← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11081

تحريم آلات الطرب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (179 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المعنى وإن كان ذلك لا يسوغ لأحد أن يجزم بنسبته إلى النبي ﷺ كما هو معروف لدى أهل العلم خلافا لبعض أهل الأهواء قديما وحديثا كما تقدم بيانه في الرد على الشيخ الغزالي في مقدمة هذه الرسالة ولذلك قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ١ / ٥٨: والحديث الضعيف لا يرفع أي: لا يهمل وإن كان لم يحتج به ورب حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى. والخلاصة أن الحديث الضعيف سندا قد يكون صحيحا معنى لموافقة معناه لنصوص الشريعة مثل حديث: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس"١ ونحوه كثير ولكن ذلك مما لا يجيز نسبته إلى النبي ﷺ وقد يكون صحيح المعنى والمبنى معا لشواهده المقوية له كهذا الحديث السادس وبعض ما قبله فليكن هذا منك على ذكر ولا يصدنك عنه شقشقة الجاهلين وشغب المشاغبين فإننا في زمان كثير فيه كتابه قليل فيه علماؤه وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 72

٢ - الفصل الثاني: شرح مفردات غريب الحديث بعد أن فرغنا من سوق الأحاديث المحرمة لآلات الطرب وفيها ألفاظ متنوعة بعضها دلالتها عامة شاملة لكل أجناس الآلات مثل: المعازف، وبعضها خاص ببعضها وهو فرد من أفرادها مثل البرابط مثلا. كما أنه وقع في بعض الآيات والأحاديث ألفاظ أخرى من الغريب رأيت أنه من تمام الفائدة شرحها وبيان معانيها ورتبتها على الحروف مع الإشارة إلى أماكنها المتقدمة. ١ – "أريكتهم" ص ٦٤ في القاموس أريكة كسفينة: سرير في حجلة ساتر كالقبة أو كل ما يتكأ عليه من سرير ومنصة وفراش أو سرير منجد. ٢ – "الأوتار" ص ٦٠ و ٦١. جمع وتر - محركة شرعة القوس ومعلقها منه وهي هنا: الأوتار التي تربط وتشد على الآلات الموسيقية كالعود والقانون. ٣ – "البرابط" ص ٦٥ جمع بربط: ملهاة تشبه العود فارسي معرب وأصله بربت؛

стр. 73

لأن الضارب به يضعه على صدره واسم الصدر: بر. نهاية. ٤ – "بطر الحق" ص ٥١ هو رده وإنكاره بعد ظهوره. ٥ - "الحر" ص ٣٨ هو الفرج وأصله حرح بكسر الحاء وسكون الراء وجمعه أحراح. نهاية ٦ - "الخز" ٤٢ هو هنا ما ينسج من إبريسم خالص وهو الحرير. ٧ - "دولا" ص ٦٦ جمع دولة بالضم وهو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم. النهاية. ٨ - "رنة الشيطان" ص ٥٢ هو هنا الصوت الحزين. ٩ - "علم" ص ٣٨ أي: جبل. ١٠ - "الغبيراء" ص ٥٨ و ٦٠

стр. 74

شراب مسكر يتخذ من الذرة ١١ - "غمط" الناس ص ٥١. هو الاستهانة بهم واحتقارهم والطعن فيهم بغير حق وهو الغمص كما في النهاية. ١٢ - "القنين" ص ٥٧ و ٥٨ و ٦٠ هو الطنبور بالحبشة والتقنين الضرب به قاله ابن الأعرابي كذا في إغاثة اللهفان. وفي القاموس: التقنين كسكين: الطنبور ولعبة للروم يتقامر بها. قلت: والأول هو المراد هنا قطعا لأن القمار مذكور في الحديث نفسه وهو الميسر. وهو من آلات الطرب الوترية طويل العنق له صندوق نصف بيضوي فيه وتران أو ثلاثة. ١٣ - "القيان" ص ٦٣ جمع القينة وهو المغنية من الإماء وتجمع - أيضا - على قينات. ١٤ - "القينات" ص ٤٥ و ٦٥ و ٦٦. انظر ما قبله.

стр. 75

١٥ - "الكوبة" ص ٥٦ و ٥٧ و ٥٨ و ٦٠ هي الطبل كما جاء مفسرا في حديث ابن عباس وابن عمر وجزم به الإمام أحمد واعتمده ابن القيم في الإغاثة قال: وقيل: البربط. انظر المادة ٣ وقال الخطابي في المعالم ٥ / ٢٦٨: والكوبة يفسر ب الطبل ويقال: هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر ونحو ذلك من الملاهي والغناء وفيها أقوال أخرى نقلها الشيخ أحمد شاكر ﵀ في التعليق على المسند ١٠ / ٧٦ ثم قال: وأجود من كل هذا وأحسن شمولا قول أحمد في كتاب الأشربة [٨٤] ٢١٤] : يعني ب الكوبة كل شيء يكب عليه ١٦ - "المزامير" ص ٥١ و ٥٢ و ٦١ جمع مزمار: آلة من قصب - أو معدن - تنتهي قصبتها ببوق صغير كذا في المعجم الوسيط ١٧ - "المزر" ص ٥٨ بكسر الميم: نبيذ يتخذ من الذرة وقيل: من الشعير أو الحنطة. نهاية

стр. 76

١٨ - "المعازف" ص ٣٨ و ٤٥ و ٥١. هي الدفوف وغيرها مما يضرب [به] كما في النهاية. وفي القاموس: هي الملاهي كالعود والطنبور الواحد عزف أو معزف كمنبر ومكنسة والعازف: اللاعب بها والمغني. ولذلك قال ابن القيم في الإغاثة: وهي آلات اللهو كلها لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك. وأوضح منه قول الذهبي في السير ٢١ / ١٥٨: المعازف: اسم لكل آلات الملاهي التي يعزف بها كالمزمار والطنبور والشبابة والصنوج. ونحوه في كتابه تكرة الحفاظ ٢ / ١٣٣٧.

стр. 77

٣ - الفصل الثالث: الرد على ابن حزم وغيره ممن أعل شيئا من الأحاديث المتقدمة قلت: سبق أن رددت على ابن حزم وغيره من الطاعنين في الأحاديث الصحيحة في المقدمة وفي أثناء تخريج الأحاديث الستة الصحيحة المتقدمة والذي أريد بيانه الآن أن أحاديث التحريم بالنسبة لابن حزم ونظرتنا إليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما ضعفه منها وهو مخطئ. الثاني: ما لم يقف عليه منها أو وقف على بعض طرقها دون بعض ولو وقف عليها وثبتت عنده لأخذ به فهو معذور - خلافا لمقلديه - ولا سيما وقد عقب على ما ضعف منها بقوله حالفا غير حانث إن شاء الله ٩ / ٥٩: والله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله ﷺ لما ترددنا في الأخذ به. هذا هو الذي نظنه فيه والله حسيبه وأما المقلدون له بعد أن قامت عليهم الحجة وتبينت لهم المحجة فلا عذر لهم ولا كرامة بل مثلهم كمثل ناس في الجاهلية كانوا يعبدون الجن فأسلم هؤلاء واستمر أولئك في عبادتهم وضلالهم كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ

стр. 78

أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ . الثالث: ما ضعفه منها ولم يبد لنا اعتراض عليه فلا شأن لنا به فسيكون ردي عليه إذن في القسم الأول والثاني فأقول وبالله التوفيق: القسم الأول: انتقد منه ابن حزم حديثين من الستة: الأول منها والثالث أما الحديث الأول: فقد ذكرت له فيما تقدم طريقين إلى عبد الرحمن بن غنم عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري. الأولى: من طريق البخاري: قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد.. بسنده عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الاشعري - والله ما كذبني - سمع النبي ﷺ . فأعله ابن حزم بعلتين: الانقطاع بين البخاري وهشام والأخرى جهالة الصحابي الأشعري فقال في المحلى ٩ / ٥٩ وهو آخر أحاديث الباب عنده: وهذا منقطع لم يتصل بين البخاري وصدقة بن خالد ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا وكل ما فيه فموضوع. كذا قال ولا يخفى على طلاب العلم فضلا عن العلماء ما فيه من التنطع والمبالغة فإن الانقطاع - لو صح - لا يلزم منه الحكم على المتن بالوضع لا سيما وقد جاء موصولا من طريق أخرى عنده وثالثة عندنا كما تقدم ويأتي ومع ذلك كله أغمض القرضاوي والغزالي - ومن تابعهما - أعينهم عن ذلك

стр. 79

كله وقلدوه كما تقدم أكان ذلك عن جهل منهما أم عن هوى؟ والعياذ بالله تعالى. وقوله:.. وصدقة بن خالد خطأ لعله سبق قلم منه والصواب.. وهشام بن عمار كما سبق في الرد على الغزالي ٢٨ – ٢٩. وقال في رسالته ص ٩٧: ولم يورده البخاري مسندا وإنما قال فيه: قال هشام بن عمار: ثم هو إلى أبي عامر أو أبي مالك ولا يدرى أبو عامر هذا!. أما الجواب عن الانقطاع فقد سبق بيانه مفصلا في غير ما مناسبة فانظر مثلا ص ٢٨ و ٣٩ - ٤٠ ولكن من تمام الفائدة أن أنقل هنا بعض ما قاله الحفاظ والنقاد ردا على ابن حزم إعلاله المذكور ليزداد القراء علما بمبلغ ضلال المنحرفين عن سبيل المؤمنين لإصرارهم على تقليده تقليدا أعمى مقرونا باتباع الهوى فأقول: ١ - قال العلامة ابن القيم في "إغاثة اللهفان" ١ / ٢٥٩ – ٢٦٠، وفي تهذيب السنن٥ / ٢٧١ - ٢٧٢،مع شيء من الدمج بينهما والتلخيص: ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به. وهذا القدح باطل من وجوه: أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه فإذا قال:

стр. 80

قال هشام فهو بمنزلة قوله: عن هشام اتفاقا. الثاني: أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه أنه حدث به وهذا كثيرا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته فالبخاري أبعد خلق الله عن التدليس. الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى ب الصحيح محتجا به فلولا صحته عنده لما فعل ذلك فالحديث صحيح بلا ريب. الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض فإنه إذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: ويروى عن رسول الله ﷺ ، و: يذكر عنه ونحو ذلك فإذا قال: قال رسول الله ﷺ و: قال فلان فقد جزم وقطع بإضافته إليه وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام فهو صحيح عنده. الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا فالحديث صحيح متصل عند غيره. ثم ذكر حديث بشر بن بكر المتقدم ص ٤٢ من رواية الإسماعيلي وفيه لفظة المعازف التي أنكر وجودها حسان المضعف!. ٢ - وذكر نحوه ابن الصلاح من قبل في مقدمة علوم الحديث ص ٧٢ - ٧٣ وقال: والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح.

стр. 81

٣ - وتلاه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠ / ٥٢ – ٥٣، وأبان فيه عن السبب الذي يحمل البخاري على مثل هذا التعليق ثم قال: وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب تغليق التعليق وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولا في مستخرج الإسماعيلي قال:.. ثم ساق إسناده وأتبعه بإسناد أبي داود وقد تقدم ذكرهما مع روايات أخرى عن جماعة من الثقات قالوا: حدثنا هشام بن عمار ... فانظر صفحة ٤٠ – ٤١. ثم وقفت على قاعدة حديثية لابن حزم يلتقي فيها مع ما تقدم عن أئمة الحديث أن تعليق البخاري المذكور في حكم الإسناد المتصل بين البخاري وشيخه هشام بن عمار فقال في أصول الأحكام ١ / ١٤١: وأما المدلس فينقسم قسمين: أحدهما: حافظ عدل ربما أرسل حديثه وربما أسنده وربما حدث به على سبيل المذاكرة والفتيا أو المناظرة فلم يذكر له سندا وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض فهذا لا يضر سائر رواياته شيئا لأن هذا ليس جرحة

стр. 82

ولا غفلة لكنا نترك من حديثه ما علمنا يقينا أنه أرسله وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئا من ذلك وسواء قال: أخبرنا فلان أو قال: عن فلان أو قال: فلان عن فلان كل ذلك واجب قبوله ما لم يتيقن أنه أورد حديثا بعينه إيرادا غير مسند فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط وأخذنا سائر رواياته. قلت: فهذا نص منه فيما ذكر صريح يوجب الأخذ بقول البخاري: قال هشام وأنه كقوله: أخبرنا هشام فسقط بذلك إعلاله إياه بالانقطاع وثبت بالتالي أن مقلديه ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ والله المستعان. وبهذا ينتهي الجواب على العلة الأولى وهي الانقطاع التي زعمها ابن حزم ومقلدوه وتبين جليا أنها سراب. وبقي الجواب عن العلة الأخرى وهي الشك في اسم الصحابي فهي شبهة أشد ضعفا عند العلماء قال الحافظ في الفتح ١٠ / ٢٤: الشك في اسم الصحابي لا يضر وقد أعله بذلك ابن حزم وهو مردود. قلت: وذلك لأن الراوي عنه تصريحه بالسماع من النبي ﷺ ثقة من كبار التابعين بل قيل بصحبته فهو من العارفين بصحبة محدثه عن النبي ﷺ ولا سيما وقد أكد ذلك بقوله: والله ما كذبني فلا يضرنا بعد ذلك شكه وتردده ما دام أنه أخبرنا بصحبته وأن مما يؤيد هذا قول ابن حزم في فصل صفة من يلزم قبول نقله الأخبار من كتابه الإحكام في أصول الأحكام

стр. 83

١ / ١٤٣: فالفقيه العدل مقبول في كل شيء. قلت: وليس يخفى على أحد أن من هذه الكلية قول التابعي الثقة: حدثني من سمع النبي ﷺ أو نحوه كما هنا فاشتراط ابن حزم تسمية الصحابي - كما يدل عليه إعلاله هذا وصرح بذلك في مكان آخر من الإحكام ٢ / ٣ و ٨٣، فهو مع منافاته لعموم قوله المذكور - وعليه علماء الحديث - فهو مما لا دليل عليه. على أن الإمام البخاري قد رجح - كما قدمناه في ص ٥٠، أنه أبو مالك الأشعري - وهو صحابي معروف - وإليه مال الحافظ ١٠ / ٥٥، فقال بعد أن ذكر ترجيح الإمام: على أن التردد في اسم الصحابي لا يضر كما تقرر في علوم الحديث فلا التفات إلى من أعل الحديث بسبب التردد وقد ترجح أنه عن أبي مالك الأشعري وهو صحابي مشهور. قلت: حتى عند ابن حزم فقد رأيته احتج في الإحكام ٤ / ٣١، بسند فيه معاوية بن صالح المتقدم ص ٤٤ – ٤٥، عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم: ثنا عبد الرحمن بن غنم قال: أنبأنا أبو مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"

стр. 84

وهذا تناقض منه لأنه ضعف معاوية هذا وجهل شيخه كما يأتي. وقال الحافظ أيضا في تغليق التعليق ٥ / ٢١ - ٢٢ بعد أن ساق طرق الحديث الثلاثة عن عبد الرحمن بن غنم: وهذا حديث صحيح لا علة له ولا مطعن فيه وقد أعله أبو محمد بن حزم بالانقطاع بين البخاري وصدقة بن خالد وبالاختلاف في اسم أبي مالك وهذا كما تراه قد سقته من رواية تسعة عن هشام متصلا فيهم مثل الحسن بن سفيان وعبدان وجعفر الفريابي وهؤلاء حفاظ أثبات. وأما الاختلاف في كنية الصحابي فالصحابة كلهم عدول. هذا ويبدو لي أن هذه العلة لما لم يجد المغرم بتضعيف الأحاديث الصحيحة مجالا للتشبث بها لوضوح بطلانها اختلق من عنده علة أخرى هي عند العلماء أبطل منها وهي أن عطية بن قيس الذي احتج به مسلم ووثقه غيره مجهول وهي دعوى كاذبة لم يقل بها أحد قبله كما تقدم بيانه ص ٤٣ - ٤٤ فلا داعي للإعادة لكن في التنبيه عليها هنا فائدة. وقد كنت ذكرت للحديث طريقين آخرين عن عبد الرحمن بن غنم أحدهما طريق معاوية بن صالح التي ذكرتها آنفا فأعله ابن حزم بقوله في رسالته ص ٩٧: معاوية بن صالح ضعيف ومالك بن أبي مريم لا يدرى من هو؟. وأعله في المحلى ٩ / ٥٧، بمعاوية فقط وهذا الإعلال من جنف

стр. 85

ابن حزم فقد وثقه جماعة من المتقدمين منهم الإمام أحمد وما أطلق الضعف عليه أحد من الحفاظ المعروفين وقال فيه الحافظ ملخصا أقوال الأئمة فيه: صدوق له أوهام. وقال الذهبي في الكاشف: صدوق إمام. ووصفه في سير أعلام النبلاء ٧ / ١٥٨، بـ الإمام الحافظ الثقة قاضي الأندلس. وساق له حديثا بإسناده وقال: هذا حديث صالح الإسناد. وقد احتج به مسلم فحديث المعازف هذا صالح لولا جهالة مالك بن أبي مريم لكنه في المتابعة مقبول لا سيما وقد رجح البخاري روايته على رواية هشام بن عمار كما تقدم ص ٥١، واحتج به ابن حزم في تحريم الخمر كما ذكرت قريبا وقال ابن تيمية في إبطال التحليل ص ٢٧، - طبعة الكردي: إسناد حسن فإن حاتم بن حريث شيخ ومالك بن أبي مريم من قدماء الشاميين. وقبل الانتقال إلى الحديث الآخر الذي ضعفه ابن حزم من هذا القسم الأول أرى أنه من المهم أن أختم الكلام على هذا الحديث الأول بالتذكير بمن

стр. 86

صححه من الأئمة الحفاظ على مر العصور: ١ - البخاري ٢ - ابن حبان ٣ - الإسماعيلي ٤ - ابن الصلاح ٥ - النووي ٦ - ابن تيمية ٧ - ابن القيم ٨ - ابن كثير ٩ - العسقلاني ١٠ - ابن الوزير الصنعاني ١١ - السخاوي ١٢ - الأمير الصنعاني انظر كتابي الجديد ضعيف الأدب المفرد في أثناء الرد على ابن عبد المنان في المقدمة إلى غير هؤلاء ممن لا يحضرني فهل يدخل في عقل مسلم أن يكون المخالفون كابن حزم ومن جرى خلفه - وليس فيهم مختص في علم الحديث - هل يعقل أن يكون هؤلاء على صواب وأولئك الأئمة على خطأ؟ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ . وأما الحديث الآخر الذي ضعفه ابن حزم من الأحاديث الستة المتقدمة فهو الحديث الثالث منها ص ٥٥، فقد أعله بجهالة تابعيه قيس بن حبتر النهشلي وهذا من ضيق عطنه وقلة معرفته فقد وثقه جمع من المتقدمين والمتأخرين وروى عنه جماعة كما بينت هناك فمثله لا يكون مجهولا. ولا غرابة في جهل ابن حزم إياه فقد جهل جماعة من الحفاظ هم في الشهرة كالشمس في رابعة النهار ثقة وحفظا منهم الإمام الترمذي صاحب السنن قال الحافظ في ترجمته من التهذيب بعد أن حكى توثيقه عن ابن حبان والخليلي:

стр. 87

وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع فقال في كتاب الفرائض من الإيصال: "محمد بن عيسى بن سورة مجهول" ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ كأبي القاسم البغوي وإسماعيل بن محمد بن الصفار وأبي العباس الأصم وغيرهم والعجب أن الحافظ ابن الفرضي ذكره في كتابه المؤتلف والمختلفون به فيه على قدره فكيف فات ابن حزم الوقوف عليه فيه؟. قلت: ولذلك فلا يؤخذ من أحكامه إلا ما وافق فيها الأئمة المشهورين ممن كان قبله أو على الأقل لم يخالفهم فيها. وبهذا ينتهي الكلام على الحديثين اللذين ضعفهما ابن حزم من القسم الأول من الأحاديث الستة الصحيحة مع بيان خطئه فيهما. والآن نتكلم على القسم الثاني منها وهو ما لم يقف عليه منها أو وقف على بعض طرقها دون بعض ويدخل في هذا كل ما عدا الحديثين المذكورين مع شيء من التفصيل فأقول: الحديث الثاني منها صرح ابن حزم عقبه بقوله كما تقدم: لا يدري من رواه!. مع أنه قد رواه أكثر من عشرة من الحفاظ المشهورين في مصنفاتهم من

стр. 88

حديث أنس وعبد الرحمن بن عوف كما تقدم تخريجه مفصلا وذلك مما ينادي ابن حزم به على نفسه بقلة اطلاعه على الأحاديث المسندة ومع ذلك اغتر به الشيخ الغزالي فقلده وزاد على ذلك - ضغثا على إبالة - أن أساء فهم كلام ابن حزم كما تقدم أو أنه حرفه. والحديث الثالث لم يورده وإن كان أورده في مكان آخر من محلاه وأعله بجهالة قيس بن حبتر وهو مخطئ كما سبق. والحديث الرابع والخامس لم يذكرهما مطلقا ومثلهما الحديث السادس لم يذكره مع أكثر شواهده وفيها ما هو صحيح لذاته كحديث ربيعة الجرشي ﵁ ومنها حديث فرقد - بسنده الصحيح لغيره - عن أبي أمامة لم يذكر من طرقه عنه إلا طريق الحارث بن نبهان المتروك وكذلك لم يقف على الطريق الثالث في الحديث الأول الذي رواه ابن ذي حماية الثقة رغم أنف مضعف الأحاديث الصحيحة.

стр. 89

٤ - الفصل الرابع: في دلالة الأحاديث على تحريم الملاهي بجميع أشكالها اعلم أخي المسلم أن الأحاديث المتقدمة صريحة الدلالة على تحريم آلات الطرب بجميع أشكالها وأنواعها نصا على بعضها كالمزمار والطبل والبربط وإلحاقا لغيرها بها وذلك لأمرين: الأول: شمول لفظ المعازف لها في اللغة كما تقدم بيانه في الفصل الثاني وكما سيأتي أيضا عن ابن القيم. والآخر: أنها مثلها في المعنى من حيث التطريب والإلهاء ويؤيد ذلك قول عبد الله بن عباس ﵄: الدف حرام والمعازف حرام والكوبة حرام والمزمار حرام. أخرجه البيهقي ١٠ / ٢٢٢، من طريق عبد الكريم الجزري عن أبي هاشم الكوفي عنه. قلت: وهذا إسناد صحيح إن كان أبو هاشم الكوفي هو أبو هاشم السنجاري المسمى سعدا فإنه جزري كعبد الكريم وذكروا أنه روى عنه لكن لم أر من ذكر أنه كوفي وفي ثقات ابن حبان ٤ / ٢٩٦، أنه سكن دمشق والله أعلم. غير أن الحديث الأول يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف..

стр. 90

بحاجة إلى شيء من البيان فأقول: أولا: قوله: يستحلون فإنه واضح الدلالة على أن المذكورات الأربعة ليست حلالا شرعا ومنها المعازف وقد جاء في كتب اللغة ومنها المعجم الوسيط: استحل الشيء عده حلالا. ولذلك قال العلامة الشيخ علي القاري في المرقاة ٥ / ١٠٦: والمعنى: يعدون هذه الأشياء حلالات بإيراد شبهات وأدلة واهيات منها ما ذكره بعض علمائنا يعني الحنفية من أن الحرير إنما يحرم إذا كان ملتصقا بالجسد وأما إذا لبس من فوق الثياب فلا بأس به فهذا تقييد من غير دليل نقلي ولا عقلي ولإطلاق قوله ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ١ وكذلك لبعض العلماء تعلقات بـ المعازف يطول بيانها وهذا الحديث مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . قلت: ويشبه ما ذكره عن الحنفية تفريقهم بين الخمر المتخذ من العنب فيحرم منه قليله وكثيره والخمر المتخذ من التمر وغيره فلا يحرم منه إلا الكثير المسكر فهذه ظاهرية مقيتة ومثله التفريق بين الموسيقى المثيرة للجنس فتحرم وغيرها من الموسيقى فتحل كما تقدم بيانه في المقدمة في الرد على أبي زهرة

стр. 91

ومن قلده ص ٦ – ٨، وهذا مع ما فيه من التقييد بالرأي والتعطيل للنصوص الشرعية فإن أسوأ منه قول الشيخ الغزالي عقب حديث المعازف الذي رواه البخاري ٦٩ - ٧٠: ولعل البخاري يقصد أجزاء الصورة كلها أعني المحفل الذي يضم الخمر والغناء والفسوق. فأقول للشيخ: اجعل لعل عند ذاك الكوكب١ فإن هذا التعليل والتعبير أعجمي رغم أن قائله عربي وكاتب كبير كيف لا وهو يخلط بين كلام النبي ﷺ وكلام البخاري فينسب كلامه ﷺ إلى البخاري وهذه في غاية العجب كما هو ظاهر فلا أدري أهو خطأ فكري أم غلط قلمي؟ وأحلاهما مر. هذا أولا. وثانيا: يبطل ذاك التعليل تصريح ما بعد حديث المعازف من الأحاديث بتحريم أنواع من آلات الطرب وفي الحديث السادس وما تحته من الشواهد التصريح بأن من أسباب المسخ والخسف والقذف اتخاذ الآلات والقينات ومنها حديث ربيعة الجرشي الصحيح وفيه سؤالهم عن السبب: قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "باتخاذهم القينات وشربهم الخمر". وفي حديث عمران:

стр. 92

"إذا ظهرت المعازف وكثرت القينات وشربت الخمور". وثالثا: قال ابن القيم في إغاثة اللهفان عقب حديث المعازف ما مختصره ١ / ٢٦٠ - ٢٦١: ووجه الدلالة أن المعازف هي آلات اللهو كلها لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحر.. وقد توعد مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال فلكل واحد قسط في الذم والوعيد. فهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق والحقيقة المرة أن الشيخ الغزالي وأمثاله من الدعاة أو الكتاب المعاصرين ليس لديهم منهج علمي ينطلقون منه فيما يذهبون إليه من الأحكام والمسائل لا من الناحية الفقهية ولا من الناحية الحديثية وإنما هي العشوائية العمياء المقرونة في كثير من الأحيان باتباع الأهواء فتارة تراه مع الآرائيين أو العقلانيين - كما يقولون اليوم - في مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة بل إنه تقدمهم في ذلك بأشواط فخالف الأئمة والفقهاء جميعا بدون استثناء وقد ذكرت في المقدمة بعض الأمثلة وتارة تاره ظاهريا جامدا كالصخر الجلمود مقلدا لبعض أئمة الظاهرية المتنطعين ولو خالف أئمة الحديث والفقه جميعا فإنه كما قلده ابن حزم في تضعيفه لأحاديث المعازف الصحيحة فإنه كذلك قلده في تأويله لحديث المعازف تأويلا باطلا ولكن ابن حزم مع ذلك كان أعقل منه في اختيار

стр. 93

النص الذي تأوله فإنه لم يتجرأ على تأويل حديث البخاري - كما فعل الغزالي - لقوله فيه: يستحلون وإنما تأول حديث معاوية بن صالح الخالي منه وفيه - كما تقدم ص ٤٥ -: "ويضرب على رؤوسهم بالمعازف.." فقال ابن حزم ٩ / ٥٧: وليس فيه أن الوعيد المذكور إنما هو على المعازف كما أنه ليس على اتخاذ القينات والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها. ومع أن هذا الذي استظهره تكلف ظاهر وتأويل باطل لما تقدم من الأحاديث وتفسير ابن القيم فقد أجاب عنه الشوكاني بجواب آخر فقال فينيل الأوطار ٨ / ٨٥، بعد أن حكى تأويل ابن حزم ملخصا دون أن يعزوه إليه وفيه رد ظاهر على الغزالي أيضا: ويجاب بأن الاقتران لا يدل على أن المحرم هو الجمع فقط وإلا لزم أن الزنا المصرح به في الحديث يعني حديث البخاري لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وأيضا يلزم في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أنه لا يحرم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحض على طعام المسكين فإن قيل: تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم من دليل آخر فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضا كما سلف على أنه لا ملجيء إلى ذلك حتى يصار إليه. وها هنا تنبيه مهم على معنى الاستحلال الوارد في الحديث: فقد قال

стр. 94

شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعلى - في كتاب إبطال التحليل ص ٢٠ - ٢١ - الكردي: لعل الاستحلال المذكور في الحديث إنما هو بالتأويلات الفاسدة فإنهم لو استحلوها مع اعتقادهم أن الرسول حرمها كانوا كفارا ولم يكونوا من أمته ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ كسائر الذين لم يزالوا يفعلون هذه المعاصي ولما قيل فيهم: يستحلون فإن المستحل للشيء هو الذي يأخذه معتقدا حله فيشبه أن يكون استحلالهم الخمر يعني أنهم يسمونها بغير اسمها كما في الحديث فيشربون الأشربة المحرمة ولا يسمونها خمرا واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة وهذا لا يحرم كألحان الطيور واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال للمقاتلة وقد سمعوا أنه يباح لبسه عند القتال عند كثير من العلماء فقاسوا سائر أحوالهم على تلك وهذه التأويلات الثلاثة واقعة في الطوائف الثلاثة التي قال فيها ابن المبارك رحمه الله تعالى: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها ومعلوم أنها لا تغني عن أصحابها من الله شيئا بعد أن بلغ الرسول ﷺ وبين تحريم هذه الأشياء بيانا قاطعا للعذر كما هو معروف في مواضعه.

стр. 95

٥ - الفصل الخامس: مذاهب العلماء في تحريم آلات الطرب بعد أن أثبتنا فيما سلف صحة الأحاديث في تحريم الآلات وبينا دلالتها على التحريم يحسن بنا أن نتبع ذلك ببيان موقف العلماء والفقهاء من حيث تبنيها والعمل بها ليكون الطالب على معرفة من الناحية الفقهية أيضا ويزداد بذلك علما بانحراف الغزالي في تأليفه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث - ومن سار سيره - عن الفقه وعلمائه كما هو منحرف عن السنة وعلمائها فقد وصفهم جميعا - بجهل بالغ بالوعاظ ص ٧٤، لتحريمهم الغناء - قال الإمام الشوكاني فينيل الأوطار ٨ / ٨٣، ما ملخصه: وقد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها فذهب الجمهور إلى التحريم مستدلين بما سلف يعني من الأحاديث وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر والصوفية إلى الترخيص في السماع ولو مع العود واليراع. ثم نقل عن بعضهم أنه حكى أقوالا عن بعض السلف بالإباحة وتوسع في ذلك توسعا لا فائدة منه لأنها أقوال غالبها معلقة لا سنام لها ولا خطام وبعضها قد صح عن بعضهم خلافه وبعضها مشكوك في لفظه كما يأتي

стр. 96

تحقيقه. ولكن قبل ذلك أريد أن أنبه على أمرين: الأول: أن المقصود ب الجمهور هنا إنما هم الأئمة الأربعة تبعا للسلف كما فصل القول في ذلك العلامة ابن القيم الجوزية في إغاثة اللهفان ١ / ٢٢٦ – ٢٣٠، ولذلك لما نسب ابن المطهر الشيعي إلى أهل السنة إباحة الملاهي والغناء كذبه شيخ الإسلام ابن تيمية في رده عليه في منهاج السنة فقال ٣ / ٤٣٩: هذا من الكذب على الأئمة الأربعة فإنهم متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعود ونحوه ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف بل يحرم عندهم اتخاذها. والأمر الآخر: عزو الشوكاني الترخيص إلى أهل المدينة يوهم بإطلاقه أن منهم مالكا وليس كذلك وإن كان مسبوقا إليه كقول الذهبي في ترجمة يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون: قلت: أهل المدينة يترخصون في الغناء وهم معروفون بالتسمح فيه. وذكر فيها: أنه كانت جواريه في بيته يضربن بالمعزف. فأقول: ليس منهم الإمام مالك يقينا بل قد أنكره عليهم هو وغيره من علماء المدينة فروى أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف ص ٣٢، وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٢٤٤، بالسند الصحيح عن إسحاق بن عيسى الطباع - ثقة من رجال مسلم - قال:

стр. 97

سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. ثم روى الخلال بسنده الصحيح أيضا عن إبراهيم بن المنذر - مدني ثقة من شيوخ البخاري - وسئل فقيل له: أنتم ترخصون [في] الغناء؟ فقال: معاذ الله ما يفعل هذا عندنا إلا الفساق. وأما الأقوال التي نقلها الشوكاني مما سبقت الإشارة إليه ووعدنا بالكلام عليها فالجواب من وجهين: الأول: أنه لو صحت نسبتها إلى قائلها وفيهم الكوفي والمدني وغيرهم فلا حجة فيها لمخالفتها لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة الدلالة. والثاني: أنه صح عن بعضهم خلاف ذلك فالأخذ بها أولى بل هو الواجب فلأذكر ما تيسر لي الوقوف عليه منها: الأول: شريح القاضي قال أبو حصين: أن رجلا كسر طنبور رجل فخاصمه شريح فلم يضمنه شيئا. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧ / ٣١٢ / ٣٢٧٥، وإسناده صحيح والبيهقي ٦ / ١٠١، والخلال ٢٦،وقال عقبه: قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: هو منكر لم يقض فيه بشيء. وأبو عبد الله هو الإمام أحمد وروى عنه نحوه أبو داود في مسائله

стр. 98

ص ٢٧٩،. الثاني: سعيد بن المسيب قال: إني لأبغض الغناء وأحب الرجز. أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١ / ٦ / ١٩٧٤٣، بسند صحيح. الثالث: الشعبي عامر بن شراحيل روى عنه إسماعيل بن أبي خالد أنه كره أجر المغنية وقال: ما أحب أن آكله. أخرجه ابن أبي شيبة ٧ / ٩ / ٢٢٠٣، بسند صحيح. ويأتي قوله: الغناء ينبت النفاق في القلب ... في الفصل الثامن ١٤٨،. الرابع: مالك بن أنس وقدمنا عنه بالسند الصحيح أنه قال في الغناء: إنما يفعله عندنا الفساق ومع ذلك نقل الشوكاني عن القفال أن مذهب مالك إباحة الغناء بالمعازف!. هذا وفي بعض الأقوال التي ذكرها الشوكاني ما قد يصح إسناده ولكن في دلالته على الإباحة نظر من حيث متنه وقد وقفت على سند اثنين منها: أحدهما: ما عزاه لابن حزم في رسالته في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال:

стр. 99

إن رجلا قدم المدينة بجوار فنزل على عبد الله بن عمر وفيهن جارية تضرب فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئا قال: انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا قال: من هو؟ قال: عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه فأمر جارية منهن فقال: خذي العود فأخذته فغنت فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر ... إلى آخر القصة. ولي على هذا ملاحظتان: الأولى: أنه ليس في رسالة ابن حزم المطبوعة ص ١٠٠، لفظة العود والأخرى: أنها وردت في المحلى لكن على الشك فيها أو التردد بينها وبين لفظة الدف أورده فيه ٩ / ٦٢ – ٦٣، من طريق حماد بن زيد [و] أيوب السختياني وهشام بن حسان وسلمة بن كهيل - دخل حديث بعضهم في بعض - كلهم عن محمد بن سيرين أن رجلا.. القصة وفيها: فأخذت - قال أيوب: بالدف وقال هشام: بالعود - حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان فساومه الحديث، وصحح ابن حزم إسناده وهو كما قال إذا كان السند إلى الأربعة المسمين صحيحا كما يغلب على الظن. والمقصود أنه قد اختلف أيوب وهشام في تعيين الآلة التي ضربت عليها الجارية وكل منهما ثقة فقال الأول: الدف وقال الآخر: العود وأنا إلى قول الأول أميل لسببين:

стр. 100

أحدهما: أنه أقدم صحبة لابن سيرين وأوثق منه عن كل شيوخه وليس كذلك هشام مع فضله وعلمه وثقته كما يتبين ذلك للباحث في ترجمتيهما وبخاصة في سير أعلام النبلاء المجلد السادس قال في أيوب ٦ / ٢٠: قلت: إليه المنتهى في الإتقان. والآخر: أنه اللائق بعبد الله بن جعفر ﵄ فإن الدف يختلف حكمه عن كل آلات الطرب من حيث إنه يباح الضرب عليه من النساء في العرس كما تقدم - ويأتي - ولذلك وجدنا العلماء فرقوا بينها وبينه من جهة إتلافها فروى الخلال ص ٢٨ عن جعفر - هو ابن محمد - قال: سألت عبد الله عن كسر الطنبور والعود والطبل؟ فلم ير عليه شيئا - وتقدم نحوه قريبا عن أحمد وشريح. قال جعفر: قيل له: فالدفوف؟ فرأى أن الدف لا يعرض له فقال: قد روي عن النبي ﷺ في العرس. يشير إلى الحديث "فصل ما بين الحلال والحرام.." وقد مضى في المقدمة ص ١٠ – ١١، مع أخطاء الشيخ أبو زهرة حوله وكأن الإمام أحمد يلمح بذلك إلى أن الحديث يستلزم عدم التعرض للدف بالإتلاف لأنه أبيح استعماله في النكاح وهذا من دقيق فقهه وفهمه ﵀ بخلاف ما يستعمل منه فيما لم يبح وعليه يحمل ما ذكره الخلال ص ٢٧، عن الحسن يعني: البصري قال: "ليس الدفوف من أمر المسلمين في شيء وأصحاب عبد الله يعني ابن

стр. 101

مسعود كانوا يشققونها. ويؤيد ما ذكرت ما روى الخلال ص ٢٨، عن يعقوب بن بختان أن أبا عبد الله سئل عن ضرب الدف في الزفاف ما لم يكن غناء؟ فلم يكره ذلك وسئل عن الدف عند الميت؟ فلم ير بكسره بأسا وقال: كان أصحاب عبد الله يأخذون الدفوف من الصبيان في الأزقة فيخرقونها. وجملة الأصحاب رواها ابن أبي شيبة أيضا ٩ / ٥٧، بسند صحيح. والخلاصة أننا نبرئ عبد الله بن جعفر ﵄ من أن يكون اشترى الجارية من أجل ضربها على العود لما سبق ترجيحه وإلا فلا حجة في غير كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ولا سيما وقد قال عبد الله بن عمر - وهو أفقه منه وأعلم -حسبك اليوم من مزمور الشيطان١. هذا والقول الآخر الذي فيه نظر ما عزاه الشوكاني لشعبة أنه سمع طنبورا في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور. قلت: أصل هذا ما رواه العقيلي في الضعفاء ٤ / ٢٣٧، من طريق وهب - وهو ابن جرير - عن شعبة قال: أتيت منزل المنهال بن عمرو فسمعت منه صوت الطنبور فرجعت ولم أسأله قلت: هلا سألته فعسى كان لا يعلم. قلت: وإسناده إلى شعبة صحيح، ومنه يتبين أنه لا يجوز حشر المنهال

стр. 102

هذا في زمرة القائلين بجواز الاستماع لآلات الطرب فضلا عن استعمالها لاحتمال أنه وقع ذلك دون علمه أو رضاه فترك شعبة إياه مردود ولذلك اعترض عليه وهب بن جرير وقال الحافظ في ترجمته من المقدمة ص ٤٤٦: وهذا اعتراض صحيح فإن هذا لا يوجب قدحا في المنهال. ومن قبله قال الذهبي في الميزان: وهذا لا يوجب غمز الشيخ. على أن هذا الأثر يمكن قلبه على المرخصين لأن شعبة أنكر صوت الطنبور فهو في ذلك مصيب وإن كان أخطأ في ظنه أن المنهال كان من المرخصين به!. والخلاصة: أن العلماء والفقهاء - وفيهم الأئمة الأربعة - متفقون على تحريم آلات الطرب إتباعا للأحاديث النبوية والآثار السلفية وإن صح عن بعضهم خلافه فهو محجوج بما ذكر والله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .

стр. 103

٦ - الفصل السادس: شبهات المبيحين وجوابها بعد أن أبطلنا بما قدمنا من الأحاديث الصحيحة ومذاهب الأئمة الرجيحة تمسك ابن حزم ومن قلده بالأصل الذي هو الإباحة وزعمه بأنه لم يأت نص بتحريم شيء من الآلات فإن من تمام البحث والفائدة أن نذكر ما أيد به أصله المزعوم ثم الرد عليه بما أجاب به العلماء فأقول: لقد تمسك ابن حزم في رسالته ٩٨ – ٩٩، وفي المحلى ٩ / ٦١ – ٦٢، بحديثين: أحدهما: عن عائشة والآخر: عن ابن عمر ﵄. ١ - أما حديث عائشة فقد ساقه من رواية مسلم وحده وقد رواه البخاري أيضا وغيره وهو مخرج في غاية المرام ٣٩٩ وقد كنت أوردته في كتابي مختصر صحيح البخاري برقم ٥٠٨، بسياقه في أول كتاب العيدين ضاما إليه كل الزيادات والفوائد المبثوثة في مختلف المواضيع والأبواب من صحيح البخاري من حديثها ولذلك فإني سأنقل سياقه منه بحذف أرقام الأجزاء والصفحات من الزيادات قالت ﵂: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان [من جوار الأنصار] وفي راية: قينتان [في أيام منى تدففان وتضربان] تغنيان بغناء وفي رواية: بما تقاولت وفي أخرى: تقاذفت الأنصار يوم بعاث [وليستا

стр. 104

بمغنيتين] فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر [والنبي ﷺ متغش بثوبه] فانتهرني وفي رواية: فانتهرهما وقال: مزمارة وفي رواية: مزمار الشيطان عند وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ [مرتين؟] . فأقبل عليه رسول الله ﷺ وفي رواية: فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: "دعهما" [يا أبا بكر [ف] "إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"] فلما غفل غمزتهما فخرجتا. قلت: فاحتج ابن حزم على الإباحة للتغني بالدف فقال تعليقا على قوله: وليستا بمغنيتين: قلنا: نعم ولكنها قد قالت: إنهما كانتا تغنيان فالغناء منهما قد صح وقولها: ليستا بمغنيتين أي: ليستا بمحسنتين وهذا كله لا حجة فيه إنما الحجة في إنكاره ﷺ على أبي بكر قوله: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ فصح أنه مباح مطلق لا كراهية فيه وأن من أنكره فقد أخطأ بلا شك. وجوابا عليه أقول وبالله أستعين: من الواضح جدا لكل ناظر في هذا الحديث أنه ليس فيه الإباحة المطلقة التي ادعاها كيف وهي تشمل مع الجواري الصغار - النساء الكبار بل والرجال أيضا كما تشمل كل آلات الطرب وكل أيام السنة - وهذا خطأ واضح جدا فيه تحميل للحديث ما لا يحتمل وسببه خطأ آخر أوضح منه وقع

стр. 105

فيه ألا وهو قوله: إنما الحجة في إنكاره ﷺ على أبي بكر قوله: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ . قلت: فليس في الحديث شيء من هذا الإنكار ولو بطريق الإشارة وإنما فيه إنكاره ﷺ إنكار أبي بكر على الجاريتين وعلل ذلك بقوله: "فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا". قلت: وهذا التعليل من بلاغته ﷺ لأنه من جهة يشير به إلى إقرار أبي بكر على إنكاره للمزامير كأصل ويصرح من جهة أخرى بإقرار الجاريتين على غنائهما بالدف مشيرا بذلك إلى أنه مستثنى من الأصل كأنه ﷺ يقول لأبي بكر: أصبت في تمسكك بالأصل وأخطأت في إنكارك على الجاريتين فإنه يوم عيد. وقد كنت ذكرت نحو هذا في مقدمتي لكتاب الشيخ نعمان الآلوسي: الآيات البينات في عدم سماع الأموات وتساءلت فيها ص ٤٦ - ٤٧: من أين جاء أبو بكر ﵁ بهذا الأصل؟ فقلت: الجواب: جاء من تعاليم النبي ﷺ وأحاديثه كثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب ثم ذكرت بعض مصادرها المتقدمة ثم قلت: لولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد١ غير أنه كان خافيا عليه أن هذا

стр. 106

الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي ﷺ بقوله: "دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"، فبقي إنكار أبي بكر العام مسلما به لإقراره ﷺ إياه ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث. وقد كنت ذكرت هناك في المقدمة المشار إليها أمثلة أخرى تدل على أهمية إقرار النبي ﷺ لقول ما وأنه يكون من الأسباب القوية لفهم الموضوع الذي وقع الإقرار فيه فهما صحيحا من ذلك حديث قليب بدر ومناداته ﷺ لقتلى المشركين فيه: "يا فلان ابن فلان.." وقول عمر وغيره من الصحابة ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فأقرهم على ذلك لكن أجابهم بقوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". متفق عليه فاستدللت ثمة بهذه القصة على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون بأمرين يهمني الآن منهما ما يتعلق بالإقرار فقلت: ص ٣٩ - ٤٢: والأمر الآخر: أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون بعضهم أومأ إلى ذلك إيماء وبعضهم ذكر ذلك صراحة لكن الأمرين بحاجة إلى توضيح فأقول: أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﷺ لموتى القليب بقولهم: ما تكلم أجسادا لا أرواح فيها فإن في رواية أخرى عن أنس

стр. 107

نحوه بلفظ: قالوا بدل: قال عمر فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﷺ ما كان لهم أن يبادروه بذلك وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يلزم النبي ﷺ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ وأنه لا أصل له في الشرع ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة على أنه ليس ذلك على إطلاقه كما تقدم شرحه فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت وبما قال لهم النبي ﷺ فقط فهي واقعة عين لا عموم لها فلا تدل على أنهم يسمعون دائما أبدا وكل ما يقال لهم كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقا. وأما الصريحة فهي فيما رواه أحمد ٣ / ٢٨٧ من حديث أنس ﵁ قال: صحيح فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا". وسنده صحيح على شرط مسلم. فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم وكان ذلك ببيانه المتقدم.

стр. 108

ومنه يتضح أن النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم فالآية لا تنفي سماع الموتى مطلقا بل إنه أقرهم على ذلك ولكن بين لهم ما كان خافيا عليهم من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقا وأن ذلك أمر خاص مستثنى من الآية معجزة له ﷺ كما سبق. ثم قلت هناك: فتنبه لهذا واعلم من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﷺ من الأمور والاحتجاج به لأن إقراره حق كما هو معلوم وإلا فبدونه قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص ولا نذهب بك بعيدا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﷺ : "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" غير منتبهين لإقراره ﷺ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون ... فعاد الحديث - بالتنبه لما ذكرنا - حجة على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام والله ولي التوفيق. وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثلان ... ثم ذكرتهما وأحدهما عائشة هذا فقلت عقبه ص ٤٦:

стр. 109

قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم ينكر قول أبي بكر الصديق: مزمار الشيطان بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر الصديق بذلك الجواب ... الخ ما تقدم نقله ص ١٠٧ - ١٠٨. ثم قلت: ص ٤٧: فتبين أنه ﷺ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان وكما أنه أدخل على الأول تخصيصا كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بينا أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم ... ثم قلت ص ٤٨ - ٤٩: وأما أنه ﷺ لم ينكر على الجاريتين - فحق ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره. هذا أولا. وثانيا: لما أمر ﷺ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: "دعهما" أتبع ذلك بقوله: "فإن لكل قوم عيدا ... " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية - إذا صح التعبير - ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول

стр. 110

بدليل الخطاب وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من مجموع الفتاوى فراجع المجلد الثاني من فهرسه. لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى فإن الشاهد منه واضح ومهم وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﷺ لأمر ما يفتح عليه بابا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها وهكذا كان الأمر في حديث القليب. والخلاصة: أن خطأ ابن حزم إنما نشأ من توهمه أن النبي ﷺ أنكر إنكار أبي بكر على الجاريتين مطلقا وليس من إقراره ﷺ للجاريتين وذلك لأنه هذا إنما يدل على إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم وبالدف وليس بكل آلات الطرب وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ١ / ٢٣٩: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب إليها الجواري فيلعبن معها١ ولهذا فإني لا أظن أن ابن حزم كان يعمم الحكم لولا ذلك الوهم ويؤيد ظني حديث التسريب المذكور فقد تبناه في دلالته الخاصة ولم يعممه فقال في المحلى ١٠ / ٧٥ - ٧٦: "وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن ... " قلت: وهذا هو الفقه الذي يقتضيه الجمع بين النصوص كالعام مع الخاص
следующие страницы →