← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1107

القول بما لم يسبق به قول

مرضي العنزي

Полный текст (149 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى هداه، أما بعد: فمن قواعد الحياة أنها لا تدوم على وتيرة واحدة، بل هي في تغير دائم، وتطور مستمر، وهذه إحدى السنن الكونية، قال ابن خلدون: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم، لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده" (١). وقد أدرك النبي ﷺ سنة التغير في الحياة فشجع أصحابه على الاجتهاد؛ ليعرفوا حكم الوقائع المستجدة مع تجدد

стр. 2

الحياة، فعن عمرو بن العاص: ﵁ "أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» " (١)، وقد أقر النبي ﷺ الصحابة الذين بعثهم إلى بني قريظة على اجتهادهم في أداء وقت صلاة العصر، مع الاختلاف بين الاجتهادين، فعن ابن عمر ﵁، قال: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (٢)، وفي إقراره لهم ﷺ على هذا الاختلاف تشجيع لهم على الاجتهاد. ولقد سار الصحابة ﵃ على النهج الذي رسمه لهم رسول الله ﷺ ، وكانوا أولى الناس باتباع نهجه، واقتفاء سيرته، فكان لهم الكثير من الاجتهادات في شتى نواحي الحياة، يقول

стр. 3

الجويني: "لم يخلُ أحد من علماء الصحابة من الاجتهاد في مسائل، وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة، فقد صح النقل المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها، أو أفتى بها" (١). وكان منهجهم أنهم يتفاعلون مع القضايا التي تحتاج لاستخراج حكم فيها، سواء كانت هذه القضايا في السياسة، أو القضاء، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأحوال الشخصية (٢)، فما كانوا يؤجلون النظر في معالجة النازلة لاستخراج حكمها، وفق ما وضعوه من معالم للاجتهاد (٣)، وفتحوا بذلك لمن بعدهم من العلماء باب الاجتهاد، يقول ابن القيم: "فالصحابة ﵃ مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله" (٤).

стр. 4

وظل العلماء على ذلك حتى انتهت عصور أئمة المذاهب، ودُونت آراؤهم، وشاع العمل بها، ثم رأى بعض العلماء أن في هذه المذاهب كفاية، وأن على المسلم التزام مذهب منها (١)، وأنه لا يوجد مجتهد بعد أئمة المذاهب، فقد نقل الصنعاني عنهم قولهم في الاجتهاد الْمُطلق أنه "اختتم بالأئمة الْأَرْبَعَة حَتَّى أوجبوا تَقْلِيد وَاحِد من هَؤُلَاءِ على الْأمة" (٢)، وقال

стр. 5

ابن الصلاح: "وقد ذكر بعض الأصوليين منا: أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل" (١). وقد يكون السبب في حصر الاجتهاد على عصور الأئمة "ادّعاء الاجتهاد من غير أهله، والتصدي للفتوى وإبداء الآراء المخالفة لأبسط الأسس والقواعد الشرعية، ولذلك أعلن كثير من العلماء غلق باب الاجتهاد؛ لسد الطريق أمام الجهال أو أنصاف العلماء، للوقوف حصرًا على أقوال المذاهب المنتشرة والسائدة" (٢). إضافة إلى "عدم اعتداد الْعَامَّة باجتهادات الْعلمَاء المعاصرين وثقتهم بالعلماء الْمُتَقَدِّمين وخوف الْحُكَّام من اسْتِمْرَار الاجتهاد لما كَانَتْ تسببه اجتهادات بعض الْمُجْتَهدين لَهُمْ من تشويش وإحراج وقلق، يَتَّضِح جليًا بعد إمعان النّظر فِي هَذِه الْأَسْبَاب بِأَنْ مخاوف الْعلمَاء فِي اسْتِمْرَار الاجتهاد الْتَقت مَعَ رَغْبَة الْحُكَّام والساسة على إغلاق الِاجْتِهَاد وَإِنْ اخْتلفت الْمَقَاصِد والأهداف" (٣).

стр. 6

ووُضع للاجتهاد شروط شديدة لو طبقت "لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ" (١)، يقول ابن عثيمين: "وهذه الشروط لو أردنا أن نطبقها لم نجد مجتهدًا منذ تسعمائة سنة؛ لأنها شروط قاسية" (٢). بل تجاوز الأمر إلى إخراج بعض الأئمة من درجة هذا الاجتهاد عالي الأسوار مغلَّق الأبواب؛ "فَالشَّافِعِيُّ عِنْدَهُمْ مقلِّد فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فِي انْتِقَادِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَذَلِكَ" (٣)، وهو أيضًا ملتزم بِمذهب إِبْرَاهِيم النخعي وأقرانه ولَا يخرج عَمَّا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء الْكُوفَة إِلَّا مَا شَاءَ الله وَكَانَ اجتهاده فِي التَّخْرِيج فقط ولم يكن مجتهدًا مطلقًا (٤)، وأحمد بن حنبل "ليس بفقيه، لكنه مُحَدِّث" (٥)، و"مقلّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد" (٦)، إلى غير ذلك من دركات الكلام.

стр. 7

وقد استولى على بعض أتباع المذاهب "التعصب المذهبي، والعكوف على نصوص الأئمة والفقهاء السابقين، وإثارة الخلافات المذهبية، والمناظرات والمجادلات الضيقة، والوقوف على الفروع الفقهية والجزئيات الخلافية" (١)، مِمَّا جعل الْكثير مِنْ العلماء "يحجم عَنْ الِاجْتِهَاد خوفًا من أَنْ يكيد لَهُ أعداؤه ويرموه بالابتداع فوقفوا عِنْد أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين" (٢). وكان من أثر ذلك "أن فترت الهمّة، وجمد النشاط، وخف الاجتهاد إلى أدنى مستواه، وانصرف معظم الفقهاء إلى تدوين الكتب المذهبية والخلافية، واختصارها في متون، ثم وضع الشروح والحواشي عليها، وجمع أقوال إمام المذهب، ولمّ شتات الوجوه وأقوال الأصحاب والأتباع" (٣). ومالم يكن للمتقدمين قول فلا يجرؤ أحد من أهل العلم على قول لا سابق به، حتى لو وجد ما يدعمه من مقاصد الشريعة، وأدلتها، وقواعدها، "ولم ينج من هذه الظاهرة سوى القلة النادرة" (٤).

стр. 8

وقد رماهم مخالفوهم بشتى الأوصاف، وأوذوا نفسيًا وبدنيًا (١)، وكان جوابهم لهم: بأنه "يجوز أن لا يتقدم به قائل ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على خلافه؛ إذ لعل تلك النازلة تكون قد نزلت فأفتى فيها بعض العلماء أو كثير منهم أو أكثرهم بذلك القول ولم يستفت فيها الباقون ولم تبلغهم فحفظ فيها قول طائفة من أهل العلم، ولم يحفظ لغيرهم فيها قول، والذين حُفظ قولهم فيها ليسوا كل الأمة فيحرم مخالفتهم … فنحن في مخالفتنا لمن ليس قوله حجة أعذر منكم في مخالفتكم لمن قوله حجة فإن كنتم معذورين في مخالفة الدليل لقول من بلغتكم أقوالهم مع أنهم ليسوا كل الأمة فنحن في مخالفتهم لقيام الدليل أعذر عند الله ورسوله منكم" (٢). وظل هذا هو الغالب على الحياة العلمية، فكل قول لم يسبق به قائل يرفض، ويقاوم القول وقائله، وتكثر التآليف بين الرد والجواب، وتحشد جميع الأدلة في نصرة الآراء، ومن المحير للقارئ أنه يجد أن كل عالم من الأئمة المتبوعين

стр. 9

أتى بقول لم يسبق إليه، وأن الذين يردون القول الذي لم يسبق إليه، قد قبلوا أقوالا لم يسبق إليها، وتجد في الآراء التي يؤيدونها استدلالا بأدلة، ثم لا يقبلون بهذه الأدلة إذا استدل بها خصمهم عليهم، فيجدون من المسوغات لردها، ما يستدل به عليهم خصمهم في رد آرائهم. ثم بعد زمن تصبح بعض هذه الأقوال المرفوضة مقبولة، وقد تكون عليها الفتوى في بعض البقاع، وما كان منتشرًا مقبولًا قد يصبح مهجورًا محاربًا، وهذا ما يدعوا الباحث للنظر في هذه القضية، ودراستها تأصيلًا وتطبيقًا، ليصل لنتيجة فيها أو يقارب، وهو ما حفزني لكتابة هذا البحث في (القول بما لم يسبق به قول، دراسة فقهية تأصيلية تطبيقية)، وقد قسمته بعد المقدمة إلى: تمهيد، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف بعنوان البحث المطلب الثاني: تهيب العلماء من القول بما لم يسبق به قول. المبحث الأول: حكم القول بما لم يسبق به قول. المبحث الثاني: مخالفة النص أو الإجماع.

стр. 10

المبحث الثالث: تطبيقات فقهية لأقوال لم يسبق بها قول، وفيه عشرون مطلبا تفصيلها في البحث. المبحث الرابع: القول بما لم يسبق به قول بين التأصيل والتطبيق (ابن عثيمين أنموذجًا) الخاتمة؛ وفيها أبرز النتائج. وبعد؛ فقد بذلت الجهد في إخراج هذا البحث على أتم وجه، لكنَّ العمل البشري لا يخلو من نقص، فما تم منه فمن تيسير الله وفضله، وما نقص فمن تقصيري والشيطان، عسى الله أن يتوب عليَّ ويتجاوز عني إنه هو الغفور الرحيم. كتبه: د. مرضي بن مشوح العنزي جوال: ٠٠٩٦٦٥٠٣٣٨٠٣٣٢ إيميل: murdi ١٠٠@hotmail.com

стр. 11

المطلب الأول: تعريف بعنوان البحث (القول بما لم يسبق به قول) عنوان البحث يتكون من مصطلحين رئيسين، وللتوصل لتعريف عنوان البحث لابد من تعريف هذين المصطلحين، وهما: القول: والسبق. فالقول لغة: "كُلُّ لَفْظٍ قَالَ بِهِ اللِّسَانُ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا" (١)، قال ابن فارس: "الْقَافُ وَالْوَاوُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَقِلُّ كَلِمُهُ، وَهُوَ الْقَوْلُ مِنَ النُّطْقِ" (٢) والقول اصطلاحًا: الاعتقادات والآراء؛ فقد تجوَّز العلماء فأطلقوا القول على الاعتقادات والآراء، فيقولون: قول أبي حنيفة ويعنون بذلك رأيه في المسألة المطروحة، وقد

стр. 12

يقرنون بين القول والرأي وهما بمعنى واحد إنما لتنويع العبارة، فيقولون: أَقْوَال الْعُلَمَاءِ وَآرَاءهُمْ (١). وإنما تجوَّز العلماء في إطلاق القول على الآراء والاعتقادات؛ لأنها سبب له، قال ابن منظور: "فأَما تَجوُّزهم فِي تَسْمِيَتِهِمْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْآرَاءَ قَوْلًا فلأَن الِاعْتِقَادَ يخفَى فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ القَوْل مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَا تَظْهَرُ إِلا بالقَوْل سُمِّيَتْ قَوْلًا إِذْ كَانَتْ سَبَبًا لَهُ، وَكَانَ القَوْل دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا يسمَّى الشَّيْءَ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذا كَانَ مُلَابِسًا لَهُ وَكَانَ الْقَوْلُ دَلِيلًا عَلَيْهِ" (٢). وأما السبق في اللغة فهو: التقدم، قال ابن فارس: "السِّينُ وَالْبَاءُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ" (٣)، يُقَالُ "سَبَقَه يَسْبُقُه ويَسْبِقُه سَبْقاً: تقدَّمه" (٤). وفي الاصطلاح لا يخرج عن المعنى اللغوي.

стр. 13

وبعد بيان معنى القول والسبق نستطيع الاقتراب من معنى عنوان البحث، فالمراد بـ"القول بما لم يسبق به قول": هو الرأي الذي لم يُقدم ويقال في نفس المسألة من قبل.

стр. 14

المطلب الثاني: تهيُّب العلماء من القول بما لم يسبق به قول. اشتهر عن السلف ﵃ تهيبهم من الكلام فيما يعرض عليهم من مسائل الدين، مستحضرين في ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. قال عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: «أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ» (١)، وفي رواية: «مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إِيَّاهُ، وَلَا يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفَتْوَى» (٢).

стр. 15

وحتى لو تكلموا في مسائل الدين التي يعرفون فإنهم لا يجزمون بالتحليل والتحريم، قال ابن القيم: "قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَلَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا، وَلَا أَدْرَكْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ يَقُولُ فِي شَيْءٍ: هَذَا حَلَالٌ، وَهَذَا حَرَامٌ، وَمَا كَانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ كَذَا، وَنَرَى هَذَا حَسَنًا؛ فَيَنْبَغِي هَذَا، وَلَا نَرَى هَذَا" (١). وخوفهم هذا كان من قولٍ يعرفونه أو حُكمٍ سُبقوا إليه، أما أن يسبق أحدهم غيره لقول جديد في مسألة فهذا من أشق الأمور عليهم؛ لمعرفتهم أنهم يتكلمون عن حكم الله في هذه المسألة، وهذا ليس بالأمر الهين لمن عظم الله في نفسه، ووضع نصب عينيه قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].

стр. 16

ثم سار من بعدهم على سنتهم موصين أنفسهم وتلامذتهم بما قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ موصيًا أحد تلامذته: "إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ" (١). واشترط العلماء للمجتهد أن يكون عالما بمواضع الإجماع كي لا يخرقه فيأتي بقول شاذ لم يسبق إليه (٢). وكان من أسباب تضعيف القول عندهم أن قائله لم يسبق إليه، فيردونه لأجل ذلك، وقد يصفونه بالشذوذ (٣)، كما قال أبو الطيب القاضي عن قول لأبي جعفر الترمذي: "هَذَا شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ" (٤). وكان بعضهم إذا اجتهد في مسألة عقَّب عليها بأن هذا لا يعد قولا له إن لم يسبق إليه، ففي مسألة المطلقة آخر

стр. 17

التطليقات الثلاث قوى ابن تيمية أنها تعتد بحيضة واحدة لكنه اشترط ألَّا يكون القول مخالفًا للإجماع، فقال عن القول الأول وهو أنها تعتد بثلاث حيض: " فَإِنْ كَانَ هَذَا إجْمَاعًا: فَهُوَ الْحَقُّ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ" (١)، وذكر البعلي أن اختيار ابن تيمية أنها تعتد بحيضة ثم قال: "علَّق أبو العباس القول بذلك على أن لا يكون الإجماع على خلافه" (٢). وفي مسألة تحريم نَظِيرُ الْمُصَاهَرَةِ بِالرَّضَاعِ، قال ابن القيم: "حَرَّمَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ شَيْخُنَا وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ قَالَ أَحَدٌ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، فَهُوَ أَقْوَى" (٣). وتكلم ابن عثيمين عن حكم إدخال الحج على العمرة مع سعة الوقت، فقال: "لولا أن بعضهم حكى الإجماع في الجواز لقلنا بعدم الجواز، فإن كان أحد من العلماء يقول بأنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة إلا عند الضرورة الشرعية أو الحسية؛ فهذا القول أقرب للصواب بلا شك" (٤).

стр. 18

وسئل ابن عثيمين عن المجتهد إذا وقف على حديثٍ صحَّ عنده، ثم بحث في المسألة، فلم يجد له سلفًا، هل يقول بها أو لا؟، فأجاب: "لا يقول بها، ولهذا نجد العلماء الجهابذة الكبار إذا بحثوا في آية، أو حديث، ولم يكن عندهم علم بقائل يقول: إن كان أحد قال بذلك، كما قاله شيخ الإسلام ﵀ في المبتوتة إذا حاضت حيضة واحدة هل تنقضي عدتها أم لا؟ فقال: إن كان أحد قال بذلك فهو حق " (١). ولا يعني هذا أنهم يتوقفون عن الاجتهاد ويظلون مكتوفي الأيدي خصوصًا عندما تدعوهم النوازل وحاجة الناس لرأي العلماء فيها، فإنه لا يكاد يوجد مجتهد إلا وله قول لم يقل به أحد قبله (٢). لكنهم يفعلون ذلك مع أشد التهيب والحذر؛ لأن الأمر جلل، فقد توقف الشاطبي-وهو أبو المقاصد- في مسألة الاشتراك باللبن؛ لأنه لم يجد نصًا في المذهب بخصوصها، مع أن من الأدلة على جواز الاشتراك فيه مقصدًا من مقاصد

стр. 19

الشريعة وهو رفع الحرج والتيسير على الناس (١)، فقال: "هذا ما ظهر لي فيها من غير نص في خصوص المسألة أستند إليه؛ ولذلك توقفت عن الجواب فيها" (٢) ثم وجد مسألة في المذهب تشبهها قال الإمام مالك بجوازها لحاجة الناس ثم ختم الجواب بقوله "فهذا كله مما يدل على صحة ما ظهر لي في اللبن والله أعلم والظاهر جوازه عملًا بهذا الأصل المقرر في المذهب" (٣). فمع أن في المسألة مقصدًا وهو رفع الحرج والتيسير على الناس فإنه لم يفت به وتهيب أن يأتي بقول لم يجد نصًا في المذهب بخصوصه حتى وجد مسألة تشبهها في المذهب فأفتى به منشرح الصدر، ولما تكلم ابن تيمية بكلام طويل عن حكم طواف الحائض للضرورة، وأجاز لها ذلك دون أن يكون عليها دم، وهو قول لم يسبق إليه، ختم بحثه بكلام يهز الوجدان دلالة على عظم الإقدام على ذلك، فقد قال: "هَذَا هُوَ الَّذِي تَوَجَّهَ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

стр. 20

وَلَوْلَا ضَرُورَةُ النَّاسِ وَاحْتِيَاجُهُمْ إلَيْهَا عِلْمًا وَعَمَلًا لَمَا تَجَشَّمْت الْكَلَامَ حَيْثُ لَمْ أَجِدْ فِيهَا كَلَامًا لِغَيْرِي فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِمَّا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ فَإِنْ يَكُنْ مَا قُلْته صَوَابًا فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَإِنْ يَكُنْ مَا قُلْته خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْ الْخَطَأِ وَإِنْ كَانَ الْمُخْطِئُ مَعْفُوًّا عَنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" (١).

стр. 21

المبحث الأول: حكم القول بما لم يسبق به قول القول بما لم يسبق به قول يشمل أن يأتي المجتهد بقول يكون أولًا، أو ثانيًا، أو ثالثًا، ويؤتى بالقول الأول - غالبًا - في النوازل، وعمل العلماء أنهم لا يتوقفون في النوازل دون أن يبينوا الحكم فيها، ولم يخل الزمن من مجتهد يبين للناس أمور دينهم، وذكر ابن القيم أنه إذا حدثت حادثة فإنه "يُسْتَحَبُّ أَوْ يَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَأَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي" (١)، والكلام في النوازل غير مراد في البحث. إنما المراد القول في مسألة سبق كلام العلماء فيها، فإن كان في المسألة قول واحد، فقد "اتفقوا على منع إحداث قول ثان" (٢)، وقال ابن تيمية: "كُلُّ قَوْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ

стр. 22

وَلَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأً" (١)، وقال الشاطبي: "كُلُّ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ الْأَوَّلِينَ فَهُوَ عَلَى خَطَأٍ، وَهَذَا كافٍ" (٢). فأما إن كان في المسألة قولان (٣)، فقد اختلف الأصوليون في حكم إحداث قول ثالث على ثلاثة أقوال (٤): القول الأول: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقًا، وهو قول جمهور الأصوليين (٥).

стр. 23

القول الثاني: أن إحداث قول ثالث جائز مطلقًا، وهو قول بعض الأصوليين (١). القول الثالث: أن إحداث قول ثالث جائز بشرط ألا يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان، وهو قول بعض الأصوليين (٢). أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن إجماع العلماء على قولين دليل على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على قول واحد دليل على بطلان ما عداه (٣).

стр. 24

نوقش: بأن اختلافهم على قولين إجماع على جواز القولين، وإقرار أن هذه المسألة اجتهادية، وليست قطعية، ولا يكون القول الثالث باطلًا، إلا إذا اشترطوا عدم إحداثه (١). الدليل الثاني: أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى الخطأ، وإلى تضييع الحق، والغفلة عنه؛ فإنه لو كان الحق في القول الثالث، كانت الأمة قد أخطأته، وضيعته وغفلت عنه، وخلا العصر من قائم لله بحجته، ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال (٢). نوقش: بأنه إنما يلزم من ذلك نسبة الأمة إلى الخطأ، وتضييع الحق، والغفلة عنه، أن لو كان الحق في المسألة معينًا، وأجمعوا فيه على قول واحد، وأما فيما اختلفوا فيه فلا؛ لأن غاية ذلك تخطئة بعضهم في أمر، وتخطئة البعض الآخر في غير ذلك الأمر (٣).

стр. 25

أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الصحابة ﵃ اجتهدوا في هذين القولين، ولم يصرحوا بتحريم إحداث قول ثالث (١). نوقش: بأن الصحابة ﵃ كذلك لو اجتمعوا على قول واحد لم يصرحوا بتحريم إحداث القول الثاني، مع أنه لا يجوز لمخالفته لإجماعهم (٢). يجاب: بأنه لو كان في المسألة إجماع قطعي لحرم مخالفته، أما إذا اجتهد أحد الصحابة ﵃ في مسألة ولم يجمع الصحابة على قوله فإنه يجوز لمن بعدهم الاجتهاد كما اجتهدوا. الدليل الثاني: أن الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والقول الثالث حادث عن الاجتهاد فكان جائزًا (٣). نوقش: بأن الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد إذا كان الاجتهاد في طلب الحق من القولين، فأما إحداث القول

стр. 26

الثالث من غيرهما فلا؛ لأنهم قد أجمعوا على بطلانه، وهذا كما لو أجمعوا في حادثة على إبطال حكم فيها فينقطع الاجتهاد في ذلك الحكم، ولا يمنع ذلك من الاجتهاد فيها على غير ما أجمعوا على بطلانه (١). يجاب: بأنه لا يسلم أن الخلاف على قولين إجماع منهم على إبطال إحداث قول ثالث مالم ينصوا على إبطاله، وقياس إحداث قول ثالث على إبطال حكم في حادثة قياس مع الفارق؛ لأنهم نصوا على إبطال الحكم في الحادثة خلافًا لإحداث القول الثالث الذي لم ينصوا على إبطاله. الدليل الثالث: أن الصحابة ﵃ إذا استدلوا بدليل، وعللوا بعلة، جاز لمن بعدهم الاستدلال بدليل آخر، والتعليل بعلة أخرى، فكذلك إذا كان لهم قول جاز لمن بعدهم إحداث قول آخر (٢). نوقش: بأن الدليل يختلف عن الحكم؛ فالدليل يؤيد الحكم السابق لا يخالفه، بعكس الحكم الجديد، فإذا أجمعوا على أمر

стр. 27

واستدلوا بدليل من القرآن، جاز لمن بعدهم أن يستدل بدليل آخر من السنة يؤيد ما أجمعوا عليه، ولا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه بإحداث حكم آخر (١). الدليل الرابع: أن إحداث قول ثالث وقع في هذه الأمة من غير نكير (٢). يناقش: بعدم التسليم فجمهور العلماء على إنكار ذلك، وكتب الأصول طافحة بنقل كلامهم في منع إحداث قول ثالث، كما سبق بيانه في عرض الأقوال. أدلة القول الثالث: أصحاب القول الثالث جمعوا بين أدلة القول الأول وأدلة القول الثاني، واستدلوا بأن القول الثالث إذا رفع ما اتفق عليه القولان السابقان خالف ما أجمعوا عليه، وإذا لم يرفع ما اتفق عليه القولان لم يخالفه، بل وافق كل واحد من القولين من وجه وخالفه من وجه، فهو جائز إذ ليس فيه خرق للإجماع (٣).

стр. 28

يناقش: بأن اختلافهم على قولين إجماع منهم على أن هذه المسألة اجتهادية، وليست من الأمور القطعية، فمجال الاجتهاد فيها سائغ، حتى وإن رفع هذا الاجتهاد ما اتفق عليه القولان السابقان، مالم يخالف هذا الاجتهاد نصًا، أو إجماعًا قطعيًا فيرد. الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة الأدلة، تبين لي أن لكل قول أدلة قوية، والأقرب -والله أعلم- أن الراجح أن إحداث قول ثالث جائز، ما لم يخالف هذا القول نصًا قطعي الدلالة والثبوت أو إجماعًا قطعيًا؛ لأن في اختلاف العلماء إقرارًا منهم بأن هذه المسألة اجتهادية، والاجتهاد سائغ فيها، فلا يرد هذا الاجتهاد لأنه قول جديد، بل يرد إذا خالف نصًا، أو إجماعًا قطعيًا، وأن عمل العلماء على ذلك فإنك لا تكاد تجد إمامًا مجتهدًا إلا وله قول لم يسبق إليه.

стр. 29

المبحث الثاني: مخالفة النص أو الإجماع قد يذكر بعض الفقهاء في الخلاف الفقهي عن بعض أقوال الأئمة أنه مخالف للنص أو للإجماع، والأئمة لا يخالفون النص أو الإجماع عمدًا، لكن من عذر، وعذرهم في مخالفة النص إن كان النص آية قرآنية يكون في الخلاف في الدلالة، أو في النسخ، أما إن كان النص حديثًا نبويًا فيُزاد أمر ثالث وهو الخلاف في الثبوت، يقول ابن تيمية: "وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ -الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا- يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ. فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، إلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ

стр. 30

النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ. وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ" (١). فالأئمة لا يخالفون النص قطعي الدلالة والثبوت عمدًا، ويطلق النص عندهم على ثَلاث اصْطِلاحَاتٍ "أَحَدُهَا: مَا لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَالثَّانِي: مَا احْتَمَلَهُ احْتِمَالاً مَرْجُوحًا كَالظَّاهِرِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فِي إطْلاقِ الْفُقَهَاءِ، وَالثَّالِثُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى كَيْفَ مَا كَانَ" (٢)، وهم عندما يقولون: "لا اجتهاد مع النص؛ أي: لا يجوز الاجتهاد مع وجود نص قطعي الدلالة والثبوت" (٣). أما عذرهم في مخالفة الإجماع فأكثر من أن يُحصر، فقد يكون الخلاف في الاحتجاج بالإجماع من حيث الأصل (٤)،

стр. 31

أو الاختلاف في كونه حجة قطعية أو ظنية (١)، أو في مفهوم الإجماع، فبعضهم لا يحتج إلا بالإجماع النطقي كما يقول الشافعي: "لستُ أقول ولا أحدٌ من أهل العلم (هذا مجتمع عليه) إلا لما تَلْقى عالماً أبداً إلا قاله لك وحكاه عن من قبله، كالظهرُ أربعٌ، وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا" (٢)، ويقول ابن عثيمين: "لا بد أن يكون الإجماع قولًا" (٣). في حين أن بعضهم لا يتصور وجوده، كما يقول ابن حزم: "لو أمكن ضبط جميع أقوال علماء جميع أهل الإسلام حتى لا يشذ منها شيء لكان هذا حكمًا صحيحًا ولكن لا سبيل لضبط ذلك البتة" (٤)، ويقول ابن عثيمين: "إن الإجماع لا يمكن يتحقق أبدًا لا سيما في الزمن السابق" (٥)، ويقول عمر الأشقر: "الإجماع الأصولي ليس له مثال واحد، وهو حسب التعريف خيال لا واقع له، ومن قال بوجوده يلزمه أن

стр. 32

يأتي بمثال واحد، ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثال، ولو وقع لكان حجة ودليلا" (١). ويكتفي بعضهم بالاحتجاج بالإجماع السكوتي؛ لأن "كل ما نقله العلماء الذين ينقلون الإجماع هو من قبيل الإجماع السكوتي" (٢)، وأن انتشار القول دون مخالفة دلالة على الرضا، فيكون إجماعًا. ويرى ابن عثيمين عكس ذلك، فـ"انتشار القول ليس بإجماع، وإن لم يظهر مخالف؛ ووجه أنَّ الإنسان قد لا ينكر، لا لأنه رضي بالقول، ولكن لأنه متردد متوقف، والتوقف ليس موافقة، وبهذا نعرف أن كثيرًا ما يمر علينا في المغني (٣)، أو غيره: ولأن هذا قد انتشر، فلم ينكر، فكان

стр. 33

إجماعًا، أن هذه المقدمة غير صحيحة؛ لأن عدم الإنكار ليس إقرارًا" (١). وبعضهم لا يعتد بمخالفة أقوام، وقد يرى بعضهم أن مخالفة الواحد والاثنين لا تخرق الإجماع (٢)، أو يكتفي بعضهم بإجماع الصحابة (٣) أو القرون الثلاثة الأولى ﵃ ولا يرى إجماعًا بعدهم (٤)، قال ابن حزم: "وَقد أَدخل قوم فِي الإجماع مَا لَيْسَ فِيهِ: فقوم عدوا قَول الأكثر إجماعًا، وَقوم عدوا مَا لَا يعْرفُونَ فِيهِ خلافًا إجماعًا وإن لم يقطعوا على أَنه لَا خلاف فِيهِ، وَقوم عدوا قَول الصاحب الْمَشْهُور الْمُنْتَشِر إذا لم يعلمُوا لَهُ من الصَّحَابَة مُخَالفًا وإن وجد الْخلاف من التَّابِعين فَمن بعدهمْ فعدوه إجماعًا، وَقوم عدوا قَول الصاحب الَّذِي لَا يعْرفُونَ لَهُ مُخَالفا من الصَّحَابَة ﵃ وَإِنْ لم يشْتَهر وَلَا انْتَشَر إجماعًا، وَقوم

стр. 34

عدوا قَول أهل الْمَدِينَة إجماعًا، وَقوم عدوا قَول أهل الْكُوفَة إجماعًا، وَقوم عدوا اتِّفَاق الْعَصْر الثَّانِي على أحد قَوْلَيْنِ أَوْ أَكثر كَانَتْ للعصر الَّذِي قبله إجماعًا" (١). إلى أسباب كثيرة في الخلاف في شروط الإجماع وغيرها، هذا من حيث التأصيل. أما من حيث التطبيق فإن هناك تساهلًا كبيرًا في نقل الإجماع، يقول الشوكاني: "قد حصل التساهل البالغ في نقل الإجماعات" (٢)، ويقول ابن عثيمين: "وكثير من مسائل الإجماع فيها خلاف مؤكد ومحقق، ومن علماء محققين" (٣). فبعضهم لا يعرف إلا قول المذهب الذي نشأ عليه أو البلد الذي عاش فيه فيظن أن الأمة مجمعة على هذا، يقول ابن تيمية: "مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَذَاهِبَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ نَشَأَ عَلَى قَوْلٍ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ فَيَظُنُّهُ إجْمَاعًا" (٤)، ويقول

стр. 35

الشوكاني: "صار من لا بحث له عن مذاهب أهل العلم يظن أن ما اتفق عليه أهل مذهبه وأهل قطره هو إجماع" (١). وقد ذكر ابن القيم في الصواعق المرسلة أمثلة كثيرة على إجماعات لم تثبت (٢)، وقد قال قبلها: "إن كل من ترك موجب الدليل لظن الإجماع فإنه قد تبين لغيره أنه لا إجماع في تلك المسألة والخلاف فيها قائم ونحن نذكر من ذلك طرفا يسيرا يستدل به العالم على ما وراءه" (٣). بل قد يُنقل في المسألة الواحدة إجماعان متضادان، "ففي إعلام الموقعين أن بعضهم قال: أجمعوا على قبول شهادة العبد (٤)، وآخرون قالوا: أجمعوا على رد شهادة العبد! إجماعان متضادان" (٥)، وكما في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، قال عنها ابن القيم: "وَكُلُّ صَحَابِيٍّ مِنْ لَدُنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ كَانَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ فَتْوَى أَوْ إقْرَارًا

стр. 36

أَوْ سُكُوتًا، وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ" (١)، وقال عنها ابن رجب: "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد" (٢). وقال ابن عثيمين: "أحيانًا ينقل الإجماع، والإجماع على خلافه، ومن ذلك: نقل بعضهم أن من طلق زوجته ثلاثًا في كلمة واحدة أو في مجلس واحد فإنها تبين منه، وقال آخرون: ينبغي أن يكون الإجماع على ضد ذلك" (٣). ونقل القاضي عياض الإجماع على وجوب الصلاة على النبي ﷺ (٤)، وحكى الطبري الإجماع على عدم الوجوب (٥)،

стр. 37

وقال عنها ابن تيمية: "وحكايات إجماعهم متناقضة" (١)، بل نقل ابن تيمية "إجماعات في خلاف ما ثبت بالآثار، بل ونصوص القرآن" (٢). وإن كان ابن حزم "من أعظم نقلة الإجماعات اطلاعًا، وأكثرهم انتقادًا" كما يقول ابن تيمية (٣)، فقد قال عنه بعد أسطر أنه "ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو أيضًا" (٤). ويرى ابن عثيمين أن ابن تيمية "من أدق الناس وأوثقهم في نقل الإجماع" (٥)، وقد ذكر أحد الباحثين في الإجماع أنه بحث لابن تيمية في كتاب الطهارة فقط اثنتين وسبعين مسألة نقل فيها الإجماع، منها عشرون مسألة لم يثبت فيها الإجماع (٦)، بل قال:

стр. 38

"وجدته-أي: ابن تيمية- حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف، ثم خالف فيه هو ﵀" (١). وحتى الإمام أحمد على شدته في نقد الإجماع، ومقولته المشهورة في ذلك: "من ادّعى الاجماع فَهُوَ كذب لَعَلَّ النَّاس قد اخْتلفُوا" (٢)، فقد نقل عنه أحد الباحثين في العبادات سبعة عشر إجماعًا، وذكر الخلاف في سبع مسائل منها (٣). فالخلاف في المسائل التي نقل فيها الإمام أحمد وابن تيمية الإجماع قرابة الثلث، والثلث كثير. ومع هذا الاختلاف الكبير في تأصيل الإجماع والتساهل في تطبيقه، فقد يُتهم بعض الأئمة بخرق الإجماع، كمن ذكر عن الشافعي أنه خرق الإجماع في أربعمائة مسألة (٤)، وعدد

стр. 39

بعضهم لابن تيمية مسائل خرق فيها الإجماع (١)، "قيل: إنها تبلغ ستين مسألة، فأخذته الألسنة بسبب ذلك" (٢). ومن جميل الدفاع عن الشافعي ما قاله العثماني الحنفي: "الشافعي أعرف بالإجماع وأهله، فلا يظن به أنه خرق الإجماع" (٣)، وهذا يصدق على غيره من الأئمة المجتهدين بعدما تثبت نسبة القول إليهم، فإن كثيرًا مما ينقل عن الأئمة من مخالفة للإجماع غيرُ ثابت عنهم، فقد قال البرزلي المالكي عن المسائل التي نسب لابن تيمية خرق الإجماع فيها: "إن من نظر كلام الرجل مما ينسب إليه من التواليف يقتضي نفي أكثر ما نسب إليه من هذه المسائل" (٤). ولا تجد أحدًا من الأئمة يتعمد مخالفة النص قطعي الدلالة والثبوت أو الإجماع القطعي، بل يعتقد كل واحدٍ منهم أنه متمسك بهما، وهو مثاب، ومعذور، وإن لم يوفق

стр. 40

للصواب، قال ابن تيمية: "يَقُولُ الْإِنْسَانُ قَوْلًا مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ حَقِيقَةً وَيَكُونُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا إذَا كَانَ مَبْلَغُ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ؛ فَاَللَّهُ يُثِيبُهُ عَلَى مَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ وَيَغْفِرُ لَهُ مَا عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مِنْ الصَّوَابِ الْبَاطِنِ" (١).
следующие страницы →