← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

زراعاتها وبساتينها. إنما ظهور العيون فيها بكثرة قد جعلها موطنًا من مواطن الحمى حتى لقد ضرب المثل بالحمى "الخيبرية"١.

стр. 37

الدارات والبرق مدخل ... الدارات والبُرَق: ووجد في شبه الجزيرة العربية كثير من الدارات والبرق تغنى بها شعراء الجاهلية وغيرهم، وكانت "تطيب بها نفوسهم وتهتز من بهجتها قدورهم ورءوسهم" بالإضافة إلى كثير من الرياض والمتنزهات كما ذكر الألوسي.

стр. 38

الدارات: أما الدارات "مفردها: دارة" فهي الأماكن التي تنزل فيها القبيلة، وقد عرفت بكونها "كل جوبة بين جبال في حزن أو سهل أو رمل مستدير في وسطه فجوة، وهي أرضون سهلة لينة بيض في أكثر الأحيان، وتنبت فيها الصليان والأعشاب والنباتات الصحراوية"، وبأنها "الدار غير أنها أخص فكل دارة دار وليس كل دار دارة ... وكلها سهول بيض تنبت النصيَّ والصليل وما طاب ريحه من النبات"١. ومن أشهر دارات العرب دارة جلجل التي وردت في شعر امرئ القيس٢، ودارة صلصل التي وردت في شعر جرير٣، ودارة خَنْزَر التي ذكرها الشاعر الجعدي٤، ودارة الصفائح التي ذكرها الأفوه٥، ودارة مِحصَن التي ذكرها دريد بن الصمة٦، ودارة الآرام التي كانت حافلة بالنبت ولا سيما شقائق النعمان، كما جاء في شعر برج بن خنزر المازني٧.

стр. 39

أيام الحجاج بن يوسف. ودارات العرب كثيرة قدرها الباحثون بحوالي مائة وعشر في شبه الجزيرة١.

стр. 40

البرق "مفردها: بُرْقة": أما البرق فقد عرفها ابن منظور -صاحب لسان العرب المحيط- بأنها "الأرض الغليظة المختلطة بحجارة ورمل, فإذا اتسعت البرقة فهي الأبرق" ونقل عن الأصمعي قوله: "الأبرق والبرقاء: غلظ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة وكذلك البرقة, والجمع: برق"١. ويظهر أن المقام فيها كان يطيب للعرب لما تحوي من عناصر النبات. وبرق ديار العرب تنوف على المائة ذكر بعضها في شعر الجاهليين وغيرهم، كبرقة ثهمد التي وردت في شعر طرفة بن العبد٢، وبرقة أحواذ التي وردت في شعر ابن مقبل٣. وقد أورد الألوسي أسماء كثير منها٤. على أن شبه الجزيرة تحوي عدا ذلك واحات كثيرة العدد تتوفر فيها شروط الحياة المستقرة، أهمها واحة المدينة التي يتوفر فيها الماء فتكثر فيها الزروع، وواحة مكة، وواحة العلا، وواحة فدك، وواحة الحسا، وواحة بيشة، ومساحة بعض هذه الواحات كبيرة تصل إلى بضع مئات من الكيلومترات المربعة, وتشتمل على عدة قرى ومدن.

стр. 41

نظام التصريف المائي في شبه جزيرة العرب مدخل ... نظام التصريف المائي في شبه جزيرة العرب: نظام التصريف المائي في شبه جزيرة العرب معقد، وتأخذ الوديان اتجاهات مختلفة بحسب اتجاه الانحدارات. منها ما ينتهي في البحر الأحمر وتتميز بكونها قصيرة على العموم، مجاريها عميقة وانحدارها شديد، تسير فيها السيول بسرعة جارفة، ثم تضمحل فجأة بمجرد انحباس المطر. وأما الأودية التي تخترق المناطق الداخلية فهي أكثر طولًا ومجاريها أقل عمقًا وأكثر اتساعًا. ومن أهم الوديان الداخلية:

стр. 42

وادي الحمض: الذي يبدأ من جنوب حرة خيبر الواقعة إلى الشمال من المدينة المنورة، ويتجه نحو الجنوب الغربي، وعندما يصل إلى القرب من يثرب يتصل به وادي العقيق ثم وادي القرى فيأخذ الاتجاه الشمالي الغربي لينتهي بعدئذٍ في جنوب مدينة الوجه على البحر الأحمر.

стр. 43

وادي الرمة: الذي يبدأ من شرق حرة خيبر فيأخذ الاتجاه الشرقي بعد أن تلتقي به عدة وديان أخرى، ثم يسير جنوبا بشرق ثم شمالا بشرق مارًّا بالقرب من جبل القصيم في نجد، ويتم سيره مخترقا صحراء النفود ملامسا الدهناء حتى الغرب من الكويت حيث يأخذ اسم "الباطن" لينتهي بعدئذٍ في شط العرب قرب البصرة, بعد أن يكون قد قطع حوالي ٩٥٠ كيلومترًا.

стр. 44

وادي حنيفة: ويبدأ من غربي جبل طويق مخترقًا منطقة العروض "اليمامة" ثم يتجه شرقا نحو الخليج العربي. وادي الدواسر: الذي تتصل به عدة شعاب، ويبدأ من شرقي مرتفعات العسير، ويمثل الحد الجنوبي لنجد, وينتهي إلى الربع الخالي.

стр. 45

وادي الدواسر: الذي تتصل به عدة شعاب، ويبدأ من شرقي مرتفعات العسير، ويمثل الحد الجنوبي لنجد, وينتهي إلى الربع الخالي.

стр. 46

وادي السرحان: الذي يبدأ من جنوب جبل العرب "في الجمهورية العربية السورية" ويستمر في سيره حتى الجوف في شمالي نجد. غير أن شبه الجزيرة العربية خالية الآن من الأنهار الجارية، باستثناء وادي "حجر" في اليمن، ويبلغ طوله حوالي ١٠٠كم، ويعتبر النهر الوحيد الدائم الجريان في شبه الجزيرة. إنما يلاحظ أن شبه الجزيرة مقطعة بفعل التعرية المائية، بدليل وجود الأودية المارة الذكر التي لا يزال الصلصال يغطي قيعان بعضها، الأمر الذي لفت نظر العلماء إلى افتراض كون شبه الجزيرة قد مرت في عهود قديمة مطيرة، فكثرت فيها الأنهار الطويلة ذات المياه دائمة الجريان١، ثم تحولت بمرور الزمن إلى وديان جافة، بعد أن طرأ تغيير عام على المناخ، فحل الجفاف محل الرطوبة.

стр. 47

وقد رجح هذا الافتراض الحفريات التي جرت في ضفاف وادي الرمة ووادي الدواسر وفي قيعانها١. وقد استُنتج من ذلك أن المياه كانت تجري فيها بصورة دائمة بدليل بعض آثار المدن والقرى وبقايا الأشجار التي وجدت مدفونة على جوانبها. هذا بالإضافة إلى ما يشاهد في مناطق شبه الجزيرة الداخلية من بحيرات ومياه جوفية جارية قريبة من سطح الأرض تكشف عنها بعض الحفر الطبيعية أو الآبار الاصطناعية، وما عثر عليه المنقبون والبحاثة من آثار سدود ونواظم اصطناعية للمياه في بعض المناطق من هضبة نجد ترجع إلى ما قبل الإسلام ومنها صهاريج أرضية متصلة بعضها ببعض بأنفاق وعليها فتحات لاستقاء الماء منها بالإضافة إلى آثار السدود والخزانات التي تشاهد اليوم في اليمن.

стр. 48

مناخ شبه جزيرة العرب: حرارة الجو: مناخ شبه الجزيرة صحراوي في الشمال والوسط مداري في السواحل الجنوبية، وهو على العموم حار في الصيف مع جفاف يعم المناطق الداخلية؛ وذلك بسبب وقوع البلاد على خطوط طول وعرض معينة ومختلفة, وتكون الفروق الحرارية اليومية والفصلية كبيرة. ويختلف المناخ من مكان إلى آخر بحسب الارتفاع عن سطح البحر أو بحسب سقوط المطر في بعض الأماكن، إذ يخفف من حرارة الجو. وأشد المناطق حرارةً في الصيف الصحاري الداخلية كالربع الخالي والنفود, غير أن رطوبة الجو على السواحل تزيد من وطأة الحر فتجعلها لا تطاق، كما هو الأمر في سواحل الخليج العربي وسواحل تهامة على طول البحر الأحمر وسواحل عدن وحضرموت ومسقط. وأقل المناطق حرارة في الصيف المناطق الجبلية في عمان واليمن والعسير وهضبة نجد. أما في الشتاء فقد تنخفض الحرارة إلى الصفر في بعض هذه الجهات. غير أن الشيء الذي يسبب الضيق هو كثرة تقلب الرياح وتغير سرعتها من آنٍ لآخر فجأة, وقد تصل أحيانا إلى سرعة ٨-٣٣ كم في الساعة فيمتلئ الجو بالغبار الكثيف، وقد

стр. 49

يدوم ذلك يومين أو ثلاثة، وبشكل عواصف شديدة وأعاصير، فيغبر الأفق وتكفهر السماء وتحتجب الشمس، ويكتسب الجو لونا قاتما، يميل أحيانا إلى الصفرة أو الحمرة بحسب لون الرمال التي تحملها الرياح، ويؤثر ذلك على النبات تأثيرًا سيئا فيتلفه. وبينما تكون الرياح الشمالية "الشمأل" والشرقية "ريح الصبا" منعشة تكون ريح الجنوب "السموم" شديدة الوطأة, تلهب الوجوه كاللهب الكاوي.

стр. 50

رطوبة الجو: تعتبر شبه الجزيرة قليلة الأمطار بوجه عام لا سيما المناطق الداخلية. فقد يمر على بعض المناطق الصحراوية بضع سنوات لا يسقط فيها المطر إلا نادرًا، بالرغم من وقوع شبه الجزيرة على بحار ثلاثة؛ ذلك أن مساحة البحر الأحمر والخليج العربي أعجز من أن تمد المناطق الداخلية بالرياح الرطبة. أما المحيط الهندي فإن رياحه شبه الموسمية المشبعة ببخار الماء يقتصر مداها على جبال اليمن فيغيثها بأمطار صيفية لا بأس بغزارتها, وأما الداخل فلا تكاد تصل إليه إلا وتكون قد فقدت رطوبتها فتستحيل إلى رياح جافة حارة "رياح السموم" ولذلك فإن العرب قد اعتبروا المطر غوثا من السماء فسموه "الغيث" وقد تهطل الأمطار بغزارة على بعض الأماكن، كما يذكر المؤرخون عن المدينة المنورة ومكة التي كان يهدد كعبتها أحيانًا بالهدم١، ولكن هطولها لا يستمر إلى مدة قصيرة قد لا تتجاوز بضع ساعات، فتنتعش بعض الأماكن الصحراوية، وينتج عنها نمو الكلأ لمدة وجيزة، ثم ينعدم هطولها مدة طويلة، فتصبح المواشي مهددة بالهلاك من قلة المرعى، وينعدم النشاط الزراعي والبشرى، الأمر الذي جعل حياة العرب في ديارهم غير مستقرة، دَيْدَنهم التنقل من مكان إلى آخر بحثًا عن الماء والكلأ. وكثيرًا ما ينشأ النزاع والقتال بين القبائل التي تتنافس في الحصول عليهما. أما حياة الزراعة والاستقرار فلا تقوم إلا في الواحات التي تتوفر فيها المياه الجوفية قريبة من سطح الأرض، والينابيع والآبار، وهي على العموم قليلة لا تتجاوز الثلاثين في هذه المساحات الشاسعة ومبعثرة هنا وهناك, وقد أوردنا فيما سبق أسماء بعضها.

стр. 51

نباتات وحيوانات شبه جزيرة العرب: لعله أصبح معروفًا -مما سبق- أن شبه جزيرة العرب كانت على الغالب مطيرة وخصبة صالحة للزراعة، وأطرافها وأواسطها مزدهرة مأهولة بالسكان في الأزمنة الخالية، وذات غابات كثيفة وأشجار ضخمة ونباتات متنوعة، حتى إذا قلت رطوبتها بتغير المناخ تدريجيا تحولت التربة الخصبة إلى رمال وصحارى، فاضطر السكان إلى الهجرة منها إلى المناطق الشمالية في الهلال الخصيب. على أن الدراسات التي قام بها العلماء عن أنواع النباتات والحيوانات التي كانت تعيش في شبه الجزيرة لم تسفر عن نتائج باهرة، وهي غير كافية لإعطاء حكم صحيح عليها. وقد تفيد مراجعة بعض النصوص القديمة والأشكال والصور التي رسمها القدماء في ألواحهم الكتابية، وعلى الجدران للزخرفة والزينة في معرفة هذه النباتات والحيوانات. كما قد تفيد مراجعة بعض كتب المؤرخين الإسلاميين أيضًا، فقد جاء فيها أن مما كان يزرع في شبه الجزيرة: النخيل في الحجاز والقمح والشعير والذرة والأرز في اليمن وعمان والحسا, أما الكرمة فربما تكون قد دخلتها من الشام قبل أو بعد القرن الرابع الميلادي. ومن مزروعات اليمن الشهيرة اللبان والمر، وبعض الأشجار الأخرى التي يستخرج منها الصمغ والبخور, وقد لعبت هذه المحاصيل دورًا مهمًّا في تجارة اليمنيين القدماء. كما اشتهر لدى عرب الجاهلية أنواع من النباتات الصحراوية كشجر السنط والأثل والغضا الذي ينتج عنه الفحم والطلح الذي يستخرج منه الصمغ. وكان العرب يزرعون في الواحات الرمان والتفاح والمشمش واللوز والليمون والبطيخ "وكان كما يروى محببًا للرسول الكريم" والموز وربما يكون الأنباط واليهود هم الذين أدخلوا هذه الأشجار إلى شبه الجزيرة. وقد وردت في المصادر العربية لفظة "حمى" التي تطلق على أمكنة مزروعة يحميها شيخ القبيلة لقبيلته ومواشيها، وربما كانت تحتوي على نباتات وأشجار لا نستطيع تعيين أنواعها. وأشهر ما جاءنا من الأسماء "حمى الربذة" الذي عناه الرسول ﷺ بقوله: "لنعم المنزل الحمى"، وحمى "الشرى" وحمى "ضرية" وهو لكليب بن وائل، وكان في ناحية منه قبره الذي يزعم بدو تلك المناطق أنه معروف لديهم، وقد عرفه ياقوت بقوله: "وهو سهل الموطئ كثير الخلة وأرضه صلبة ونباته مسمنة وفيه كانت

стр. 52

ترعى إبل الملوك"١ وللعرب في الحمى أشعار كثيرة, فمن قول لأعرابي: خليلي ما في العيش عيب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها ليالي أثواب الصبا جددٌ لنا ... قد أنهجت هذي عليها جديدها أما حيوانات شبه الجزيرة فأهمها وأبرزها الجمل الذي يلائم المناطق الصحراوية لطول المدة التي يتحمل فيها العطش. فالإبل تستطيع أن تسير ١٧ يومًا دون أن تتناول الماء في جو ترتفع فيه الحرارة إلى ١٠٠ درجة فهرنهايتية، بينما لا تطيق الأغنام والماعز انحباس الماء عنها أكثر من يوم أو يومين، كما يستطيع الجمل أن يشرب عددًا كبيرًا من جالونات الماء دفعة واحدة، وأن يتحمل ارتفاعا في درجة الحرارة يصل إلى ١١ درجة فهرنهايتية فوق المعدل العادي لدرجة حرارة الجسم دون أن يفقد الكثير من الماء بالعرق, والإبل تختزن الطاقة شحمًا في أسنامها. وينقل "أرتميدس" اليوناني وغيره عن "إسترابون" أخبارًا توحي بالثقة ربما كانت منقولة عن "أرسطون" "أواخر القرن ٣ ق. م" أنه وجد في الشمال الأوسط لشبه جزيرة العرب "الحجاز" قطعانًا من الحيوانات البرية وحميرًا وحشية وجمالًا برية وأيائلَ وغزلانًا، وكذلك أسودًا كثيرة ونمورًأ وذئابًا. كما أثبت "ليتمان" "١٩٤٣م" أن الرسوم المنقوشة على الصخور التي عثر عليها في أثناء البحث عن النقوش, التي تركها قوم ثمود على الصخور تدل على وجود حيوانات صيد مثل الغزلان البرية وبقر الوحش والوعول والخنازير البرية والأرانب البرية والنعام والأسود والذئاب والضباع، بالإضافة إلى حيوانات مستأنسة كالجمال والخيول والكلاب والماعز٢. ولا يستطاع معرفة متى استؤنس الجمل في شبه الجزيرة. وقد جاء في دائرة المعارف الإسلامية أن ذلك قد حصل حوالي القرن ١١ ق. م. وفي جنوبي شبه الجزيرة، لكن بعض الدلائل تشير إلى أنه قد تم قبل ذلك بكثير. فقد تحدث "التوراة" "سفر القضاة، إصحاح ٧" عن حملة عربية بدوية قام بها المديانيون والعمالقة وبنو الشرق على

стр. 53

اليهود؛ بسبب نزاع على موارد القوت والمزروعات في فلسطين. تقول التوراة: "كان المديانيون والعمالقة وكل بني المشرق حالِّين في الوادي كالجراد في الكثرة، وجمالهم لا عددَ لها كالرمل الذي على شاطئ البحر"، وأن ذلك قد حدث في أيام يربعل أي: جدعون أحد قضاة بني إسرائيل الذي حكم في غضون القرن ١٥ ق. م. فإذا كان العرب قد حملوا على اليهود بهذا العدد من الجمال المستأنسة "طبعًا"، أفما يدل ذلك على استئناسهم لهذا الحيوان قبل القرن ١٥ ق. م. بقرون عديدة؟ وإلا فكيف يستطيعون جمع هذا العدد الكبير منها للقتال؟ أما الجواد فتقول دائرة المعارف: إنه استخدم لأول مرة في الركوب بعد سنة ٥٠٠ ق. م. وربما في تاريخ متأخر يرجع إلى أول عهد المسيح، وبذلك قد كسب العرب حيوانًا أليفًا جديدًا يمتطون صهوته، كان أنفع وأجدى لهم من الجمل في ميدان القتال.

стр. 54

الفصل الثالث: صلة العرب بالساميين مدخل ... الفصل الثالث: صلة العرب بالساميين الشعب العربي هو الشعب الذي قطن شبه جزيرة العرب منذ القرون الموغلة في القدم، والتي لا ندرك مداها البعيد. وقد اصطلح العلماء على اعتبار هذا الشعب من الشعوب السامية التي كونت سكان الشرق الأوسط منذ أن عرف الماضي التاريخي لهذه المنطقة. لقد لاحظ علماء اللغات أن صفات مشتركة تطبع هذه الشعوب بطابعها، فهي تشترك في كثير من نظمها السياسية وتقاليدها الاجتماعية وخصائصها اللغوية، وأوجه الشبه ظاهرة بين اللغات التي يتكلم بها أفرادها، وهي اللغات: العربية والعبرية والسريانية والآشورية والبابلية والكنعانية والفينيقية والآرامية والحبشية والنبطية ولهجات اليمن الجنوبية، فذهبوا إلى أن هذه اللغات تؤلف أسرة واحدة باعتبار أنها تشترك أو تتقارب في جذور الأفعال وتصاريفها، وفي أصول المفردات والضمائر والكلمات التي تدل على القرابة الدموية، وفي أسماء أعضاء الجسم والأعداد١، وبخاصة في تلك الصفة المهمة التي تتميز بها مجموعة اللغات السامية، وهي كون أفعالها مؤلفة من أصول ثلاثية الحروف على الأغلب، وأن الاشتقاق لا يتم بتغيير حروفها، بل بتغيير الحركات في داخل الكلمة الواحدة. مثال ذلك -في اللغة العربية- فعل قَتَلَ وهو أصل يتضمن معنى القتل، فبتغيير الحركات في حروفه تحصل مشتقات عدة أفعال أو أسماء أو نعوت "قَتَلَ، قَتْل، قِتْل، قُتُل" وقد تمد إحدى الحركات فيحصل "قاتل، قتيل، قتول، قتال ... إلخ" فإنه بمجرد تغيير الحركات في وسط الكلمة يتغير المعنى٢. يضاف إلى ذلك أن ليس في اللغات السامية

стр. 55

ما نراه في اللغات الآرية من إدغام كلمة بأخرى لتصبحا كلمة واحدة تدل على معنى مركب١. وقد استنتج العلماء من ذلك، ولا سيما من تشابه الشعوب التي تتكلم هذه اللغات في عاداتها وتقاليدها الاجتماعية وفي طراز معيشتها وطقوسها الدينية، وفي التعابير التي تدل على التنظيم السياسي والاجتماعي والديني عندها، بأنها تؤلف مجموعة واحدة، وأن ثمة وحدة مشتركة تجمع شملها وتنظمها في أصل واحدة قالوا: إنه الأصل السامي نسبة إلى سام بن نوح، فصارت تعرف باسم الشعوب السامية، واللغات التي تتكلم بها باسم اللغات السامية، بعد أن كان يطلق عليها اسم اللغات الشرقية, كما أطلقوا على اللغة الأم التي انبثقت عنها اسم "اللغة السامية الأم". لكنهم اختلفوا في أيها تكون اللغة الأم، فقال بعضهم بأنها اللغة العبرية وآخرون بأنها السريانية وجماعة أخرى بأنها اللغة العربية. غير أن المستشرقين رأوا في النهاية أن ذلك ضرب من العبث؛ ذلك أن اللغات السامية الباقية إنما هي حصيلة سلسلة من التطورات لا تحصى، مرت بها كل لغة من هذه اللغات حتى وصلت إلى حالتها الحاضرة؛ فأصبحت مزيج لغات ولهجات متفرعة عن لغة محكية زالت من الوجود وانقرضت٢. غير أن لجورحي زيدان رأيًّا في اللغة العربية إذ يقول في كتابه "طبقات الأمم، ص٤٢": إن اللغة العربية هي أسمى اللغات السامية, ومعرفتها ضرورية لإتقان أخواتها. ظهرت التسمية للمرة الأولى عام ١٧٨١م في دراسة قام بها المستشرق النمساوي "شلوزر SCHLOZER" وقد أخذها عن التوراة، ذلك أن التوراة يرجع الخليقة إلى آدم وذريته، ومنهم سام وحام ويافث أولاد نوح، مبينًا أن البشر كانوا على لسان واحد ثم تفرقت الألسن بتفرق أنسال هؤلاء الأبناء على مختلف المناطق في العالم "من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيهم، كل إنسان كلسانه، حسب قبائلهم بأممهم"٣. وقد حدد

стр. 56

العلماء محيط الساميين الجغرافي بالمنطقة التي نسميها اليوم "الشرق العربي" بما في ذلك شبه جزيرة العرب، ولكن عدا مصر وما إلى الغرب منها. على أنني -قبل الاسترسال في البحث- أود أن أعلق على ما ورد في سفر التكوين من تقسيم للبشر, بأنه لا يستند إلى أسس منطقية أو علمية أو قومية صحيحة، بل إن الاعتبارات السياسية هي التي وجهت القائمين على أمور الإسرائيليين، إذ حشروا في القائمة السامية شعوبًا لا يعدها العلم الحديث من جماعة الساميين مثل "العيلاميين" وغيرهم، بينما أقصوا منها جماعة من الساميين مثل الفينيقيين والكنعانيين. ويعتقد "بروكلمان"، شيخ المستشرقين، أن إقصاء العبرانيين للكنعانيين من جدول أنساب الساميين كان متعمدًا لأسباب سياسية ودينية مع علمهم بالصلات التي تربطهم بهم١. وما عدا ذلك أن إرجاع البشر في جميع أرجاء العالم إلى نفر ثلاثة من أبناء نوح, شيء لا يأتلف مع المنطق والعقل والعلم، ومن الصعب التصديق بتكاثرهم على الوجه الذي يريد العبرانيون أن نتصوره، وهو شيء مخالف "لطبائع الكائنات" كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، مع تخصيص منه لما يتعلق بتناسل العرق الأسود من حام بن نوح الذي كان بهذا اللون. يقول ابن خلدون: "ولما رأى النسابون اختلاف الأمم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لأجل الأنساب، فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام "الحاميون"، وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث "الآريون" وأكثر الأمم المعتدلة وأهل الوسط ... من ولد سام "الساميون"، وهذا الزعم ... ليس بقياس مطرد. وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط ... فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات ... "٢. وقد أسرف بعض المفكرين الأوروبيين مثل غوبينو وهوستن تشمبرلن والفيلسوف الفرنسي "أرنست رينان" فتعدوا المشابهات اللغوية والأمور الثقافية والاجتماعية المشتركة

стр. 57

بين الشعوب السامية إلى الزعم بأن ثمة عقلية خاصة تطبع الشعوب السامية بطابعها وتختلف عن العقلية الآرية. فقد عمد رينان في كتاب ألفه عن أديان الساميين إلى تحريف نظرية "شلوزر" في الأصل السامي, فزعم أن الساميين يرجعون إلى أصل واحد يتميز أفراده بالنظرة الجزئية إلى الأشياء وتأثرهم بالغيبيات، وميلهم إلى البساطة في التفكير، وعزا ظهور الأديان السماوية التوحيدية عندهم إلى هذه الصفات، معتقدًا أن هذه الصفات العقلية ترجع إلى عوامل بيولوجية موروثة من جنسهم وتختلف عن عقلية الآريين. ويبدو هنا تأثره بالنصرة القومية والروح الاستعمارية اللتين سادتا أوروبا في القرن التاسع عشر، فشاء أن يصم الشرقيين الساميين بالتخلف العقلي فطريًّا، قياسًا بالتفوق العقلي عند الأوروبيين الآريين خدمةً منه لغابات استعمارية مقصودة. غير أن أغلبية العلماء المختصين شجبوا مزاعمه؛ لعدم ثبوت نظرية العرق الصافي. فما من شعب يستطيع أن يدعي صفاء عرقه ودمه، بل ثمة شبه إجماع على أن التمازج بين الشعوب شيء مسلم به، وأن اختلاف الشعوب في العقلية والتفكير لا يكون نتيجة صفات عرقية خاصة، بل نتيجة ظروف اجتماعية؛ ولذا فإن المهم في بحث مسألة الشعوب السامية هو دراسة الحقل "حقل اللغة والتقاليد الاجتماعية" الذي تظهر فيه الخصائص والصفات المشتركة التي تميز حضارتها، وأحرى أن تكون التسمية السامية محض اصطلاح أو مفهوم لغوي واجتماعي لا ينطوي على أي تمييز عرقي. على أساس هذا المنهج انصرف العلماء بعدئذ ٍ إلى بحث المسألة السامية، ووجهوا اهتماما خاصا إلى البحث حول المهد الذي نشأ فيه الساميون، وكيف ومتى انتشروا منه, وإلى أي الجهات توجهوا واستقروا. وقد اختلفت وتناقضت أقوالهم إلى أن تركزت الآراء حول نظريات خمس:

стр. 58

النظرية الأولى: ومن القائلين بها "جون بيترس" ويلخص رأيه بأن أرض أرمينية وهضاب آسيا الوسطى قرب جبال آرارات هي المهد الأول للساميين والآريين معًا. وحجته في ذلك أن الأنف الحثي شبيه كل الشبه بالأنف العبراني، وفي هذه السمة دلالة على الأصل والمكان، لكنه غفل عن كون الأنف العربي مختلفًا عن مثل هذا الأنف.

стр. 59

النظرية الثانية: وهي تقول بأن أرض بابل "بلاد الرافدين" هي مهد الساميين؛ لأنها أقدم أرض عمرها نوح. وواضح أن القائلين بهاتين النظريتين قد تأثروا برواية العهد القديم عن الطوفان، فزعموا أن الذين نجوا منه على سفينة نوح قد انتشروا من وادي الرافدين في بقية بقاع الشرق العربي. وقد اشتركوا في القول بأن أرض أرمينية وبابل هما المكان الأنسب الذي يتفق مع رواية التوراة في مسألة الطوفان. وقد كوَّن "فون كريمر وغويدي" -وهما من القائلين بهذه النظرية- حجتهما من دراسة الكلمات المألوفة في اللغات السامية، إذ رأيا أن اسم الجمل تشترك فيه جميع الشعوب السامية، بينما هي لا تشترك في أسماء كالنعامة والنخل والتمر. وبما أن منشأ الجمل في زعمهما هو هضاب آسيا الوسطى -قرب نهري سيحون وجيحون- فيجب أن تعتبر هذه المناطق الموطن الأصلي للساميين الذي اضطرتهم ظروف قاسية إلى الهجرة منها عبر منطقة إيران إلى العراق، واستقروا في بابل، لا سيما وأن المفردات التي تدل على السهول والمياه والنبات مشتركة بين الشعوب السامية، وأن منطقة الرافدين غنية بها، مما يدل على كونها أول موطن للساميين، ومنه انتشروا إلى المناطق المجاورة. والانتقاد الذي يوجه إلى هاتين النظريتين كونهما: أولًا: تعتمدان "كما يقول المستشرق نولدكه" على المقابلات والموازنات اللغوية في إثبات حقائق علمية ليس من المعقول أن يكتفى لدعمها بكلمات معدودة، لم يثبت ثبوتًا تامًّا كون جميع الساميين قد أخذوها من العراق أو من غيره. وثانيًا: تتجاهلان حقيقة مهمة هي أن قانون التقدم الاجتماعي يفرض أن الأقوام الرُّحَّل هم الذين يهاجرون من مناطقهم القاحلة إلى المناطق الخصبة؛ كي يصبحوا هناك زراعا مستقرين، وليس من المعقول أن يهاجر المستقرون في المناطق الغنية بالسهول الخصبة والزراعات والنباتات الوفيرة إلى مناطق صحراوية قاحلة محرومة من المياه والنباتات كشبه جزيرة العرب ليصبحوا فيها رعاة متنقلين، علمًا بأن شبه الجزيرة كانت تعاني في الألف الرابعة قبل الميلاد -وهو الزمن الذي اصطلح العلماء على كونه عصر بداية الهجرات السامية- جفافًا ومحلًا بسبب التغير الذي افتُرض كونه طرأ على مناخها المطير.

стр. 60

النظرية الثالثة: وتزعم أن جزر البحر الأبيض المتوسط هي مهد الساميين، هجروها إلى القارات المجاورة عندما أخذت جزرهم تغور تباعًا بسبب عوامل جيولوجية معينة، وتعتبر هذه صنوًا للنظرية التالية أي:

стр. 61

النظرية الرابعة: التي تقول: إن موطن الساميين الأول هو إفريقيا، مع اختلاف بين العلماء في تحديد المكان الذي كان مهدًا لنشوئهم، والطريق الذي سلكته هجرتهم إلى شبه جزيرة العرب والهلال الخصيب١. ويعتمد أصحاب هذه النظرية في دعمها على دراسات فيزيولوجية مثل تكوين الجماجم، بالإضافة إلى البحوث اللغوية. ويزعم العالم "جيرلند" أن الساميين والحاميين من سلالة واحدة، ومن دوحة تفرعت منها جملة فروع. واعتمد "نولدكه" على التشابه الكبير بين اللغة السامية واللغة الحامية: المصرية القديمة والحبشية ولغة عرب الجنوب، وعلى اشتراك الأحباش وعرب الجنوب في عبادة الإله "ألمقة". كما اعتمد آخرون في دعم النظرية إلى ما جاء به "دارون" من كون الإنسان الأول قد نشأ في إفريقيا، ومنها انتشر البشر إلى الجوار٢. غير أن ما ادعاه أصحاب النظرية من تشابه بين اللغات السامية والحامية "لغة عرب الجنوب والمصرية القديمة والحبشية" واشتراك عرب الجنوب مع الأحباش في عبادة الإله "ألمقة" إله سبأ الأعظم لا يكون حجة قاطعة للتسليم بصحتها، لا بل يبدو عليها الضعف ظاهرًا؛ ذلك أنها تستند على دراسات لم يكتب لها النضح بعد، ولا تقوم على أسس علمية متينة. ويمكن الرد عليها بكون التشابه بين اللغة المصرية القديمة وبقية اللغات السامية ربما يعود إلى تأثير شعب الهكسوس في المصريين، وهم قوم ساميون غزوا مصر واستقروا في

стр. 62

حكمها عدة قرون. وليس من الضروري أن يكون الشبه بين اللغة الحبشية ولهجات عرب الجنوب، والاشتراك بين الأحباش واليمنيين في عبادة الإله "ألمقة" نتيجةَ هجرة حبشية إلى اليمن، بل قد يكون العكس هو الصحيح. فمن الثابت تاريخيا أن الساميين الذين دخلوا الحبشة من اليمن -ربما في غضون القرن الخامس قبل الميلاد- هم الذين كونوا دولة أكوم الحبشية١ التي استعملت اللغة "الجفرية" وهي لغة سامية. والأحباش لا يزالون يكتبون حتى اليوم بقلم شبيه بالقلم المسند، وهو مقتبس من القلم العربي الجنوبي، وتشكل بعض الكتابات المدونة به، والتي عثر عليها في الحبشة -وهي أحدث عهدا من كتابات السبئيين- دليلًا على أثر العرب في الأحباش٢.

стр. 63

النظرية الخامسة: وهناك أخيرًا النظرية القائلة بأن شبه جزيرة العرب هي موطن الساميين الأول ومهدهم الأصلي. وأول من قال بها العالمان "سبرنجر" الألماني، و"كايتاني" الإيطالي، وأيدهما فيها كثير من العلماء والمستشرقين مثل "شرايدر ورايت وماير ومورغان وفانسان ودتلف نلسن". وأما الحجج التي أدلوا بها لتدعيمها فهي: ١- أن الأسس والشروط التي اتفق العلماء على كونها تؤلف الصفات المشتركة بين الساميين متوفرة، على أتم ما يكون التوفر، في سكان شبه الجزيرة العربية، وأن قبائل شبه الجزيرة قد حافظت على النموذج السامي الخالص بسبب وضعها الجغرافي الذي لا يسمح بالامتزاج مع الشعوب الأخرى، وأن اللغة العربية أصلح لغة تمثل خصائص اللغة السامية الأم. ٢- أن شبه الجزيرة العربية كانت في غابر الأزمنة مطيرة كثيرة النباتات والمزروعات، تتوفر فيها جميع وسائل العيش الرغد -وقد أورد العلماء على ذلك أدلة كثيرة ذكرتها سابقًا في بحث المناخ- وقالوا: إن السكان فيها كانوا يتكاثرون كثرة عظيمة، حتى إذا حل الجفاف تدريجيا محل الرطوبة، والمحل مكان الخصب، وذلك منذ حوالي

стр. 64

الألف العاشرة قبل الميلاد على الغالب، بدأ سكانها يغادرونها على موجات بشرية مهاجرة نحو الشمال والشرق والغرب. ٣- كون هذه النظرية تفسر تماثل المفردات والمفاهيم المشتركة التي تعبر عن السهول والنبات والمياه بالإضافة إلى ما ذكرته النظرية الأولى والثانية عن اسم الجمل، إذ المفروض أن شبه الجزيرة العربية كانت تحتوي على هذه العناصر بسبب مناخها المطير قديمًا، والذي تحول بعضها فيما بعد إلى صحارَى. ٤- أن من غير المعقول انتقال المزارعين من مناطقهم الخصبة إلى المناطق الصحراوية القاحلة بل العكس هو الصحيح. ولما كانت نشأة الساميين الأولى بدوية؛ فلا بد أن يكون موطنهم الأول موطنا صحراويا, وشبه جزيرة العرب، بعد أن تحول كثير من مناطقها الداخلية إلى صحارى بسبب الجفاف الطارئ عليها إثر التغيرات المناخية، هي أصلح من غيرها لتكون ذلك الموطن، لا سيما وأنه قد ثبت أن معظم المدن والقرى، التي تكونت في بلاد الشام والعراق، قد كونتها عناصر بدوية جاءت إليها من شبه جزيرة العرب. فشبه الجزيرة إذن أولى أن تكون هي مهد الساميين الذين خرجت جموعهم منه إلى الأطراف. ٥- كون الوضع الجغرافي لشبه الجزيرة ينطبق مع الواقع التاريخي للهجرات السامية، إذ إنها محاطة من جميع أطرافها بجبال وبحار ما عدا الجهة الشمالية، وأن الجفاف حينما بدأ يحل فيها أحال سهولها الداخلية إلى صحارى رملية قاحلة، حيث انقلب السكان إلى عرب رحل لا يستقر لهم قرار واستأنسوا الجمل الذي كان بحق "سفينة الصحراء" بالنسبة لهم. ولما نضبت موارد بلادهم الزراعية ولم تعد تفي بحاجتهم، وإذ كانوا يتكاثرون كالماء الذي ينفر من جوف حوض محدود المساحة فيفيض إلى خارج حوافه، كذلك انتشروا إلى المناطق التي تحيط بشبه جزيرتهم، ولم يكن لهم من سبيل سوى سلوك طريق الشمال إلى الهلال الخصيب، أو طريق باب المندب وبرزخ السويس إلى إفريقيا ومصر. وللمستشرق الدكتور "دتلف نلسن" في هذا الموضوع نظرات تستلفت الاهتمام، فهو

стр. 65

يرجح كون شبه الجزيرة العربية هي الموطن الأصلي للعرق السامي، وأن الحضارات السامية الشمالية الرفيعة قد انبثقت عنها, باعتبار أن الشعوب السامية القاطنة في الهلال الخصيب قد نشأت فيها ثم هاجرت منها. وقد نشر هذا المستشرق كتابًا عالج فيه تاريخ الأديان وأبدى فيه رأيًّا يقول: "إن الدين العربي القديم١ هو الخطوة السابقة للدين البابلي الآشوري المعقد، وأنه كان تمهيدًا للتطور التاريخي للدين العبري اليهودي". ويشير "دتلف نلسن" إلى أن النزاع بين مختلف النزعات الدينية السامية قد تطور أخيرًا إلى الثالوث الإلهي "أب، ابن, وروح"، ومن ثَمَّ خطا خطوة أخرى إلى التوحيد المسيحي في صورته القديمة التي نعرفها في الحضارة العربية القديمة٢. وبناء على النظرية الأخيرة اتفقت آراء كثير من المستشرقين على أن مجموعات الشعوب السامية المنتشرة في أنحاء الشرق القديم المختلفة، من بلاد الشام إلى بلاد الرافدين، قد نشأت عن هجرات متتالية انطلقت من شبه الجزيرة العربية في أزمنة مختلفة، وفي فترات دورية منتظمة، يفصل بين كل هجرة وأخرى نحو ألف سنة أو أقل. ففي كل مرة يزداد فيها سكان البلاد، وتقل فيها موارد الأرض عن حاجتهم الغذائية، تنزح عنها موجة بشرية وتتجه إلى جهات أخرى يتوفر فيها الخير بحثًا عن الغذاء ورغد العيش. وهكذا حدثت أول هجرة للساميين في الألف الرابعة قبل الميلاد سالكة طريق الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، منطلقة نحو الشمال إلى سيناء فوادي النيل حيث امتزج أفرادها بالعرق الحامي، فتكون بذلك الشعب المصري القديم كما يقول "بارتون" بدليل أن الباحثين قد وجدوا في لغة الشعب المصري في أول تكوينها خليطًا من كلمات سامية وأخرى حامية إذا صحت التسميتان. وفي الفترة نفسها, أي حوالي منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد, حصلت هجرة الأكاديين إلى بلاد الرافدين عن طريق بلاد الشام، وألفوا هناك الدولة الأكادية التي وحدت العراق، وسيطرت على جميع أرجائه حتى أعالي نهر الدجلة. وقد حل الساميون

стр. 66

الأكاديون فيها محل السومريين المتحضرين، بعد أن اقتبسوا منهم فن الكتابة وأساليب الزراعة. وتبع الأكاديين، بعد ذلك وفي الألف الرابعة نفسها، الكلدانيون ثم الآشوريون واستوطنوا بلاد الرافدين. وفي حوالي عام ٢٩٠٠ق. م، قامت موجة أخرى حملت الكنعانيين إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وإلى ربوع بلاد الشام الداخلية، حيث تفرع منهم الفينيقيون الذين سكنوا سواحل بلاد الشام، كما حملت العموريين الذين استوطنوا المناطق الشمالية الداخلية، وقد اتجه قسم من هذه الموجة إلى بلاد الرافدين حيث ألفوا سلالة بابلية سنة ٢١٠٠ ق. م. وفي سنة ١٥٠٠ ق. م، هاجر الآراميون من شبه الجزيرة العربية واتجهوا إلى بلاد الشام، حيث حلوا في ضواحي دمشق ومناطقها، وفي منطقة البقاع، كما حل العبرانيون في أراضي فلسطين إلى جانب الكنعانيين. وفي حوالي سنة ٥٠٠ ق. م، قدم الأنباط إلى شمالي شبه جزيرة العرب حيث أقاموا حضارتهم في مدينة البتراء الواقعة إلى الشمال الشرقي من خليج العقبة، والتي اتخذوها عاصمة لهم، كما نزل التدمريون في واحة تدمر إلى الشرق من مدينة حمص. وأخيرًا خرجت جموع العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي، وانطلقوا نحو الشمال حيث نشروا لواء الإسلام والعروبة على كافة بلاد الشرق القديم وشمالي إفريقيا، وامتدت سيطرتهم على قسم مهم من جنوبي أوروبا. هذا ولا بد من تقييد البحث حول الموطن الأصلي للساميين في: أن كلًّا من النظريات الآنفة الذكر لا تخلو من عيوب وانتقادات، وحتى النظرية الأخيرة التي تبدو وكأن لها كثيرًا من المؤيدات المنطقية كما أسلفت؛ ذلك أنها تعلل بشكل مرضٍ وحدة العرق السامي ولغته وموطنه الأصلي، أقول: حتى هذه النظرية لا تخلو من ثغرة؛ إذ إنها تستند على موضوعات يصعب قبولها بسهولة من حيث تكاثر السكان في بلاد صحراوية لم يثبت بشكل قاطع أنها كانت في قديم الزمن كثيرة الأمطار، بل إن ما قيل عن رطوبة مناخها في الأزمنة الغابرة لا يزال في نطاق الفرضيات التي يجري التدقيق والبحث فيها.

стр. 67

إذن ليس في وسعنا إلا القول: إنه لا يمكن للمؤرخ أن يبدي رأيًا قاطعًا في هذا الموضوع، بل يميل الباحثون المعتدلون إلى القول بأن يترك أمر إيضاح هذه القضية إيضاحا نهائيا للمستقبل، وأنا أميل إلى الاقتصاد في هذا الحديث مخافة الوقوع في المزالق والخروج عن نطاق العلمية؛ لأن موضوع الأجناس والعروق موضوع حديث لم تتوفر العناصر الكافية والأدلة الشافية لعلماء الآثار واللغة والأنثروبولوجيا "علم الأجناس" لدراسته دراسة وافية وكاملة، لا سيما وأن الحفريات والتنقيبات التي تهدف إلى الكشف عن غوامض هذه المسألة تجري في مناطق كبلاد كنعان القديمة "فلسطين" ووادي الرافدين، بينما لم تجر حتى الآن أية حفريات في شبه الجزيرة العربية للكشف عن تاريخها القديم، وقد تأتي مثل هذه الحفريات بنتائج ربما تكون في جانب هذه النظرية، أكثر مما تكون في جانب سواها.

стр. 68

الفصل الرابع: أنساب العرب وطبقاتهم أصل ومدلول كلمة عرب: قبل أن أتصدى للبحث في طبقات العرب وأنسابهم لا بد لي من محاولة لاستقصاء سبب التسمية. لا ريب أن كلمة "عرب" واضحة المدلول لدينا نحن أبناء هذه الأمة, فقد ألفناها وعشنا معها عشرات القرون، فأصبحت جزءًا من مداركنا البديهية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا في هذه الدراسة فيدفعنا إلى إمعان الفكر فيها هو: كيف؟ ومتى نشأت هذه التسمية؟ وما هو أصلها؟ وهل حافظت على مدلولها الأصلي؟ أم خضعت لبعض التطورات خلال العصور المتعاقبة؟. لقد استقصى المستشرقون تاريخ الكلمة وتتبعوا معناها في اللغات السامية، وتلمسوا شتى المراحل التي مَرَّ فيها مدلولها، فوجدوا أن أقدم نص وردت فيه كلمة "عرب" هو نص آشوري يعود إلى الملك الآشوري "سلمنصر الثالث" الذي خاض في عام ٨٥٣ ق. م. غمار معركة دامية في "قرقر" شمال حماة، ضد ملك دمشق الآرامي "بنحدد" الذي هاجمه مع حلفاء عديدين بينهم "جندب" أو "جنديبو" أحد مشايخ العرب، فهزمهم "سلمنصر" وخلد عمله على نصب تذكاري جاء في النص المنقوش عليه: "قرقر عاصمته الملكية أنا خربتها، أنا دمرتها، أنا أحرقتها بالنار، ... عشرون ألف جندي لحدد عازر "بنحدد" صاحب آرام "دمشق"، ألف جمل لجندب "العربي١ Al - Urbi ... إلخ" ويعدد النص أسماء ١٢ ملكًا تألبوا عليه وبرزوا له في المعركة٢.

стр. 69

لكن الذي قرره الباحثون أن كلمة "عُرْبي" التي وردت في هذا النص لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه اليوم عندنا، لا بل إن المقصود منها مشيخة في البادية المتاخمة للآشوريين يحكمها شيخ عربي يسمى "جنديبو"، لا تعريف شامل للعرب١. وقبل المضي في البحث لا بد من الإشارة إلى بعض الاجتهادات التي تعتمد على تفاسير يمت بعضها إلى البحوث اللغوية "الفيلولوجية" بصلة, ومنها قول للدكتور عمر فروخ أن من الأمم ما كانت تسمى بما يطلق عليها جيرانها من أسماء، وأن سكان بلاد الرافدين "الآشوريون والبابليون" قد أطلقوا على أقاربهم الساميين وجيرانهم القاطنين في جهة الغرب والجنوب الغربي منهم اسم "أريبي". وبعد تفسيرات لغوية معقدة، ينتهي الدكتور فروخ إلى كون الكلمة تتناول معانيَ تتصل بجهة "الغرب" "مقابل الشرق"، وأن كلمة غرب قد انتقلت من بلاد الرافدين وخضعت في طريق هجرتها إلى تغير في حرف "غ" فانقلب إلى "ع" -كما كان من شأن العرب أحيانا في قلب بعض الحروف في الكلمات- فتطورت إلى ألفاظ مثل عُرْبي، أرْبي٢. وغني عن القول أن مثل هذه الاجتهادات يصعب الأخذ بها لعدم كفاية الأدلة التاريخية التي استندت إليها. ولا بد لي من العودة إذن إلى تتبع البحوث التي تدور حول النصوص التاريخية التي خلفتها لنا مختلف الشعوب ذات الصلة بالعرب. فقد ورد في كتابة بابلية قديمة وصلت إلينا جملة "ماتو آرابي Matu - A - Ra - Bi" بمعنى: أرض العرب. وكذلك ورد ذكر للعرب وبلادهم بما لا يتعدى هذا اللفظ في كتابات أتتنا من ملوك فارس مثل "أربايه Arpaya أو Arabaya" وتعني: بلاد العرب. وقد دلت الدراسات التي دارت حول هذه النصوص، ولا سيما البابلية منها، على أن المقصود من الكلمات الواردة فيها -بما يتعلق بالعرب- أراضٍ تشمل البوادي الفاصلة بين العراق وبلاد الشام وبين مصر، بما في ذلك شبه جزيرة سيناء. فهل لكلمة "عرب" صلة بمفهوم البادية؟ إن مثل هذه الفرضية أقرب إلى الفهم, ندرك ذلك إذا تتبعنا مدلول الكلمة في شتى النصوص التي خلفها العبرانيون. ولفظة Arab في العبرانية تعني: البداوة، البدو،

стр. 70

الأعراب، البادية، سكان البادية. وقد استعملوها في نصوصهم الأولى التي تعود إلى القرن الثامن قبل ميلاد المسيح وما قبله للدلالة على هذه المعاني، لا بكونها دليلًا على قومية أصحابها الذين ذكرتهم. ففي سفر أشعيا نقرأ: "ولا يخيم هناك أعرابي" وكذلك "وحي من جهات بلاد العرب, في الوعر، في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الدادانيين". فالمقصود من الآية الأخيرة "العزلة والوحشة والبداوة". والعبرانيون قد أطلقوا في الواقع لفظة "عرابة" -وهي تعني في الأصل الجفاف وحافة الصحراء، وكلها ذات علاقة بالبداوة- مسبوقة بأل التعريف "ها" "Ha - Arabah" للدلالة على سكان من وادي "العربة" الممتد بين البحر الميت وخليج العقبة، وكانت تقيم فيه قبائل بدوية شملتها تسمية "عرب"١. كما أننا نلاحظ في النصوص القديمة عند العبرانيين أن مدلول كلمة "عرب" قد تطور عندهم مع الزمن فأصبحوا -حوالي القرن الثالث قبل الميلاد- يطلقونها على سكان شبه الجزيرة العربية كافةً، بدوهم وحضرهم على السواء. والتطور الذي حدث بالنسبة لموقف العبرانيين نلمسه نفسه عند العرب القدماء، عرب ما قبل الإسلام، إذ لم يكونوا يطلقون هذه التسمية على أنفسهم للدلالة على قوميتهم -كمفهوم مجرد نحن اليوم نتبناه ونعتنقه- وليس لنا أن نتوخى ذلك عند أجدادنا الأوائل؛ لأنهم كانوا غارقين في منازعاتهم القبلية، ولم يفطنوا إلى الجامعة القومية التي تستطيع جمعهم في أمة واحدة، لأن مقومات هذه القومية لم تكن قد استتمت جميع عناصرها. فإذا وحدتهم اللغة ووحدتهم الأرض المشتركة، فإنهم قد افتقروا إلى الحوافز الفكرية والمصالح المشتركة، لا سيما وأن مصالح مختلف القبائل كانت تدعو -في أغلب الأحيان- إلى النزاع لا إلى التجمع، والمفهوم القومي في الواقع مدرك حديث يغذيه الوعي الاجتماعي والسمو الفكري.

стр. 71

وإذا تتبعنا النقوش الكتابية في الجنوب العربي نشاهد أنهم لم يستعملوا التسمية، في بادئ أمرهم، للدلالة على البدو والحضر منهم، أي: للدلالة على قوميتهم، بل استعملوها بمعنى أعراب كقولهم: "أعرب ملك حضرموت، أعرب ملك سبأ"، أي: أعراب ملك حضرموت، أعراب ملك سبأ. أما أهل الحضر منهم فكانوا يعرفون بنسبتهم إلى مدنهم أو قبائلهم التي كانت في الغالب مستقرة تعيش على التجارة والزراعة، كقولنا اليوم "سوريون، عراقيون". وفي القرآن الكريم من الآيات ما يؤيد ذلك: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقا﴾ ، ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ ١. أما إذا تتبعنا النصوص العربية الشمالية فإننا نجد أن أقدمها نص "نقش النمارة" الذي ينسب إلى امرئ القيس بن عمرو، وهو يعود إلى القرن الرابع الميلادي، ويحمل العبارة التالية: "امرؤ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي حاز التاج، وملك الأسدين ونزارًا وملوكهم وهزم مذحجًا ... إلخ". وبالرغم مما لهذا النص من أهمية عظيمة لذكره العرب تعميما وشمولا، فإن بعض الباحثين يشكون في أن التسمية فيه قد استعملت للدلالة على العرب عمومًا، بل يعتقدون أنه قد قصد بها الأعراب. خلاصة القول: لا يُستطاع الجزم في تعيين الزمن الذي استعمل فيه العرب أنفسهم -بدوهم وحضرهم- هذه الكلمة علمًا لهم يدل على قوميتهم المتميزة عن قومية غيرهم؛ لعدم وجود ما يثبت ذلك من النصوص الموثوق بصحتها وبصحة مدلولها، كما لا يمكن الجزم، على وجه الدقة والتحقيق، من أين جاءت كلمة "عرب"، وإن كان اشتقاقها من كلمة "أعراب" "بدو" أقرب إلى المعقول، بدليل ما أوردت من خلاصة أبحاث المستشرقين. على أن القرآن الكريم هو النص الوحيد الذي أعطى هذه التسمية مدلولها القومي الواضح، وهو نص لا يرقى إليه الشك؛ ولذلك اعتقد بعضهم ومنهم المستشرق "موللر" أن الرسول ﷺ هو أول من خصَّص الكلمة، وجعلها علمًا لقومية سكان شبه الجزيرة العربية، بدليل ما ورد في القرآن الكريم من آيات؛ عشر منها جاءت فيها لفظة "عربية" نعتًا للغة القرآن الكريم بأنها لغة واضحة وبينة٢، ووردت مرة واحدة نعتًا

стр. 72

للرسول بقوميته العربية. كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين﴾ ١، ثم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ٢، ويقصد التنزيل الحكيم بذلك "أكتابي أعجمي اللغة، ونبي عربي؟ "، وفي بعض التفاسير "ومخاطب عربي؟ ". لكن هذا الرأي ظاهر الضعف؛ لأنه من غير المعقول أن يخاطب القرآن الكريم قومًا باسم علم لا يعرفون هم أنفسهم أنه يطلق عليهم للدلالة على قوميتهم، لا سيما وأنهم كانوا يميزون بين لسانهم الذي نعتوه بـ "عربي" وألسنة غيرهم من الأقوام التي أطلقوا عليها نعت "الأعجمية". وبهذا دليل على وجود الحس بالشعور القومي لدى عرب ما قبيل الإسلام. والذي يمكن لفت النظر إليه ما ورد من أخبار الجاهلية القريبة من الإسلام، والتي تعطي بعض الأدلة على أن الشعور القومي عند الجاهليين قد بدأ منذ أن وقفوا وجهًا لوجه أمام ضغط الدول الأجنبية المجاورة لهم ولا سيما الفرس، فمقتوا التسلط الفارسي الذي تغلغل في مختلف جهات شبه الجزيرة العربية، وبخاصة شرقيها وجنوبيها، فأحس العرب بالدوافع القومية، وبتميزهم عن الأعاجم. يدل على ذلك تلك المنافرات والمفاخرات التي ترويها لنا كتب الأدب بين العرب والفرس, كل من الطرفين يشيد بقومه، ويأتي بالأدلة التي تثبت أفضليته على الجنس الآخر، حتى آل الأمر في النهاية إلى الصدام المسلح، وآخر ما كان من ذلك وقعة ذي قار المشهورة.

стр. 73

أنساب العرب: كان للنسب أهمية عظيمة وشأن خطير في الجاهلية؛ إذ كانوا يعيشون قبائل متفرقة، تتنازع فيما بينها وتغزو بعضها بعضًا، فوجهوا عنايتهم إلى حفظ أنسابهم وضبطها؛ لأنها في المجتمع القبلي دعامة من دعائم النظام السياسي، فكثيرًا ما كان النسب يلعب دوره في قيام المحالفات بين القبائل، كل منها تختار في الغالب أقرب العشائر إلى نسبها، إذ يبدو

стр. 74

أن تعاطف الأرحام كان أدعى إلى التآلف والتعاضد والتضافر والتناصر على الخصوم١، والنسب هو الضامن والكفيل للحصول على حقوق المواطنة في المجتمع القبلي، وهو يقوم مقام القومية والجنسية عندهم٢. وكثيرًا ما كانوا سندًا في المنافرة والمفاخرة مع خصومهم. ولذلك فإن جماعات من القوم، عرفوا باسم النسابين، قد تخصصوا في معرفة الأنساب وتقصي جذورها، وأصول القبائل وفروعها، وعلاقات بعضها ببعض على مر الزمن. الأمر الذي جعل حفظ الأنساب من المعارف ذات الشأن قبل الإسلام. ولم يكن شأنها أقل في الإسلام، بدليل أن اشتراك العرب في الفتوح الإسلامية الكبرى، زمن الراشدين، كان يتم على أساس الوحدات القبلية، حتى إذا قام العهد الأموي، وبلغ الصراع القبلي بين المضرية واليمنية حدًّا خطيرًا، أصبحت العصبية القبلية هي الأساس الذي كان القوم يتقربون به إلى الحكام؛ فازدادت أهمية حفظ الأنساب، وأصبح النسب علمًا قائمًا بذاته، شأنه كشأن بقية العلوم العربية، وألفت في الأنساب مُصنَّفَات خاصة.

стр. 75

طبقات العرب وأقسامهم مدخل ... طبقات العرب وأقسامهم: اصطلح النسابون العرب والرواة والأخباريون على تقسيم العرب إلى ثلاث طبقات: العرب البائدة، العرب العاربة، العرب المستعربة، وبينما جعلوا قحطان جدًّا أكبر للعرب العاربة، التي كانت منازلها الجهات الجنوبية من شبه جزيرة العرب "اليمن"، جعلوا عدنان جدًّا للعرب المستعربة التي كانت منازلها الجهات الشمالية منها "الحجاز". وقد أرجعوا هذين الجدين إلى سام بن نوح وكذلك جد العرب البائدة، ولكنهم اختلفوا في اسم الجد الذي تنتسب إليه الطبقة الأخيرة: هل هو إرم بن سام أم لاوز بن سام بن نوح؟ ومضى النسابون في ذكر أسماء أولاد كل من قحطان وعدنان، ومن تناسل من ذريتهما، بينما ذكروا أسماء القبائل البائدة دون أية تفصيلات. غير أن المصادر التي نستقي منها معلوماتنا عن هذا التقسيم، وعن أنساب العرب الجاهليين لم نتلقَّها مباشرة من النسابين الجاهليين، لا بل انتهت إلينا عن طريق المصادر
следующие страницы →