← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1107

القول بما لم يسبق به قول

مرضي العنزي

Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَوْ سُكُوتًا، وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ" (١)، وقال عنها ابن رجب: "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد" (٢). وقال ابن عثيمين: "أحيانًا ينقل الإجماع، والإجماع على خلافه، ومن ذلك: نقل بعضهم أن من طلق زوجته ثلاثًا في كلمة واحدة أو في مجلس واحد فإنها تبين منه، وقال آخرون: ينبغي أن يكون الإجماع على ضد ذلك" (٣). ونقل القاضي عياض الإجماع على وجوب الصلاة على النبي ﷺ (٤)، وحكى الطبري الإجماع على عدم الوجوب (٥)،

стр. 37

وقال عنها ابن تيمية: "وحكايات إجماعهم متناقضة" (١)، بل نقل ابن تيمية "إجماعات في خلاف ما ثبت بالآثار، بل ونصوص القرآن" (٢). وإن كان ابن حزم "من أعظم نقلة الإجماعات اطلاعًا، وأكثرهم انتقادًا" كما يقول ابن تيمية (٣)، فقد قال عنه بعد أسطر أنه "ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو أيضًا" (٤). ويرى ابن عثيمين أن ابن تيمية "من أدق الناس وأوثقهم في نقل الإجماع" (٥)، وقد ذكر أحد الباحثين في الإجماع أنه بحث لابن تيمية في كتاب الطهارة فقط اثنتين وسبعين مسألة نقل فيها الإجماع، منها عشرون مسألة لم يثبت فيها الإجماع (٦)، بل قال:

стр. 38

"وجدته-أي: ابن تيمية- حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف، ثم خالف فيه هو ﵀" (١). وحتى الإمام أحمد على شدته في نقد الإجماع، ومقولته المشهورة في ذلك: "من ادّعى الاجماع فَهُوَ كذب لَعَلَّ النَّاس قد اخْتلفُوا" (٢)، فقد نقل عنه أحد الباحثين في العبادات سبعة عشر إجماعًا، وذكر الخلاف في سبع مسائل منها (٣). فالخلاف في المسائل التي نقل فيها الإمام أحمد وابن تيمية الإجماع قرابة الثلث، والثلث كثير. ومع هذا الاختلاف الكبير في تأصيل الإجماع والتساهل في تطبيقه، فقد يُتهم بعض الأئمة بخرق الإجماع، كمن ذكر عن الشافعي أنه خرق الإجماع في أربعمائة مسألة (٤)، وعدد

стр. 39

بعضهم لابن تيمية مسائل خرق فيها الإجماع (١)، "قيل: إنها تبلغ ستين مسألة، فأخذته الألسنة بسبب ذلك" (٢). ومن جميل الدفاع عن الشافعي ما قاله العثماني الحنفي: "الشافعي أعرف بالإجماع وأهله، فلا يظن به أنه خرق الإجماع" (٣)، وهذا يصدق على غيره من الأئمة المجتهدين بعدما تثبت نسبة القول إليهم، فإن كثيرًا مما ينقل عن الأئمة من مخالفة للإجماع غيرُ ثابت عنهم، فقد قال البرزلي المالكي عن المسائل التي نسب لابن تيمية خرق الإجماع فيها: "إن من نظر كلام الرجل مما ينسب إليه من التواليف يقتضي نفي أكثر ما نسب إليه من هذه المسائل" (٤). ولا تجد أحدًا من الأئمة يتعمد مخالفة النص قطعي الدلالة والثبوت أو الإجماع القطعي، بل يعتقد كل واحدٍ منهم أنه متمسك بهما، وهو مثاب، ومعذور، وإن لم يوفق

стр. 40

للصواب، قال ابن تيمية: "يَقُولُ الْإِنْسَانُ قَوْلًا مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ حَقِيقَةً وَيَكُونُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا إذَا كَانَ مَبْلَغُ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ؛ فَاَللَّهُ يُثِيبُهُ عَلَى مَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ وَيَغْفِرُ لَهُ مَا عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مِنْ الصَّوَابِ الْبَاطِنِ" (١).

стр. 41

المبحث الثالث: تطبيقات على مسألة القول بما لم يسبق به قول. لا تكاد تجد إمامًا مجتهدًا إلا وله قول لم يسبق إليه، فقد نقل ابن حزم عن ابن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة أتى فيها بقول لم يسبق إليه (١)، ثم قال ابن حزم معقبًا على قول الطبري: "وهكذا القول حرفًا حرفًا في أقوال ابن أبي ليلى وسفيان والأوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا وأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره" (٢).

стр. 42

بل ذكر ابن حزم أنه "من ثقف هذا الباب فإنه يجد لأبي حنيفة ومالك والشافعي أزيد من عشرة آلاف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه" (١)، وقال: "ولقد أخرجنا لهم مئين من المسائل ليس منها مسألة إلا ولا يعرف أحد قال بذلك القول قبل الذي قاله من هؤلاء الثلاثة" (٢)، وقد ذكر أحد الباحثين في اختيارات ابن تيمية أنه وجد له من أول كتاب الطهارة إلى آخر أحكام سجود السهو ست مسائل لم يقل بها أحد غيره (٣). ولا شك أن غالب هذه المسائل التي ذكرها ابن حزم عن الأئمة كانت في نوازل حدثت في عصرهم بسبب تغير الأعراف وأحوال الناس ولم يتعرض لها من قبلهم فاجتهدوا فيها، فكان قولهم فيها قولا جديدًا لم يسبقوا إليه، وهذا هو الواجب على أهل العلم، وهي سنة العلماء من عهد الصحابة ﵃، كما يقول الجويني: "لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء … ولكني لا أبتدع،

стр. 43

ولا أخترع شيئًا، بل أُلاحظ وضع الشرع، وأستثير معنىً يناسب ما أراه وأتحرّاه، وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة العلماء معدة، وأصحاب المصطفى ﷺ ورضي عنهم، لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصًا معدودةً، وأحكامًا محصورةً، محدودةً، ثم حكموا في كل واقعة عنَّت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدوا حدوده; فعلَّمونا أن أحكام الله تعالى لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرةٌ عن قواعد مضبوطة" (١). وهذا ما جعل ابن حزم يجد هذا العدد من الأقوال التي أحصاها لهؤلاء الأئمة التي لم يسبقوا إليها، ويذكرها دعوة منه لمقلديهم أن يجتهدوا كما اجتهد أئمتهم، ويقتفوا سيرتهم، ولا يتوقفوا مكتوفي الأيدي عند النازلة التي لم يجدوا لإمامهم قولا فيها، ومع ذلك فإن لهؤلاء الأئمة أقوالًا في مسائل قديمة قالوا فيها بأقوال لم يسبقوا إليها لكنها كانت قليلة مقارنة بالعدد الذي ذكره عنهم ابن حزم وهذا الذي يهمني في البحث وهو الذي سأنقله عنهم في التطبيقات القادمة بإذن الله.

стр. 44

والأقوال التي قال بها الأئمة ولم يسبقوا إليها منها ما هو مردود ومهجور حتى عند بعض علماء مذهب الإمام، ومنها ما هو مقبول ومعمول به إما عند أتباع المذهب إلى عصرنا هذا، أو عند غيرهم بحيث يأخذ بهذا القول أحد العلماء الكبار فيشتهر بعده هذا القول نتيجة لمكانة هذا العالم. وقد سبق: أن من شروط إحداث قول جديد ألا يخالف نصًا قطعيًا في ثبوته ودلالته، أو إجماعًا قطعيًا، لكنَّ قبول القول ورفضه ليس بالضرورة يقاس بهذا المعيار، فقد يُرد القول لمخالفته نصًا ظنيًا في ثبوته أو دلالته أو لمخالفته إجماعًا ظنيًا، أو لمخالفته ما عليه العمل، أو تقليدًا للمذهب، أو تعصبًا له، فالمجتهد له شروط لاجتهاده، لكن ليس بالضرورة أن يقبل منه الاجتهاد، وكم من قول لم يقبل وهو لم يخالف نصًا قطعيًا في ثبوته ودلالته ولا إجماعًا قطعيًا، بل قد تدعمه-أحيانًا- بعض الأدلة، وقد تجري على قائله محن وعقوبات، أقلها أنه لا يسلم من الألسنة الحداد. وفي هذا المبحث سأذكر بعض الأقوال التي قال بها بعض الأئمة ولم يسبقوا إليها وقُبل هذا القول وأُخذ به أو

стр. 45

رفض، وسيكون المنهج فيه أن أنقل قول الإمام الذي لم يسبق إليه، وأبين سبق هذا الإمام بهذا القول وأنه لم يقل به أحد قبله، ثم أذكر من أخذ بهذا القول-حسب الجهد-، وقد أذكر من رفض القول ولكن لم أطرد في ذلك؛ لأن الغالب هو رفض جمهور العلماء أو كلهم للأقوال المحدثة، اكتفاء منهم بما عليه أسلافهم، وأنه لن يأتي اللاحق بقول خفي دليله على من سبقه من أهل العلم الذين حفظوا هذه الأدلة ودونوها لمن بعدهم. ولن أناقش هذه الأقوال؛ لأن غرض البحث بيان وجود أقوال للأئمة قالوا بها ولم يسبقوا إليها، وقد أشير - أحيانًا - لبعض الأدلة لبيان حجة القائل أو لبيان رفض قوله؛ حماية لبعض الأئمة من ظن السوء بهم أنهم يخالفون النصوص، فقد يُظن أن العالم خالف النص قطعي الدلالة والثبوت فأبين مأخذه، وسيكون البحث في المسائل التي كانت موجودة من زمن الصحابة ﵃، وكان هذا الإمام هو أول من قال بهذا القول من عصر الصحابة ﵃ إلى عصره، لأن في هذا المسائل تتبين أهمية الإتيان بقول لم يسبق إليه.

стр. 46

المطلب الأول: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب نُقل الإجماع على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة مطلقًا، قال ابن عبدالبر: "وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشُّرْبِ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فِي شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ" (١)، وقال ابن قدامة: "لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا" (٢). ونُقل عن معاوية بن قرة وعن الشافعي في القديم عدم التحريم، قال ابن حجر: "وَنقل بن الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِلَّا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ -أَحَدِ التَّابِعِينَ- فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ مَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، وَنَصَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَمِنَ أَصْحَابِهِ مَنْ قَطَعَ بِهِ عَنْهُ وَهَذَا اللَّائِقُ بِهِ لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ" (٣).

стр. 47

واختار داود الظاهري جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الشرب، قال النووي: "أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد" (١). وقد جاء في موسوعة الإجماع: "لم أجد من حكى الإجماع قبل داود … والأقرب أنه يكون حجة ظنية لا إجماعًا قطعيًا" (٢). واختار الصنعاني (٣) والشوكاني (٤) وابن عثيمين (٥) أن التحريم خاص بالأكل والشرب فقط، قال الصنعاني: "وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا، إذْ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ، وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ" (٦).

стр. 48

واختار هذا الرأي بعض طلاب الشيخ ابن عثيمين (١)، أو ذكر أن فيه وجاهة (٢)، مع تأكيد بعضهم أن الاحتياط ترك الاستعمال مطلقًا (٣). المطلب الثاني: عدم الوضوء على المستحاضة. اختار الإمام ربيعة الرأي أنه: " لَا وُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ تُعِيدُ وُضُوءَهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ" (٤)، قال ابن المنذر: "وَالنَّظَرُ دَالٌّ عَلَى مَا قَالَ رَبِيعَةُ إِلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ" (٥)، وقال ابن قدامة: "وَدَمُ

стр. 49

الِاسْتِحَاضَةِ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا فِي قَوْلِ رَبِيعَةَ" (١). وأخذ بهذا القول الإمام مالك فلم يوجب عليها الوضوء (٢)، وسار على هذا القول بعض أصحابه فرأوا أن الاستحاضة لا تنقض الوضوء ولا يجب عليها لكن يستحب (٣)، إلا أن المذهب عند المالكية هو التفريق بين أن تلازمها أكثر الزمن فلا تنقض الوضوء، أو أقل الزمن فتنقض الوضوء (٤)، جاء في منح الجليل: " فَإِنْ لَازَمَهُ كُلَّ الزَّمَنِ وَأَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ فَلَا يَنْقُضُهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَغَارِبَةِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ وَطَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مُطْلَقًا" (٥). واختار ابن تيمية -في آخر قوليه (٦) - أن الاستحاضة

стр. 50

لا تنقض الوضوء، جاء في الاختيارات الفقهية: "والأحداث اللازمة: كدم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد، وهو مذهب مالك" (١)، واختار هذا الرأي ابن عثيمين في آخر قوليه (٢). المطلب الثالث: عدم الوضوء من رطوبة فرج المرأة. اختار ابن حزم أن رطوبة فرج المرأة لا ينقض الوضوء (٣)، قال ابن عثيمين: "ولكن بعد البحث التام لم أجد أحداً من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقاً حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء" (٤)، وقال: "وأما اعتقاد بعض النساء أنه لا ينقض الوضوء، فهذا لا أعلم له أصلاً إلا قولاً لابن حزم ﵀ فإنه يقول: إن هذا لا ينقض الوضوء، ولكنه لم يذكر لهذا دليلاً" (٥)، وكذلك قال الدكتور سامي الصقير عن قول ابن حزم: "إنه ليس له سلف" (٦). وقد اختار ابن عثيمين في أول قوليه أن رطوبة فرج المرأة ناقض للوضوء (٧)، ثم ذكر أن قول ابن حزم أقرب للصواب لكنه لم يجد من سبقه إليه، ولا يريد الخروج عن إجماع الأمة، فقال: "أن هذا -أعني الرطوبة التي تخرج- يبتلى بها كثير من النساء أو أكثر النساء، ولكن بعد البحث التام لم أجد أحداً من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقاً حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء، وأنا أقول: إذا وُجد أحد من سلف الأمة يرى أنه لا نقض بهذه الرطوبة فإن قوله أقرب إلى الصواب من القول بالنقض، أولاً: للمشقة، وثانياً: لأن هذا أمر معتاد، ليس حدثاً طارئاً كالمستحاضة، بل هو أمر معتاد عند كثير من النساء، فإن وجدتم سلفاً من صدر هذه الأمة يرى أنه

стр. 51

لا نقض بخروج هذا السائل فقوله أقرب إلى الصواب، وأما إذا لم تجدوا فليس لنا أن نخرج عن إجماع الأمة" (١). ثم في آخر قوليه اختار أنه لا ينقض

стр. 52

الوضوء، فقال: " كل ما خرج من البدن لا ينقض الوضوء إلا البول والغائط، أما الدم والقيء والقيح وما يسميه النساء بالطهر الذي يسيل من فرج المرأة دائماً، حتى إن بعض العلماء قال: سلس البول لا ينقض الوضوء أيضاً … وهذا القول ليس ببعيد من الصواب، وكنت بالأول أرى أنه ينقض الوضوء وأنه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان للصلاة إلا بعد دخول وقتها لكن بعد أن راجعت كلام العلماء واختلافهم، وقوة تعليل من علل بأن هذا الوضوء لا فائدة منه إذ أن الحدث دائم تراجعت عن قولي الأول، وهذا القول أرفق بالناس بلا شك ولا سيما بالنسبة للنساء اللاتي يخرج منهن هذا السائل الدائم … والظاهر أيضاً أن الذي يصيب النساء هو الذي

стр. 53

يصيب النساء السابقات، ولم يبلغ أن الرسول ﵊ أمر النساء أن تتوضأ لوقت كل صلاة، غاية ما هنالك المستحاضة على خلاف في هذا؛ فإن مسلماً ﵀ أشار إلى أن قوله: توضئي لكل صلاة لم يصح، ولذلك حذفها عمداً من حديثه، المهم الشيء المعتاد لا ينقض إلا البول والغائط فقط والريح؛ لأنه ثبت به الحديث" (١). وقد نقل الدكتور أحمد القاضي فتوى لابن عثيمين في ٢٠/ ١/ ١٤١٨ هـ يرى فيها أنها ناقض للوضوء (٢)، ثم في ٧/ ٧/ ١٤٢٠ هـ، اختار ابن عثيمين أنه غير ناقض بعد بحث واسع فيها، قال القاضي: "جرى بحث واسع هذه الليلة في مسألة المستحاضة، وحكم رطوبات فرج المرأة، ومن به سلس بول … إن رطوبات فرج المرأة … غير ناقضة للوضوء، وهو ما جزم على الفتيا به هذه الأيام، وفاقًا لابن حزم، وأن ذلك بمنزلة الريق في الفم، والدمع في العين" (٣).

стр. 54

وقد أنكر أحد الباحثين نسبة عدم النقض لابن عثيمين، فقال: "هذا القول المنسوب للشيخ العلامة ابن عثيمين ﵀ لا تظهر لنا صحة نسبته إليه، وغاية ما هنالك أنه علق على بحث حول الموضوع للدكتورة رقية المحارب بما عبارته: راجعته فرأيت أقوى دليل على أن الرطوبة لا ينتقض بها الوضوء أن الأصل عدم النقض إلا بدليل (١). انتهى. وهذا لا يفيد أنه يفتي بهذا القول بحال، وهذه فتاواه المسموعة والمكتوبة ليس فيها تصريح منه ﵀ بأنه يتبنى هذا القول ويفتي به، بل فيها التصريح بعكس ذلك" (٢)، وقال أحد طلبة الشيخ: "عامة أهل العلم أن رطوبة فرج المرأة تنقض الوضوء، وهو ما اختاره شيخنا ﵀ وإن كان في آخر عمره رحمة الله عليه يسأل ويبحث: هل ثمة أحد من أهل العلم قال بهذا القول؟ وكان ﵀ بوده لو أن أحدًا قال بهذا القول حتى يفتي بالجواز، وبعضهم قد نقل في الفترة الأخيرة أن الشيخ كان

стр. 55

يفتي بعدم نقض الوضوء من رطوبة فرج المرأة، ونقلت إحدى الباحثات في كتاب لها، أن الشيخ ﵀ كان يفتي بعدم النقض (١)، لكن الذي أعرفه من كلامه رحمة الله عليه، أنه مات وهو يرى النقض، كقول الجمهور، ولا أعرف أحدًا ذكر أنه لا ينقض الوضوء إلا هذه الباحثة في كتابها، وأما البقية فإنهم ينقلون عن الشيخ عدم النقض" (٢). ولعل العذر لهذين الباحثين أن الشيخ غيَّر رأيه في آخر حياته، وفتواه في كتاب لقاءات الباب المفتوح، وثمرات التدوين قبل وفاته بسنة وأشهر قليلة، فلعل الباحثين لم يعلما بذلك، خصوصًا أن الذي يبحث عن رأي الشيخ في هذه المسألة يرجع لشروحاته على المتون العلمية أو مجموع الفتاوى -وليس فيها إلَّا رأيه الأول-، ونادرًا ما يرجع الباحث لمثل هذين الكتابين، إضافة إلى تأخر طبعهما، وأما صحة نسبة القول للشيخ فلا شك فيها، ففي لقاءات الباب المفتوح نقلت

стр. 56

كلامه بنفسه الذي بيّن فيه تراجعه عن قوله الأول، وفي ثمرات التدوين نقلت كلام تلميذه أحمد القاضي وقد نقل عن شيخه أن رطوبة فرج المرأة غير ناقضة للوضوء، ثم قال: "وهو ما جزم على الفتيا به هذه الأيام، وفاقًا لابن حزم" (١). المطلب الرابع: أكثر مدة النفاس. نُقل إجماع الصحابة ﵃ على أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا، وإنما جاء الخلاف بعدهم، قال الجوهري: "وأجمع الصحابة أن أكثر مدة النفاس إذا لم ينقطع الدم أربعون يومًا، وإنما جاء الخلاف بعدهم" (٢)، وقال ابن عبدالبر: "قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِذِ بْنِ عُمَرَ وَالْمُزَنِيِّ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵇ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَحَابَةٌ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِيهِ" (٣)، وقال

стр. 57

ابن رجب: "أكثر العلماء على أن أكثره أربعون يوماً، وحكاه بعضهم إجماعاً من الصحابة، قالَ إسحاق: هوَ السنة المجمع عليها … قالَ الطحاوي: لم يقل بالستين أحد من الصحابة إنما قاله بعض من بعدهم. وكذا ذكر ابن عبد البر وغير واحد. " (١). ومع أن القول بأن أكثر مدة النفاس ستون يومًا لم يقل به أحد من الصحابة ﵃ وإنما جاء بعدهم فقد أخذ به كثير من الفقهاء وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤)، واختيار ابن عثيمين (٥)، والإجماع الذي نُقل عن الصحابة ﵃ إجماع سكوتي، وهو-على الخلاف في حجيته- ظني، وليس قطعيًا. واختار ابن حزم أن أكثر مدة النفاس سبعة أيام (٦)، وهو قول لم يسبق إليه، قال ابن رجب: "وقد اعتمد ابن حزم على هَذا

стр. 58

الحديث في ان الحائض والنفاس مدتهما واحدة، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض، وَهوَ قول لَم يسبق إليه، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقاً لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه" (١). والحديث الذي اعتمد ابن حزم عليه هو قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ لما حاضت في الحج: " «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟» قالت: نعم" (٢)، وكذا قول أم سلمة ﵂: "بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ» قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ" (٣)، قال ابن حزم: "لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَسَبْعَةُ أَيَّامٍ لَا مَزِيدَ … إنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ حَيْضٌ صَحِيحٌ، وَأَمَدُهُ أَمَدُ الْحَيْضِ وَحُكْمُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حُكْمُ الْحَيْضِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ «أَنُفِسْتِ» بِمَعْنَى حِضْتِ فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ" (٤).

стр. 59

وهذا القول من ابن حزم لم يأخذ به أحد، قال الشيخ عبدالكريم الخضير: "وأغرب ابن حزم حيث زعم أن النفاس كالحيض، أكثره سبعة أيام … وهذا لا شك أنه قول غريب لا حظ له من النظر ولا الأثر" (١). المطلب الخامس: لا إعادة على من ترك الصلاة عمدًا. اختار الحسن البصري أن تارك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه، قال الإمام أحمد: " فَإِذَا تَرَكَ الرَّجُلُ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا إِلَّا مَا يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ" (٢). واختار ابن حزم أنه لا يقضي (٣)، قال ابن عبد البر: "وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَقْدَمَ عَلَى خِلَافِ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا … فَخَالَفَهُ فِي

стр. 60

الْمَسْأَلَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَتِرُ فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ شَذَّ فِيهَا عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ" (١). واختار رأي الحسن وابن حزم كلٌ من ابن تيمية (٢)، وابن باز (٣)، وابن عثيمين (٤)، والألباني (٥)، واللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء (٦)، فرأوا أن الذي يترك الصلاة متعمدًا لا قضاء عليه. المطلب السادس: اشتراط الطهارة للصلاة في مرابض الغنم. اختار الإمام الشافعي للصلاة في مرابض الغنم أن تكون طاهرة من أبوالها وأبعارها، "قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، إلَّا الشَّافِعِيَّ، فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا" (٧).

стр. 61

والذي اختاره الإمام الشافعي هو مذهب الشافعية (١). قال النووي: " فَإِذَا صَلَّى فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ أَوْ مُرَاحِ الْغَنَمِ وَمَاسَّ شَيْئًا مِنْ أَبْوَالِهَا أَوْ أَبِعَارِهَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النجسات بَطَلَتْ صَلَاتُهُ" (٢)، وقال الرملي: "وَمَتَى كَانَ بِمَحَلِّ الْحَيَوَانِ نَجَاسَةٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا" (٣). والأئمة رفضوا قول الشافعي؛ لأنهم رأوا أنه مخالف للأحاديث الصحيحة التي جاء فيها جواز الصلاة في مرابض الغنم (٤)، وهي "لَا تَخْلُو مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا" (٥)، والشافعي لا يرى في قوله مخالفة للأحاديث بل يرى أنه آخذ بها فقد ذكر الشافعي الحديث ثم قال: "وَبِهَذَا نَأْخُذُ" (٦)، لكن الشافعي

стр. 62

يخالف في المفهوم، فهو يقول: "وَمَعْنَاهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مُرَاحِ الْغَنَمِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ أَنَّ النَّاسَ يُرِيحُونَ الْغَنَمَ فِي أَنْظَفِ مَا يَجِدُونَ مِنْ الْأَرْضِ … فَالْمُرَاحُ مَا طَابَتْ تُرْبَتُهُ وَاسْتُعْمِلَتْ أَرْضُهُ … فَأَمَرَ أَنْ يُصَلَّى فِي مُرَاحِهَا يَعْنِي - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مُرَاحِهَا الَّذِي لَا بَعْرَ فِيهِ وَلَا بَوْلَ … وَلَا يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ مَعْنًى غَيْرَهُمَا" (١). المطلب السابع: رفع الإمام صوته بالتكبير. اختار ابن عثيمين أن جهر الإمام بالتكبير واجب (٢)، قال الدكتور أحمد الخليل: "لم أقف على من سبقه" (٣)، واختار الوجوب بعض طلاب الشيخ ابن عثيمين (٤)، وقال الدكتور أحمد الخليل: "الفقهاء يذكرون الاستحباب، فإذا لم يثبت

стр. 63

الإجماع، وصار في المسألة خلاف، فإن الراجح ما قاله شيخنا من أن هذا واجب وليس سنة فقط؛ لأنه لا يحصل الاقتداء والائتمام على الوجه المطلوب إلا بالجهر بالتكبير وإسماع المصلين … إن الأدلة التي ذكرها شيخنا قوية جدًا وواضحة؛ لكن يُشكل عليه أني لم أقف على من سبقه كما أسلفنا القول" (١). المطلب الثامن: الإشارة بالسبابة بين السجدتين اختار ابن عثيمين أنه يشرع الإشارة بالسبابة بين السجدتين (٢)، قال الشيخ بكر أبو زيد: "لم يصرح بمشروعية الإِشارة بين السجدتين أَحد من علماء السلف، وَلَمْ تُعْقد أَي ترجمة على مقتضاها، وعمل المسلمين المتوارث على عدم الإِشارة والتحريك بين السجدتين" (٣). وقال الشيخ عبدالله الفوزان: "لم يصرح بمشروعيتها أحد من السلف، ولا يوجد في كتب الحديث أي ترجمة لها، ولم

стр. 64

تذكر في كتب الفقه، وهذا يدل على أنه لم يرد نص صريح في مشروعيتها" (١). وقال الشيخ عبدالعزيز الطريفي: "والجلسة بين السجدتين يجب فيها الطمأنينة، ولا يشرع فيها الإشارة بالسبابة، فما كان النبي ﵊ يفعل ذلك، ولا أحد من الصحابة، وقال بمشروعية ذلك بعض الفقهاء من المتأخرين" (٢). بل عدَّه الشيخ سليمان العلوان من محدثات العصر، فقال: "من محدثات هذا العصر أيضًا الإشارة بالسبابة بين السجدتين، وغير خافٍ علي أن بعض المتأخرين ممن آتاه الله علمًا قال بهذا القول، لكنه غلط ولا أصل له، ولا قال به أحد من السلف" (٣). وقد ذكر ابن عثيمين أن ابن القيم سبقه لذلك وأنه ذهب لمشروعية الإشارة بين السجدتين (٤)، فقد قال: "ولي سلف

стр. 65

من أهل العلم وهو ابن القيم - رحمه الله تعالى - في زاد المعاد فقد صرح أن وضع اليدين بين السجدتين كوضعهما في التشهدين" (١)، وقال: "وكنت أرى فيما سبق أن اليد اليمنى تكون مبسوطة بين السجدتين، وتكون في التشهد الأول والثاني مضمومة، وأقول: إن من حكمة الشارع أنه جعل لكل جلسة خصيصة … وهذا قياس نظري، وسبق أن ذكرنا أن لهذا المعنى القوي أخذ به الفقهاء ﵏، لكن لما رأيت صاحب زاد المعاد ابن القيم-﵀ ذكر أن النبي ﷺ يضع اليد اليمنى بين السجدتين كما يضعها في التشهد واستدل بحديث وائل بن حجر ﵁ … قلت: النص مقدم على القياس" (٢). وابن القيم لم يصرح بذلك إنما ساق حديث وائل بن حجر عند كلامه عن الجلوس بين السجدتين (٣)، قال الشيخ بكر أبو زيد: "وابن القيم - رحمه الله تعالى - لما ساق رواية وائل ﵁ في سياق هدي النَّبِيِّ ﷺ في الجلوس بين السجدتين، استروح من هذا السياق بعض المعاصرين: أَنْ ابن القيم - رحمه الله تعالى - يقول

стр. 66

بالإِشارة بين السجدتين، وهذا غير مسلَّم به: فإِنَّه لم يصرح بهذا على عادته، وإِنما اقتصر على ذكر لفظ الرواي، ثم قال: (هكذا قال وائل بن حجر عنه)، ففيه إِشارة إِلى أَنْ في النفس شيء منه، ولهذا ساق مرة أَخرى في: سياق هدي النَّبِيِّ ﷺ في الجلوس الأَول للتشهد، وقال مشيراً إليه: (كما تقدم في حديثِ وائل بن حُجْر). ففي هذا إِلماح إِلى أَنْ هذا هو محل الإِشارة ولهذا أَيضاً فإِنه لما ساق هدي النَّبِيِّ ﷺ في التشهد الأَخير: ذكر حديث وائل، وقال: (وهو في السنن). فنسبة القول بالتحريك بين السجدتين إِلى ابن القيم غلط عليه" (١). وقال أحد الباحثين: "وكلام ابن القيم المنقول آنفاً وإن كان ابتداء عن الجلوس بين السجدتين إلا أنه لا يفهم منه أن الإشارة بالإصبع تكون في هذا الجلوس، بل في جلوس التشهد لأن الأحاديث التي ساقها أو أشار إليها وفيها الإشارة بالإصبع كحديث ابن عمر وحديث وائل ابن حجر، إنما هي في الجلوس للتشهد لا في الجلسة بين السجدتين … وبتتبعنا

стр. 67

لكلام ابن القيم في الجلوس بين السجدتين من خلال كتبه الأخرى لم نجده يذكر الإشارة فيه، وإنما ذكر ذلك حال التشهدين الأول والأخير … مما تقدم يتضح أن ابن القيم لم ينص في كلامه على أن الجلوس بين السجدتين يكون فيه الإشارة بالإصبع، ولا نعلم أحداً من الأئمة المتقدمين قال بذلك، وأما تحريكها في هذا الموضع فقد جزم الشيخ الألباني ﵀ في تمام المنة (١): بأنه لم يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ " (٢). وفي تتبع أراء بعض طلاب الشيخ ابن عثيمين وجد أن منهم من رجح رأي شيخه (٣)، ومنهم من رجح القول الذي عليه عامة أهل العلم (٤)، ومنهم من ذكر أنها تفعل أحيانًا (٥)،

стр. 68

ومنهم من ذكر رأي شيخه ولم يرجح لكنه قال: "الناقلون لصفة صلاة النبي ﷺ لم ينقلوا أنه يشير بأصبعه ﵊ في هذا الموضع، وعليه عامة أهل العلم … وممن شهر القول شيخنا ﵀، فكان يشير بين السجدتين" (١). المطلب التاسع: فرضية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير. اختار الشافعي أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير فرض (٢)، قال الخطابي: "إن الصلاة على النبي ﷺ ليست بواجبة في الصلاة … وعلى هذا قول جماعة الفقهاء إلاّ الشافعي فإنه قال الصلاة على النبي في التشهد الأخير واجبة فإن لم يصل عليه بطلت صلاته … ولا أعلم للشافعي في هذا قدوة" (٣)، وقال القاضي عياض: "وَالدَّليل عَلَى أنَّهَا لَيْسَت من فُرُوض الصَّلَاة عَمَل السَّلَف الصَّالِح قَبْل الشَّافِعِيّ وَإجْمَاعُهُم عَلَيْه" (٤)،

стр. 69

وقال ابن القطان: "ولا أعلم أحدًا أوجب الصلاة على النبي ﷺ وجوب فرض في التشهد الآخر، إلا الشافعي ومن سلك سبيله" (١). وما اختاره الشافعي هو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختيار ابن باز (٤)، والألباني (٥)، واللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء (٦)، وهم بين إنها واجبة أو ركن، وذكر الرملي أن "إيجَابُهَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا مَصْلَحَةً رَاجِحَةً" (٧).

стр. 70

المطلب العاشر: وجوب الوتر. اختار الإمام أبو حنيفة أن الوتر واجب، وقال ابن المنذر عن هذا القول: "لَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى مَا قَالَ" (١). وقد اختلفت الروايات عن الإمام أبي حنيفة لكن غالب أصحابه أخذوا برواية الوجوب (٢)، واختارها المتأخرون منهم (٣)، وقالوا عنها بأنها: "آخِرُ أَقْوَالِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ" (٤)، و"الْأَصَحُّ" (٥)، "وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ" (٦). والقول بوجوب الوتر رواية عن الإمام أحمد (٧)، واختارها ابن تيمية عَلَى مَنْ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ (٨).

стр. 71

المطلب الحادي عشر: صلاة التطوع مضطجعًا من غير عذر. اختار الحسن البصري جواز صلاة التطوع مضطجعًا دون عذر (١)، قال ابن تيمية: "وَلَا يُعْرَفُ لِصَاحِبِهِ سَلَفُ صِدْقٍ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى؛ فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ عَلَى جَنْبِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مَرَضَ بِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لَكَانَ هَذَا مِمَّا قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ مَعَ قُوَّةِ الدَّاعِي إلَى الْخَيْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُمْ" (٢)، وقال: "وَلَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَعَلَ ذَلِكَ" (٣)، وقال: "وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّلَاةِ مُضْطَجِعًا بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ" (٤).

стр. 72

ومذهب الشافعية وقول عند الحنابلة أنه يجوز التطوع مضطجعًا من غير عذر (١)، قال ابن تيمية: "وَجَوَازُهُ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد" (٢)، وقال "وَقد طرد ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وجوزوا التَّطَوُّع مُضْطَجعا لمن هُوَ صَحِيح وَهُوَ قَول مُحدث بِدعَة" (٣). وقد ذكر ابن عثيمين حديث: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ» (٤)، ثم قال: "وهو يدل على جواز التنفل مضطجعًا، وقد نقله ابن مفلح عن الحسن البصري، وقال: هو مذهب حسن، ونقله ابن هانئ عن أحمد، واختاره بعض الأصحاب، وهو الأصح للشافعية" (٥). وقال: "وذهب بعضُ العلماء: إلى الأخذ بالحديث. وقالوا: يجوز أنْ يتنفلَ وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون على الرُّبع مِنْ أجر

стр. 73

صلاة القائم، وهذا قولٌ قويٌّ؛ لأن الحديث في صحيح البخاري، ولأنَّ فيه تنشيطاً على صلاة النَّفل؛ لأن الإنسان أحياناً يكون كسلاناً وهو قادر على أنْ يُصلِّي قاعداً؛ لكن معه شيء مِنْ الكسل؛ فيُحِبُّ أنْ يُصلِّي وهو مضطجعٍ، فمن أجل أنْ ننشِّطَهُ على العمل الصَّالح نَفْلاً نقول: صَلِّ مضطجعاً، وليس لك إلا رُبع صلاة القائم، ونصف صلاة القاعد، ولهذا رَخَّصَ العلماءُ في صلاة النَّفل أن يشرب الماء اليسير من أجل تسهيل التطوُّع عليه، والتطوُّع أوسع من الفرض" (١). المطلب الثاني عشر: الحضور بعرفة ليلًا. اختار الإمام مالك أن الحضور بعرفة ليلًا ركن، ولا يكفي الوقوف نهارًا، فمن لم يحضر ليلًا فاته الحج، قال ابن عبدالبر: "وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ إِنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا حَجَّ لَهُ وَهُوَ قَدْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَا رُوِّينَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٢).

стр. 74

والذي اختاره الإمام مالك هو المذهب عند المالكية (١)، قال الدردير عن الحضور بعرفة ليلة النحر: "هُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، فَلَا يَكْفِي الْوُقُوفُ نَهَارًا" (٢)، قال ابن رشد الحفيد: "وَمَنِ اشْتَرَطَ اللَّيْلَ احْتَجَّ بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ ﷺ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ" (٣). المطلب الثالث عشر: طواف القدوم للمتمتع. اختار الإمام أحمد أنه يندب للمتمتع أن يطوف القدوم قبل طواف الزيارة (٤)، قال ابن قدامة: "وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الطَّوَافِ … بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ … ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ - أَحَدًا" (٥).

стр. 75

والذي اختاره الإمام أحمد هو المذهب عند الحنابلة (١)، قال المرداوي: "وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ" (٢). وقال ابن قدامة: "فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀: فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِنًى أَعْنِي الْمُتَمَتِّع كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى؟ قَالَ: يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ، وَيَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِلزِّيَارَةِ، عَاوَدْنَاهُ فِي هَذَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَثَبَتَ عَلَيْهِ … وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، فَطَافُوا طَوَافًا، آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. فَحَمَلَ أَحْمَدُ قَوْلَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَكُنْ تَعَيُّنُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ مُسْقِطًا لَهُ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ" (٣).
следующие страницы →