← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1107

القول بما لم يسبق به قول

مرضي العنزي

Полный текст (149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الحادي عشر: صلاة التطوع مضطجعًا من غير عذر. اختار الحسن البصري جواز صلاة التطوع مضطجعًا دون عذر (١)، قال ابن تيمية: "وَلَا يُعْرَفُ لِصَاحِبِهِ سَلَفُ صِدْقٍ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى؛ فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ عَلَى جَنْبِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مَرَضَ بِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لَكَانَ هَذَا مِمَّا قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ مَعَ قُوَّةِ الدَّاعِي إلَى الْخَيْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُمْ" (٢)، وقال: "وَلَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَعَلَ ذَلِكَ" (٣)، وقال: "وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّلَاةِ مُضْطَجِعًا بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ" (٤).

стр. 72

ومذهب الشافعية وقول عند الحنابلة أنه يجوز التطوع مضطجعًا من غير عذر (١)، قال ابن تيمية: "وَجَوَازُهُ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد" (٢)، وقال "وَقد طرد ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وجوزوا التَّطَوُّع مُضْطَجعا لمن هُوَ صَحِيح وَهُوَ قَول مُحدث بِدعَة" (٣). وقد ذكر ابن عثيمين حديث: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ» (٤)، ثم قال: "وهو يدل على جواز التنفل مضطجعًا، وقد نقله ابن مفلح عن الحسن البصري، وقال: هو مذهب حسن، ونقله ابن هانئ عن أحمد، واختاره بعض الأصحاب، وهو الأصح للشافعية" (٥). وقال: "وذهب بعضُ العلماء: إلى الأخذ بالحديث. وقالوا: يجوز أنْ يتنفلَ وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون على الرُّبع مِنْ أجر

стр. 73

صلاة القائم، وهذا قولٌ قويٌّ؛ لأن الحديث في صحيح البخاري، ولأنَّ فيه تنشيطاً على صلاة النَّفل؛ لأن الإنسان أحياناً يكون كسلاناً وهو قادر على أنْ يُصلِّي قاعداً؛ لكن معه شيء مِنْ الكسل؛ فيُحِبُّ أنْ يُصلِّي وهو مضطجعٍ، فمن أجل أنْ ننشِّطَهُ على العمل الصَّالح نَفْلاً نقول: صَلِّ مضطجعاً، وليس لك إلا رُبع صلاة القائم، ونصف صلاة القاعد، ولهذا رَخَّصَ العلماءُ في صلاة النَّفل أن يشرب الماء اليسير من أجل تسهيل التطوُّع عليه، والتطوُّع أوسع من الفرض" (١). المطلب الثاني عشر: الحضور بعرفة ليلًا. اختار الإمام مالك أن الحضور بعرفة ليلًا ركن، ولا يكفي الوقوف نهارًا، فمن لم يحضر ليلًا فاته الحج، قال ابن عبدالبر: "وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ إِنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا حَجَّ لَهُ وَهُوَ قَدْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَا رُوِّينَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٢).

стр. 74

والذي اختاره الإمام مالك هو المذهب عند المالكية (١)، قال الدردير عن الحضور بعرفة ليلة النحر: "هُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، فَلَا يَكْفِي الْوُقُوفُ نَهَارًا" (٢)، قال ابن رشد الحفيد: "وَمَنِ اشْتَرَطَ اللَّيْلَ احْتَجَّ بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ ﷺ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ" (٣). المطلب الثالث عشر: طواف القدوم للمتمتع. اختار الإمام أحمد أنه يندب للمتمتع أن يطوف القدوم قبل طواف الزيارة (٤)، قال ابن قدامة: "وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الطَّوَافِ … بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ … ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ - أَحَدًا" (٥).

стр. 75

والذي اختاره الإمام أحمد هو المذهب عند الحنابلة (١)، قال المرداوي: "وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ" (٢). وقال ابن قدامة: "فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀: فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِنًى أَعْنِي الْمُتَمَتِّع كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى؟ قَالَ: يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ، وَيَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِلزِّيَارَةِ، عَاوَدْنَاهُ فِي هَذَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَثَبَتَ عَلَيْهِ … وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، فَطَافُوا طَوَافًا، آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. فَحَمَلَ أَحْمَدُ قَوْلَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَكُنْ تَعَيُّنُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ مُسْقِطًا لَهُ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ" (٣).

стр. 76

المطلب الرابع عشر: الجماع في الحج. اختار الشوكاني أن الجماع لا يبطل الحج، فقد قال: "لا دليل على ان الجماع عمدًا مبطل للحج فكيف يبطل الجماع سهوًا أو جهلًا" (١)، وقال: "فمن وطئ قبل الوقوف أو بعده، قبل الرمي، أو قبل طواف الزيارة؛ فهو عاصٍ يستحق العقوبة، ويُغفر له بالتوبة، ولا يبطل حجُّه، ولا يلزمه شيء، ومن زعم غير هذا فعليه الدليل المرضي" (٢). وهو قول لم يسبق إليه، قال ابن قدامة: "أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِإِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إلَّا الْجِمَاعَ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ: إنِّي وَقَعْت بِامْرَأَتِي، وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ. فَقَالَ: أَفْسَدْت حَجَّك … وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. لَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا".

стр. 77

وقال ابن حزم: "وَاتَّفَقُوا أَنْ جماع النِّسَاء فِي فروجهن ذَاكِرًا لحجه يفْسخ الاحرام وَيفْسد الْحَج" (١)، وقال ابن القطان: "وأجمعوا أن من وطئ قبل وقوفه بعرفة فقد أفسد حجه" (٢)، وقال الشنقيطي: "ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإحرام، إلا الجماع خاصة … وإذا علمت أقوال أهل العلم في جماع المحرم، ومباشرته بغير الجماع، فاعلم أن غاية ما دل عليه الدليل: أن ذلك لا يجوز في الإحرام; لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم في ذلك، فليس على شيء من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة. ولم أعلم بشيء مروي في ذلك عن النبي ﷺ إلا حديثًا منقطعًا لا تقوم بمثله حجة" (٣) فذكره وبيَّن علّته، ثم ذكر الآثار التي صحت عن بعض الصحابة والتابعين ﵃ ثم

стр. 78

قال: "فهذه الآثار عن الصحابة وبعض خيار التابعين هي عمدة الفقهاء في هذه المسألة" (١). ووافق القنوجي الشوكاني في اختياره ونقل نص كلامه السابق في وبل الغمام (٢)، وفسر محمد رشيد رضا الرفث في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، بقوله: "إِنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ … وَيَكُونُ النَّفْيُ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ فِي بَعْضِهَا لِلتَّحْرِيمِ كَالرَّفَثِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ لَا يُفْسِدُ النُّسُكَ، وَفِي بَعْضِهَا الْآخَرِ لِلْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ كَالرَّفَثِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ الصَّرِيحِ فِي أُمُورِ الْوِقَاعِ" (٣). واختار هذا الرأي من المعاصرين الشيخ عبدالمحسن العبيكان، فقال: "أما الوطء فهو من المحظورات، ولم يثبت فيه فدية معينة، وقد أوجب جمع من العلماء فيه الدم … ولم أجد لهم ما يصح الاستدلال به؛ ولذا أرى أنه لا يفسد حجه، وعليه

стр. 79

في كل الأحوال الفدية الواردة في حديث كعب بن عجرة المتقدم (١)؛ قياسًا على سائر المحظورات" (٢). المطلب الخامس عشر: إدخال المحلل في السبق. اختار سعيد بن المسيب أنه لا يصح السبق بين اثنين إلا بإدخال محلل بينهما (٣)، قال ابن القيم: "والقول بالمحلِّل مذهبٌ تلقَّاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة، فلا يحفَظُ عن أحد منهم قطُّ أنه اشترط المحلِّل، ولا راهن به، مع كثرة تناضلهم ورهانهم، بل المحفوظ عنهم خلافه" (٤)،

стр. 80

وقال: " قال شيخِ الإسلام: وما علمتُ بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلِّل" (١). ومع هذا فإن اشتراط المحلل لجواز السبق هو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). المطلب السادس عشر: عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية للدائن. اختار الشيخ مصطفى الزرقا أنه يجوز تغريم المدين المماطل غرامة مالية يدفعها للدائن مقابل الضرر الناتج عن فوات الربح، أو وقوع ضرر حقيقي، ولم يسبق إلى هذا القول، فقد قال: "لم يعالج فقهاء المذاهب فيما أعلم قبلًا هذه المسألة - أعني تعويض الدائن عن تأخير الوفا. المستحق في المداينات - ولم يبحثوها، مرد ذلك في تقديري إلى ثلاثة أمور: الأول: لم يكن لهذا الأمر من

стр. 81

الأهمية والتأثير في حركة التعامل والتجارة كما أصبح له في العصر الحاضر. الثاني: أن وصول الدائن إلى حقه عن طريق القضاء عند تأخير المدين ومماطلته كان ميسوراً وسريعاً على خلاف ما هو عليه اليوم في عصرنا الحاضر. الثالث: أن هذه المسألة فيها من الحساسية الشرعية ما يمكن أن يكون من جملة العوامل في عدم بحثها، وهي خوف الوقوع في الربا" (١). ولم يُسلِّم له جمهور الفقهاء المعاصرين هذا الرأي، وقوله أن الفقهاء لم يبحثوها، بل بحثوها ولم يفردوها؛ لأنها داخلة عندهم في عموم الربا، فيكون هو أول من قال بهذا الرأي. وقد صدر برفضه عدد من قرارات المجامع، والهيئات العلمية، فقد جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام ١٤٠٩ هـ ما نصه: "إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغًا من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة إذا تأخر

стр. 82

عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو قرض باطل، ولا يجب الوفاء به بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه" (١). وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط ما يلي: "ثالثًا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك رباً محرم. رابعًا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء" (٢)، وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ما يلي: " (ب) لا يجوز اشتراط التعويض ا

стр. 83

لمالي … سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدين" (١). وقد أخذ برأي الشيخ مصطفى الزرقا وهو جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر كلٌ من الشيخ عبدالله بن منيع (٢)، والدكتور الصديق محمد الأمين الضرير (٣)، والدكتور عبدالحميد السائح (٤)، والدكتور عبد الحميد البعلي (٥).

стр. 84

ورأى الدكتور زكي الدين شعبان (١)، والدكتور محمد زكي عبد البر (٢)، والدكتور سليمان التركي (٣)، بأنه لا يجوز تعويض الدائن عما فاته من ربح، ويجوز تعويض الدائن عما وقع عليه من خسائر. فأخذوا برأي الشيخ مصطفى الزرقا في التعويض عن الخسائر فقط. المطلب السابع عشر: إنكاح الأب ابنته الصغيرة. اختار ابن شبرمة أنه لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ، قال ابن حزم: "قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ إلَّا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ" (٤)، قال الشيخ المعلمي: "إنه قول لم يعرف له مخالف قبل ابن شبرمة" (٥).

стр. 85

وقد نُقل الإجماع على جواز تزويج الأب ابنته الصغيرة، قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن نكاح الأب ابنته الصغيرة البكر جائز إذا زوجها من كفء" (١)، وقال ابن القطان: "وأجمعوا أن تزويج أب الصغيرة لها جائز عليها، إلا ابن شبرمة فإنه قال: لا يجوز نكاح صغيرة على حال" (٢). وحكي هذا القول عن عثمان البتي أيضًا، قال الكاساني: " لَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ إلَّا شَيْءٌ يُحْكَى عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ … إن قَوْلَهُمَا خَرَجَ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَكَانَ مَرْدُودًا" (٣). واختاره الأصم، قال الجصاص: "إِنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةِ … وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إلَّا شَيْئًا رَوَاهُ بُسْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ تَزْوِيجَ الْآبَاءِ عَلَى الصِّغَارِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَصَمِّ" (٤).

стр. 86

واختاره من المتأخرين الشيخ ابن عثيمين، فقد قال: "ذكر بعض العلماء الإجماع على أن له أن يزوجها … وقال ابن شبرمة من الفقهاء المعروفين: لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبداً؛ لأننا إن قلنا بشرط الرضا فرضاها غير معتبر، ولا نقول بالإجبار في البالغة فهذه من باب أولى، وهذا القول هو الصواب، أن الأب لا يزوج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى" (١). وقوّاه الشيخ المعلمي فبعدما ناقش أدلة الجواز، قال: "ليس بيد الجمهور دليل على صحة زواج الصغيرة إلا الإجماع، ولم يثبت في المسألة إجماع إذا عرَّفنا الإجماع بما كان يعرِّفه به الشافعي وأحمد، بل غايته أنّه قول لم يُعرف له مخالف قبل ابن شبرمة، والشافعي وأحمد لا يعتبران مثل هذا إجماعًا تردُّ به دلالة السنة. فمذهب ابن شبرمة قويٌّ، والله أعلم" (٢).

стр. 87

المطلب الثامن عشر: عدة المطلقة آخر التطليقات الثلاث. اختار أبو الحسين ابن اللبان أن المطلقة ثلاثًا إن كانت ممن تحيض أن عدتها حيضة، قال ابن كثير: "له اختيارات غريبة، وأقوال عجيبة، فمن ذلك ما حكاه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، في كتابه رءوس المسائل، عن أبي الحسين بن اللبان من أصحابنا: … وأن المطلقة ثلاثًا إن كانت ممن تحيض استبرأت بحيضة فقط، ولا عدة عليها سواها، فإن كانت صغيرة، أو آيسة، فلا شيء عليها، وتحل للأزواج في الحال، وكذا المتوفى عنها زوجها قبل الدخول لا عدة عليها … وهذه اختيارات غريبة جدًا" (١). وقد قوى ابن تيمية أنها تعتد بحيضة واحدة لكنه اشترط ألا يكون القول مخالفًا للإجماع، فقال عن القول الأول وهو أنها تعتد بثلاث حيض: " فَإِنْ كَانَ هَذَا إجْمَاعًا: فَهُوَ الْحَقُّ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ" (٢)، وذكر البعلي أن اختيار ابن تيمية أنها تعتد بحيضة، ثم قال: "علَّق

стр. 88

أبو العباس القول بذلك على أن لا يكون الإجماع على خلافه، وقد حكى القاضي أبو الحسين ابن الفراء القول بذلك عن ابن اللبان" (١). وتحدث ابن عبدالهادي عن فتاوى ابن تيمية فقال: "فَفِي بعض الْأَحْكَام يُفْتِي بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده من مُوَافقَة أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَفِي بَعْضهَا قد يُفْتِي بخلافهم أَوْ بِخِلَاف الْمَشْهُور من مذاهبهم، وَمن اختياراته الَّتِي خالفهم فِيهَا أَوْ خَالف الْمَشْهُور من اقوالهم … وَالْقَوْل باستبراء المختلعة بِحَيْضَة وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَة والمطلقة آخر ثَلَاث تَطْلِيقَات" (٢). وقال ابن عثيمين: "قال شيخ الإسلام ﵀: إن كان أحد قال بأن المطلقة ثلاثاً لا يلزمها إلا حيضة واحدة ـ استبراء ـ فهذا هو الحق. قال صاحب الاختيارات: إنه قد نقل عن ابن اللبان القول بذلك، وعلى هذا فيكون قولَ شيخ الإسلام،

стр. 89

وأن المطلقة ثلاثاً تستبرأ فقط؛ لأن مقتضى النظر أن من لا رجعة عليها، لا تعتد إلا بحيضة، تُرك في المطلقة ثلاثاً؛ لأنه خلاف الإجماع" (١). وقد تكلم ابن القيم عن الذين علقوا القول على وجود قائلٍ به، فقال: "وقسم توقفوا وعلَّقوا القول، فقالوا: إن كان في المسألة إجماعٌ فهو أحق ما اتبع، وإلَّا فالقول فيها: كيت وكيت، وهو موجب الدليل، ولو عَلِم هؤلاء قائلًا به لصرحوا بموافقته، فإذا عُلم به قائلٌ، فالذي ينبغي ولا يجوز غيره أن يضاف ذلك القول إليهم؛ لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه لا قائلٌ به، وأنه لو كان به قائلٌ لصاروا إليه، فإذا ظهر به قائلٌ لم يجز أن يضاف إليهم غيرُه إلَّا على الوجه المذكور، وهذه الطريقة أسلم" (٢). وسواء كان هذا القول لابن تيمية أو لابن اللبان فهو قول لم يُسبق إليه، ففي موسوعة الإجماع أحد عشر عالمًا نقلوا الإجماع أن عدتها ثلاثة قروء (٣)، منهم ابن تيمية، فقد قال:

стр. 90

"الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الِاعْتِدَادَ بِثَلَاثِ قُرُوءٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ" (١). ولم ينقل الباحث في الموسوعة خلافًا في المسألة، وقال: "تحقق الإجماع على أن عدة المطلقة الحرة ذات الحيض ثلاثة قروء؛ وذلك لعدم وجود مخالف" (٢). وقد سبق ذكر الخلاف، لكنه قول لم يسبق إليه، قال الدكتور أحمد الخليل: "ولم يوجد بعد البحث إلاّ مخالف واحد" (٣). وقوى هذا القول ابن القيم بشرط عدم وجود إجماع، فقال: "وَقِيلَ: بَلْ عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ اللَّبَّانِ؛ فَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِالْإِجْمَاعِ فَالصَّوَابُ اتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ، وَأَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ فَقَوْلُهُ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ" (٤).

стр. 91

وذكر ابن عثيمين أن المعنى والقرآن قد يدل على أن الحيضة الواحدة تكفي، وذكر له بعض الأدلة (١)، لكنه قال في أحد المواضع: "أن الأحوط أن تعتد للعموم" (٢)، وفي موضع آخر قال: "والذي يظهر لي أن الأخذ بالعموم هو الأولى" (٣). وقال الدكتور أحمد الخليل: "المطلقة آخر ثلاث تطليقات فهذه عند الجماهير بل حكي إجماعًا أنها تعتد بثلاثة قروء، والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة وهو قول اختاره شيخ الإسلام وعلق القول به على وجود مخالف، وقد وجد المخالف وهو ابن اللبان ﵀ فإنه خالف الجماهير ورأى أنها تعتد بحيضة واحدة … من حيث الدليل القول الثاني قوي ولكني أقول لا ينبغي أبدا أن تعتد المطلقة آخر ثلاث تطليقات بحيضة واحدة، أولا لأنّ الإجماع محكي ولم يوجد بعد البحث إلاّ مخالف واحد ولهذا ليس من المستساغ أبدا أن تعتد بحيضة وتتزوج بعد ذلك لأنّ الخلاف في هذه المسالة قوي والاحتياط فيه متوجه" (٤).

стр. 92

المطلب التاسع عشر: حلّ المطلقة ثلاثا لزوجها الأول. اختار سعيد بن المسيب أن العقد وحده يكفي لحلّ المطلقة ثلاثا لزوجها الأول، ولا يشترط الجماع، قال ابن المنذر: "ولا نعلم أحداً من أهل العلم قال بقول سعيد" (١)، وقال ابن عبدالبر: "وَانْفَرَدَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ﵀ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ إِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَقَدْ حَلَّتْ بِذَلِكَ النِّكَاحِ وَهُوَ الْعَقْدُ لَا غَيْرَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ … أَظُنُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الْعُسَيْلَةِ هَذَا وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ فِيمَا عَلِمْتُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ (٢) " (٣).

стр. 93

ولم يوافق أحد سعيد بن المسيب على اجتهاده، قال عنه ابن تيمية: "هُوَ قَول شَاذ صحت السّنة بِخِلَافِهِ وانعقد الْإِجْمَاع قبله وَبعده" (١). وذكر القرطبي أن سعيد بن جبير وافق سعيد بن المسيب، فقال: "وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ (مَعَانِي الْقُرْآنِ) لَهُ، قَالَ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ هَاهُنَا الْجِمَاعُ … إِلَّا سَعِيدَ بن جبير" (٢)، وتابع القرطبي بعض المعاصرين (٣). ولعل في هذا النقل عن سعيد بن جبير وهمًا، فإن الذي انفرد عن أهل العلم هو سعيد بن المسيب وليس سعيد بن جبير، ولم يذكر أحد من أهل العلم-حسب بحثي المتواضع- هذا عن سعيد بن جبير إلا النحاس. ونسب الزيلعي- وهو متأخر- هذا القول لداود الظاهري، وبشر المريسي (٤)، ولم أجد من سبقه إلى هذا النسبة حتى

стр. 94

الظاهرية أصحاب داود لم ينسبوه له (١)، ولو كان قوله لاشتهر عند خصوم الظاهرية أكثر من شهرته عند أصحابه لمخالفته لظاهر الحديث، لكن لم يذكره أحد غير الزيلعي. وقد ذكر صاحب كتاب فقه سعيد بن المسيب هذه النقول بصيغة التمريض، فقال: "ونُقل القول بعدم اشتراط الدخول عن سعيد بن جبير، وداود، وبشر المريسي" (٢)، ولم يشر إلى غير القرطبي والزيلعي، وقد ذكر أن هذا القول اشتهر عن سعيد بن المسيب، وأشار إلى جملة من المراجع (٣). وشكك ابن كثير في صحة هذا القول عن سعيد بن المسيب واستبعده، فقال: "وَاشْتُهِرَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، ﵀، أَنَّهُ يَقُولُ: يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ تَحْلِيلِهَا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الثَّانِي. وَفِي صِحَّتِهِ عَنْهُ نَظَرٌ" (٤)، ثم ذكر أن ابن المسيب ممن روى حديث العسيلة عن ابن عمر، ثم قال: "فَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ

стр. 95

ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، عَلَى خِلَافِ مَا يُحْكَى عَنْهُ، فَبِعِيدٌ أَنْ يُخَالِفَ مَا رَوَاهُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ" (١)، وقال صاحب كتاب فقه سعيد بن المسيب: "وما قاله ابن كثير حق … فلا بد من رجوعه عن قوله إلى ما بلغه عن رسول الله ﷺ " (٢) وَجاء "فِي (كتاب الْقنية) لأبي الرَّجَاء مُخْتَار بن مَحْمُود الزَّاهدِيّ: إِنْ سعيد بن الْمسيب رَجَعَ عَنْ مذْهبه" (٣). ونفي صحة القول أو إثبات رجوعه يحتاج إلى برهان بعدما ثبت عنه أنه قال بهذا القول، أما استبعاد ذلك لأنه روى الحديث وبعيد أن يخالف ما رواه فهو لا يعد دليلًا بيّنًا؛ لأنه قد ثبت أن بعض العلماء خالفوا بعض الأحاديث التي رووها لأدلة أخرى، كما ثبت عن الإمام مالك في حديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا (٤). وقد روى ابن حزم "مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ

стр. 96

تَتَزَوَّجُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: أَمَّا النَّاسُ فَيَقُولُونَ: يُجَامِعُهَا، وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَقُولُ: إذَا تَزَوَّجَهَا بِتَزْوِيجٍ صَحِيحٍ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إحْلَالًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ" (١). فهذا دليل على أنه خالف قول الناس عن علم به، ومن المستبعد ألا يعرف دليل قول هؤلاء الناس الذي خالفهم فيه، أو أنه لا يسألهم عن دليلهم، أو يتركه الناس دون أن يذكروا له الدليل، وقد يكون خلاف سعيد ابن المسيب مع الجمهور في مفهوم الحديث فهو يرى أن المرأة في حديث العسيلة لم ترد الزواج إلَّا للتحليل، وقد روي عنه أن نية المرأة كالرجل مؤثرة في العقد، قال ابن تيمية: "وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إذَا هَمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ نِكَاحُ مُحَلِّلٍ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ" (٢)، فأراد النبي ﷺ أن يغلق الباب على أهل التحليل باشتراط الجماع، فإن أهل المروءات تعاف نفوسهم الأذن لزوجته أن يجامعها رجل آخر لتعود له، فقد يكون ابن المسيب يرى أن من كان نكاحه للتحليل فلا يجوز له الرجوع، وأن من تزوجها بتزويج صحيح فيكفي العقد لعموم الآية، والحديث لا يخصصها، والله أعلم.

стр. 97

المطلب العشرون: كفارة اليمين في الحلف بالطلاق. اختار ابن تيمية أن الحالف بالطلاق لم تطلق منه امرأته وأن عليه كفارة يمين، وإن كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين، قال الذهبي: "وذهب شيخنا ابن تيمية -وهو من أهل الاجتهاد لاجتماع الشرائط فيه- أنّ الحالف عَلَى شيء بالطلاق لم تطلق منه امرأته بهذه اليمين، سواء حنث أو بر، ولكن إذا حنث في يمينه بالطلاق قَالَ: يكفر كفارة يمين، وقال: إنّ كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين، وإنّ قصد بقوله: إنّ دخلت الدار فأنت طالق، شرطًا وجزاءً فإنّها تطلق ولا بد، كما إذا قَالَ لها: إنّ أبريتني من الصداق فأنت طالق، وإن زنيت فأنت طالق. وإذا فرغ الشهر فأنت طالق، فإنها تطلق منه بالإبراء، والزنا، وفراغ الشهر، ونحو ذَلِكَ. لكن ما علمنا أحدًا سبقه إلى هذا التقسيم ولا إلى القول بالكفارة، مَعَ أنّ ابن حزم نقل في كتاب الإجماع لَهُ خلافًا في الحالف بالعتاق والطّلاق، هَلْ يكفر كفارة يمين أم لَا؟ ولكنه لم يسم من قال بالكفارة … ولم يأتنا نص عَنْ أحدٍ من البشر بكفارة لمن يحلف بالطلاق، وقد أفتى بالكفارة شيخنا ابن تيمية مدّة

стр. 98

أشهر، ثمّ حرَّم الفتوى بها عَلَى نفسه من أجل تكلم الفُقَهاء في عرضه، ثم مُنع من الفتوى بها مطلقاً" (١). وقال ابن عثيمين: "يمين الطلاق أول من نشره هو شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يعرف يمين الطلاق في السلف (٢)، الذي عرف هو يمين العتاق، لكن يمين الطلاق لم يكن معروفًا … أنا أقول لكم الآن لم يكن اليمين بالطلاق معروفًا ومشهورًا إلا من شيخ الإسلام فما بعد، " (٣). والذي نشره ابن تيمية هو الكفارة في يمين الطلاق، أما يمين الطلاق فقد كان موجودًا من قبل كما قال ابن حزم:

стр. 99

"وَاخْتلفُوا فِي الْيَمين بِالطَّلَاق أهوَ طَلَاق فَيلْزم أَوْ يَمِين فَلَا يلْزم" (١)، فالخلاف بينهم إنما كان في: هل يلزم منه الطلاق أو يكون لغو يمين فلا يلزم الطلاق ولا الكفارة؟ فجمهور العلماء على أنه يلزمه طلاق، والقول الثاني أخذ به بعض العلماء وهو أنه لا يلزمه طلاق ولا كفارة (٢). وقد ذكر ابن حزم في كتابه الإجماع مجموعة من الأيمان كالحلف بِشَيْء من غير أَسمَاء الله أَوْ بنحر وَلَده أَوْ هَدْيه أَوْ نحر أَجْنَبِي أَوْ هَدْيه أَوْ بالمصحف أَوْ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِنذر أخرجه مخرج الْيَمين أَوْ بِأَنَّهُ مُخَالف لدين الإسلام أَوْ بِطَلَاق، وغيرها، ثم قال بعدها: "أيكفر أم لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ؟ " (٣)، ولم يسم من قال بالكفارة في يمين الطلاق، وحتى في المحلى لما بحث المسألة لم يذكر أحدًا قال بالكفارة في يمين الطلاق، إنما ذكر من ألزمه بالطلاق، أو من لم يلزمه بشيء (٤).

стр. 100

واختار قول ابن تيمية بهذا التقسيم والكفارة الشيخ ابن باز (١)، والشيخ ابن عثيمين (٢)، واللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء (٣). وقد ذكر أحد الباحثين في اختيارات ابن باز أنه يختار هذا التقسيم والقول بالكفارة ثم قال: "وهو مذهب الظاهرية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو قول شريح، وطاووس" (٤). ويُفهم منه أن شريح وطاووس والظاهرية يقولون كالقول الذي اختاره ابن باز فيكونون أسبق بهذا القول من ابن تيمية، لكن بالرجوع للمصادر التي أحال عليها الباحث تبين أن قولهم هو عدم اعتبار الحلف بالطلاق يمينًا وأن من حلف بالطلاق لا يلزمه شيء، ولم يقل أحد منهم أن اليمين تلزمه، وأن عليه الكفارة، قال ابن حزم: "وَالْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ - سَوَاءٌ بَرَّ أَوْ حَنِثَ - لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا طَلَاقَ إلَّا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ،

стр. 101

وَلَا يَمِينَ إلَّا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ " (١)، وجاء في إعلام الموقعين: "إنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ، وَلَا يَقَعُ عَلَى الْحَانِثِ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ خَلْقٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ … وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ … فَهَؤُلَاءِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَشُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ لَا يَقْضُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ" (٢).

стр. 102

المبحث الرابع: القول بما لم يسبق به قول بين التأصيل والتطبيق (ابن عثيمين أنموذجًا) في مبحث التأصيل تبيّن أن العلماء اتفقوا على منع إحداث قول ثان، وأن جمهورهم يمنعون العالم أن يُحدث قولًا ثالثًا مطلقًا، لكن في مبحث التطبيقات لا تكاد تجد مجتهدًا إلا وله أقوال لم يسبق إليها، أو وافق غيره من المجتهدين على أقوال لم يسبقوا إليها، بل إن غالب التطبيقات في هذا البحث وغيره مما لم أذكره كان في إحداث أقوال ثانية، والذي اتفق العلماء على منعه، وقد ذكرت عشرين مسألة نوَّعت فيها بين أقوال الأئمة المجتهدين من المتقدمين والمعاصرين، من أئمة المذاهب وغيرهم، وتركت مسائل كثيرة (١) اكتفاءً من القلادة بما أحاط بالعنق.

стр. 103

وتبيَّن في هذه التطبيقات أنهم قد يَردُّون القول أحيانًا؛ لأنه لم يسبق إليه، ثم يقبلون قولًا لم يسبق إليه، أو يأتون به، ويحتجون أحيانا بإجماع-خصوصًا في الخلاف- ثم ينقضون مثله في مسألة أخرى، بل قد يكون في نفس المسألة كما قال ابن تيمية عن ابن حزم أنه: "ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو أيضًا" (١). وذكر أحد الباحثين في إجماعات ابن تيمية في كتاب الطهارة أنه "حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف، ثم خالف فيه هو ﵀" (٢)، ونقل ابن عثيمين الإجماع على أن رطوبة فرج المرأة ينقض الوضوء قبل خلاف ابن حزم ثم اختار بعد ذلك قول ابن حزم (٣). وهذا لا يُناقض ما سبق ذكره من أنهم يتهيبون الإقدام على قول لم يسبقوا إليه، فهم لا يقدمون إلا بعد تريث وتأمل

стр. 104

ومراجعة، يقول ابن عثيمين: "إذا رأيت قولًا مخالفًا لقول الجمهور فلا تتسرع في القول به، وإن كان عندك أنه الموافق للسنة لا تتسرع حتى تُمحص المسألة وتُراجع من هنا وهناك" (١)، وقال: "قاعدة: إذا رأيت جمهور العلماء على خلاف أمرٍ أنت تعتقده من الحديث، فيجب عليك زيادة البحث" (٢)، وهذا في مخالفة الجمهور، فإن كان في مخافة الجميع فهو من باب أولى. ولكنَّ أقوالهم هذه - وإن لم تكن كثيرة - لا توافق ما أصلّوه في كتب الأصول من منع إحداث قول ثان أو ثالث، وهذا يستدعي الباحث ألَّا يكتفي بالتأصيل دون النظر للتطبيق، فإن التأصيل يراد للتطبيق، وقد استُنْبطت الأصول من فتاوى العلماء وآرائهم، وعملهم، والتطبيق العملي أحد الأدلة التي تبين قوة القول أو ضعفه (٣)، فقد نقض بعض العلماء على الحنفية أصلهم بأنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المنُّصُوصِ نَسْخٌ بتطبيقات عندهم

стр. 105

خالفوا أصلهم فيها كـ"اشْتِرَاطِهِمْ فِي ذَوِي الْقُرْبَى الْحَاجَةَ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَمُخَالَفَةٌ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ فِيهِ، وَفِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مُسْتَنِدِينَ لأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ" (١). وكذلك لما نص الشافعية على عدم اعتبار سد الذرائع أصلًا (٢)، رُد عليهم بأنهم أعملوها في فروعهم الفقهية (٣)، قال الزركشي: " وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَسَدُّ الذَّرَائِعِ ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ تَأْصِيلًا، وَعَمِلُوا عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ فُرُوعِهِمْ تَفْصِيلًا" (٤). ويَرد كثيرا في كتب الأصول: أن الأمر للوجوب، لكن لما قام ابن عثيمين بدراسة التطبيقات على ذلك، قال: "فالمسألة لا تطرد في كل شيء … وإن طردت القاعدة للوجوب اختلت وانتقضت عليك بمسائل كثيرة فيها أوامر، ولا يقال: إنها للوجوب، لكن على كل حال: العلماء في

стр. 106

أصول الفقه أصلوا هذه القاعدة؛ لكن تطبيقها في كل مسألة جزئية فيه شيء من الصعوبة … فأنا أجد أنه يمر بنا الكثير من الأوامر، وهي عند العلماء-إما كلهم حسب علمنا، وإما أكثرهم- ليست للوجوب" (١). وهذا ما دعاه أن يعيد النظر في هذا التأصيل، فقال: "وما زلت منذ حين أتدبر وأتأمل: كيف نجد ضابطًا يضبط جميع النصوص الواردة في كل نص بعينة؟ ولم أستطع" (٢)، ولولا نظره وتأمله في تطبيقات العلماء لهذه القاعدة لما أعاد النظر فيها، وحاول أن يجد ضابطًا يضبطها. وعندما أنهيت المبحث الخاص بالتطبيقات أحببت أن أقوم بمقارنة بين التأصيل والتطبيق؛ ووجدت أن ابن عثيمين هو العالم الذي ورد ذكره أكثر من غيره - ولم أقصد ذلك ولكن جاء اتفاقًا -، وهو عالم يستحق الدراسة؛ لتأخر عصره، ولما لآرائه من أهمية وقبول ﵀، ورحم جميع علماء المسلمين، وجزاهم خير الجزاء على ما قدموه لنا.

стр. 107

ففي التأصيل اختار ابن عثيمين أن العلماء إذا اختلفوا في مسألة على قولين فلا يجوز إحداث قول ثالث؛ لمخالفة الإجماع (١)، وسُئل عن المجتهد إذا وقف على حديثٍ صحَّ عنده، ثم بحث في المسألة، فلم يجد له سلفًا، هل يقول بها أو لا؟، فأجاب: "لا يقول بها، ولهذا نجد العلماء الجهابذة الكبار إذا بحثوا في آية، أو حديث، ولم يكن عندهم علم بقائل يقول: إن كان أحد قال بذلك، كما قاله شيخ الإسلام ﵀ في المبتوتة إذا حاضت حيضة واحدة هل تنقضي عدتها أم لا؟ فقال: إن كان أحد قال بذلك فهو حق" (٢). وفي حديثه عن إحداث دليل أو معانٍ لم تكن معروفة عند السلف، قال: "لو خالف ما أجمع عليه السابقون، فإننا لا نقبله" (٣). وعلى هذا التأصيل فإن على العالم ألَّا يقبل قولًا أتى به عالم ولم يسبق إليه، فضلًا على أن يأتي هو بقول لم يسبق

стр. 108

إليه، وقد سار ابن عثيمين على ذلك في غالب المسائل، فإنه رد أقوالًا؛ لأنه لم يقل بها أحد (١)، وتوقف عن القول بأقوال يرى أنها صحيحة أو صواب أو وجيهة لأنه لا يعرف قائلًا بها (٢)، ومنها قوله: "لو قال أحد من أهل العلم: إذا خلع الخف على طهارةٍ مسحٍ ثم أعاده قبل أن ينتقض وضوءه، فإنه يجوز أن يمسح، لو قال أحد بهذا القول فهو قولي" (٣)، بل إنه صرف الأمر عن الوجوب لأنه لا يعلم من أهل العلم من قال به، ففي مسألة إعلان النكاح قال: " «أعلنوا» أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن لا يُعلم من أهل العلم من قال بوجوب إعلان النكاح، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب، والصارف له أنه لم يقل به أحد من أهل العلم" (٤).

стр. 109

ورد أقوال علماء لأنهم لم يسبقوا إليها، كما فعل مع قولٍ للصنعاني، فقد قال: "ولكنِّي ما رأيت أحداً من أهل العلم قال: إنَّ مَنْ كان بداخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولاً في «سُبُل السَّلام شرح بلوغ المرام» لم يعزُه لأحد، ولكنَّه قاله تَفَقُّهاً من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قَبْله فهو غير مُسَلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أنه من كان يمكنه مشاهدتها ففرضُه إصابةُ العين" (١). وكما فعل أولًا في مسألة رطوبة فرج المرأة عندما بيَّن أن ابن حزم لم يسبق لهذا القول، ثم رده لأجل ذلك، فقال: "ولكن بعد البحث التام لم أجد أحداً من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقاً حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء، وأنا أقول: إذا وُجد أحد من سلف الأمة يرى أنه لا نقض بهذه الرطوبة فإن قوله أقرب إلى الصواب من القول بالنقض … وأما إذا لم تجدوا فليس لنا أن نخرج عن إجماع الأمة" (٢).

стр. 110

ولكن في التطبيقات نجد أن ابن عثيمين اختار أن تحريم آنية الذهب والفضة خاص بالأكل والشرب فقط (١)، وأن دم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد (٢)، وأن رطوبة فرج المرأة لا ينقض الوضوء (٣)، وأن أكثر مدة النفاس ستون يومًا (٤)، وأن تارك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه (٥)، وأن صلاة التطوع مضطجعًا دون عذر جائزة (٦)، وأنه لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ (٧)، وأن الحالف بالطلاق لم تطلق منه امرأته وأن عليه كفارة يمين، وإن كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين (٨).
следующие страницы →