أصول الفقه أصلوا هذه القاعدة؛ لكن تطبيقها في كل مسألة جزئية فيه شيء من الصعوبة … فأنا أجد أنه يمر بنا الكثير من الأوامر، وهي عند العلماء-إما كلهم حسب علمنا، وإما أكثرهم- ليست للوجوب" (١).
وهذا ما دعاه أن يعيد النظر في هذا التأصيل، فقال: "وما زلت منذ حين أتدبر وأتأمل: كيف نجد ضابطًا يضبط جميع النصوص الواردة في كل نص بعينة؟ ولم أستطع" (٢)، ولولا نظره وتأمله في تطبيقات العلماء لهذه القاعدة لما أعاد النظر فيها، وحاول أن يجد ضابطًا يضبطها.
وعندما أنهيت المبحث الخاص بالتطبيقات أحببت أن أقوم بمقارنة بين التأصيل والتطبيق؛ ووجدت أن ابن عثيمين هو العالم الذي ورد ذكره أكثر من غيره - ولم أقصد ذلك ولكن جاء اتفاقًا -، وهو عالم يستحق الدراسة؛ لتأخر عصره، ولما لآرائه من أهمية وقبول ﵀، ورحم جميع علماء المسلمين، وجزاهم خير الجزاء على ما قدموه لنا.
стр. 107
ففي التأصيل اختار ابن عثيمين أن العلماء إذا اختلفوا في مسألة على قولين فلا يجوز إحداث قول ثالث؛ لمخالفة الإجماع (١)، وسُئل عن المجتهد إذا وقف على حديثٍ صحَّ عنده، ثم بحث في المسألة، فلم يجد له سلفًا، هل يقول بها أو لا؟، فأجاب: "لا يقول بها، ولهذا نجد العلماء الجهابذة الكبار إذا بحثوا في آية، أو حديث، ولم يكن عندهم علم بقائل يقول: إن كان أحد قال بذلك، كما قاله شيخ الإسلام ﵀ في المبتوتة إذا حاضت حيضة واحدة هل تنقضي عدتها أم لا؟ فقال: إن كان أحد قال بذلك فهو حق" (٢).
وفي حديثه عن إحداث دليل أو معانٍ لم تكن معروفة عند السلف، قال: "لو خالف ما أجمع عليه السابقون، فإننا لا نقبله" (٣).
وعلى هذا التأصيل فإن على العالم ألَّا يقبل قولًا أتى به عالم ولم يسبق إليه، فضلًا على أن يأتي هو بقول لم يسبق
стр. 108
إليه، وقد سار ابن عثيمين على ذلك في غالب المسائل، فإنه رد أقوالًا؛ لأنه لم يقل بها أحد (١)، وتوقف عن القول بأقوال يرى أنها صحيحة أو صواب أو وجيهة لأنه لا يعرف قائلًا بها (٢)، ومنها قوله: "لو قال أحد من أهل العلم: إذا خلع الخف على طهارةٍ مسحٍ ثم أعاده قبل أن ينتقض وضوءه، فإنه يجوز أن يمسح، لو قال أحد بهذا القول فهو قولي" (٣)، بل إنه صرف الأمر عن الوجوب لأنه لا يعلم من أهل العلم من قال به، ففي مسألة إعلان النكاح قال: " «أعلنوا» أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن لا يُعلم من أهل العلم من قال بوجوب إعلان النكاح، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب، والصارف له أنه لم يقل به أحد من أهل العلم" (٤).
стр. 109
ورد أقوال علماء لأنهم لم يسبقوا إليها، كما فعل مع قولٍ للصنعاني، فقد قال: "ولكنِّي ما رأيت أحداً من أهل العلم قال: إنَّ مَنْ كان بداخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولاً في «سُبُل السَّلام شرح بلوغ المرام» لم يعزُه لأحد، ولكنَّه قاله تَفَقُّهاً من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قَبْله فهو غير مُسَلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أنه من كان يمكنه مشاهدتها ففرضُه إصابةُ العين" (١).
وكما فعل أولًا في مسألة رطوبة فرج المرأة عندما بيَّن أن ابن حزم لم يسبق لهذا القول، ثم رده لأجل ذلك، فقال: "ولكن بعد البحث التام لم أجد أحداً من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقاً حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء، وأنا أقول: إذا وُجد أحد من سلف الأمة يرى أنه لا نقض بهذه الرطوبة فإن قوله أقرب إلى الصواب من القول بالنقض … وأما إذا لم تجدوا فليس لنا أن نخرج عن إجماع الأمة" (٢).
стр. 110
ولكن في التطبيقات نجد أن ابن عثيمين اختار أن تحريم آنية الذهب والفضة خاص بالأكل والشرب فقط (١)، وأن دم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد (٢)، وأن رطوبة فرج المرأة لا ينقض الوضوء (٣)، وأن أكثر مدة النفاس ستون يومًا (٤)، وأن تارك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه (٥)، وأن صلاة التطوع مضطجعًا دون عذر جائزة (٦)، وأنه لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ (٧)، وأن الحالف بالطلاق لم تطلق منه امرأته وأن عليه كفارة يمين، وإن كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين (٨).
стр. 111
وكل هذه المسائل قال بها أئمة لكنهم لم يسبقوا إلى هذه الأقوال، والذي ينبغي على التأصيل الذي أصَّله أن يرد هذه الأقوال، لكنه لم يسر على هذا التأصيل، بل اختار هذه الأقوال التي لم يسبق إليها.
وقد يخفى عليه في بعض المسائل أن هذا العالم أتى بقول لم يسبق إليه، وهذا من العذر له، لكن في بعض المسائل تبين أنه يعلم أن هذا العالم لم يسبق لهذا القول كما في مسألة عدم نقض رطوبة فرج المرأة للوضوء، فقد أخذ برأي ابن حزم مع علمه بأنه لم يسبق إليه.
وكذلك في مسألة الإشارة بالسبابة في الجلوس بين السجدتين فقد اختار رأي ابن القيم مع علمه بأنه لم يسبق إليه، فقد قال: "ولي سلف من أهل العلم وهو ابن القيم" (١)، مما يدل على أنه لم يجد من سبق ابن القيم لهذا ولو وجد لذكره، فذكر أسماء العلماء الموافقين في الرأي تقوية له، فقد ذكر ابن عثيمين أنه قد يقول الشيء ثم يقول
стр. 112
: "هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وما أشبه ذلك؛ لأجل أن يقوي جانبه" (١).
وقد اختار أن جهر الإمام بالتكبير واجب (٢)، واختار أنه يشرع الإشارة بالسبابة بين السجدتين (٣)، وهي أقوال له لم يسبق إليها كما سبق بيانه في التطبيقات، وهذا لا يوافق ما سبق تأصيله من عدم جواز إحداث قولٍ ثالثٍ، وهذه ليست أقوالًا ثالثة، بل هي أقوال ثانية، وإحداثها لا يجوز من باب أولى.
وأضيف لهذه الدراسة ثلاثة أمثلة أخرى (٤):
стр. 113
المثال الأول: أنه اختار أن غلبة الضحك لا تفسد الصلاة (١)، وقد نُقل الإجماع أن الضحك مبطل للصلاة مطلقا، قال ابن تيمية: "إنَّ الْقَهْقَهَةَ تُبْطِلُ بِالْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ" (٢)، قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن الضحك في الصلاة يفسد الصلاة" (٣)، وقال ابن قدامة: "وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا" (٤)، وقال ابن باز: "الضحك في الصلاة يبطلها بإجماع أهل العلم" (٥).
والقول بأنه لا تبطل الصلاة من غلبة الضحك لم يقل به أحد من الصحابة أو التابعين ﵃، بل الأقوال المنقولة إلينا عنهم أنها تبطل الصلاة من الضحك (٦).
وقد جاء عن بعض المالكية القول بصحة صلاة من غلبه الضحك، وهو قول متأخر لم يسبق إليه والمذهب عندهم أن صلاته باطلة (٧).
стр. 114
المثال الثاني: أنه اختار أن للمصلي أن يضع اليمنى على ذراع اليسرى دون قبض، أو يقبض الكوع ويرى أن السنة وردت بهما (١).
وعن الصفة الأولى قال تلميذه الدكتور أحمد الخليل: "لكن هذه الصفة-أي وضع اليمنى على ذراع اليسرى- لم أجد أحدًا من المتقدمين ذكرها، ولم يأخذ بها أحد من المذاهب الأربعة، وإنما يذكرها المتأخرون، أو بعبارة أدقَّ: المعاصرون، أما المتقدمون فإنهم يرون أن سهلًا لم يُبين الموضع، وأن الأحاديث الأخرى بيّنتْ، فيجعلون هذا الحديث مجملًا، ولا يأخذونه على ظاهره" (٢).
стр. 115
المثال الثالث: أنه اختار أن عقوبة الخمر تعزير وليست حدًا (١)، وقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء أنها حد (٢)، ومنهم ابن تيمية فقد قال: "أَمَّا حَدُّ الشُّرْبِ: فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ" (٣)، وقال: "أَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ فَيَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ أَنْ يُجْلَدَ الْحَدَّ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً أَوْ ثَمَانُونَ جَلْدَةً" (٤).
وقد نقل ابن عثيمين كلام ابن تيمية في نقل الإجماع ولم يوافقه على ذلك، فقد قال: "فيه نظر، فليس في المسألة إجماع" (٥)، ولم يسبق ابن عثيمين أحد من أهل العلم المعروفين
стр. 116
إلى هذا القول، إنما جاء عن طائفة ولم يسمَ أحدٌ منهم، قال ابن حزم: "وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمْ يَفْرِضْ فِيهَا حَدًّا" (١).
وقال ابن حجر: "قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ … وَتَبِعَهُ على نقل الْإِجْمَاع بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالنَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرِيّ وبن الْمُنْذِرِ وَغَيْرَهُمَا حَكَوْا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْخَمْرَ لَا حَدَّ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا التَّعْزِيرُ" وقد ذكر ابن حجر أن الأدلة التي استدلوا بها كانت في بداية عقوبة الخمر في عصر الرسول ﷺ ، ثم قال: "إنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَحَرَّى مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ضَرَبَ السَّكْرَانَ فَصَيَّرَهُ حَدًّا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَكَذَا اسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ" (٢).
وإن كان هذا الإجماع لا يعد إجماعًا قطعيًا، لكن فيه دلالة على أن القول بأنه تعزير وليس حدًا أتى متأخرًا، سواء سمي القائل به أو لم يسمَ، لكن لم يسمَ من قال به، وقد أخذ به ابن
стр. 117
عثيمين بناء على ما ترجح عنده من الأدلة أن الرسول ﷺ لم يحد فيه حدًا، ولم يذكر أن أحدًا سبقه لذلك إنما قال: "وهو ظاهر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين" (١).
وفي أكثر من موضع في إعلام الموقعين ذكر ابن القيم أن عقوبة الخمر حد (٢)، والموضع الذي يغلب على الظن أنه ظهر لابن عثيمين أن ابن القيم يرى أن العقوبة غير مقدرة، قوله: "وَكَانَتْ عُقُوبَةُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ مِنْ الشَّارِعِ، بَلْ ضَرَبَ فِيهَا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْجَرِيدِ، وَضَرَبَ فِيهَا أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِأَمْرِهَا وَتَتَابَعُوا فِي ارْتِكَابِهَا غَلَّظَهَا الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الَّذِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَسُنَّتُهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَجَعَلَهَا ثَمَانِينَ بِالسَّوْطِ، وَنَفَى فِيهَا، وَحَلَقَ الرَّأْسَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فِقْهِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَلَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَدًّا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَهُوَ عُقُوبَةٌ تَرْجِعُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَزِيَادَةُ أَرْبَعِينَ وَالنَّفْيُ وَالْحَلْقُ أَسْهَلُ مِنْ الْقَتْلِ"، لكن في هذا النقل يظهر أن الذي ليس بحد هو ما زاد على الأربعين
стр. 118
من الضرب والنفي والحلق والقتل، ويؤيده قول ابن القيم: "وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ تَنَوَّعَ تَعْزِيرُهُ فِي الْخَمْرِ: فَتَارَةً بِحَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَارَةً بِالنَّفْيِ، وَتَارَةً بِزِيَادَةِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ" (١)، وقوله: "عُمَرُ قَدْ زَادَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى أَرْبَعِينَ وَالنَّبِيُّ ﷺ " (٢).
وسواء كان ابن عثيمين هو السابق في هذه الأمثلة الثلاثة أو سبقه غيره فهي أقوال لم يسبق إليها قبل عصر الصحابة ﵃، وهي تضاف لما سبق من التطبيقات التي اختار ابن عثيمين فيها أقوالًا لم يسبق إليها، ولم يجر فيها على التأصيل الذي أصله في عدم قبول القول الذي لم يسبق إليه.
ولو تأملنا اختيارات ابن عثيمين في جميع هذه المسائل لوجدنا أنه لم يخالف نصًا قطعي الثبوت والدلالة، ولا إجماعًا قطعيًا، بل يتهيب مخالفة الإجماع، فقد قال في إحدى المسائل: "وكنت أتهيب القول بهذا؛ لأن الذين أمامنا دائمًا يقولون: هذا قول الجمهور، وبعضهم يقول: إجماع" (٣).
стр. 119
وعندما يظن أن في المسألة إجماعًا وهو غير مستيقن، يقول: "فإن كانت المسألة إجماعاً، فالإجماع لا يمكن الخروج عنه، وإن كان في المسألة خلاف، فالراجح عندي" (١)، ثم يقول رأيه، وفي ذلك تربية لتلامذته، واختياراته في الأقوال التي لم يسبق إليها قوية تدعمها الأدلة.
وهي - وإن كانت قليلة مقارنة بمسائل الفقه - فإنها تفتح المجال للمجتهد أن يجتهد في بعض المسائل خصوصا عندما تدعو الحاجة أو الضرورة.
ولو تتبع الباحث أي أحد من الأئمة لوجد عشرات الأمثلة على أقوال لم يسبقوا إليها قالوها أو وافقوا من قالها، مما يدل على أن التأصيل الفعلي هو جواز الاجتهاد بقول لم يسبق إليه ما لم يخالف نصًا قطعي الثبوت والدلالة أو الإجماع القطعي وأن التأصيل القولي الذي اتفق عليه العلماء من منع إحداث قول ثانٍ، أو قاله جمهور العلماء من منع إحداث قول ثالث غير دقيق وغير مطرد ولم يجر عليه العمل.
стр. 120
وقد يكون سبب المنع التخوف من فتح الباب فتأتي اجتهادات من غير أهلها أو من أهلها لكنها مخالفة لنصوص قطعية الثبوت والدلالة أو الإجماع القطعي، إضافة إلى انتشار القول بإغلاق باب الاجتهاد، وأنه لا يوجد مجتهد من بعد أئمة المذاهب، لكن العمل على خلاف ذلك فالأمة لم تعدم المجتهدين في كل عصر، والذين يغلقون باب الاجتهاد قد وافقوا غيرهم باجتهادات لم يسبقوا إليها، منها القول بإغلاق باب الاجتهاد.
لكن التقليد يصد المقلد عن البحث في مثل ذلك، ولا يقبل إلَّا ما جاء به إمامه، كما يقول الماوردي: "وَلَقَدْ رَأَيْت مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ رَجُلًا يُنَاظِرُ فِي مَجْلِسِ حَفْلٍ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْخَصْمُ بِدَلَالَةٍ صَحِيحَةٍ فَكَانَ جَوَابُهُ عَنْهَا أَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فَاسِدَةٌ، وَجْهُ فَسَادِهَا أَنَّ شَيْخِي لَمْ يَذْكُرْهَا وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لَا خَيْرَ فِيهِ" (١).
وقد يلجأ للتأويلات البعيدة لينصر من قلده، فإذا لم يجد ما ينصر به إمامه يقول لعل إمامي يعلم من الأدلة ما لم نعلم
стр. 121
ولم يصل إلينا، وقد تعجب العز بن عبدالسلام من هؤلاء، فقال: "وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمُقَلِّدِينَ يَقِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ لِضَعْفِهِ مَدْفَعًا وَمَعَ هَذَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ، وَيَتْرُكُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَذْهَبِهِ جُمُودًا عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ، بَلْ يَتَحَلَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَأَوَّلُهُمَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ الْبَاطِلَةِ نِضَالًا عَنْ مُقَلِّدِهِ … وَمَا رَأَيْت أَحَدًا رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِهِ بَلْ يَصِيرُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَبُعْدِهِ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَهْتَدِ إلَيْهِ" (١).
وقد يكون مؤهلًا للاجتهاد أكثر من إمامه كما قيل عن التقي السبكي "أنه حاز من علوم الاجتهاد ما لم يحزه إمامه الشافعي" (٢)، فيمنع نفسه من الاجتهاد، ولو اجتهد لأتى بأقوال لا تخالف نصًا ولا إجماعًا قطعيًا، بل قد تكون معها أدلة قوية، وقد يكون فيها تيسير لأمة من الناس، كما اجتهد ابن
стр. 122
تيمية في جواز طواف الحائض للضرورة دون أن يكون عليه دم، وأخذ بقوله كبار العلماء في العصر الحديث كابن باز (١) وابن عثيمين (٢).
وأخذت به بعض دور الإفتاء (٣)، وصار في هذا القول تيسير خصوصًا في عصرنا الحاضر بعدما أصبح رجوع المرأة للحج صعبًا بل قد يكون مستحيلًا على من تأتي من أقصى الأرض، ومن العسير أن تتأخر المرأة أو رفقتها بعدما صارت مربوطة بحملات ومواعيد رحلات وإن تركتها حلّ عليها من العنت ما الله به عليم، وكثير من الدول لا تسمح لها بالرجوع للحج مرة ثانية.
وهناك عشرات الآراء الجديدة التي حُكم عليها بالشذوذ، ثم أخذت بها بعض المذاهب أو بعض كبار العلماء وجرى عليها الفتوى (٤)، ولو أنعمنا النظر في غالب هذه الأمثلة لوجدنا
стр. 123
أنه يُنقل فيها الإجماع، مع أن غالب هذه الإجماعات غير متحققة، وأن بعضهم ينقل إجماعًا -خصوصا في الخلاف- ثم ينقض مثله في مسألة أخرى يأخذ بها اجتهادًا أو تقليدًا، مما يدل على أن الإجماع القطعي قليل، "ولا يكون إلا عن دليل شرعي" (١)، يقول ابن تيمية: "فلست أعلم إجماعًا صحيحًا إلا ومعه دلالة من الكتاب والسنة توافقه" (٢).
ويقول ابن عثيمين: "من يأتي بإجماع إلا ما اتفق المسلمون عليها بالضرورة كوجوب الصلاة الخمس مثلًا، فوجوب الصلوات الخمس بالإجماع، ثابت بالكتاب والسنة، ولذلك لا تجد في الواقع -وحسب علمي- مسألة ثبتت بالإجماع دون الدليل من الكتاب والسنة أبدًا" (٣)، ويقول: "الإجماع دليل على الدليل، وليس دليلًا بلا دليل، فلا يمكن الإجماع إلا من دليل من كتاب أو سنة" (٤) وأن غيره من الإجماعات فيها خلاف في التأصيل، وتساهل كثير في التطبيق.
стр. 124
وهذا يستدعي الباحث ألا يكف عن البحث عندما يجد إجماعًا منقولًا في غير ما له دلالة "مبينة في الكتاب والسنة" (١)، فقد يجد بعد البحث أن الإجماع غير متحقق، يقول ابن تيمية: "فالغلط فيه كثير جدًا، حتى إني لا أعرف أحدًا ينقل الإجماعات إلا وقد وجد فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يطلع عليه" (٢)، ويقول: "وما زال الناس يدعي أحدهم إجماعًا، ويقيم الآخر الدليل على بطلانه" (٣).
وقد نَقل الإجماع في مسألة الطلاق بالثلاث أنه يكون ثلاثًا أكثرُ من عشرين عالمًا (٤)، لكن هذا النقل لم يجعل ابن تيمية يتوقف، بل أقدم مع التهيب فهي عنده "من المسائل الكبار" (٥)، وتبين له بالأدلة أنها لا تعد إلا طلقة واحدة (٦)، وأن الإجماع فيها غير متحقق، وأن الذين ينقلونه "ليس لهم بهذا الإجماع من علم
стр. 125
البتة، وأن غاية ما عندهم نقلُ من نقلَ ذلك، وأسبق من نقل الإجماع في ذلك أبو ثور، وكل من جاء بعده فعنه أخذ ذلك" (١).
ولم يوقف ابن تيمية كل ما لاقاه جراء هذا القول الذي قال عنه ابن بطال: "والخلاف في ذلك شذوذ، وإنما تعلق به أهل البدع، ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة التي لا يجوز عليها التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة" (٢)، وقال عنه السبكي: "إني تتبعت أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم فلم أعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف" (٣)، بل ثبت وبسط "الكلامَ عليها في مواضعَ في نحو مجلدين وأكثر" (٤).
وبعد قرون يصبح قول ابن تيمية هذا قولًا مقبولًا رجحه كبار العلماء، كابن سعدي (٥)، وابن باز (٦)، وابن عثيمين (٧)،
стр. 126
وأخذت به اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء (١)، وقوانين الأحوال الشخصية في أكثر من بلد (٢)، مع غيره من المسائل في الطلاق التي قال بها وقد نقل الإجماع على خلافه (٣).
يقول القرضاوي: "من أشهر الفتاوى التي اعتبرت شاذة في عصرها، ثم تم ترجيحها بعد ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم، حول قضايا الأسرة والطلاق، مثل الطلاق الذي يراد به الحمل على شيء أو المنع منه، والطلاق الذي يراد به اليمين، والطلاق المعلق، والطلاق الثلاث بلفظة واحدة، والطلاق البدعي، وطلاق المرأة الحائض، أو المرأة التي مسها زوجها في هذا الطهر، وهذا الفتاوى حوكم من أجلها ابن تيمية، وخالفه علماء عصره، واعتبروا أنه خرق الإجماع، ودخل من أجلها السجن، ومات ابن تيمية ﵀ في السجن من أجل هذا، لكن هذا القول الذي اعتبر شاذًا تبناه أكثر العلماء في عصرنا، وتبنته لجان الفتوى،
стр. 127
وتبنته قوانين الأحوال الشخصية في أكثر من بلد، واعتبر هو سبيل الإنقاذ، أو سفينة الإنقاذ للأسرة المسلمة" (١).
ويقول عبدالله العقيل متحدثًا عن ابن باز: "وكان قد انفرد عن علماء بلده، أو عن أكثرهم، بأنه يرى الطلاق الثلاث واحدة، ويرى عدم وقوعه في الحيض، أو في طهر وطئها فيه، ويرى عدم وقوع طلاق السكران، ويرى الحلف بالطلاق يمينًا مكفرة، وغير ذلك، فلهذا كثر المستفتون عن هذا المشاكل، ورحلوا من أجلها، وكان ﵀ يفتيهم بالأسهل؛ موافقًا في اجتهاده شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من محققي العلماء، وأنقذ الله بفتواه أسرًا كثيرة كادت أن تتهدم بيوتهم، ويتشرد أطفالهم، وتأيم نساؤهم، فجزاه الله عن الجميع أفضل الجزاء، وطالما نهاه شيخه محمد بن إبراهيم، بل نهاه الملك عبدالعزيز عن هذه الفتوى فلم ينته، يرى أن هذا هو القول الصحيح، وأنه من العلم الذي لا يحل له كتمانه" (٢).
стр. 128
ولا يعني هذا الكلام أن يفتح الباب لكل أحد، بل لا يحق الاجتهاد إلَّا لمن كان عالمًا أهلًا للاجتهاد، فقد نقل النووي إجماع العلماء أن الاجتهاد لا يكون إلَّا لـ"عالمٍ أهلٍ للحكم" (١).
والأولى أن يعرض قوله على المجامع الفقهية، ودور الإفتاء، التي تجمع عددًا من العلماء المؤهلين للبحث والاجتهاد فيما تحتاج له الأمة من المسائل، فيقومون بمناقشته بهدوء، فقد يبينون رجحانه، أو يرفضونه، أو يأخذون بعضًا ويدعون بعضًا، دون أن يحارب القول الجديد، فيخاف بعض المؤهلين من إبداء آرائهم التي تعضدها الأدلة وقد تكون سببًا لنفع الأمة.
فهذا ابن عثيمين أتى بعد قرون من انتشار قول المنع من القول بما لم يسبق به قول، ومع ذلك اجتهد في أقوال لم يسبق إليها وكانت قوية تدعمها الأدلة، كما قال تلميذه الدكتور أحمد الخليل في مسألة جهر الإمام بالتكبير: "الفقهاء يذكرون الاستحباب، فإذا لم يثبت الإجماع، وصار في المسألة خلاف، فإن الراجح ما قاله شيخنا من أن هذا واجب وليس سنة فقط؛ لأنه لا يحصل الاقتداء والائتمام على الوجه المطلوب إلا
стр. 129
بالجهر بالتكبير وإسماع المصلين … إن الأدلة التي ذكرها شيخنا قوية جدًا وواضحة؛ لكن يُشكل عليه أني لم أقف على من سبقه" (١).
وأما الإشكال الذي يثار حول هذه القضية وهو هل الحق كان غائبًا عن الأمة حتى أتى العالم المتأخر فدلَّها عليه؟
فيجاب عليه: بأن الحق لا يغيب عن أمة محمد ﷺ ، فعدم نقل قولٍ لا يعني عدم وجوده، أو أن الإجماع على خلافه ما لم ينقل في المسألة الإجماع القطعي، وقد يكون في المسألة إجماع ويرى بعض الأئمة أن "الإجماع كان مبنيًا على العرف، أو المصلحة، فتغير العرف اليوم، أو المصلحة المبتغاة من ذلك" (٢)، وقد لا تكون هناك حاجة لقول، ثم تدعو الحاجة له، وأحيانًا الضرورة.
وعلى أقل الأحوال فإنه قد يكون القول مشهورًا على رأي، وعمل الناس يكون على خلافه، وأضرب لذلك ثلاث مسائل
стр. 130
تبيَّن أن العمل قد يكون على خلاف القول عند اتباع هذا القول وعند غيرهم، الأولى في التأصيل والأخريان في التطبيق:
المسألة الأولى: أن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز إحداث قول ثان، مع أن العمل على إحداث قول ثان، وغالب اجتهادات العلماء التي لم يسبقوا إليها كانت أقوالًا ثانية.
المسألة الثانية: أن الحنابلة رجحوا كفر تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا (١)، ويترتب على هذا القول أن "من مات من المكلفين وهو لا يصلي فهو كافر، لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه" (٢)، و"تحرم عليه زوجته التي معه، وينفسخ نكاحها منه فيجب عليها مفارقته حتى يرجع إلى الإسلام" (٣).
لكن العمل على خلاف ذلك، فهذا ابن قدامة وهو أحد أئمة المذهب الحنبلي يقول: "لَا نَعْلَمُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ أَحَدًا مِنْ تَارِكِي الصَّلَاةِ تُرِكَ تَغْسِيلُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فِي
стр. 131
مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مُنِعَ وَرَثَتُهُ مِيرَاثَهُ، وَلَا مُنِعَ هُوَ مِيرَاثَ مُوَرِّثِهِ، وَلَا فُرِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ مَعَ كَثْرَةِ تَارِكِي الصَّلَاةِ" (١).
المسألة الثالثة: أن المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، قالوا بتحريم عقد الاستصناع، وهو "عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع" (٥).
لكن العمل على خلافه عند المانعين والمجيزين دون نكير، يقول ابن الهمام: "جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِلتَّعَامُلِ الرَّاجِعِ إلَى الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْيَوْمِ بِلَا نَكِيرٍ" (٦)، ويقول ابن عثيمين: "وعمل الناس عليه قديماً وحديثاً" (٧). فالحق لا يغيب عن أمة محمد ﷺ قولًا أو عملًا.
стр. 132
وهذا الإشكال على رأي من يرى أن الحق في كل واقعة معين، وعلى المجتهد أن يصيبه (١)، وأن الأمة لا تخلو من مصيب للحق، أما من يرى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ إلا الاجتهاد وأن يقول مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (٢)، فلا يَرد عليه هذا الإشكال؛ لأن الأئمة المتقدمين قد أدوا ما كلفوا به حسب اجتهادهم وفق الأصول، وأن الذي خالفهم من المتأخرين قد أدى ما كلف حسب اجتهاده وفق الأصول.
ولا يستطيع أحد منهم أن يجزم بأنه أصاب الحق مالم يكن في الواقعة نص قطعي الدلالة والثبوت أو كان الإجماع قطعيًا فيها، بل كلٌ يقول ما يغلب على ظنه أنه الحق، وقد أقر النبي ﷺ الصحابة الذين بعثهم إلى بني قريظة على اجتهادهم في أداء وقت صلاة العصر، مع الاختلاف بين الاجتهادين، فعن ابن عمر ﵁، قال: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا،
стр. 133
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (١).
وفي إقراره لهم ﷺ على هذا الاختلاف دون بيان أي الطائفتن على الحق دلالة على أن الحق هو أن على كل مجتهد أن يجتهد ويبين ما غلب على ظنه أنه الحق، وأنه لا يكلف أكثر من ذلك، وأما الذين اختلفوا من الفقهاء "أيهما كان أصوب؟ فقالت طائفة: الذين أخروها هم المصيبون، … وقالت طائفة أخرى: بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قصب السبق " (٢)، فقد أجازوا من حيث لا يقصدون أن يسكت النبي ﷺ عن بيان الحق في هذه القضية، وأن يترك الصحابة ﵃ دون أن يبين لهم الحق وقت الحاجة، ومن المقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو سكتوا كما سكت النبي ﷺ وصحابته الكرام ﵃ وأقروا الطائفتين على اجتهادهم لكان خيرًا لهم وأقوم.
стр. 134
الخاتمة
وبعد؛ فإني أحمد لله الذي يسر لي كتابة هذا البحث، وأعانني على إتمامه، وفي نهايته أود تدوين أبرز النتائج التي توصلت لها، وأهم التوصيات؛ فأبرز ما توصلت له من نتائج:
١ - اشتهر عن السلف ﵃ تهيبهم من الكلام فيما يعرض عليهم من مسائل الدين، وحتى لو تكلموا في مسائل الدين التي يعرفون فإنهم لا يجزمون بالتحليل والتحريم، ولا يعني هذا أنهم يتوقفون عن الاجتهاد ويظلون مكتوفي الأيدي خصوصًا عندما تدعوهم النوازل وحاجة الناس لرأي العلماء فيها، فإنه لا يكاد يوجد مجتهد إلا وله قول لم يقل به أحد قبله، لكنهم يفعلون ذلك مع أشد التهيب والحذر.
стр. 135
٢ - اتفق العلماء على منع إحداث قول ثان، واختلفوا في حكم إحداث قول ثالث على ثلاثة أقوال، أقربها: أن إحداث قول ثالث جائز، ما لم يخالف هذا القول نصًا قطعي الدلالة والثبوت أو إجماعًا قطعيًا.
٣ - أن الأئمة لا يخالفون النص قطعي الدلالة والثبوت، ولا الإجماع القطعي عمدًا، لكن من عذر.
٤ - لا تكاد تجد مجتهدًا إلا وله أقوال لم يسبق إليها، أو وافق غيره من المجتهدين على أقوال لم يسبق إليها، بل إن غالب التطبيقات في هذا البحث وغيره مما لم أذكره كان في إحداث أقوال ثانية الذي اتفق العلماء على منعه، وهذا لا يُناقض ما سبق ذكره من أنهم يتهيبون الإقدام على قول لم يسبقوا إليه، لكنه لا يوافق ما أصلّوه في كتب الأصول من منع إحداث قول ثان أو ثالث، وهذا يستدعي الباحث ألَّا يكتفي بالتأصيل دون النظر للتطبيق، فإن التأصيل يراد للتطبيق، وقد استُنْبطت الأصول من فتاوى العلماء وآرائهم، وعملهم.
٥ - لو تتبع الباحث أي أحد من الأئمة لوجد عشرات الأمثلة على أقوال لم يسبقوا إليها قالوها أو وافقوا من قالها، مما يدل على أن التأصيل الفعلي هو جواز الاجتهاد
стр. 136
بقول لم يسبق إليه ما لم يخالف نصًا قطعي الثبوت والدلالة أو الإجماع القطعي وأن التأصيل القولي الذي اتفق عليه العلماء من منع إحداث قول ثانٍ، أو قاله جمهور العلماء من منع إحداث قول ثالث غير دقيق وغير مطرد ولم يجر عليه العمل.
هذه هي أبرز النتائج، أما أهم توصية، فهي أن تكون هناك دراسات تأصيلية تطبيقية على بعض القضايا التي يكثر ذكر القول التأصيلي لها دون دراسة تطبيقية لهذا التأصيل تبين قوته، فإن التأصيل يراد للتطبيق، ومعرفة التطبيق يبين قوة هذا التأصيل أو ضعفه، كما سبق ذكره في أصل: أن الأمر للوجوب، وأن ابن عثيمين لما قام بدراسة التطبيقات على ذلك، وجد أن المسألة لا تطرد، وأنه يمر الكثير من الأوامر، وهي عند العلماء ليست للوجوب (١)، وهذا ما دعاه أن يعيد النظر في هذا التأصيل، فقال: "وما زلت منذ حين أتدبر وأتأمل: كيف نجد ضابطًا يضبط جميع النصوص الواردة في كل نص بعينة؟ ولم أستطع" (٢)، ولولا نظره وتأمله في
стр. 137
تطبيقات العلماء لهذه القاعدة لما أعاد النظر فيها، وحاول أن يجد ضابطًا يضبطها، ولو تم مثل ذلك في أن تكون هناك مقارنة بين التطبيق والتأصيل في قضايا كثيرة، لخرجنا بضوابط مفيدة، وقواعد جامعة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
стр. 138
المصادر والمراجع
١ - الإحكام في أصول الأحكام، لأبي الحسن علي بن محمد الآمدي، تحقيق: عبدالرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت.
٢ - الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن حزم، تحقيق: أحمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
٣ - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، لأبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي، تعليق: محمد بن صالح العثيمين، تحقيق: أحمد بن محمد الخليل، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.
٤ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.
стр. 139
٥ - الاستذكار، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.
٦ - الإشراف على مذاهب أهل العلم، لمحمد بن إبراهيم المنذري النيسابوري، تحقيق: صغير أحمد الأنصاري، مكتبة مكة الثقافية، الإمارات، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.
٧ - أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، لعياض بن نامي السلمي، دار التدمرية، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٧ هـ.
٨ - أصول الفقه عند الصحابة ﵃ معالم في المنهج، لعبدالعزيز العويد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت، الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ.
٩ - إعلام الموقعين، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.
١٠ - الأم، لمحمد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة، بيروت ١٤١٠ هـ.
стр. 140
١١ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلاء الدين بن سليمان المرداوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية.
١٢ - البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي، دار الكتبي، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.
١٣ - بداية المجتهد و نهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، دار الحديث، القاهرة، طبعة عام ١٤٢٥ هـ.
١٤ - البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني، تحقيق: صلاح عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.
١٥ - تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، لمحمد رشيد بن علي رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة عام ١٩٩٠ م.
١٦ - التمهيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، طبعة عام ١٣٨٧ هـ.
стр. 141
١٧ - حاشية الصاوي على الشرح الصغير، لمحمد بن أحمد الخلوتي الصاوي، دار المعارف، مصر.
١٨ - الدر المختار، لمحمد بن علي الحصكفي وبهامشه رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، لمحمد أمين بن عمر بن عابدين، دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.
١٩ - الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، تحقيق: عبدالله المزروع، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ.
٢٠ - الرسالة، لمحمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مكتبة الحلبي، مصر، الطبعة الأولى ١٣٥٨ هـ.
٢١ - روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد، لموفق الدين عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، مؤسسة الريان، الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ.
٢٢ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعبدالقادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة السادسة والعشرون ١٤١٢ هـ.
стр. 142
٢٣ - سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، دار الحديث، القاهرة.
٢٤ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، لمحمد بن علي الشوكاني، دار ابن حزم، الطبعة الأولى.
٢٥ - شرح الكوكب المنير، لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ.
٢٦ - الشرح الممتع على زاد المستقنع، لمحمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.
٢٧ - شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، لأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: طه عبدالرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة الأولى ١٣٩٣ هـ.
٢٨ - شرح مختصر الروضة، لسليمان بن عبدالقوي بن عبدالكريم الطوفي، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.
стр. 143
٢٩ - صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ.
٣٠ - صحيح مسلم، لمسلم بن حجاج النيسابوري، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية ١٤٢١ هـ.
٣١ - طبقات الشافعيين، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: أحمد عمر هاشم، ومحمد زينهم محمد عزب، مكتبة الثقافة الدينية، طبعة عام ١٤١٣ هـ.
٣٢ - العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، تحقيق: أحمد بن علي بن سير المباركي، الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ.
٣٣ - عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، لأحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد المعروف بالشاه ولي الله الدهلوي، تحقيق: محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، القاهرة.
٣٤ - غياث الأمم في التياث الظلم (الغياثي)، لأبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني، تحقيق: عبدالعظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.
стр. 144
٣٥ - فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبدالباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٧٩ هـ.
٣٦ - فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لأبي الفرج عبدالرحمن بن شهاب الدين الشهير بابن رجب الحنبلي، تحقيق: طارق بن عوض الله، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثالثة ١٤٢٥ هـ.
٣٧ - فتح القدير، لكمال الدين محمد المعروف بابن الهمام، دار الفكر.
٣٨ - الفصول في الأصول، لأحمد بن علي أبي بكر الرازي الجصاص الحنفي، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ.
٣٩ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعبدالعزيز بن عبدالسلام، راجعه وعلق عليه: طه عبدالرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، طبعة عام ١٤١٤ هـ.
٤٠ - لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٤ هـ.
стр. 145
٤١ - لقاءات الباب المفتوح، لمحمد بن صالح العثيمين، مكتب دار البصيرة، مصر.
٤٢ - اللمع في أصول الفقه، لأبي اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٤ هـ.
٤٣ - المبسوط، لمحمد بن أحمد السرخسي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، طبعة عام ١٤١٤ هـ.
٤٤ - مجموع الفتاوى، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ.
٤٥ - المجموع شرح المهذب، ليحيى بن شرف النووي، دار الفكر.
٤٦ - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الوطن، دار الثريا، طبعة عام ١٤١٣ هـ.