← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11081

تحريم آلات الطرب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (179 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي ﷺ بقوله: "دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"، فبقي إنكار أبي بكر العام مسلما به لإقراره ﷺ إياه ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث. وقد كنت ذكرت هناك في المقدمة المشار إليها أمثلة أخرى تدل على أهمية إقرار النبي ﷺ لقول ما وأنه يكون من الأسباب القوية لفهم الموضوع الذي وقع الإقرار فيه فهما صحيحا من ذلك حديث قليب بدر ومناداته ﷺ لقتلى المشركين فيه: "يا فلان ابن فلان.." وقول عمر وغيره من الصحابة ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فأقرهم على ذلك لكن أجابهم بقوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". متفق عليه فاستدللت ثمة بهذه القصة على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون بأمرين يهمني الآن منهما ما يتعلق بالإقرار فقلت: ص ٣٩ - ٤٢: والأمر الآخر: أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون بعضهم أومأ إلى ذلك إيماء وبعضهم ذكر ذلك صراحة لكن الأمرين بحاجة إلى توضيح فأقول: أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﷺ لموتى القليب بقولهم: ما تكلم أجسادا لا أرواح فيها فإن في رواية أخرى عن أنس

стр. 107

نحوه بلفظ: قالوا بدل: قال عمر فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﷺ ما كان لهم أن يبادروه بذلك وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يلزم النبي ﷺ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ وأنه لا أصل له في الشرع ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة على أنه ليس ذلك على إطلاقه كما تقدم شرحه فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت وبما قال لهم النبي ﷺ فقط فهي واقعة عين لا عموم لها فلا تدل على أنهم يسمعون دائما أبدا وكل ما يقال لهم كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقا. وأما الصريحة فهي فيما رواه أحمد ٣ / ٢٨٧ من حديث أنس ﵁ قال: صحيح فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا". وسنده صحيح على شرط مسلم. فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم وكان ذلك ببيانه المتقدم.

стр. 108

ومنه يتضح أن النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم فالآية لا تنفي سماع الموتى مطلقا بل إنه أقرهم على ذلك ولكن بين لهم ما كان خافيا عليهم من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقا وأن ذلك أمر خاص مستثنى من الآية معجزة له ﷺ كما سبق. ثم قلت هناك: فتنبه لهذا واعلم من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﷺ من الأمور والاحتجاج به لأن إقراره حق كما هو معلوم وإلا فبدونه قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص ولا نذهب بك بعيدا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﷺ : "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" غير منتبهين لإقراره ﷺ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون ... فعاد الحديث - بالتنبه لما ذكرنا - حجة على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام والله ولي التوفيق. وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثلان ... ثم ذكرتهما وأحدهما عائشة هذا فقلت عقبه ص ٤٦:

стр. 109

قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم ينكر قول أبي بكر الصديق: مزمار الشيطان بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر الصديق بذلك الجواب ... الخ ما تقدم نقله ص ١٠٧ - ١٠٨. ثم قلت: ص ٤٧: فتبين أنه ﷺ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان وكما أنه أدخل على الأول تخصيصا كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بينا أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم ... ثم قلت ص ٤٨ - ٤٩: وأما أنه ﷺ لم ينكر على الجاريتين - فحق ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره. هذا أولا. وثانيا: لما أمر ﷺ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: "دعهما" أتبع ذلك بقوله: "فإن لكل قوم عيدا ... " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية - إذا صح التعبير - ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول

стр. 110

بدليل الخطاب وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من مجموع الفتاوى فراجع المجلد الثاني من فهرسه. لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى فإن الشاهد منه واضح ومهم وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﷺ لأمر ما يفتح عليه بابا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها وهكذا كان الأمر في حديث القليب. والخلاصة: أن خطأ ابن حزم إنما نشأ من توهمه أن النبي ﷺ أنكر إنكار أبي بكر على الجاريتين مطلقا وليس من إقراره ﷺ للجاريتين وذلك لأنه هذا إنما يدل على إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم وبالدف وليس بكل آلات الطرب وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ١ / ٢٣٩: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب إليها الجواري فيلعبن معها١ ولهذا فإني لا أظن أن ابن حزم كان يعمم الحكم لولا ذلك الوهم ويؤيد ظني حديث التسريب المذكور فقد تبناه في دلالته الخاصة ولم يعممه فقال في المحلى ١٠ / ٧٥ - ٧٦: "وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن ... " قلت: وهذا هو الفقه الذي يقتضيه الجمع بين النصوص كالعام مع الخاص

стр. 111

هنا فإن الأحاديث الصريحة في تحريم الصور من ذوات الأرواح كثيرة ومعروفة فاستثني منها ما ذكره ابن حزم من لعب البنات فلم يضرب هذا بتلك الأحاديث كما ذهب إليه بعض الأفاضل لأنه خلاف الجمع المذكور وهكذا كان ينبغي أن يكون موقف ابن حزم من آلات الطرب أن يقول بتحريمها كما حرم الصور وأن يستثني منها الدف في العيد إلا أنه لم يصحبه التوفيق فلم يقف على الأحاديث المتقدمة في تحريم الآلات وكان يكفيه في ذلك قول أبي بكر بحضرة النبي ﷺ : أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ لولا وهمه الذي شرحته آنفا وبينا أن الحديث حجة عليه كما قال العلماء ولا بأس من ذكر بعض أقوالهم في ذلك. ١ - قال أبو الطيب الطبري ت ٤٥٠: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفقته لا سيما في يوم العيد وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها نقلته من كتاب ابن الجوزي ١ / ٢٥٣ – ٢٥٤. ٢ - قال ابن تيمية في رسالة السماع والرقص ٢ / ٢٨٥ - مجموعة الرسائل الكبرى: ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ﷺ وأصحابه

стр. 112

الاجتماع عليه ولهذا سماه الصديق أبو بكر ﵁ مزمور الشيطان والنبي ﷺ أقر الجواري عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد كما جاء في الحديث: "ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة" ١ وكما كان يكون لعائشة لعب تلعب بهن وتجيء صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها٢. ٣ - وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان ١ / ٢٥٧: فلم ينكر ﷺ على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد ٤ - قال الحافظ في الفتح ٢ / ٤٤٢ تعليقا على قوله ﷺ : "دعهما ... ": فيه تعليل وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه فظنه نائما فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحبا لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فبادر إلى إنكار ذلك قياما عن النبي ﷺ بذلك مستندا إلى ما ظهر له فأوضح له النبي ﷺ الحال وعرفه الحكم مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أي: سرور

стр. 113

شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس ٢ - وأما حديث ابن عمر الذي احتج به ابن حزم على الإباحة فيرويه نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم فيمضي حتى قلت: لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله ﷺ وسمع زمارة راع فصنع مثل هذا. أخرجه أحمد ٢ / ٨ و ٣٨، وابن سعد ٤ / ١٦٣، وأبو داود ٤٩٢٤ - ٤٩٢٦، ومن طريقه البيهقي في السنن ١٠ / ٢٢٢، وكذا ابن الجوزي ص ٢٤٧، وابن حبان في صحيحه ٢٠١٣ - موارد وابن أبي الدنيا ق ٩ / ١، والآجري رقم ٦٤، والطبراني في المعجم الصغير ص ٥ - هندية والبيهقي فيشعب الإيمان أيضا ٤ / ٢٨٣ / ٥١٢٠ من طرق عن نافع به وبعض طرقه صحيح وقد خرجتها وتكلمت عليها مفصلا مع متابع لنافع من مجاهد بنحوه في الروض النضير ٥٦٨ وفي المشكاة باختصار ٤٨١١ / التحقيق الثاني وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر: حديث صحيح كما في تفسير الآلوسي ١١ / ٧٧، وكف الرعاع ص ١٠٩ - هامش الكبائر. فقال ابن حزم عقب الحديث:

стр. 114

فلو كان حراما ما أباحه رسول الله ﷺ لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه ولكنه ﵇ كره كل شيء ليس من التقرب إلى الله كما كره الأكل متكئا و.. و ... فلو كان ذلك حراما لما اقتصر ﵇ أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه. فأقول: عفا الله عن ابن حزم فقد خفيت عليه أمور ما يليق بعلمه أن تخفى عنه: أولا: غاب عنه الفرق بين السماع والاستماع ففسر الأول بالثاني وهو خطأ ظاهر لغة وقرآنا وسنة ولذلك قال ابن تيمية عقب حديث عائشة المذكور آنفا: وليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك والأمر والنهى إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع كما في الرؤية فانه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس إنما يتعلق الأمر والنهى في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي. وهذا مما وجه به حديث ابن عمر ... فذكره فإن من الناس من يقول - بتقدير صحة الحديث١ - لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه فيجاب بأن ابن عمر لم يكن يستمع وإنما كان يسمع وهذا لا إثم فيه وإنما النبي عدل طلبا

стр. 115

للأكمل والأفضل كمن اجتاز بطريقه فسمع قوما يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا يسمعه فهذا أحسن ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد. ثانيا: أن ابن حزم كأنه يتصور أن الراعي الزامر كان بين يديه ﷺ ليأمره وينهاه وليس في الحديث شيء من ذلك بل لعل فيه ما قد يشعر بخلافه وهو أنه كان بعيدا لا يرى شخصه وإنما يسمع صوته ولذلك قال العلامة ابن عبد الهادي بعد أن ذكر نحو كلام ابن تيمية وخلاصته: وتقرير الراعي لا يدل على إباحته لأنها قضية عين فلعله سمعه بلا رؤية أو بعيدا منه على رأس جبل أو مكان لا يمكن الوصول إليه أو لعل الراعي لم يكن مكلفا فلم يتعين الإنكار عليه١. ثالثا: إن تحريم الغناء وآلات الطرب ليس بأشد تحريما من الخمر وهو يعلم أن النبي ﷺ عاش ما شاء بين ظهراني أصحابه وهم يعاقرونها قبل التحريم فهل يصح أن يقال: إنه ﷺ أقرهم ولم ينههم؟ كذلك نحن نقول - على افتراض دلالة الحديث على الإباحة -: إنه يحتمل أنه كان قبل التحريم ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. رابعا وأخيرا: وعلى الافتراض المذكور فهي إباحة خاصة بمزمار الراعي وهو آلة بدائية ساذجة سخيفة من حيث إثارتها للنفوس وتحريك الطباع وإخراجها عن حد الاعتدال فأين هي من الآلات الأخرى كالعود والقانون

стр. 116

وغيرهما من الآلات التي تنوعت مع مرور الزمن وبخاصة في العصر الحاضر وابتلي بعض المغنين باستعمالها والجمهور بالاستماع إليها والالتهاء بها؟. إن مما لا شك فيه أن الدليل في هذا الحديث - وعلى الافتراض المذكور - أخص من الدعوى كما يقول الفقهاء وإلا فالحقيقة أن لا دليل فيه البتة بل أن فيه دليلا على كراهة النبي ﷺ لصوت مزمار الراعي وهي بلا ريب كراهة شرعية بدخل في عموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ولذلك اتبعه عبد الله بن عمر ﵄ فوضع إصبعيه في أذنيه مع عدم وجود القصد كما شرحنا فهو مع وجود القصد أشد كراهة كما لا يخفى ولهذا قال ابن الجوزي ﵀ ص ٢٤٧: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم؟!. قلت: فماذا يقال في أهل زماننا وموسيقاهم؟. فهل من معتبر؟ هذا، وقبل ختام الكلام على هذا الفصل بدا لي أن أتحف القراء بأثر عزيز مفيد لم أر أحدا ممن كتب في الملاهي قد تعرض لذكره وهو عن أحد الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵁ فإن القارئ الكريم سيتأكد منه أن المعازف كانت مستنكرة عند السلف وأن الساعي إلى إشهارها يستحق التعزير والتشهير فقال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: كتب مع عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه:

стр. 117

" ... وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة سوء". أخرجه النسائي في سننه ٢ / ١٧٨، وأبو نعيم في الحلية ٥ / ٢٧٠، بسند صحيح وذكره ابن عبد الحكم فيسيرة عمر ١٥٤ - ١٥٧ مطولا جدا ورواه أبو نعيم ٥ / ٣٠٩، من طريق أخرى مختصرا جدا. فلا غرابة إذن أن يكتب أيضا إلى مؤدب ولده يأمره أن يربيهم على بغض الملاهي والمعازف فقال أبو حفص الأموي عمر بن عبد الله١ قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده يأمره أن يربيهم على بغض المعازف: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بعض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ق ٦ / ١، ومن طريقه أبو الفرج ابن الجوزي ص ٢٥٠. وجملة: أن الغناء ينبت النفاق قد صحت

стр. 118

عن ابن مسعود موقوفا ورويت عنه مرفوعا كما سبق في المقدمة ص ١٠، ويأتي تخريجه في الفصل الثامن ص ١٤٥، تذييل: ورب سائل يقول: قد عرفنا مما تقدم من الأحاديث والبحوث وأقوال العلماء تحريم آلات الطرب كلها بدون استثناء سوى الدف في العرس والعيد فهل هناك مناسبة أخرى يحل فيها الدف أيضا؟ فأقول: يرد في كلام بعض العلماء ما يشر إلى جواز الضرب على الدف في الأفراح - هكذا يطلقون - وفي الختان وقدوم الغائب وأنا شخصيا لم أجد ما يدل على ذلك مما تقوم به الحجة ولو موقوفا وقد رأيت ابن القيم ذكر في كتابه مسألة السماع ص ١٣٣، أثرا من رواية أبي شعيب الحراني بسنده عن خالد عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه؟ فإن قالوا: عرس أو ختان سكت. ورجاله ثقات ولكنه منقطع وقد أبعد النجعة في عزوه لأبي شعيب الحراني وإن كان ثقة فإنه ليس مؤلف معروف وقد رواه من هو أشهر منه وأوثق ومن المصنفين كابن أبي شيبة ٤ / ١٩٢، وقال: أقره مكان سكت وعبد الرزاق ١١ / ٥، وعنه البيهقي ٧ / ٢٩٠، من طريقين عن أيوب عن ابن سيرين: أن عمر كان ... إلخ. ولفظ ابن أبي شيبة: عن ابن سيرين قال: نبئت أن عمر

стр. 119

وهذا صريح في الانقطاع وما قبله ظاهر في ذلك لأن محمد بن سيرين لم يدرك عمر بن الخطاب ولد بعد وفاته بنحو عشر سنين. وقد استدل بعضهم للمسألة بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن أمة سوداء أتت رسول الله ﷺ ورجع من بعض مغازيه - فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا وفي رواية: سالما أن أضرب عندك بالدف [وأتغنى] ؟ قال: "إن كنت فعلت وفي الرواية الأخرى: نذرت فافعلي وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي". فضربت فدخل أبو بكر وهي تضرب ودخل غيره وهي تضرب ثم دخل عمر قال: فجعلت دفها خلفها وفي الرواية الأخرى: تحت إستها ثم قعدت عليه وهي مقنعة فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان ليفرق وفي الرواية: ليخاف منك يا عمر أنا جالس ههنا [وهي تضرب] ودخل هؤلاء [وهي تضرب] فلما أن دخلت [أنت يا عمر] فعلت ما فعلت" وفي الرواية: ألقت الدف. أخرجه أحمد والسياق له والرواية الأخرى مع الزيادات للترمذي وصححه هو وابن حبان وابن القطان وهو مخرج في الصحيحة ١٦٠٩ و ٢٢٦١ وسكت عنه الحافظ في الفتح ١١ / ٥٨٧ - ٥٨٨١.

стр. 120

................................................................................

стр. 121

وقد ترجم لحديث بريدة هذا جد ابن تيمية رحمهما الله تعالى في المنتقى من أخبار المصطفى بقوله: باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه. قلت: وفي الاستدلال بهذا الحديث على ما ترجم له وقفة عندي لأنها واقعة عين لا عموم لها وقياس الفرح بقدوم غائب مهما كان شأنه على النبي ﷺ قياس مع الفارق كما هو ظاهر ولذلك كنت قلت في الصحيحة ٤ / ١٤٢، عقب الحديث: وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس لأن الضرب بالدف معصية في غير النكاح والعيد والمعصية لا يجوز نذرها ولا الوفاء بها. والذي يبدو لي في ذلك أن نذرها لما كان فرحا منها بقدومه ﵇ صالحا منتصرا اغتفر لها السبب الذي نذرته لإظهار فرحها خصوصية له ﷺ دون الناس جميعا فلا يؤخذ منه جواز الدف في الأفراح كلها لأنه ليس هناك من يفرح به كالفرح به ﷺ ولمنافاة ذلك لعموم الأدلة المحرمة للمعازف والدفوف وغيرها إلا ما استثني كما ذكرنا آنفا. ونحوه في المجلد الخامس من الصحيحة ٣٣٢ – ٣٣٣،. وقد شرح السبب الذي ذكرته الإمام الخطابي ﵀ فقال في

стр. 122

معالم السنن ٤ / ٣٨٢: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يعلق بها النذور وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي من نوافل الطاعات ولهذا أبيح ضرب الدف. قلت: ففيه إشارة قوية إلى أن القصة خاصة بالنبي ﷺ فهي حادثة عين لا عموم لها كما يقول الفقهاء في مثيلاتها والله أعلم.

стр. 123

٧ - الفصل السابع: في الغناء بدون آلة قد يقول قائل: ها نحن أولاء قد عرفنا حكم الغناء بآلات الطرب وأنه حرام إلا الدف في العرس والعيد فما حكم الغناء بدون آلة؟ وجوابا عليه أقول: لا يصح إطلاق القول بتحريمه لأنه لا دليل على هذا الإطلاق كما لا يصح إطلاق القول بإباحته كما يفعل بعض الصوفيين وغيرهم من أهل الأهواء قديما وحديثا لأن الغناء يكون عادة بالشعر وليس هو بالمحرم إطلاقا كيف والنبي ﷺ يقول: "إن من الشعر حكمة". رواه البخاري وهو مخرج في الصحيحة ٢٨٥١ بل إنه كان يتمثل بشيء منه أحيانا كمثل شعر عبد الله بن رواحة ﵁: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود". وهو مخرج في الصحيحة ٢٠٥٧، وانظر التعليق عليه في كتابي الجديد: صحيح أدب المفرد ص ٣٢٢، ولذلك قال ﵊ لما سئل عن الشعر: صحيح هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. وهو مخرج في الصحيحة أيضا ٤٤٧، وكذلك قالت السيدة

стр. 124

عائشة ﵂: صحيح خذ بالحسن ودع القبيح ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك. الصحيحة أيضا. والأحاديث في استماعه للشعر كثيرة وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى وقالت عائشة ﵂: صحيح لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى قال: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه تغنى فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل اللهم اخز عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من مكة. أخرجه أحمد ٦ / ٨٢ – ٨٣، بسند صحيح وهو في الصحيحين وغيرهما دون قوله: يتغنى وهو مخرج في الصحيحة٢٥٨٤. صحيح وعن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء وهو مستلق واضعا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى فنهاه فقال: أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مئة من الكفار سوى من شركني فيه الناس؟

стр. 125

أخرجه الحاكم ٣ / ٢٩١ وعبد الرزاق ١١ / ٦ / ١٩٧٤٢، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير٢ / ١٢ / ١١٧٨، وعنه أبو نعيم في الحلية١ / ٣٥٠ وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو كما قالا وطريقه غير طريق عبد الرزاق. صحيح وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: رأيت أسامة بن زيد ﵁ جالسا في المجلس١ رافعا إحدى رجليه على الأخرى رافعا عقيرته قال: حسبته يتغنى النصب٢. أخرجه عبد الرزاق ١٩٧٣٩ ومن طريقه البيهقي ١ / ٢٢٤، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. صحيح وعن وهب بن كيسان قال: قال عبد الله بن الزبير - وكان متكئا: تغنى بلال قال: فقال له رجل: تغنى؟ فاستوى جالسا ثم قال: وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب؟ رواه عبد الرزاق ١٩٧٤١ مختصرا، والبيهقي ١٠ / ٢٣٠، والسياق له وإسناده صحيح على شرط الشيخين وقال السائب بن يزيد:

стр. 126

بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق الحج ونحن نؤم مكة اعتزل عبد الرحمن ﵁ الطريق ثم قال لرباح بن المغترف١: غننا يا أبا حسان وكان يحسن النصب فبينا رباح يغنيه أدركهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته فقال: ما هذا؟ فقال عبد الرحمن: ما بأس بهذا نلهو ونقصر عنا فقال عمر ﵁: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، وضرار رجل من بني محارب بن فهر. أخرجه البيهقي ١٠ / ٢٢٤، بإسناد جيد وقال: والنصب ضرب من أغاني الأعراب وهو يشبه الحداء. قاله أبو عبيد الهروي. وفي القاموس: نصب العرب: ضرب من مغانيها أرق من الحداء. فأقول: وفي هذه الأحاديث والآثار دلالة ظاهرة على جواز الغناء بدون آلة في بعض المناسبات كالتذكير بالموت أو الشوق إلى الأهل والوطن أو للترويح عن النفس والالتهاء عن وعثاء السفر ومشاقه ونحو ذلك مما لا يتخذ مهنة ولا يخرج به عن حد الاعتدال فلا يقترن به الاضطراب والتثني والضرب بالرجل مما يخل بالمروءة كما في حديث أم علقمة مولاة عائشة: أن بنات أخي عائشة ﵂ خفضن فألمن ذلك فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى قالت: فأرسلت٢

стр. 127

إلى فلان المغني فأتاهم فمرت بهم عائشة ﵂ في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا وكان ذا شعر كثير فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أف! شيطان، أخرجوه، أخرجوه". فأخرجوه. أخرجه البيهقي ١٠ / ٢٢٣ – ٢٢٤، والبخاري مختصرا في الأدب المفرد ١٢٤٧ بسند حسن أو يحتمل التحسين وقد أوردته في صحيح الأدب المفرد رقم ٩٤٥ محسنا وصححه الحافظ ابن رجب في نزهة الأسماع ص ٥٥ – طيبة. وقد ترجم البيهقي لهذه الأحاديث والآثار بقوله: باب الرجل لا ينسب نفسه إلى الغناء ولا يؤتى لذلك ولا يأتي عليه وإنما يعرف بأنه يطرب في الحال فيترنم فيها. وللشيخ أبي الفرج ابن الجوزي كلام جيد في هذه المسألة ساقه في كتابه تلبيس إبليس في أكثر من فصل واحد فمن تمام الفائدة أن ألخصه للقراء قال ص ٢٣٧ - ٢٤١: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة. وفصل الخطاب أن نقول: ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء، ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير

стр. 128

ذلك والغناء يطلق على أشياء: منها: غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام.. فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال. وفي معنى هؤلاء: الغزاة فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال. وفي معناه أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم: بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا وهذا يحرك الإبل والآدمي إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال صحيح وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له: أنجشة فتعنق الإبل١ فقال رسول الله ﷺ : "يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير" ٢ صحيح وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم

стр. 129

لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فألقين سكينة علينا ... وثبت الأقدام إذ لاقينا فقال رسول الله ﷺ : " من هذا السائق"؟ قالوا: عامر بن الأكوع فقال: "يرحمه الله" ١. وقد روينا عن الشافعي ﵀ أنه قال: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به. انتهى ملخصا وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام ١ / ٣٦٨، بعد أن أشار إلى حديث أنجشة وهو في صدد الرد على بعض الصوفيين: وهذا حسن لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا ومن غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم بل كانوا يرفقون الصوت ويمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب يلهي وإنما كان لهم شيء من النشاط كما كان

стр. 130

عبد الله بن رواحة يحدو بين يدي رسول الله ﷺ كما كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا فيجيبهم ﷺ بقوله: "اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة" ثم ذكر ابن الجوزي من رواية الخلال - وهذا في الأمر بالمعروف ص ٣٤ - بسنده عن عائشة ﵂ قالت: كان عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إن الأنصار أناس فيهم غزل" فما قلت؟ قالت: دعونا بالبركة قال: "أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحم ... رما حلت بواديكم ولولا الحبة السمرا ... ءلم تسمن عذاراكم" ١ ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم: يا غاديا في الغفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائح

стр. 131

وكم إلى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارح يا عجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنبت الطريق الواضحا فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد في الإباحة ثم روى ابن الجوزي ص ٢٤٠ بسنده عن أبي حامد الخلقاني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون: إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني؟ ١ فقال: أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول: فذكر البيتين. فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء يصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر:

стр. 132

ذهبي اللون تحسب من ... وجنته النار تقتدح خوفوني من فضيحته ... ليته وافى وأفتضح وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال وتثير حب اللهو ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عن الزمر. ثم روى ابن الجوزي ٢٤٤ تحريم الغناء عن مالك وتقدم نصه في ذلك ص ٩٩ وعن أبي حنيفة أيضا وقال ص ٢٤٥: قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري وقد قال ﷺ : "من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية" ١. قال ابن الجوزي: وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي ﵃ ينكرون السماع وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلاف وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع منه كتاب مصنف٢.

стр. 133

ثم قال ابن الجوزي ص ٢٤٥: فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه وقال الفقهاء من أصحابنا [الحنابلة] : "لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق".

стр. 134

٨- الفصل الثامن: حكمة تحريم آلات الطرب والغناء يجب عليك أيها المسلم أن تعتقد أن الله في كل ما شرع لعباده من أمر أو نهي وإباحة - حكمة بل حكما بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها تظهر لبعضهم وتخفى على آخرين ولذلك فالواجب على المسلم حقا أن يبادر إلى طاعة الله ولا يتلكأ في ذلك حتى تتبين له الحكمة فإن ذلك مما ينافي الإيمان الذي هو التسليم المطلق للشارع الحكيم ولذا قال في القرآن الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وعلى هذا عاش سلفنا الصالح فأعزهم الله وفتح لهم البلاد وقلوب العباد ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها ولقد كان لأبي بكر الصديق ﵁ قصب السبق فيه وكان مثالا صالحا لغيره كما يدل على ذلك موقفه الرائع في قصة صلح الحديبية فيما رواه سهل بن حنيف ﵁ قال: صحيح أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا - وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين - فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: "بلى" قال: أليس قتلانا في الجنة

стр. 135

وقتلاهم في النار قال: "بلى" قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: "يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا". قال: فانطلق عمر - فلم يصبر متغيظا - فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا. قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بـ "الفتح" فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: "نعم" فطابت نفسه ورجع. أخرجه البخاري "٣١٨٢ - فتح" ومسلم ٥ / ١٧٥ - ١٧٦ والسياق له وأحمد ٣ / ٤٨٦ وفي رواية لهما عنه: أيها الناس اتهموا رأيكم وهي لسعيد بن منصور ٣ / ٢ / ٣٧٤ وابن أبي شيبة ١٥ / ٢٩٩. قال الحافظ ١٣ / ٢٨٨: كأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السنة كما وقع لنا حيث أمرنا رسول الله ﷺ بالتحلل فأحببنا الاستمرار على الإحرام وأردنا القتال لنكمل

стр. 136

نسكنا ونقهر عدونا وخفي علينا ما ظهر للنبي ﷺ مما حدث عقباه. وأروع مثال مر بي في سيرة أصحابه ﷺ الدالة على إيثارهم طاعته ولو كان ذلك مخالفا لهواهم ومصلحتهم الشخصية قول ظهير بن رافع قال: صحيح نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في الإرواء٥ / ٢٩٩. لقد ذكرتني هذه الطواعية بتلك المطاوعة التي تعجب منها مؤمنو الجن حينما أتوا النبي ﷺ يستمعون إلى قراءته في صلاة الفجر المشار إليها في أول سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ فأروا أصحابه ﷺ يصلون بصلاته يركعون بركوعه يسجدون بسجوده قال ابن عباس ﵄: عجبوا من طواعية أصحابه له. رواه أحمد ١ / ٢٧٠ وغيره بسند صحيح. والمقصود أن هذه الطواعية يجب أن تكون متحققة في كل مسلم ظاهرا وباطنا سواء كانت موافقة لهواه أو مخالفة ومن لوازم ذلك أن لا يضرب لله الأمثال ولأحكامه فلا يقيس صوت الألحان الخارجة من الإنسان على صوت العندليب والطيور فيقول مثلا: إذا جاز إنشاد الشعر بغير ألحان جاز إنشاده مع

стр. 137

الألحان فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا كما قال الغزالي - عفا الله عنه - توصلا منه إلى استباحة الألحان الموسيقية أو بعضها على الأقل١ قياسا على أصوات الطيور وهو المؤلف في أصول الفقه وفيها أنه لا قياس في مورد النص. ولذلك تتابع العلماء - كابن الجوزي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم - في الرد عليه وعلى أمثاله من الصوفية. ولقد ذكرني القياس المذكور بقياس آخر أخبث منه توصل منه صاحبه إلى استحلال النبيذ المسكر ذكره ابن القيم في صدد رده على الصوفية الذين يستحلون السماع بالألحان بمثل القياس المذكور فقال ﵀ في مسألة السماع٢٧٠ - ٢٧١: الوجه الثاني: أنه لو كان كل واحد من الشعر والتلحين مباحا بمفرده لم يلزم من ذلك إباحتهما عند اجتماعهما فإن التركيب له خاصية يتغير الحكم بها وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال: إن خبر الواحد إذا لم يفد العلم عند انفراده لم يفده مع انضمامه إلى غيره٢. وهي نظير ما يحكى عن إياس بن معاوية: أن رجلا قال له: ما تقول قي الماء؟ قال: حلال قال: فالتمر؟ قال: حلال قال: فالنبيذ ماء وتمر فكيف تحرمه؟ فقال له إياس:

стр. 138

أرأيت لو ضربتك بكف من تراب أكنت أقتلك؟ قال: لا قال: فإن ضربتك بكف من تبن اكنت أقتلك؟ قال: لا قال: فإن ضربتك ب [كف من] ماء أكنت أقتلك؟ قال: لا قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب فجعلته طينا وتركته حتى يجف وضربتك به أكنت أقتلك؟ قال: نعم قال: كذلك النبيذ١. ومعنى كلامه أن القوة المسكرة [هي] الحاصلة بالتركيب وكذلك ما نحن فيه الذي يسكر النفوس ويلهيها ويصدها عن ذكر الله وعن الصلاة قوة تحصل بالتركيب والهيئة الاجتماعية وليست الأصوات المجتمعة في استفزازها للنفوس بمنزلة الصوت الواحد وكذلك الصوت الملحن الذي يوقع به الغناء على توقيع معين وضرب معين لا سيما مع مساعدة آلات اللهو له بمنزلة إنشاد الشعر إذا تجرد عن ذلك وهل تروج هذه الشبهة إلا على ضعيف العلم والمعرفة ناقص الحظ منهما جدا؟. فإن قيل: إن ما ذكرت من وجوب التسليم لأحكام الشرع سواء عرفت الحكمة أو لا هو أمر واجب لا يرتاب فيه مسلم وإن كان بعضهم - مع الأسف - يخالف في ذلك عمليا كما لا يشك أحد في وجوب التسليم لتحريم الربا ونحوه وإن كان الكثير من المسلمين يستحلونه عمليا وبخاصة في هذا الزمان وبناء على ما تقدم من الأدلة على تحريم الغناء المبين هناك يجب الإعراض عنه عمليا وعدم الاستماع له ولكن السؤال الذي يطرح نفسه - كما يقولون اليوم - هو: هل ثبت في الشرع ما يبين حكمة تحريمه؟

стр. 139

فأقول - وبالله التوفيق -: نعم لقد وردت آثار كثيرة عن السلف من الصحابة وغيرهم تدل على حكمة التحريم وهي أنها تلهي عن ذكر الله تعالى وطاعته والقيام بالواجبات الشرعية مقتبسين ذلك من تسمية الله تعالى إياه ب ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وأنها نزلت في الغناء ونحوه فأذكر منها ما ثبت إسناده إليهم: فأولهم: ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قال: نزلت في الغناء وأشباهه١.

стр. 140

أخرجه البخاري في الأدب المفرد١٢٦٥ وابن أبي شيبة ٦ / ٣١٠ وابن جرير في التفسير ٢١ / ٤٠ وابن أبي الدنيا فيذم الملاهي والبيهقي في السنن ١٠ / ٢٢١ و ٢٢٣ من طرق عنه. وثانيهم عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هذه الآية المذكورة؟ فقال: هو الغناء والذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وكذا ابن جرير وابن أبي الدنيا والحاكم ٢ / ٤١١ وعنه البيهقي وشعب الإيمان ٤ / ٢٧٨ / ٥٠٩٦ وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٢٤٦ وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وهو كما قالا وصححه ابن القيم. وثالثهم عكرمة قال شعيب بن يسار: سألت عكرمة عن ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ؟ قال: هو الغناء أخرجه البخاري في التاريخ ٢ / ٢ / ٢١٧ وابن جرير أيضا وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا - واللفظ له - ومن طريقه البيهقي ورجاله ثقات غير شعيب هذا روى عنه ثقتان ووثقه ابن حبان ٤ / ٣٥٥ فهو حسن الإسناد إن شاء الله ولا سيما وقد تابعه أسامة بن زيد عند ابن أبي شيبة رقم ١١٧٥ وابن جرير ٢١ / ٤١٤٠.

стр. 141

وأسامة بن زيد هو الليثي هنا وهو حسن الحديث فبهذه المتابعة القوية صح الأثر والحمد لله. ورابعهم: مجاهد مثله. أخرجه ابن أبي شيبة برقم ١١٦٧ و ١١٧٩ وابن جرير وابن أبي الدنيا ٤ / ١ و ٥ / ٢ من طرق عنه بعضها صحيح وأبو نعيم في الحلية ٣ / ٢٨٦. وفي رواية لابن جرير من طريق ابن جريج سمعته من مجاهد قال: اللهو: الطبل ورجاله كلهم ثقات فهو صحيح إن كان ابن جريج سمعه من مجاهد وفي الباب عن الحسن البصري قال: نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ..﴾ إلخ في الغناء والمزامير. عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥ / ١٥٩ [لابن أبي حاتم] وسكت عنه كغالب عادته ولم أقف على إسناده لأنظر فيه. ولهذا قال الواحدي في تفسيره الوسيط ٣ / ٤٤١: أكثر المفسرين على أن المراد ب ﴿لهو الحديث﴾ الغناء قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن،

стр. 142

وإن كان اللفظ ورد ب الاشتراء لأن هذا اللفظ يذكر في الاستبدال والاختيار كثيرا. ومن الآثار السلفية الدالة على حكمة التحريم: أولا: عن ابن مسعود قال: الغناء ينبت النفاق في القلب أخرجه ابن أبي الدنيا فيذم الملاهي ق ٤ / ٢ ومن طريقه البيهقي في السنن ١٠ / ٢٢٣ وفي شعب الإيمان ٤ / ٢٧٨ / ٥٠٩٨ و ٥٠٩٩ من طريق حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: فذكر. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات إلا أن ظاهره الانقطاع فإن إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعي - لم يدرك عبد الله بن مسعود وبه أعله بعض من خرج أحاديث ذم الغناء من المعاصرين١ وفاته أنه صح عن إبراهيم أنه قال للأعمش لما قال له: أسند لي عن ابن مسعود: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله. فأقول: ومن المعلوم أن إبراهيم النخعي تابعي ثقة جليل فإذا روى عن غير واحد من شيوخه فهو على الأقل من أمثاله من التابعين إن لم يكونوا أكبر منه

стр. 143

سنا فروايته عنهم مما يلقي في النفس الثقة والاطمئنان لروايتهم لأنهم جمع؛ فيبعد جدا أن يهموا في روايتهم عن ابن مسعود فضلا عن التواطؤ على الكذب عليه كما هو ظاهر وبصورة عامة لتابعيتهم وبخاصة أنهم من شيوخ إبراهيم وهو يروي عنهم ولا سيما وفي ترجمته أنه كان صيرفي الحديث كما قال الأعمش فليس من المعقول البتة أن يروي هو عنهم وهو غير مطمئن لصدقهم وحفظهم وهم بالنسبة إلينا جمع ينجبر به جهالتهم وكلام ابن تيمية المتقدم صفحة ٧٠، في تقوية الحديث الضعيف والمرسل بالطرق يدل على هذا ولذلك صحح جماعة من الأئمة مراسيل إبراهيم وخص ذلك البيهقي بما أرسله عن ابن مسعود كما في مراسيل العلائي١٦٨، وأقره الحافظ في التهذيب وهذا أعم مما لو قال: قال عبد الله فيشمل ما لو قال: عن عبد الله ويؤيده أنه ليس ثمة فرق ظاهر بين العبارتين أولا ولأنه لم يقل في كل منهما: عن رجل تبرئة لذمته فاستويا في الحكم. وهناك حديث - لكنه مرفوع - يشبه هذا من حيث إنه من رواية جماعة من التابعين لم يسموا ومع ذلك قواه بعض الحفاظ المتأخرين لانجبار جهالتهم بجمعهم وهو مخرج في غاية المرام٤٧١ فليراجعه من شاء. وأما الراوي عن إبراهيم حماد فهو ابن أبي سليمان الكوفي فهو كما قال الذهبي في الكاشف: ثقة إمام مجتهد كريم جواد. ولذلك قال في الميزان:

стр. 144

تكلم فيه للإرجاء ولولا ذكر ابن عدي له في كامله لما أوردته. وقال الحافظ في التقريب. صدوق له أوهام. قلت: فمثله يحتج به إلا إذا تبين وهمه بمخالفته لمن هو أوثق منه أو نحو ذلك ولا شيء من ذا هنا ولذلك فما أنصف من ضعفه مطلقا من المعاصرين! وله طريق آخر يرويه سعيد بن كعب المرادي عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود بلفظ أتم قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع والذكر ينبت الإيمان كما ينبت الماء البقل. أخرجه ابن أبي الدنيا ق ٤ / ٢ ومن طريقه البيهقي ١٠ / ٢٢٣. وهذا منقطع محمد بن عبد الرحمن بن يزيد - وهو النخعي الكوفي - لم يدرك ابن مسعود وهو ثقة ولا أستبعد أن يكون تلقاه عن إبراهيم النخعي فإنه من هذه الطبقة. وسعيد بن كعب المرادي لم يوثقه غير ابن حبان ٨ / ٢٦٢. وقد روي الطرف الأول منه من طريق شيخ عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعا.

стр. 145

لكن الشيخ هذا مجهول هذا مجهول لم يسم ولذلك كنت خرجته في الضعيفة برقم ٢٤٣٠ وأشار إليه ابن القيم في إغاثة اللهفان ١ / ٢٤٨ وقال: وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله. ولكنه في حكم المرفوع إذ مثله لا يقال من قبل الرأي كما قال الآلوسي فيروح المعاني ١١ / ٦٨. ثانيا: عن الشعبي قال: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع وإن الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع. أخرجه ابن نصر فيقدر الصلاة ص ١٥١ / ٢ - ١٥٢ / ١ من طريق عبد الله بن دكين عن فراس بن يحيى الأصل: ابن عبد الله خطأ عنه. قلت: وهذا إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن دكين وهو أبو عمر الكوفي البغدادي مختلف فيه قال الذهبي في المغني: معاصر لشعبة وثقه جماعة وضعفه أبو زرعة. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ.
следующие страницы →