حكمه باختلاف متعلقه، فبالنسبة للحي الحاضر جائز وبالنسبة لغيره ممتنع، فكذلك دعاء غير الله بطلب قضاء الحاجات لا يجوز لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] . ولا يدخل في هذا النهي طلب الإنسان حاجة من حي حاضر مما يدخل تحت قدرة البشر. ويقال أيضا لهذا المساوي بين الحي والميت لو أعطى إنسان آخر مالا وقال أودعه عند ثقة، فذهب به الوكيل وأودعه عند قبر رجل صالح كالشيخ عبد القادر وقال هذا وديعة عندك لفلان واستحفظه إياه فضاع لعده الناس مجنونا جنونا لا يرفع التكليف وألزموه بالضمان، ويلزم هذا الذي ساوى بين الحي والميت أن يقول هو مصيب فيما فعله ولا ضمان عليه، وربما أنه لا يلتزم هذا خوفا من الفضيحة عند الناس وحينئذ يقول له

стр. 74

الوكيل في الإيداع أنا ما فرطت على مذهبك في التسوية بين الحي والميت، لأنك تقول ما جاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت، وأنا طلبت من الشيخ عبد القادر حفظ هذه الوديعة وهي حاجتي عنده، وأنت تجوز طلب الحاجات من الأموات فكيف تخطئني؟ ومما يوضح بطلان شبهته ما لو خرج شخصان من بيتهما وقصد أحدهما رجلا حيا غنيا وقال أشكو إليك الجوع، وقصد الآخر هبل وقال: يا هبل أشكو إليك الجوع، هل يستوي الشخصان عند جاهل فضلا عن العالم؟! فهذا شيء واحد يختلف حكمه باختلاف النسبة، فالنسبة إلى هبل شرك وبالنسبة إلى الرجل الحي الحاضر الغني جائز، لا يتوقف في هذا عاقل، وعلى مذهب هذا الضال في قوله إن الطلب من المخلوق لا يسمى دعاء بل نداء فلا يضر عنده نداء الطالب من هبل ونحوه؛ لأنه يقول إنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها، فصريح كلامه أنه لو استغاث بالعزى أو مناة أو اللات ونحوها أن ذلك لا يضر، لأنه ليس بعبادة عنده ما لم يسم من دعاه أو استغاث به ربا وإلها. ومن الفرق بين الحي والميت أن الاستغاثة بالحي إنما تكون في الأسباب الظاهرة [العادية من الأمور الحسية في قتال أو ادراك عدو ونحو ذلك] ١، بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الميت فحركته منقطعة، وإنما يزعم الذين يدعونهم أن نفعهم بالقوة والتأثير الذي يسميه بعضهم السر، ولا يشك عاقل في انقطاع الحركة من الميت المعهودة من الحي. فإن قيل هذه الأوثان المعروفة للمشركين جماد كاللات ومناة والعزى والمقبور إنسان فما الجامع بينهما. قلنا نصوص القرآن في النهي عن دعوة غير الله عامة في كل من دعا من

стр. 75

دون الله ما لايضر ولا ينفع قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨] . وقال: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٧١] . وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] . قال البيضاوي على هذه الآية: هذا إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا عن أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم وهم عن دعائهم غافلون، لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٣، ١٤] . والذم إنما توجه إلى من دعا من هذه صفته سواء كان بشرا أو ملكا أو صنما وهو من لا ينفع من دعاه ولا يضر من لم يدعه، ومن دعا من لا يسمع دعاءه أو ولو سمعه ما استجاب له لاستحالة الإجابة منه، وهذه صفة الميت. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٧] . وهذه أيضا صفة الميت، ومن المعلوم أن المشركين يعبدون الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والجن، ويعبدون اللات وهو رجل صالح في قول ابن عباس ومجاهد، ويعبدون الأصنام المصورة في زعمهم على صورة من يقصدونه كفعل قوم نوح في تصويرهم على صور الذين ذكرهم الله في سورة نوح. قال تعالى فيمن يعبد الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] . وقال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] . إلى أن قال: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] . فهذا صريح في أنهم يعبدون الملائكة، وما قاله

стр. 76

الصحابة والتابعون في سورة بني إسرائيل، والمراد بذلك بيان بطلان ما لو قال جاهل إنهم إنما يعبدون الأصنام فقط. وقال ابن القيم بعد كلام سبق: ومن ها هنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورتها، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على صورته وشكله وهيأته ليكون نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده، ومن أسباب عبادتها أيضا أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون الشياطين. انتهى. والمقصود بيان أن عباد الأصنام إنما قصدوا عبادة من صوروا الصنم على صورته من ملك أو نبي أو صالح أو كوكب، فكل ما في القرآن من النهي عن دعاء غير الله والإنكار على من دعا غيره يتناول كل معبود للمشركين من نبي وملك وبشر حي أو ميت أو صنم، يوضح ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صحت دعواكم، فلا يملكون كشف الضر عنكم١ ولاتحويلا، أي لا يملكون كشف الضر بالكلية ولا تحويله من موضع إلى غيره ولا تغيير صفته. وقد قال المفسرون من الصحابة والتابعين إن هذه الآية نزلت فيمن يعبد الملائكة وعيسى وأمه وعزيرا وفيمن يعبد الجن، وهؤلاء غائبون أحياء وفيهم من هو ميت. فكل من دعا ميتا أو غائبا تناولته الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] . وأما الطلب من الحي الحاضر مما يدخل تحت قدرة البشر فليس مرادا بالنهي ولا يمنع منه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ

стр. 77

عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] . وقال: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢] . وقال الصحابة: "قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المناف" ١ وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فمن ساوى بين الأحياء والأموات في ذلك بقوله ماجاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت فقد جمع بين ما فرق الله بينه وضل ضلالا بعيدا. ويقال لهذا المساوي بين الأحياء والأموات: من المعلوم أن أهل الدنيا يستقضون حوائجهم بعضهم من بعض برهم وفاجرهم مسلمهم وكافرهم، وقد استعار النبي ﷺ أدراعا من صفوان بن أمية وهو مشرك، واستعان في بعض غزواته بأناس من المشركين، وما زال المسلمون يستقضون حوائجهم من المسلم والذمي والبر والفاجر، فيلزم المساوى بين الأحياء والأموات أن يساوي بين أموات المذكورين كما كانوا في الدنيا كذلك. فإن قال: طلب الحاجات مختص بموتى الصالحين فلا يجوز طلبها من موتى الكفار والفساق. قيل له: نقضت أصلك حيث فرقت بين أحياء هؤلاء وأمواتهم. فإن قال: موتى الصالحين أحياء في قبورهم كما زعم، فهو كاذب في ذلك لم يرد في ذلك حديث إلا ما أخبر الله عن حياة الشهداء، مع أن حياتهم لا تدرك بالحس ولا بالعقل فالله سبحانه أعلم بحقيقتها، وأما سوى الشهداء غير الأنبياء فلم يأت خبر عن الرسول أنهم أحياء في قبورهم، وإنما هو افتراء وكذب من هذا الضال. فإن قال: إن صالحي الأموات ينعمون في البرزخ. قيل له: وضدهم يعذبون فيدركون العذاب كما يدرك الصالح النعيم، وهذا إدراك وإحساس لا يعلم حقيقته إلا الله.

стр. 78

والحاصل أن من سوى بين الحي والميت في أستقضاء الحوائج فقد ضل في عقله ودينه، ونصوص القرآن كثيرة في إبطال هذا القول. والله سبحانه جعل أهل الدنيا فيها وخولهم ما ملكهم فيها، ولا يتم أمرهم إلا بمعاونة بعضهم بعضا ولم يحجر عليهم سبحانه التعاون والتناصر فيما لا يسخطه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. يوضح ذلك أن دعاء الإنسان للمسلمين واستغفارهم لهم وقضاء حوائجهم ومعاونتهم عليها من الأعمال الصالحة المرغب فيها، فلو كان هذا يحصل من الميت لم يكن عمله قد انقطع. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أوعلم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعوا له﴾ ١. فدل على هذه الأشياء التي يطلبها المشركون من الأموات من قضاء حوائجهم أو الدعاء لهم ونحو ذلك التي هي أعمال صالحة من الحي قد استحال وجودها من الميت فطلبها منه طلب مستحيل لعجزه حسا، فلا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولاموتا ولا حياة ولا نشورا فهو داخل تحت قوله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] ٍ. ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦] . والنبي ﷺ فرق بين الحي والميت في الحديث المتقدم آنفا، كما فرق الله بينهما في مثل قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ وجميع العقلاء بل مجانين كما قدمنا يفرقون بين الحي والميت، فالميت لا يستجيب لداعيه ولا يسمع دعاءه، ولو فرض سماعه فهو عاجز لا ينفع من دعاه كداعي الجمادات قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾

стр. 79

[فاطر:١٣،١٤] . فالمتصف بعدم سماع الدعاء وعدم الاستجابة أو المتصف بأحدهما ممتنع دعاءه شرعا وعقلا تتناوله هذه الآيات ونحوها من آي القرآن. فإن قيل: وردت الآثار بسماع الميت. قلنا: لم تدل على أنه يسمع كل كلام. قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: وردت الآثار بأن الميت يسمع لكن لا تدل على أنه يسمع كل كلام، قال ابن عبد البر: صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه حتى يرد ﵇" ١. فهذا وغيره يدل على أن روح الميت ليست دائما في قبره، وأن لها اتصالا به لا يعلم حقيقته إلا الله، واعتبر هذا بسرعة نزول الملك وروح النائم وشعاع الشمس ونحوه. وقد أخبر النبي ﷺ عن صفة حياة الشهداء بما في صحيح مسلم عن ابن مسعود لما سئل عن ذلك فقال: إنا سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل"٢ الحديث. ففسر حياتهم بذلك. وثبت في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"٣. ورواه الترمذي وصححه. فهذا يدل على أن روح

стр. 80

المؤمن في الجنة، وتدل الآثار على أن لها اتصالا به في القبر لا يعلم حقيقته إلا الله، قوله "يعلق" روي بفتح اللام وضمها، والمعنى واحد وهو الأكل والرعي، يقول يأكل من ثمار الجنة ويرعى ويسرح بين أشجارها. وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله١. وإنما المقصود هنا بيان بطلان قوله في تسويته بين الحي والميت، وتجويزه الطلب من الميت ما يطلب من الحي، وأن ذلك لا يسمى دعاء، - قال- وإنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها. وقد بينا فيما تقدم بطلان قوله إن ذلك لا يسمى دعاء، وأما كونه يسمى عبادة فقد تقدم ما يدل على ذلك وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. ومما يوضح ذلك معرفة حد العبادة في الشرع وأنها كل ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة. وبعض العلماء يقول العبادة هي الطاعة، فيتناول فعل المأمور وترك المحظور، ومما أمر الله به سبحانه دعاؤه وسؤاله قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] . إلى قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي

стр. 81

أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٩٠] . وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة ١٨٦] . وقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢] . وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] . أي لا عند غيره لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص عند البيانيين، وفي حديث نزول الرب إلى السماء الدنيا: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له"١ وفي السنة من ذلك ما لا يحصى. فإذا امتثل العبد أمر ربه فدعاه مخلصا صار ذلك عبادة منه لربه، فإذا دعا غيره فقد عبد ذلك الغير. وفي السنن عن النبي ﷺ "الدعاء هو العبادة"٢. وفي الحديث الآخر: "الدعاء مخ العبادة" ٣. فسمى النبي ﷺ الدعاء عبادة، فالدعاء في نفسه عبادة فكل مدعو معبود، وما أدري ما يقول هذا الرجل في دعاء العبد ربه واستغاثته به هل هو عبادة أم لا. فإن قال ليس بعبادة فهذا مكابرة يعرفه كل عاقل، ومخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وإن أقر أنه عبادة من العبد لربه، قيل له هل تجد شيئا

стр. 82

واحدا يكون بالنسبة إلى الله عبادة، وغير عبادة بالنسبة إلى غيره؟ فيظهر حينئذ بطلان شبهته التي اعتمدها في قوله إنه لا يوجد شرعا ولا عرفا. وهذا الرجل لما قرر أن الطلب من الأموات والغائبين والاستغاثة بهم جائز، بل يقول هو قربة١ كما يأتي في احتجاجه بالآية. ثم قال وإنما الدعاء الذي هو عبادة [فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها فحصر الدعاء الذي هو عبادة] ٢ في تسمية المدعو ربا وإلها لأنه يقول إن مجرد الطلب لا يضر مقتضى اطلاقه، وإن كان المطلوب منه صنما أو شجرا أو حجرا، وإن طلب منه مغفرة الذنوب وهداية القلوب وإنزال الغيث وشفاء المرضى، فإن هذا لا يضر عنده إذ لم يسمه أو يعتقده ربا وإلها. وهذا الرجل لما اجتمع بي قبل تسويده هذا بنحو ثمان سنين ومعه ورقة نقل فيها عبارات لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يشبه بها على بعض الناس، فأحضرته وبحثته وإذا هو في هذا الأصل العظيم جاهل جهلا مركبا ومعاند، وإحدى العلتين في المرء تهلكه. وقلت له أخبرني ما حقيقة هذا الشرك الذي لا يغفر، وصاحبه مخلد في النار. فقال: الشرك: السجود لغير الله لا غير. فأوردت عليه بعض الأدلة فبهت وأحب قطع الكلام بالموافقة ظاهرا، وكتبت على ورقته التي معه أوراقا سماها بعض الطلبة ﴿بالانتصار﴾ ٣ وما زال من ذلك الوقت يدأب ويبحث في تحصيل ما جمعه في هذه الأوراق التي اطلعنا عليها. وقوله: إن أجهل المسلمين لا يسمي غير الله ربا وإلها ولا يقصد ذلك.

стр. 83

فيقال: التسمية لا حكم لها، ولا تتغير حقيقة الشيء بتغير الاسم كما جاء عنه ﷺ : "أنه يأتي ناس من أمتي يسمون الخمر بغير اسمها"١ وكذا من سمى الزنا نكاحا، فالتسمية لا تزيل الاسم ولا الحكم؛ ومن عامل معاملة ربوية فهو مرابي وإن لم يسمه ربا، فكذا من ارتكب شيئا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمى ذلك توسلا وتشفعا ونحوه. والشيطان لما علم أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألها أخرجه في قالب آخر تقبله النفوس، ومما يفضح هذا في قوله إن طلب المخلوق من المخلوق لا يسمى دعاء بل هو نداء، وإنما الدعاء الذي هو عبادة فهو اتخاذ غير الله ربا وإلها. فعلى قوله أن من نادى إبليس وطلب منه قضاء حاجاته وكشف كرباته مع كونه لا يسميه ربا ولا إلها، بل يقول أنا أبغضه ولكن أطلب منه حوائجي وأستنصر به على عدوي لأنه يقوي على ما لا يقوي عليه البشر، ولا يضرني ذلك على مذهب الشيخ داود، لأني لا أسمي الشيطان ربا ولا إلها ولا أعتقد ذلك فيه [فعلى مذهبه الباطل أن هذا جائز] ٢. يحقق ذلك أن كل أحد يعترف بأن عبادة غير الله شرك. وقد قدمنا تعريف العبادة فمن جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك وإن كان لا يظنه شركا ولا تألها وسماها بأي اسم شاء. فالمشرك مشرك شاء أم أبى، كما أن المرابي مراب شاء أم أبى. يوضح ذلك أن من أطاع مخلوقا في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربا وإلها من دون الله، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ

стр. 84

وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١] . وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما أن عدي بن حاتم قدم على النبي ﷺ وكان قد تنصر في الجاهلية فسمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية فقال للنبي ﷺ إنهم لم يعبدوهم فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"١. وقال ابن عباس وحذيفة بن اليمان في تفسير هذه الآية: إنهم اتبعوهم فيما حللوا. وقال الربيع بن أنس قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية [في بني اسرائيل؟ قال: كانت الربوبية] ٢ أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم. فاستنصحوا٣ الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم٤. وقال أبو البحتري: أما أنهم لم يصلو لهم ولو أمروهم أن يعبدوهم ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. انتهى. فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسموا أحبارهم ورهبانهم أربا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم ولهذا قال عدي إنهم لم يعبدوهم، وحكم الشيء تابع لحقيقته لا لاسمه ولا لاعتقاد فاعله، فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم لهم في ذلك ليس بعبادة لهم فلم يكن ذلك عذرا لهم ولا مزيلا لاسم فعلهم ولا لحقيقته وحكمه

стр. 85

فكذلك ما يفعله عباد القبور في سؤالهم من المقبورين قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يظنونه عبادة. ويوضح ذلك أيضا ما روى الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع الرسول ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتتبعن سنن من كان قبلكم"١، فهؤلاء لقرب عهدهم بالكفر ما كانوا يظنون أن الذي طلبوه من التأله لغير الله لأنهم يقولون لا إله إلا الله ويعرفون معناها، وخفي عليهم أن ذلك الذي طلبوه مما تنفيه لا إله إلا الله، فلم يكن ظنهم مغيرا لحقيقة هذا الأمر وحكمه. ومن له معرفة بما بعث الله به رسوله علم أن ما يفعل عند القبور من دعاء أصحابها والاستغاثة بهم والذبح والنذر لهم أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأقبح من الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال ابن القيم ﵀: فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عليها اتخاذ إله مع الله مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعائه والدعاء عنده، فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون؟! وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ

стр. 86

كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * إلى قوله مسلمون﴾ [آل عمران:٣] روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس قال قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت اليهود والنصارى من أهل نجران عند النبي ﷺ ودعاهم إلى الإسلام أتريد يا محمد منا أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو تريد منا ذلك يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ -إلى قوله- مسلمون﴾ ١. فبين أن من عبد الملائكة والنبيين فقد اتخذهم أربابا من دون الله، وأنه يكفر بذلك وإن لم يعتقده ربوبية أولم يسمه ربا، وأن من أمر بعبادتهم فقد أمر باتخاذهم أربابا من دون الله فكيف بمن هو دونهم، وهذا الذي يقول أن الله أمر عباده المؤمنين أن يطلبوا حوائجهم من الأموات والغائبين!! ويقول بجواز الذبح والنذر لهم٢، وغير ذلك من أنواع العبادات غير السجود لهم!! لأنه حين كلمته قال إن الممنوع منه السجود للميت فقط. فحقيقة قوله إن الله سبحانه أمر عباده أن يتخذوا أهل القبور أربابا من دون الله، وإن من تبرأ من ذلك فهو حقيقة دعواه. قوله: والدليل على أن النداء والطلب من الأموات والغائبين ليس بعبادة، بل هو مأمور به شرعا آيات وأحاديث وآثار-قال- الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] . فالعجب من هذا الملحد لم يقتصر على الجواز، بل ادعى أن الله أمر

стр. 87

عباده المؤمنين بذلك، ولعله يري أن الأمر فيما فهمه من الآية للوجوب، لأن الأصل في الأمر الوجوب ما لم يوجد دليل يصرفه إلى الاستحباب، وبكل حال فهو يقول إن الله أمر عباده المؤمنين أن يفزعوا إلى الأموات في قضاء مآربهم وكشف شدائدهم سواء قال إن الأمر للإيجاب أو للإستحباب، ومقتضى كلامه العموم في جميع الأموات صالحهم وطالحهم!! ما أجرأ هذا على الكذب على الله والإلحاد في آيات الله بوضعها١ على غير ما أراد الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] . قال ابن عباس ﴿يلحدون في آياتنا﴾ يضعون الكلام على غير موضعه. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤] . فعلى قول هذا إن الله يحب من عباده أن يطلبوا حوائجهم من الأموات والغائبين، وأنه ينبغي الإكثار من ذلك والإلحاح في الطلب منهم لأن الله يحب الملحين في الدعاء، ويقتضي أيضا أن يستكثر الإنسان من المدعوين المطلوبين ويعلق قلبه ورجاءه بالكثير منهم بحيث يقول لو لم يجبني بعض أجابني آخرون، فيصير الإستكثار أوثق عنده وأحب إلى الله٢ في زعم هذا الضال الباطل فيا سبحان الله!! أءرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟!. وظاهر كلامه في إطلاقه أنه يطلب من الأموات والغائبين كل شيء. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من جوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد فكفره شر من كفر عباد الأصنام فإنهم لا يطلبون منها كل ما يطلب من الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠،٤١]

стр. 88

فبين سبحانه أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يطلبون إلا الله في كشف الشدائد وجلب الفوائد. وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] . قال وقد وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة وغيرهم. انتهى. وافتراء هذا الرجل على الله أعظم من افتراء الذين أخبر الله عنهم بقوله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] نزلت هذه الآية في الذين يطوفون بالبيت عراة اتبعوا في ذلك آباءهم، ويزعمون أنه مستند إلى الله، فقال تعالى مكذبا لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨] . وهذا يقول: إن الله أمر بدعاء الأموات والغائبين ووجدنا الناس على هذا غيركم. وهذا الأمر الذي ادعى أن الله أمر به، مما بعث الله الرسل من أولهم إلى آخرهم ينهون عنه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي﴾ [الأنبياء:٢٥] . والآيات في هذا كثيرة معلومة. والدعاء من أجل العبادات كما في الحديث المرفوع: "الدعاء مخ العبادة "١ قالو: معناه خالص العبادة، لأن الداعي إنما يدعوا عند انقطاع أمله مما سوى الله وهذا حقيقة التوحيد والإخلاص. وفي الحديث الآخر "إن الدعاء هو العبادة" ٢ وفي الحديث الآخر "إن الله يحب الملحين في الدعاء" ٣ وفي حديث آخر " من لم يسأل الله يغضب

стр. 89

عليه"١ وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "ينزل ربيا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فاستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" ٢. فذكر أولا لفظ الدعاء ثم السؤال ثم الاستغفار، والمستغفر سائل كما أن السائل داع. فطف السؤال والاستغفار على الدعاء من عطف الخاص على العام الذي يتناولهما وغيرهما قاله شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى. والله سبحانه أمر بدعائه في كتابه في مواضع، والنبي ﷺ كان يكثر من دعاء الله واستغفاره وأمر بذلك في أحاديث كثيرة. وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال ابن عباس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة: يأمركم ربكم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أموركم كلها. وتقديم المعمول في الكلمتين يفيد الحصر والاختصاص عند البيانيين وجميع المفسرين والقاري٣ لما ذكر الحقيق بالحمد وصفه بصفات عظام يتميز بها عن سائر المخلوقين. وتعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، خوطب الموصوف بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد، وإياك نستعين لا غيرك. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وسر الخلق والأمر والكتب والشرائع والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى قيل أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع

стр. 90

معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين فنصفها له وهو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونصفها للعبد وهو ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتهى. فالله سبحانه فرض على العباد أن يعبدوه وحده، وأن يستعينوا به وحده، وهذا الملحد المفتري على الله الكذب يقول إن الله يأمركم أن تستعينوا بالأموات والغائبين وترغبوا إليهم في مهماتكم!! ما أعظم هذه المحادة لله وقد قال تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي ارغب إليه لا إلى غيره، وقال النبي ﷺ : "إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" ١. وقد قررنا فيما تقدم تعريف العبادة وأن كل ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة، فإذا دعوت الله فقد عبدته، فإذا دعوت غيره من ميت أو غائب أو حجر أو شجر فقد عبدت ذلك الغير، فإذا سجدت لله فقد عبدته، [فإذا سجدت لغيره صرت عابدا لذلك الغير، فإذا ذبحت لله فقد عبدته] ٢، فإذا ذبحت لغيره صرت عابدا له، وهكذا سائر العبادات، هذا مع أن نصوص القرآن في النهي عن دعاء غير الله وذم من فعل ذلك والإنكار عليه أكثر من النهي عن خاصية السجود لغيره كما هو معلوم عند الخاصية والعامة. قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀ في الكلام على دعوة ذي النون: لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، وفسر قوله سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بهذا وهذا٣. وقال ابن القيم في بدائع الفوائد بعد آيات ذكرها: وهذا في القرآن

стр. 91

كثير يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى رجاء وخوفا دعاء عباده، فاعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة -إلى أن قال- وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما ولا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. انتهى. فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] . فهذا يتناول نوعي الدعاء ثم قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤] . فهذا صريح في دعاء المسألة ولهذا قال ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤] . ومن لا يسمع دعاء من دعاه ليس بأهل لأن يدعى، ومن لا يستجيب له لو سمعه لا يستحق أن يدعى، وهذه حال الميت لا يسمع دعاء من دعاه، ولو فرض أنه يسمعه لم يستجب له لعجزه فقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] . إن الآيتين تتناولان كل من يدعوه المشركون من دون الله. ومعلوم أنهم يدعون الملائكة١ والمسيح وأمه وعزيرا والجن واللات وغيرهم، وبعض من يدعونه ميت يدخل في العموم. فإن قيل إن الميت يسمع. قلنا كما تقدم إنه لم يثبت أنه يسمع كل كلام، فقوله ﷺ : "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" ٢. وكذلك الحديث الذي تقدم "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه

стр. 92

السلام" ١. يدل على أن رد الروح يحصل حين السلام. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء ٥٦-٥٧] . قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية لما ذكر أن السلف من ذكر أن المراد بهم الملائكة، ومنهم من ذكر معهم الإنس كالمسيح وأمه وعزير، ومنهم من ذكر أنهم من الجن قال: إن السلف يذكرون جنس المراد من الآية على التمثيل كما يقول الترجمان لمن سأله عن لفظ الخبز فيريد رغيفا، والآية هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن، ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع ومن حال إلى حال كتغير صفته أو قدره، ولهذا قال ولا تحويلا، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] . كان أحدهم إذا نزل واديا قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه. فقالت الجن: الإنس تستعيذ بنا. فازدادوا رهقا. قد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا ما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق لما ثبت عنه ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، فإذا كان لا يجوز ذلك فأن لا يجوز٢ أن يقال أنت خير معاذ يستعاذ به أولى. فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب وهي ألفاظ متقاربة انتهى.

стр. 93

وقد قدمنا بعض الأحاديث التي فيها تسمية الاستعاذة دعاء ولهذا كان الأئمة المصنفون يدخلون أحاديث الاستعاذة١ في أثناء كتاب الدعوات كصاحبي الصحيحين وغيرهما، لأن الاستعاذة عندهم دعاء حقيقة وهذا ظاهر، فقول الإنسان أعوذ بفلان من كذا أو أسأله أن يدفع عني أو يرفع عني كذا فهو في الحالتين سائل طالب داع، فانظر إلى قوله ﵀ فكل من دعا ميتا أو غائبا تناولته هذه الآية، وهو ظاهر لأن هؤلاء غائبون كالملائكة والمسيح، وغائب الملائكة أقرب من غائب البشر ويقدرون على ما لا يقدر عليه البشر وهم يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، وممن أريد بالآية من هو ميت كمريم وعزير ومن المعلوم يقينا أن أموات البشر وغائبهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا تحويله من حال إلى حال، فالآية تناولتهم قطعا، فيقال لداعيهم أدعوهم٢ فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. وقال ابن القيم في المدارج: ومن أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا لمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة واستقصاء الحوائج والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، وسموا قصدها حجا، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم وعيبهم

стр. 94

ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء أعداء الرسل وأهل التوحيد في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم، وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيد الله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده، فجرد حبه وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله، إذا سأل سأل الله وإذا استعان استعان بالله وإذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله. وقال في موضع آخر: وهكذا قول عباد المسيح للنبي ﷺ لما قال لهم إن المسيح عبد، قالوا تنقصت المسيح وعبته. وهكذا أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله قالوا تنقضت أصحابها، فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به، ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وقد قطع الله سبحانه في كتابه الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، فقال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾ [سبأ:٢٢،٢٣] . فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع. والنفع١ لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الخصال الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا، فإن لم يكن شريكا كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا متنقلا من الأعلى إلى ما

стр. 95

دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه، وكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواده١، لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك٢، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁ إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الإنسان بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان. هذا كلامه ﵀ في زمانه فكيف لو أدرك هذا الزمان فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال ابن القيم أيضا: قال شيخنا وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس –قال- وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه

стр. 96

فيتمثل له الشيطان أحيانا وقد يخاطبه ببعض الأمور الغائبة، وكذا السجود للقبر والتمسح به وتقبيله. المرتبة الثانية: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة باتفاقالمسلمين. الثالثة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثيرا١ من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم قبر فلان الترياق المجرب. والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر. انتهى. قال ابن القيم: ورأيت لأبي الوفاء ابن عقيل في ذلك فصلا حسنا فذكرته بلفظه قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها٢ تحت أمر غيرهم - قال - وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، إقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى المقصود منه. وقال شيخ الإسلام وقد سئل عن رجلين تنازعا، فقال أحدهما لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك. فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: إن أراد بذلك أنه لابد لنا من واسطة

стр. 97

تبلغنا أمر الله فهذا حق فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما يأمر به وما ينهى عنه إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] . ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه١ ذلك ويرجعون إليه فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ودفع المضار. فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين -إلى أن قال- فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين يكونون٢ بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا٣ منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق

стр. 98

وجعلوا لله أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان الذين كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله. انتهى ملخصا. وقال شيخ الإسلام ﵀ في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج قال: فإذا كان في زمن النبي ﷺ من قد مرق من الإسلام مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا، وذلك بأمور منها: الغلو الذي ذمه الله، كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني أو أجبرني أو توكلت عليك أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وألا قتل، فإن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يجعل معه إله آخر. والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة والمسيح وعزير والصالحين أو صورهم لم يكونوا يقولون إنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استعانة. انتهى. ونصوص القرآن كثيرة مصرحة بأن المشركين في الشدائد ينسون آلهتهم من الملائكة والبشر وغيرهم ويخلصون الدعاء لله وحده كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠،٤١] وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر:٨] .الآية. وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] . والآيات في ذلك كثيرة معلومة. فالله سبحانه رضي إخلاصهم في هذه الأحوال.

стр. 99

ومقتضى قول هذا المفتري أن الله سبحانه أمر بالطلب من الأموات وغيرهم، وأن الله يحبه ويرضاه، وأن يكون عدم إخلاص هؤلاء المشركين في الشدائد أصوب، وأن الأولى بهم الاستمرار على الطلب من الملائكة والمسيح وعزير وغيرهم، لأن ذلك من الوسيلة التي أمر الله بها في زعم هذا الضال. وكفى بهذا فضيحة له. ومما يزيد مما قررناه وضوحا أن الله سبحانه سمى الدعاء في كتابه دينا قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] وقال: ٠ ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢] . وقال: ﴿حتى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس ٢٢] . والمراد بالدين في هذه الآيات الدعاء عند جميع المفسرين، وهو ظاهر مفسر في مثل قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٦٧] . وفي قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام ٤٠٤١] . وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام ٦٣] . أي سرا وعلانية. ﴿لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ [الأنعام:٦٣] . أي يقولون لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. وذكر سبحانه الدين في هذه الآيات معرفا بالألف واللام وهو الدعاء. وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] . وقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥] .وقال: ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢،٣] . وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١] . فلما سمى الله سبحانه الدعاء دينا وأمر بإخلاص الدين له وضد الإخلاص الشرك، ومن جملة الدين الدعاء، فمن جعل شيئا من الدين لغير الله فقد

стр. 100

أشرك. وقد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] . أي وحتى يكون الدين كله لله، فمتى كان شيء من الدين لغير الله فالعصمة منتفية، ومن أنواع الدين الدعاء بنص القرآن. فإن قيل ما معنى الوسيلة في قول الله سبحانه: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] . قيل: المراد بالوسيلة التقرب إليه سبحانه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. قال البغوي: الوسيلة القربة. وقال البيضاوي: أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى لديه من فعل الطاعات وترك المعاصي. وقال ابن كثير: المعنى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه –قال- وهذا إجماع من المفسرين وكذا قوله في الآية الأخرى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧] . [قال البغوي الوسيلة القربة وقيل الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله. وقال البيضاوي: يبتغون إلى ربهم الوسيلة] ١ بالطاعة. أي هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القربة بالطاعة أيهم اقرب بدل من واو يبتغون أي يبتعي من هو اقرب منهم إلى الله الوسيلة فكيف بغير الأقرب ونحو ذلك. قال ابن كثير: وقيل يحرصون أيهم بكون أقرب إلى الله وذلك بطاعته وازدياد الخير. وقول البغوي ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به هذا لفظ البغوي لا ابن٢ عباس، وضل الناقل في عزوه إلى ابن عباس. فان كان معنى هذه الكلمة كما قال البغوي فالمراد بذلك ما كان يفعله الصحابة مع النبي ﷺ في حياته٣ من طلبهم دعاءه لهم واستسقائهم به في أحاديث كثيرة، وما فعله عمر بعد موته ﷺ من استسقائه بالعباس في قوله: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا

стр. 101

وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"١. وكذلك فعل معاوية مع يزيد بن الأسود الجرشي لما استسقى قال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا يزيد، يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا" ٢. فهذا من الوسيلة. قال شيخ الإسلام تقي الدين: أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر الله بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم فهذا مما لا نزاع فيه بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ وقوله: ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل به، أي يتوصل به ويتقرب إليه به سبحانه سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر أو كان على وجه السؤال والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار، ومن ذلك سؤاله بأسمائه وصفاته كقوله: أسألك بأن لك الحمد لاٍإله إلاأنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام. واستدل المعترض بقول الله سبحانه ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا﴾ . قال: فقد أخبر أن الله ملك المؤمنين الشفاعة، فطلبها ممن يملكها بتمليك الله له لا مانع منه، كمن طلب المال وغيره ممن ملكه الله إياه، ومراد المنادي له ﷺ والمتوسل به إنما هو الشفاعة. انتهى. قوله: إن الله ملك المؤمنين الشفاعة كما ملك أهل الدنيا المال وغيره فحقيقة هذا القياس أن الشفعاء يشفعون عنده بغير إذنه وفيمن لا يرضى أن يشفع فيه٣، كما أن أهل الدنيا [يتصرفون فيما أعطاهم الله بغير إذنه

стр. 102

سبحانه وقدر] ١، يتصرفون تصرفا لا يرضاه الله، يتصرفون بحسب اختيارهم لا بأمر الله لهم وإذنه، فقد يعطون من لا يرضى الله إعطاءه [ويمنعون من يحب الله إعطاءه] ٢، بل يعطون من نهى الله عن اعطائه ويمنعون من أمر الله بإعطائه ويقربون إليهم من أمر الله بإبعاده ويبعدون من أمر الله بتقريبه، وليس كذلك حال الشفعاء عندالله. ونصوص القرآن صريحة في أنه لا يشفع عنده أحد إلا بوجود أمرين: إذنه للشافع، ورضائه عن المشفوع فيه فمتى فقد الأمران أو أحدهما لم يوجد شفاعة قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] . وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] . وقال: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣،٤٤] . وقياس هذا أقبح من قياس المشركين بالشفعاء عند الملوك٣. فالمشركون جعلوا شفعاءهم بمنزلة خواص الملوك عند الملوك يشفعون عندهم بغير إذنهم، وفيمن لا يرضونه، وهذه هي الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن، وأما قياس هذا الجاهل الشفاعة بحال الدنيا وملكهم فيها، فالذي يسأل أهل الدنيا يسألهم مما في أيديهم يقول: أعطوني مما في أيديكم. لا يقول إنهم يشفعون له عند الله ولا يقول اشفعوا لي فتبين بطلان قياس هذا وضلاله.

стр. 103

قال شيخ الإسلام تقي الدين بعد كلام سبق: ولهذا كانوا في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون١ أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير إذنهم ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار، لأن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافع، ولهذا قال ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] إلى أن قال: وأما الخوارج والمعتزلة٢ فإنهم أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ولإجماع خير القرون. القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه، فالشفاعة التي أثبتوها، هي الشفاعة التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن - كما عكسه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة- فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم، ويقولون إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ويقولون إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك. والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك. انتهى. وقوله: إن الله ملّك المؤمنين الشفاعة مستدلا بقوله سبحانه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧] وقوله:

стр. 104

﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] . بناءا على أحد قولي المفسرين: أن الاستثناء في الآيتين متصل. فإطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة خطأ، بل الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] . وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي ﷺ أن الأنبياء يشفعون والصالحون يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة يصح أن يقال أنه ملك ما أذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلق على الإذن والرضا، لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال، وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع حتى يقال له إرفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع، قال الله سبحانه لأكرم الخلق عليه ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] لما قال ﷺ في حق عمه: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"١ وقا ل في حق المنافقين ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] . وقوله: إن مراد المنادي له ﷺ والمتوسل به إنما هو بالشفاعة. فقد تقدم جواب ذلك، وهو أن هذا مراد المشركين مما قصدوه، كما أخبر الله عنهم بذلك كقوله عنهم ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .لم يقولوا أن أحدا من الملائكة أو المسيح أو عزيرا أو الجن يستقلون بقضاء حوائجهم، وإنما يقولون إنهم يشفعون لنا عند الله في قضاء حوائجنا. وقوله: إن الصحابة كانوا يطلبون منه ﷺ ولم ينكر عليهم، ولم يقل أنتم أشركتم لأنكم طلبتم مني قبل الإذن - قال - فدل على أن ذلك جائز في حياته وبعد موته لأنه حي في قبره بالإتفاق - قال - وما جاز أن يطلب منه في حياته

стр. 105

جاز أن يطلب منه بعد الموت، ومن منع فعليه الدليل، وعلى قولكم أن الطلب عبادة يقتضي ألا فرق بين الحياة والممات انتهى. أما إستدلاله بطلب الصحابة منه في حياته أن يدعوا لهم، ولم ينكر عليهم ولم يقل أنتم أشركتم، فهذا من المغالطة والترويج على الجهال، يقول إذا أنكرتم طلب الدعاء منه بعد موته لزمكم ألا تجيزوا١ طلب الدعاء منه في حياته!! وإذا قلتم إنه لا يشفع في الآخرة إلا من بعد إذن الله له لزمكم القول إنه لا يدعوا لأحد في الدنيا إلا من بعد إذن الله له في ذلك٢!! ويقول: لما ثبت أن الصحابة يطلبون الدعاء منه في حياته فكذلك يجوز بعد موته. ويقول: إذا كان يدعوا لهم بغير إذن الله في ذلك جاز أن يشفع لهم في الآخرة بغير إذن الله له هذا حقيقة كلامه. فيقال لهذا: وهل يقول أحد أنه لا يجوز طلب الدعاء منه في حياته ﷺ أومن غيره؟ فلا يقول هذا أحد، فقد كان أصحابه يطلبون منه أن يدعو لهم ويستسقي لهم ويستنصرلهم ويستغفر لهم، وأمره الله بذلك فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] . وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] فدعاؤه ﷺ من أعظم الوسائل إلى مطلوبهم وقال ﷺ لعمر لما استأذنه في العمرة "أشركنا يا أخي في دعائك"٣ وما زال المسلمون يطلب بعضهم من بعض الدعاء قال تعالى:

стр. 106

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] . وقوله: أن النبي ﷺ لم ينكر عليهم طلب الدعاء منه، ولم يقل أنتم أشركتم لأنكم طلبتم الدعاء مني قبل الإذن. فهذا تهويل منه وتوهيم للطغام، وهل يقول هذا أحد؟ وإنما الذي يتوقف على الإذن من الله سبحانه هو الشفاعة في الآخرة حين يرجع الأمر والملك لله الواحد القهار الذي لا يغلبه غالب ولايقهره قاهر، قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] . ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥] . ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ٣٨] . والله فرق بين أحكام الدنيا والآخرة، فشرع لأهل الدنيا دعاء بعضهم لبعض للأحياء والأموات، وملكهم ما يتصرفون فيه، فهم يتصرفون بحسب اختيارهم، وأما الآخرة فأخبر سبحانه أنه المتفرد بالملك والأمر والتصرف في ذلك اليوم، فلا يصنع أحد شيئا، ولا أمر لغيره معه يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار١٩] . ولا شفاعة إلا من بعد إذنه ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣] . فكلام هذا الضال يدور على التسوية بين أحكام الدنيا والآخرة، وهذا من أعظم المحادة والمشاقة لله ولرسوله، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] . وقوله: إنه ﷺ حي في قبره بالاتفاق، حكاية الاتفاق١ كذب منه، وهو قد نقض حكاية الاتفاق بما ذكره بعد من الحكاية المروية عن مالك ﵀، وقول لأبي جعفر إن حرمته ميتا كحرمته حيا فوصفه مالك بالموت

стр. 107

حال كلامه مع أبي جعفر، فما ذكره عن مالك يكذب دعواه الاتفاق. ويأتي في عبارة لهذا وصف فيها النبي ﷺ بالموت الآن، فهو متناقض. وعبارته التي أشرنا إليها قوله في الكلام على حديث: "يا عباد الله احبسوا" ١ فقال: ولكون النبي ﷺ حاضرا مع موته شرع لنا خطابه والسلام عليه في الصلاة، وهو قولنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقوله: حاضرا مع موته، وصف له بالموت الآن. هذا مع أنه لا يمكنه أن يأتي بحرف واحد عن الأئمة الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم على حياته ﷺ في قبره الحياة التي يشير إليها. قال ابن القيم: لم يرد حديث صحيح أنه ﷺ حي في قبره، لكن نقطع أن الأنبياء لاسيما خاتمهم وأفضلهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين أعلى رتبة من الشهداء، وقد قال سبحانه عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فالأنبياء أولى بذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . ومع ذلك فالشهداء داخلون تحت قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] . ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] . فأثبت سبحانه للشهداء موتا بدخولهم في العموم كالأنبياء وهو الموت المشاهد، ونفى عنهم موتا، فالموت المثبت غير الموت المنفي٢، فالموت المثبت هو فراق الروح الجسد وهو مشاهد محسوس، والمنفي زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن. انتهى. وقال البيضاوي على قوله سبحانه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] . فيه تنبيه على أن حياتهم ليست في الجسد، ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي. انتهى. ومن العجب أنه لو جاء إنسان إلى ميت على وجه الأرض شهيدا أو

стр. 108

غيره يطلب منه أن يدعو له فضلا أن يطلب منه أن ينصره على عدوه أو يكسوه لقال الناس هذا مجنون، فإذا صار رميما في بطن الأرض زين لهم الشيطان ودعاة الضلال من الإنس الاستغاثة به وطلب الحاجات منه. والعامي السليم الفطرة يعلم بطلان هذا بفطرته، كما حكي لنا أن رجلا من أهل مكة ينسب إلى علم قال لرجل عامي من أهل نجد: أنتم ما للأولياء عندكم قدر والله يقول في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال له العامي: هل قال يرزقون يعني بفتح الياء أو قال يرزقون يعني بالضم فإن كان يعني بالفتح فأنا أطلب منهم فإن كان يعني بالضم فأنا أطلب من الذي يرزقهم. فقال المكي: حجاجكم كثيرة وسكت. ويقال لمن ادعى أن النبي ﷺ حي في قبره كحياته كما كان على وجه الأرض: [ثبت أنه ﷺ مات بنص القرآن، فما حجتكم على أنه عاد حيا كما كان على وجه الأرض] ١ قبل موته؟ فلن يجد٢ إلى ذلك سبيلا، وليس عندهم إلا مجرد دعوى أو شبهة لا حقيقة لها، ويدل على بطلان هذه الدعوى ما رواه أبوداود عنه ﷺ قال: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇"٣. فهذا يدل على أن روحه الشريفة ﷺ ليست في بدنه دائما، وإنما هي في أعلى عليين، ولهذا اتصال بالجسد الله أعلم بحقيقته، لا يدركه الحس ولا العقل، وليس ذلك خاصا به ﷺ لحديث تقدم عنه ﷺ قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" ٤. وفي صحيح مسلم عنه ﷺ : "أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت

стр. 109

ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش"١. الحديث. وقد أخبر سبحانه أنهم في البرزخ أحياء عند ربهم يرزقون. وقال أبو بكر الصديق ﵁ في حق النبي ﷺ : "أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ولن يجمع الله عليك موتتين﴾ . وقد قام الدليل القاطع أنه عند النفخة في الصور لا يبقى أحد حيا، فلو كان الأمر كما يزعمون لكان الله قد يجمع عليه موتتين، ولما قال ﷺ : " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يعني قد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"٢. ولم يقل لهم أنا حي في قبري كحياتي الآن صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. قوله: وما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته، ومن منع فعليه الدليل. ليس هذا خاصا به ﷺ عند هذا المعارض، بل يزعم كما تقدم أن الله أمر بطلب الحاجات ممن يعترف هذا بموتهم في قوله: إن الله أمر بالطلب من الأموات والغائبين. وادعى في موضع آخر حياتهم، فهو متناقض كما ترى. قوله: ومن منع فعليه الدليل. فنقول: جميع ما تقدم من الأدلة الدالة على أن دعاء الأموات والغائبين وطلب الحاجات منهم من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، يدخل في ذلك الملائكة والأنبياء والصالحون وغيرهم، لأن ذلك عبادة، وهي محض حق الله

стр. 110

لا يرضى أن يشرك معه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] . وقال سيد ولد آدم ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"١، وقال: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله"٢. وقول المعترض: وما جاز أن يطلب منه في حياته جاز أن يطلب منه بعد موته. تقدم الجواب عنه عند قوله: لأن الشيء الواحد يكون بالنسبة للحي طاعة وبالنسبة للميت عبادة.. إلخ. تقدم هناك ما فيه كفاية لمن أراد الله هدايته. وكلامه في هذا الموضع في حق النبي ﷺ يحتاج إلى زيادة بيان وإيضاح، فمن المعلوم بالضرورة أن الصحابة كانوا يطلبون منه ﷺ في حياته أن يدعو لهم ويستغفر لهم ويستسقي لهم ويستفتونه، ويطلب الناس منه عرض الدنيا مما أعطاه الله تعالى، ويرجعون إليه فيما أشكل عليهم من أمر دينهم، وهذا كله معلوم بالضرورة وأما بعد موته فلم يأت أحد من الصحابة إلى قبره ﷺ يطلب منه أن يدعو له، فضلا عن أن يطلب منه شيئا من عرض الدنيا أو نصر على عدو ونحو ذلك، ولا استفتاه أحد منهم فيما أشكل عليهم. فأول ذلك لما أشكل عليهم هل يجردونه من ثيابه عند غسله أو لا، لم يسألوه وهو بين أيديهم. ولما عزم الصديق على قتال مانعي الزكاة وحصل عند عمر توقف في ذلك لم يأت إلى قبره يسأله عما استراب فيه. ولما حضرت عمر الوفاة طلب من عائشة أن يدفن مع صاحبيه ولم يقل استأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك لعلمهم ﵃ أن هذه الأمور مستحيلة منه بعد موته. واستسقى عمر بالعباس ولم يأت هو والصحابة إلى قبره يطلبون منه أن
следующие страницы →