← История

История · id 11084

تاريخ العرب القديم

توفيق برو

Полный текст (488 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإذا تتبعنا النقوش الكتابية في الجنوب العربي نشاهد أنهم لم يستعملوا التسمية، في بادئ أمرهم، للدلالة على البدو والحضر منهم، أي: للدلالة على قوميتهم، بل استعملوها بمعنى أعراب كقولهم: "أعرب ملك حضرموت، أعرب ملك سبأ"، أي: أعراب ملك حضرموت، أعراب ملك سبأ. أما أهل الحضر منهم فكانوا يعرفون بنسبتهم إلى مدنهم أو قبائلهم التي كانت في الغالب مستقرة تعيش على التجارة والزراعة، كقولنا اليوم "سوريون، عراقيون". وفي القرآن الكريم من الآيات ما يؤيد ذلك: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقا﴾ ، ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ ١. أما إذا تتبعنا النصوص العربية الشمالية فإننا نجد أن أقدمها نص "نقش النمارة" الذي ينسب إلى امرئ القيس بن عمرو، وهو يعود إلى القرن الرابع الميلادي، ويحمل العبارة التالية: "امرؤ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي حاز التاج، وملك الأسدين ونزارًا وملوكهم وهزم مذحجًا ... إلخ". وبالرغم مما لهذا النص من أهمية عظيمة لذكره العرب تعميما وشمولا، فإن بعض الباحثين يشكون في أن التسمية فيه قد استعملت للدلالة على العرب عمومًا، بل يعتقدون أنه قد قصد بها الأعراب. خلاصة القول: لا يُستطاع الجزم في تعيين الزمن الذي استعمل فيه العرب أنفسهم -بدوهم وحضرهم- هذه الكلمة علمًا لهم يدل على قوميتهم المتميزة عن قومية غيرهم؛ لعدم وجود ما يثبت ذلك من النصوص الموثوق بصحتها وبصحة مدلولها، كما لا يمكن الجزم، على وجه الدقة والتحقيق، من أين جاءت كلمة "عرب"، وإن كان اشتقاقها من كلمة "أعراب" "بدو" أقرب إلى المعقول، بدليل ما أوردت من خلاصة أبحاث المستشرقين. على أن القرآن الكريم هو النص الوحيد الذي أعطى هذه التسمية مدلولها القومي الواضح، وهو نص لا يرقى إليه الشك؛ ولذلك اعتقد بعضهم ومنهم المستشرق "موللر" أن الرسول ﷺ هو أول من خصَّص الكلمة، وجعلها علمًا لقومية سكان شبه الجزيرة العربية، بدليل ما ورد في القرآن الكريم من آيات؛ عشر منها جاءت فيها لفظة "عربية" نعتًا للغة القرآن الكريم بأنها لغة واضحة وبينة٢، ووردت مرة واحدة نعتًا

стр. 72

للرسول بقوميته العربية. كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين﴾ ١، ثم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ٢، ويقصد التنزيل الحكيم بذلك "أكتابي أعجمي اللغة، ونبي عربي؟ "، وفي بعض التفاسير "ومخاطب عربي؟ ". لكن هذا الرأي ظاهر الضعف؛ لأنه من غير المعقول أن يخاطب القرآن الكريم قومًا باسم علم لا يعرفون هم أنفسهم أنه يطلق عليهم للدلالة على قوميتهم، لا سيما وأنهم كانوا يميزون بين لسانهم الذي نعتوه بـ "عربي" وألسنة غيرهم من الأقوام التي أطلقوا عليها نعت "الأعجمية". وبهذا دليل على وجود الحس بالشعور القومي لدى عرب ما قبيل الإسلام. والذي يمكن لفت النظر إليه ما ورد من أخبار الجاهلية القريبة من الإسلام، والتي تعطي بعض الأدلة على أن الشعور القومي عند الجاهليين قد بدأ منذ أن وقفوا وجهًا لوجه أمام ضغط الدول الأجنبية المجاورة لهم ولا سيما الفرس، فمقتوا التسلط الفارسي الذي تغلغل في مختلف جهات شبه الجزيرة العربية، وبخاصة شرقيها وجنوبيها، فأحس العرب بالدوافع القومية، وبتميزهم عن الأعاجم. يدل على ذلك تلك المنافرات والمفاخرات التي ترويها لنا كتب الأدب بين العرب والفرس, كل من الطرفين يشيد بقومه، ويأتي بالأدلة التي تثبت أفضليته على الجنس الآخر، حتى آل الأمر في النهاية إلى الصدام المسلح، وآخر ما كان من ذلك وقعة ذي قار المشهورة.

стр. 73

أنساب العرب: كان للنسب أهمية عظيمة وشأن خطير في الجاهلية؛ إذ كانوا يعيشون قبائل متفرقة، تتنازع فيما بينها وتغزو بعضها بعضًا، فوجهوا عنايتهم إلى حفظ أنسابهم وضبطها؛ لأنها في المجتمع القبلي دعامة من دعائم النظام السياسي، فكثيرًا ما كان النسب يلعب دوره في قيام المحالفات بين القبائل، كل منها تختار في الغالب أقرب العشائر إلى نسبها، إذ يبدو

стр. 74

أن تعاطف الأرحام كان أدعى إلى التآلف والتعاضد والتضافر والتناصر على الخصوم١، والنسب هو الضامن والكفيل للحصول على حقوق المواطنة في المجتمع القبلي، وهو يقوم مقام القومية والجنسية عندهم٢. وكثيرًا ما كانوا سندًا في المنافرة والمفاخرة مع خصومهم. ولذلك فإن جماعات من القوم، عرفوا باسم النسابين، قد تخصصوا في معرفة الأنساب وتقصي جذورها، وأصول القبائل وفروعها، وعلاقات بعضها ببعض على مر الزمن. الأمر الذي جعل حفظ الأنساب من المعارف ذات الشأن قبل الإسلام. ولم يكن شأنها أقل في الإسلام، بدليل أن اشتراك العرب في الفتوح الإسلامية الكبرى، زمن الراشدين، كان يتم على أساس الوحدات القبلية، حتى إذا قام العهد الأموي، وبلغ الصراع القبلي بين المضرية واليمنية حدًّا خطيرًا، أصبحت العصبية القبلية هي الأساس الذي كان القوم يتقربون به إلى الحكام؛ فازدادت أهمية حفظ الأنساب، وأصبح النسب علمًا قائمًا بذاته، شأنه كشأن بقية العلوم العربية، وألفت في الأنساب مُصنَّفَات خاصة.

стр. 75

طبقات العرب وأقسامهم مدخل ... طبقات العرب وأقسامهم: اصطلح النسابون العرب والرواة والأخباريون على تقسيم العرب إلى ثلاث طبقات: العرب البائدة، العرب العاربة، العرب المستعربة، وبينما جعلوا قحطان جدًّا أكبر للعرب العاربة، التي كانت منازلها الجهات الجنوبية من شبه جزيرة العرب "اليمن"، جعلوا عدنان جدًّا للعرب المستعربة التي كانت منازلها الجهات الشمالية منها "الحجاز". وقد أرجعوا هذين الجدين إلى سام بن نوح وكذلك جد العرب البائدة، ولكنهم اختلفوا في اسم الجد الذي تنتسب إليه الطبقة الأخيرة: هل هو إرم بن سام أم لاوز بن سام بن نوح؟ ومضى النسابون في ذكر أسماء أولاد كل من قحطان وعدنان، ومن تناسل من ذريتهما، بينما ذكروا أسماء القبائل البائدة دون أية تفصيلات. غير أن المصادر التي نستقي منها معلوماتنا عن هذا التقسيم، وعن أنساب العرب الجاهليين لم نتلقَّها مباشرة من النسابين الجاهليين، لا بل انتهت إلينا عن طريق المصادر

стр. 76

الإسلامية "كتب التاريخ والأنساب التي صنفها الكتاب المسلمون بعد قرنين من نهاية العهد الجاهلي" ولذا فإن الباحثين المحدثين يحيطونها بالتحفظ لبعد ما بين العصر الجاهلي وعصر تدوين الأخبار، فلربما يكون المؤرخون الإسلاميون قد عدلوا فيها بما يتفق وإيمانهم الجديد، لا سيما وأن الإسلام الذي دعا إلى فكرة الإخاء بين المسلمين, بقطع النظر عن عروقهم وأجناسهم وقبائلهم ووجوب نفي العصبية من الأذهان، قد زعزع إلى حد ما النظرية العربية في أصل العرب وأنسابهم. ولكن بالرغم مما يحتمل أن يكون قد داخل الأنساب المنقولة من تحوير وتعديل، وبالرغم من نقاط الضعف والغموض والفجوات التي سأشير إليها عند مناقشة مسألة النسب، فإن النظام الذي وضعه النسابون لا بد من إيلائه الاعتبار؛ لأن كثيرًا من الأمور التاريخية، سواء منها التي جرت قبل الإسلام أو بعده، لا يمكن تعليلها تعليلًا مرضيًا إلا بالرجوع إلى التقسيمات التي جاءت في نظام النسب العربي. ويبدأ هذا النظام بذكر القبائل التي اعتبرت أنها قد كونت السكان الأصليين لشبه جزيرة العرب، وأطلقوا عليها اسم:

стр. 77

العرب البائدة: وقد درست آثارهم ولم يصلنا عنهم سوى معلومات ضئيلة مشوهة ومختلطة، إنما وردت أسماء بعض قبائلهم في القرآن الكريم مثل عاد التي قيل: إنها كانت تسكن في بادية الأحقاف الواقعة بين صحراء الربع الخالي وجبال اليمن والعسير، وكان نبيَّها هودٌ "﵇" وثمود التي كانت تسكن في مدائن الحجر شمالي الحجاز وكان نبيَّها صالحٌ "﵇". وقد ذكرت هذه القبائل في بعض المصادر اليونانية، كما انفردت التوراة بذكر قبيلة "عمليق" بأنها عدوة بني إسرائيل، ولم تذكر غيرها من القبائل البائدة. وذكر العرب أسماء قبائل أخرى منها: طسم وجديث وأميم وعبيل وعبد صميم وجرهم وغيرها. لقد شك المستشرقون في أمر هذه القبائل وقالوا: إنها أسطورية من نسج خيال الرواة، وإن القصص المرواة عنها أقرب إلى الخرافة؛ ذلك أنهم لم يعثروا في كتابات القدماء على أسماء لها. لكنهم سرعان ما أدركوا تسرعهم في إبداء هذا الرأي عندما عثر العلماء على آثار بعض هذه القبائل في الأمكنة التي أقامت فيها، ومنها الكتابات "الثمودية" التي عثر عليها

стр. 78

في مدائن صالح، والتي تمكنوا من حل رموزها فوجدوا أنها مكتوبة بالخط المسند، ولغتها هي اللغة العربية الشمالية، ولا تختلف عن اللغة العربية الفصحى الحالية إلا قليلًا، فانصرفوا إلى متابعة البحث والتنقيب للاستزادة من المعلومات والأخبار عنها١.

стр. 79

العرب العاربة: يقول النسابون: إن العرب العاربة هم من أبناء قحطان الذي ورد اسمه في سفر التكوين من التوراة بلفظ "يقطان". ويتفق معظمهم مع ما جاء في التوراة من تسلسل نسبه حتى سام بن نوح، ولا ينكر مدونو الأنساب العرب كون النسابين قد استقوا هذه المعلومات من روايات أهل الكتاب. على أن بعض الأخباريين يذكرون لقحطان نسبًا آخر، فيحشرون اسم النبي هود أو إسماعيل بن إبراهيم بين أسلافه. ويظهر أن القصد من هذا حرص الأخباريين اليمنيين على ربط نسبهم بالأنبياء لترجيح كفتهم على كفة منافسيهم العدنانيين أو لموازنتها على الأقل. أما اسم قحطان فلم يعرف له معنًى ولا دلالة، أهو اسم علم يطلق على إحدى القبائل العربية؟ أم أنه يؤدي معنى من المعاني تمييزًا لقبيلة عن أخرى، أم أنه كان في الأصل اسم قبيلة من القبائل ثم عم إطلاقه على مجموعة من القبائل خضعت للقبيلة الأولى؟ أم أنه اسم أرض جرى بمرور الزمن إطلاقه على ساكنيها؟ والواقع أنه ليس من الممكن الآن -وعلى ضوء ما يملكه العلماء من وثائق غير كافية- الإجابة عن هذه الأسئلة إجابة علمية صحيحة. كما أنه لا يستطاع التأكيد بأن الانتساب إلى قحطان كان معروفًا عند الجاهليين، لا سيما وأن القرآن الكريم لم يشر إلى شيء من ذلك، كما لم تشر إليه الكتابات الجاهلية. ومع أن اسمه قد ورد في الشعر الجاهلي القريب في باب الفخر والحماسة، غير أن الشك في أمره لم يبارح أذهان الباحثين بدعوى أن شعر الهجاء والحماسة من أوهن الركائز التي يستطيع المؤرخ الاعتماد عليها؛ لما يحتمل أن يكون قد تسرب إليه من شعر موضوع استوجبته طبيعة الخصومة بين المضرية الشمالية والقحطانية اليمنية، وخضوعه إلى حد ما لتأثيرات سياسية١.

стр. 80

أما منشأ القحطانيين وموطنهم الأصلي الذي سكنوه ففيه خلاف، إذ قال بعضهم بأنهم أتوا من الحوض الأدنى لنهري دجلة والفرات، حيث قدموا إلى اليمن -بعد اجتياز عدد من الصحاري والفيافي- فوجدوا فيها من الخصب والرخاء ما أغراهم بالاستقرار. غير أن الدراسة التي قام بها المؤرخ العلامة "جون فيلبي" قد خالفت هذا الرأي، فقد استنتج أن العرب القحطانيين لم يجيئوا من مكان آخر، بل إنهم أصل العرب, وأن الهجرات السامية كانت منهم، لا سيما أن لغتهم لا تختلف اختلافًا كبيرًا عن لغة عرب الشمال١.

стр. 81

العرب المستعربة: وكما نسب الأخباريون عرب الجنوب إلى قحطان، نسبوا عرب الشمال إلى عدنان فسموهم العدنانيين أو المستعربة، ومنهم من نسبهم إلى "معد" وسموهم "المعديين"، أو إلى ابنه "نزار" فسموهم "النزاريين". ومع أن العلماء المحدثين يشكون في صحة هذه الأنساب، إلا أن هناك إجماعًا تامًّا بين النسابين على أن العرب المستعربة تنحدر من إسماعيل "﵇"، بتأييد من القرآن الكريم الذي لم يشر مع ذلك إلى انحدار العرب من جدين كبيرين أو أكثر ولم يذكر قط لا قحطان ولا عدنان بل خاطب العرب المسلمين بكونهم من نسل إسماعيل بن إبراهيم. وقد تكون تسمية العدنانية باسم "العرب المستعربة" لكونهم -على ما ذكر النسابون- قد انضموا إلى العروبة بينما لم يكونوا من العرب الأصليين، باعتبار أن الجد الذي يرجع النسابون نسب عدنان إليه هو إسماعيل بن إبراهيم الكلداني الأصل، إذ تقول القصة التي تروي خبر إبراهيم أنه ولد في مدينة "أور" الكلدانية ببلاد الرافدين من أب نجار كان يصنع الأصنام. وأنه لما قدم إلى مصر، هربًا من قومه الذين كفروه بعد أن دعاهم إلى الهداية ونبذ الأصنام، تزوج من زوجته الثانية هاجر المصرية التي ولدت له إسماعيل. وقد اضطر إلى القدوم بها مع ابنهما إسماعيل إلى الحجاز حيث تركها، فشب إسماعيل وتزوج من فتاة جرهمية ورزق منها اثني عشر ولدًا ذكرًا تناسلوا وكثرت ذراريهم، وتألفت من مجموعهم قبائل العرب المستعربة؛ ولذا وضعهم النسابون في المرتبة الثالثة من طبقات العرب.

стр. 82

إلا أن بعض المحدثين قد ذهبوا إلى القول بأن هذا التقسيم إن هو إلا من صنع الأخباريين اليمنيين الذين أرادوا الحط من قدر خصومهم عرب الشمال بنفي العروبة الأصلية عنهم، وقد رد بعضهم سبب الخصومة والعداء إلى ما يكون عادة من نزاع بين البداوة والحضارة١. وأما قصة عدنان فيكتنفها الشك من جميع جوانبها؛ ذلك أن النسابين قد اختلفوا في نسبه اختلافًا كبيرًا، أضفى على حياته وشخصيته ظلالًا كثيفة من الغموض. لقد اختلفوا في عدد الآباء والأجداد الذين تعاقبوا بينه وبين إسماعيل، كما اختلفوا في طول المدة التي فصلت بينهما، لا سيما وأن أسماء من ذكروا من هؤلاء الآباء والجدود تبدو عليها المسحة الأعجمية؛ إذ إنها غريبة عن الأسماء العربية، ولا بد أن الأخباريين قد أخذوها من أهل الكتاب وقصصهم، بينما يلاحظ أن الأسماء التي وردت بعد عدنان من أولاد وذرارٍ هي أسماء عربية صحيحة، لا علاقة لها بالتوراة، ويبدو أن النسابين العرب لم يقتبسوها من روايات أهل الكتاب.

стр. 83

نقد نظرية الأنساب: لقد أبدى العلماء تحفظات شديدة على نظرية الأنساب العربية، وشكوا في صحتها، إذ ليس هناك من الأدلة العلمية الحاسمة ما يثبت صحة التقسيم الذي جاءت به، أو ما يدعو إلى الجزم ببطلانها. والانتقادات التي وجهوها إليها كثيرة؛ إذ عثروا على أدلة تناقض ما جاء في التقسيم، منها على سبيل المثال: إن النسابين العرب قد بينوا أن سبأ هو حفيد قحطان جد عرب الجنوب، بينما يورد العلماء أدلة تشير إلى أن السبئيين كانوا في أول أمرهم يقطنون في شمالي شبه جزيرة العرب، ثم هاجروا إلى جنوبها، واستقروا في أرض اليمن حيث أقاموا حضارتهم المعروفة في التاريخ، خلافًا لحركة الهجرة التي كانت تدفع القبائل العربية الجنوبية نحو الشمال، بحيث شُوهد العديد منها منتشرًا في جهات الحجاز ونجد والبحرين عند ظهور الإسلام. أما الانتقاد الشديد فهو الذي تناول مسألة قسمة العرب إلى جدين كبيرين:

стр. 84

قحطان وعدنان. وقد أوضح العلماء أن هذا التقسيم يبدو ضعيفًا لأسباب عديدة منها: كون القرآن الكريم لم يشر بأية إشارة إلى هذين الجدين، لا بل خاطب العرب المسلمين بكونهم من نسل إسماعيل بن إبراهيم. ومنها أن الحروب التي وقعت بين علي ومعاوية ليس فيها أية إشارة إلى قحطانية وعدنانية. وكذلك بالنسبة لما فعله الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب عندما نظم جداول العطاء على أساس القبائل ومن ألحق بها، دون أن يكون ثمة إشارة ما إلى هذا التقسيم. والواقع أنه لم يكن لمفهوم "يمن" و"يمنية" مدلوله الذي توسع في العصر الأموي، وهذا ما يقلل من أهمية دعوى النسابين بانقسام العرب منذ القديم إلى أصلين: قحطاني وعدناني. ثم إن ثمة شكًّا وغموضًا يكتنف كلًّا من قحطان وعدنان، وحتى نزارًا حفيد عدنان؛ فالعلماء يقولون: إن أهل الكتاب من العبرانيين هم الأصل في ذيوع هذا التقسيم بين العرب، لا سيما وأن الأنساب قد دونت بعد أواخر القرن الثاني للهجرة، بعد أن كانت الروايات الإسرائيلية قد شاعت بين المسلمين، سِيَّمَا بين رواة أهل اليمن. واليمنيون كان بينهم وبين الشماليين منازعات وعداوات تعود إلى ما قبل الإسلام -تلك المنازعات التي سميت باسم "منازعات يثرب - مكة"، وكانت بين الأوس والخزرج من جهة وقريش من جهة أخرى- واستمرت بعد الإسلام. لكن ظهور الإسلام قد سجل رجحانًا لكفة الشماليين على الجنوبيين، فأراد هؤلاء أن يعيدوا شيئًا من التوازن في المفاضلة، وحاولوا أن يضفوا على أصلهم رواءً زاهيًا، فاستغلوا ما أشيع من قصص وروايات إسرائيلية؛ ليجعلوا من اليمنيين نسلًا لقحطان العربي القح أصلًا، وكونهم أصل العرب، بينما جعلوا الشماليين في المنزلة الثانية بل الثالثة في سلم طبقات العرب، بوصفهم دخلاءَ على العروبة "مستعربون"١. والعالم "نولدكه" هو أول من شك من المستشرقين في هذا النسب العام وأول من نبه إلى أثر اليمنيين في وضعه. ويشير الدكتور جواد علي إلى أن الإسرائيليين لم يكونوا مخلصين في إعطاء هذه التقسيمات للأخباريين المسلمين؛ فوقع هؤلاء في أخطاء كثيرة حتى جاءت رواياتهم مضطربة٢.

стр. 85

وقد يكون مرد التقسيم في الأساس -على رأي بعض العلماء- إلى انقسام العرب إلى طبقتين رئيسيتين من حيث التماس المعاش: طبقة البدو من الأعرب "أهل الوبر" من جهة، وطبقة العرب المستقرين "أهل المدر" من جهة ثانية. لا سيما وأن النسابين قد حشروا غالبية قبائل العرب المستقرة من سكان الحواضر في النسب القحطاني، وغالبية القبائل البدوية في النسب العدناني. وبديهي أن مناطق الحضر أغلبها في الجنوب الذي يتمتع بشروط الخصب والزراعة، ومناطق البدو وهي في الشمال القاحل، فالتقسيم على هذا النحو تتحكم فيه على ما يظهر الاعتبارات الجغرافية. أما الشك الذي يكتنف الجدين الكبيرين فهو نابع من كونهما لم يعرفا في الجاهلية على نحو واضح، والقرآن الكريم لم يذكر أيًّا منهما، كما أن اسمهما لم يذكر في الشعر الجاهلي إلا نادرًا، بينما ذكر اسم معد بن عدنان أكثر من اسم أبيه سواء في الشعر الجاهلي أو فيما أتانا من كتابات المؤرخين الكلاسيكيين الذين لم يذكروا اسم عدنان بتاتًا. وهذا ما دعا العلماء إلى الشك في أمر عدنان إذ قالوا: "لو كان عدنان جدا كبيرا في الجاهلية -كما صوره أصحاب الأخبار والأنساب- لوجب عقلًا أن يتردد اسمه بكثرة في الكتابات الجاهلية أو في المؤلفات الكلاسيكية أو في الشعر الجاهلي"١. وقد خامر العلماء الشك في أمر نزار حفيد عدنان أيضا بسبب أن اسمه لم يرد في الشعر الجاهلي المتقدم، وأن وروده كان متأخرا جدا بالنسبة لورود اسم أبيه "معد"، وأن بعض الكتبة البيزنطيين قد ذكروا اسم "معد" ولم يذكروا اسم "نزار". ويعزز الباحثون شكوكهم هذه بأن العرب الشماليين قد عمدوا في الغالب على ربط نسبهم بمعد ولم يعمدوا إلى ربطه بنزار إلا نادرًا. على أن الشك في أمر هذه الأنساب لم يقتصر على المحدثين وحسب، بل خامر القدماء أيضا, فقد أنكر الرسول ﷺ ما ذكر أمامه من إرجاع نسبه إلى عدنان قائلًا: "من ها هنا كذب النسابون". كما أنكر الإمام مالك من الرجل يرفع نسبه إلى آدم أو إلى إسماعيل قائلًا: "من يخبره ذلك؟ "٢. ويعلق الواقدي على اختلاف النسابين حول سلسلة الأجداد التي تصل نسب عدنان بإسماعيل بقوله: "إنها لم تحفظ، إنما أخذت من أهل الكتاب

стр. 86

واختلف فيها، ومن الأفضل الانتهاء إلى معد، والإمساك عما وراء ذلك إلى إسماعيل". والواقع أننا إذا رجعنا إلى أسماء الآباء والأجداد الذين تعاقبوا من إسماعيل إلى معد نلاحظ أنها كلها أعجمية؛ مما يدل على أنها قد أخذت من أهل الكتاب اليهود وكانت من وحيهم، بينما نجد أن الأسماء التي تسلسلت بعد معد كلها أسماء عربية خالصة. لذلك فإننا وبعض الباحثين المحدثين على وفاق بأن الأنساب العربية في تقسيماتها المتأخرة، اعتبارًا من معد نزولًا، قد تكون مما يوحي بالثقة والاطمئنان إلى حدٍّ ما. وقد تصدى بعض المستشرقين إلى انتقاد نظرية الأنساب بدعوى أنها قد لفقت في العهد الأموي، عندما انقسمت القبائل العربية في تنازعها إلى يمنية ومضرية. والواقع أن الدوافع السياسية قد حملت السلطة الحاكمة في العهد السفياني من الخلافة الأموية إلى سلوك هذا السبيل، ولكن في نطاق ضيق اقتصر على بعض قبائل من قضاعة. كما رأى بعضهم الآخر أن نظرية الأنساب العربية مخالفة للحقائق الثابتة علميًّا؛ ذلك أن سلاسل الأنساب العربية تعتمد على النظام الأبوي، بينما أثبتت الحقائق العلمية أن هذا النظام لم يعرف في شبه الجزيرة العربية إلا بعد أن مر العرب في دور النظام التوتمي١ الذي يجعل النسب في الأمهات، شأنهم في ذلك كشأن سائر المجتمعات القديمة, وأن العرب -عدا ذلك- قد مروا في أطوار كان الزواج فيها يتبع طرقًا أخرى غير التي عرفت في العصر الحاضر؛ إذ كان هنالك ما يسمى بالزواج الموقت الذي لا يدوم أحيانا أكثر من بضعة أسابيع، أو أن المرأة كانت تتزوج عدة رجال في وقت واحد، بحيث لا يمكن معرفة من هو الوالد الحقيقي للطفل المولود في كلا نوعي الزواج. وهكذا فإن الانتساب في كلتا حالتي التوتمية وطرق الزواج القديمة يكون إلى الأم لا إلى الأب. ويبدو أن هذا النقد ليس له قيمة كبيرة؛ لأن النظام التوتمي والزواج الموقت وزواج

стр. 87

المرأة بعدة أزواج معًا قد اندثرت في شبه جزيرة العرب بانتهاء عصور ما قبل التاريخ، فتجاوز العرب هذه المرحلة إلى نظام الأبوة. غير أن ما ذكره المستشرقون من مرور شبه الجزيرة بالنظام التوتمي ربما يكون قد ترك أثره في تسمية القبائل بأسماء تمت بصلة إلى الرموز التوتمية. ذلك أننا نلمس في أسماء بعض القبائل العربية بعض ما يدل على ذلك، مثال قبائل: كلب، أسد, نمر، نمير، فهد، ليث, وغيرها. والواقع أن ثمة قبائل ترجع أنسابها إلى آباء وأجداد، تنتمي إليهم وتفاخر بهم، وليس من الضروري أن يكون هؤلاء آباء وأجدادًا عاشوا وماتوا، بل قد يكون أحدهم اسم مدينة أو قرية أو أرض أو صنم أو حيوان أو نبات. نجد مثلا في كتب أنساب العرب أسماء لآباء وأجداد أو قبائل ما ليست في الواقع إلا أسماء لمواضع وأمكنة مثل: سبأ، غسان، عمان، حضرموت, وغير ذلك من الأسماء التي أصبحت بمرور الزمن أسماء رجال جعلهم النسابون ينسلون وتصبح لهم ذرارٍ وقبائل وبطون١. وأخيرًا هناك الانتقاد المهم الذي وجهه العلماء لنظرية الأنساب أن المحالفات والمؤاخاة ورابطة الجوار قد تؤدي إلى نشوء أنساب مشتركة هي في الأصل غير مشتركة, فإذا انفصمت عرا التحالف أو انقلب حسن الجوار إلى عداء تنفصم على أثره رابطة النسب، وتتكون رابطة نسب جديدة. وإذا علمنا أن القبائل العربية كانت في نزاع دائم فيما بينها، وأن كل فريق من الفرقاء المتحاربين كان يلجأ إلى عقد المحالفات ليواجه بها أحلافًا تعقد في الجانب الآخر، وأن هذه المحالفات قد تنقلب أحيانا فتخرج منها بعض القبائل لتنضم إلى الجهة المقابلة، أدركنا احتمال ما يطرأ من التغيير على أنساب القبائل. هذا إلى أن القبائل المتحدة قد تنسى أسماءها الأصلية وشخصيتها بمرور الزمن وتعاقب الأجيال وتندمج في اسم القبيلة الأقوى التي تنضوي إليها، فيزعم أفراد القبائل المندمجة فيما بعد أنهم ينحدرون من أب واحد أو جد واحد، بينما يكونون في الواقع منحدرين من آباء وأجداد متعددين ومختلفين٢.

стр. 88

غير أننا يجب أن نحيط هذا الانتقاد ببعض التحفظ؛ ذلك أن التحالف الذي يستتبع إمحاء ونسيان نسب بعض القبائل المتحالفة لم يكن يتعدى بعض القبائل الصغيرة التي لا شأن لها، وأن التحالف حينما ينفرط تعود القبائل المتحالفة إلى نسبها الأول. لذلك فإن نتائج مثل هذه الأحلاف من حيث طمسها لنسب بعض القبائل أحرى أن تنحصر في نطاق ضيق.

стр. 89

الفصل الخامس: الدولة العربية القديمة في اليمن مدخل ... الفصل الخامس: الدول العربية القديمة في اليمن كان للصفات الجغرافية التي اتصفت بها بلاد العرب أثر كبير في حياة العرب وعاداتهم ومعيشتهم وتنظيمهم الاجتماعي. فقد اختلفت فيها الأقاليم وتنوَّع المناخ؛ فنتج عن ذلك تنوع الحياة البشرية. فحيث ساد الإقليم الصحراوي وشحت السماء بالغيث وحل الجفاف قامت حياة البداوة والرعي التي لا تعرف الاستقرار، كما في الشمال، وحيث سادت رطوبة الجو وهطل الغيث قامت الحياة الزراعية المستقرة، وساعد القرب من البحار على قيام التجارة. وقد توفر قسط وافر من هذه الشروط في اليمن التي تطل على البحار من الجهتين الغربية والجنوبية ولا يفصل بينها وبين البر الإفريقي سوى مضيق باب المندب. فاليمن بهذا الموقع الجغرافي تتمتع بميزة زراعية مهمة؛ لأنها معرضة للرياح شبه الموسمية، فتتلقى كمية من الأمطار الصيفية كافية لازدهار الزراعة فيها. وقد استغل اليمنيون القدماء تشكل السيول من الأمطار، فأقاموا في شعاب الوديان سدودًا وخزانات، حجزوا بها المياه واستفادوا منها وقت الجفاف، فاستقروا في الأرض وبنوا منازلهم بالحجارة. وقد مارسوا التجارة إلى جانب الزراعة، واضطلعوا بها بالنشاط نفسه الذي مارسوا فيه الزراعة لوقوع بلادهم على شواطئ البحار التي تفصل بينها وبين الشرق الأقصى، لا سيما الهند التي اشتهرت بإنتاج التوابل والبهارات وغيرها من المواد التي كان الطلب عليها شديدًا من الغرب الأوروبي، الأمر الذي جعل شبه جزيرة العرب - بموقعها المتوسط بين الشرق والغرب- بمثابة الجسر الذي تمر عليه هذه التجارة، وليس لمسالك التجارة العالمية مفر من اجتيازه. كما جعلها، في الوقت نفسه، ملتقى للتيارات الحضارية الآتية من شتى الجهات، فتفاعلت معها وأنتجت بدورها حضارة ضربت في مضمار التقدم والازدهار شوطًا مرموقًا.

стр. 90

فقد اتصلت بحضارة البنجاب في الهند عن طريق المحيط الهندي، وبحضارة بلاد الرافدين عن طريق الخليج العربي، وبالحضارة المصرية عن طريق وادي الحمامات الذي يصل الشاطئ الغربي للبحر الأحمر بالعاصمة المصرية القديمة "طيبة". ولا ينكر ما كان للتجارة من فضل في ذلك، وقد كان اليمنيون يقومون بدور الوسيط التجاري، إذ يجمعون سلع الهند من توابل وبهارات وأفاوية وغيرها ويضيفون إليها ما تنتجه بلادهم من مر وبخور ولبان وعطور وغيرها, ويوزعونها -عبر طرق برية وبحرية تمر من الساحل الغربي أو الساحل الشرقي لشبه الجزيرة- في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر الفرعونية. كما كان للمصريين تجارة مع اليمنيين، وكانوا يسمون بلادهم باسم "إقليم البنط" ويقصدون بذلك البلاد الواقعة جنوب البحر الأحمر على ضفتي مضيق باب المندب، وقد وردت أخبار رحلاتهم فيما خلفته حضارة الفراعنة من كتابات ترجع إلى الملك "ساحورع" من الأسرة الخامسة "القرن ٢٦ ق. م" وقد قاد أو أرسل كل منهما حملة إلى بلاد البخور "البنط" وكانتا ناجحتين، وعادت السفن المصرية محملة بالبخور والأخشاب الثمينة والجواهر والصمغ وغير ذلك من المحاصيل. إن أهم الدول التي قامت في الجنوب العربي هي بالتتابع: معين، قتبان، حضرموت، سبأ، حمير, غير أننا قبل الشروع في دراستها لا بد من لفت الانتباه إلى ناحية مهمة في معالجة تاريخ اليمن, هي أنه لا يصح الاعتماد على روايات الأخباريين العرب في كتابته؛ لأن ما أوردوه عنه أقرب إلى الخيال والخرافة والأساطير منه إلى الحقائق العلمية، كما أوردت سابقًا.

стр. 91

دولة معين وهي أول وأقدم دولة يمنية استطاع المؤرخون أن يتسقطوا أخبارها على وجه اليقين. لكنهم اختلفوا حول تاريخ قيامها واضمحلالها: فهل ظهرت خلال الألف الثالثة أو الثانية ق. م. كما يقول " غلازر" أم بين ٣٥٠٠-١٢٠٠، وسقطت سنة ٧٠٠ ق. م. كما يقول "هومل"؟ ويعارض كل من "هاليفي وموللر وماير وونت Winnett" هذه الآراء، ويقول الثلاثة الأولون: إن أول ظهور لها لا يمكن أن يسبق الألف الأولى ق. م، بينما يدلي الأخير برأي يخالف الترتيب الزمني لظهور دولتي معين وسبأ، فيجعل الثانية

стр. 92

أقدم من الأولى التي يرجع ظهورها إلى ٥٠٠ ق. م وسقوطها إلى سنة ٢٤ ق. م, أو ٥٠م١. وليس للباحث إلا أن يقف حائرًا بين هذه الآراء المختلفة التي لا يستطاع اعتماد أي منها قبل أن تكشف التنقيبات عن أدلة علمية ثابتة. لم يذكر المؤرخون والأخباريون العرب القدماء شيئًا عن هذه الدولة، اللهم إلا قولهم بأن معين هو محفد من محافد اليمن وحصن ومدينة، مما يدل على أنهم كانوا يجهلون كونها دولة عربية قديمة. غير أن الآثار التي اكتشفت حديثًا في أرض اليمن قد ألقت بعض الضوء على قبس من تاريخها القديم. ويعود الفضل في اكتشاف آثار عاصمتها معين إلى المستشرق الفرنسي "هاليفي" الذي قرأ اسمها المحفور بالخط المسند على النقوش التي عثر عليها في أنقاضها. كما اكتشف في القرب منها أنقاض مدينتين أخريين وهما يثيل "براقش اليوم" ونشق "البيضاء اليوم"، فتوجهت الأنظار إلى تقصي تاريخ هذه الدولة. وقد تبين أنها ازدهرت في منطقة الجوف، وهي المنطقة السهلية الواقعة بين نجران وحضرموت في الهضبة اليمنية الشرقية. وبعد أن كانت مدينة "معين" الواقعة إلى الشمال الشرقي من صنعاء الحالية، عاصمة سياسية لها، انتقل مركز المملكة إلى مدينة قرنا أو "قرناو" في أواخر عهد الدولة، بينما كانت يثيل عاصمتها الدينية. إن ما ساعد على نشوء الحضارة المعينية خصب أرضها ورطوبة مناخها، وتلقيها من الغيث ما يشكل أحيانا سيولًا تجري في وديانها مثل وادي خريد الذي يتجه إلى الداخل، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي على طريق الهند، ذلك الذي جعل منها بلدا تجاريا نشيطا دون أن تفقد الصفة الزراعية، كما كان بعض سكانها البدو، قد ثابروا على متابعة حياة الرعي والتنقل. هذه المزايا المتنوعة جعلت منها بلدًا غنيًّا بالمحاصيل التي تشكل مادة تجارية صالحة للتصدير مثل: الطيب والمر والبخور والعطور، فقد كانت بلادا كثيرة الغابات والأغراس، كما يقول المؤرخ "بلينيوس". كما كانت البضائع من أقمشة وسيوف وذهب وحرير وريش نعام مستوردة من الهند والصين تتكدس فيها، فتقوم بدور الوسيط التجاري بنقلها إلى الشمال وإلى الغرب عبر باب المندب، وقد احتكرت مقاليد التجارة بين الهند وحوض البحر المتوسط لمدة طويلة. وعلى رأي بعض المؤرخين أن الدولة قد

стр. 93

أنشأها التجار وغزاها الغنى التجاري، فانصرفت عناية حكامها إلى الاهتمام بتنشيط التجارة، وإنشاء محطات للقوافل ومراكز تؤمن انسياب تجارتها في كل السبل، من أهمها: معان في شمال خليج العقبة وقريبًا منه، ومنها البتراء عاصمة الأنباط كما يقول المؤرخ اليوناني "سترابون". ويظهر أن نفوذ معين التجاري قد امتد حتى خليج البصرة، وإلى جنوب سورية، وحتى الحوض الشرقي للبحر المتوسط بواسطة مدينة غزة التي قيل: إنها كانت أحد المراكز لتصريف التجارة المعينية، ويحتمل أن المعينيين كانوا يفرضون رسومًا جمركية على التي تمر ببلادهم، إضافة إلى ذلك وجد المستشرق "غلازر" أن يثيل كانت مدينة صناعية، فقد عثر في مساحات منها على آثار تشهد بأنها كانت أماكن للصناعة. تعاقب على معين عدد من الملوك يصعب معرفة تسلسلهم وتاريخ حكم كل منهم؛ لأن النقوش الكتابية المكتشفة لا تحمل من التواريخ ما يصح الاعتماد عليه، لأنها لا تؤرخ بحوادث معروفة, لكنه قد اتضح منها أسماء ٢٦ ملكًا منهم، ويعتقد أنهم كانوا أكثر من ذلك. وكان هؤلاء يلقبون في صدر الدولة بلقب "مزواد" أو "مزود" وهو لقب يتضمن معنى الكهانة فضلًا عن الحكم السياسي. فإذا قيل مثلا: مزود معين، فمعنى ذلك كاهنها وحاكمها، وذلك قبل أن يستقل الملك بالحكم السياسي ويترك لغيره الكهانة. وقد اتضح من دراسة للمستشرق "موللر" أن نظام الحكم كان ملكيا مقيدا ووراثيا بحيث يرث الابن أباه. ويشارك الملك في الحكم مجلس استشاري يتمتع بسلطات واسعة. ويبدو أن حكومة معين كانت تتبع النظام اللامركزي في الحكم؛ إذ كانت كل مدينة من مدنها تتمتع باستقلالها الداخلي، لها آلهتها وهيئاتها الدينية، وحكومتها التي يرأسها ممثل للملك يحمل لقب "كبر" "أي كبير". كما كان لها مجالسها المحلية التي تحكم بين الناس، وتتألف من أشراف المدينة "مسود"١ والمجتمع المعيني مجتمع قائم على نظام الطبقات، والمعينيون قوم متدينون على العموم، يعيرون الدين أهمية كبيرة، وللمرأة مكانة محترمة في المجتمع وتتمتع بحرية واسعة. أما اللغة التي تكلمها المعينيون فكثيرة الشبه باللغة الحميرية والسبئية، الحروف

стр. 94

واحدة مع اختلاف في اللهجة، وفي بعض الضمائر، كما هي شبيهة باللغة العربية الشمالية، وقد اقتبسوا الهجائية الفينيقية لكتابتها. وقد اتضح من الدراسات التي أجريت حول آلهتهم أن أسماءها تشبه أسماء آلهة البابليين، وأبرزها الإله "ود" لكن المعلومات عنها لا تزال قليلة لا تخول المؤرخ أن يكوِّن فكرة واضحة عنها. لقد ازدهرت المملكة في الجوف، لكنها سرعان ما بسطت سيطرتها على كل بلاد العرب الجنوبية بما فيها حضرموت وقتبان، وامتد نفوذها حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي وبحر عمان بحيث شمل كل شبه الجزيرة العربية، وامتد إلى الشمال الغربي منها حتى حوض الفرات الأسفل بدليل أن عدة كتابات معينية ظهرت فيها؛ ولذلك يعتقد الباحثون أن الإمارات الصغيرة التي كانت تحكم هناك كانت تتبع الدولة المعينية. لكن الدولة لم تكن -على ما يظهر- دولة حرب بل دولة تجارة، شأنها كشأن الدولة الفينيقية، إذ كانت طرقها التجارية تخترق أواسط شبه جزيرة العرب، كما كانت مستعمراتها تنتشر شمالا إلى أعالي الحجاز بدليل ما عثر عليه من النقوش المعينية في "العلا" قرب وادي القرى، وفي الصفا وحوران وغيرها. غير أن سيطرتها على أراضي قتبان وحضرموت في الجنوب قرب البحر كانت تختلف بحسب الظروف، ففي أوقات كان لهذه المناطق أمراؤها أو ملوكها الذين يحكمون مستقلين، وأحيانا كانوا يخضعون لحكم معين. وتدل نتائج بحوث المستشرقين على أن حكومات المدن التي كانت تتبع لمعين، على طريقة النظام اللامركزي، قد انتهزت الضعف الذي حل بملوكها منذ القرن الثالث قبل الميلاد، فأخذت تقوي نفسها وتستقل في جميع شئونها. وقد استنتج "غلازر" من أحد النقوش أن جيرانها السبئيين الذين كانوا يقيمون في الجهات الغربية قد شنوا عليها حروبًا متصلة، وظلوا يبتلعون منطقة تلو أخرى من أراضيها حتى أسقطوها، وقامت على أنقاضها دولة سبأ في عام ٦٥٠ أو ٦٣٠ ق. م. التي استقطبت جميع المدن المستقلة التي كانت تتبع لمعين١. ولكن قبل الحديث عن سبأ لا بد من إلقاء نظرة على "قتبان" و"حضرموت"

стр. 95

اللتين دار حديث العلماء حول ما إذا كانتا تابعتين لمعين ومعاصرتين لها, أم لم يكونا كذلك.

стр. 96

مملكة قتبان: لقد استنتج العلماء من الآثار التي اكتشفت أن مملكة باسم "قتبان" قد تكون عاصرت دولة معين. وقد أشار بعض المؤرخين الكلاسيكيين إلى القتبانيين في تواريخهم. وربما تكون هذه الدولة قد عاصرت الفترة الواقعة بين ١٠٠٠ ق. م و٢٠٠ ق. م. حسبما جاء في دراسة للعالم "هومل" الذي استنتج من النصوص التي عثر عليها "غلازر" أسماء ١٨ من الملوك الذين حكموها. ولغلازر -في الواقع- يعود الفضل في وقوف العلماء على أخبارها, فقد كانت الكتابات التي عثر عليها أول نصوص قتبانية تصل إلى أوروبا، غير أن العلماء لم يتفقوا حتى الآن -لقلة هذه النصوص- على تعيين مبدأ ونهاية لهذه المملكة. فقد جعل بعضهم بداية الدولة سنة ١٠٠٠ ق. م. وبعضهم الآخر ٦٠٠ ق. م. لكن الاختلاف كان شديدًا حول تحديد نهايتها، إذ جعله بعضهم ٢٠٠ق. م. وبعضهم الآخر ٥٠ ق. م. وآخرون ٢٠٠ ميلادية. ولا بد من توفر كثير من الأدلة والنصوص الأثرية للوصول إلى نتيجة. وكذلك صعب على العلماء أن يحددوا بدقة الموضع الذي أقام فيه القتبانيون دولتهم, وقد ذهب "غلازر" إلى أنه الموضع الذي سماه بطليموس "مامالي قوم" "Mamali Kome" وأنه يقع على سهل تهامة. ولم يبعد "سترابون" عن هذا عندما قال نقلًا عن "إيراتوستين" "١٩٤ ق. م" بأن القتبانيين كانوا يسكنون في الجنوب الغربي من أرض السبئيين "أي: بين صنعاء وباب المندب" بينما يحدد "هومل" موقع الدولة بكونه لا يبعد أكثر من ١١٠كم جنوب شرقي مأرب١. ومن مراجعة كتاب "البلدان" لياقوت الحموي يتضح أن قتبان موضع في نواحي عدن. على أن الكتب العربية القديمة لم تنوِّه بشيء يستحق الذكر عن القتبانيين، إذ لم يرد في أخبار الجاهلية القريبة من الإسلام شيء عنهم, اللهم إلا ما قيل من أنهم من قبائل

стр. 97

حمير، مع أنه لم يرد في النصوص القتبانية ولا الحميرية ما يشير إلى صلة نسب بين الطرفين. ويعلل الدكتور جواد علي ذلك باندماج قتبان -بعد ضعفها وفقدان استقلالها- في مملكة سبأ، ثم فيما أطلق عليه اسم "مملكة سبأ وذو ريدان" "أي الدولة الحميرية" ذلك أن معظم القبائل التي خضعت لهذه الدولة -بعد أن علا شأنها- قد نسبت إليها وفي جملتها قتبان. أما من حيث الملوك الذين حكموها فلم يستطع العلماء وضع قائمة كاملة بأسمائهم ولا يزال ثمة ثغرات فيها، إنما استنتجوا من النصوص أن حكامها كانوا في أول فترة من حكمهم يحملون لقب "مكرب" التي تترجم بكلمة "مقرب" في لغتنا، وهي تعبر عن التقرب إلى الآلهة، فهي لقب مقدس، ويفيد القيام بوظائف الكهانة، أي: إن الحاكم هو في الوقت نفسه كاهن وشفيع للناس عند الآلهة، مثل هذا اللقب كمثل "مزود" عند المعينيين. لكن الأمر تطور بعدئذ إذ أضافوا إلى ألقابهم "ملك"، وفي فترة تالية نزعوا عن أنفسهم لقب "مكرب" واكتفوا بلقب "ملك"١. كانت لهجة الكتابات القتبانية أقرب إلى اللهجة المعينية منها إلى اللهجة السبئية، لكن أغلب النصوص التي نملكها عنهم قد كتبت في أغراض شخصية لا تفيد المؤرخ كثيرًا، إنما تتضمن بعض الكتابات نصوصًا رسمية تتعلق بفرض الضرائب وبالتجارة، أو تحتوي على قوانين من جملتها كتابة هي عبارة عن قانون من القوانين الجزائية، ذكر بأنه صدر "باسم الملك" وورد بعد اسمه كلمة "مشود"، وهي تعني المجلس الذي يجتمع فيه رؤساء المملكة والمشايخ والأعيان؛ للبت في الأمور وتقنين القوانين وإدارة الحروب وتنفيذ الأعمال، فهو مجلس الملك ومجلس المدينة، وكان مركزه في العاصمة "تمنع" وهي مدينة كحلان الحالية. ويظهر أنه كان ثمة مجالس شبيهة به في كل مدينة من المدن القتبانية للبتِّ في الأمور المشابهة. والجدير بالذكر أن القانون المذكور قد حدد عقوبة القتل "القاتل يعاقب بالقتل، أو بعقوبات أخرى بحسب الأوامر التي يصدرها الملك بمقتضى هذا القانون" كما حدد

стр. 98

عقوبات مرتكبي مختلف الجرائم ومخالفي القوانين والأنظمة، وعقوبة الشخص الذي يقتل مجرمًا حكم عليه بالموت ... إلخ١. وأخيرًا يستدل من النقود الذهبية التي عثر عليها في العاصمة "تمنع" وفي مدينة "حريب"، ومن التماثيل المصنوعة من المعدن، ومن بعض المصنوعات المعدنية التي وجدت في أماكن أخرى، أن القتبانيين كانوا على نصيب وافٍ من التقدم، وأنهم قد ضربوا بسهم وافر في المدنية والحضارة، وأما معبودهم الرئيسي فهو الإله "عم".

стр. 99

مملكة حضرموت: ويظهر أن اسمها مأخوذ من اسم حضرموت أحد أولاد قحطان. وقد عرف شيء من أخبارها من الآثار والنقود والكتابات التي عثر عليها العلماء في خرائب مدينة شبوة، ومدينة عقلة الحضرميتين القديمتين. والمعارف عن هذه المملكة لا تزال قليلة بالرغم من أن العلماء قد تمكنوا من معرفة أسماء بعض ملوكها، لكنهم لم يتفقوا في ترتيبها ترتيبا زمنيا، واختلفوا في أسماء بعضهم، وفي تاريخ ظهور الدولة. ويظهر أن أوائل ملوك حضرموت قد عاصروا المتأخرين من ملوك معين, وأن حضرموت اندمجت في مملكة معين قرابة ثلاثة قرون تنتهي نحو سنة ٦٣٠ ق. م. ثم اندمجت بعد ذلك في مملكة سبأ من ٦٣٠ إلى ١٨٠ ق. م. حيث عادت فاستقلت، وقد تكون بقيت على قيد الوجود حتى سنة ٣٠٠ م. أما العاصمة فقد كانت في بادئ الأمر مدينة "ميفعة" ثم انتقلت منها إلى مدينة "شبوة". كان الحضارمة وثنيين وقد عبدوا آلهة عديدة مثل: عثتر وحول وحويل. غير أن الاحترام الكبير كان للإله "سين" الإله القومي لحضرموت، والذي كان السكان يحسون بشعور عميق نحوه، ينذرون له النذور ويتقربون إليه؛ ليمنحهم العمر الطويل والخير والبركة، فقد جاء في كتابة عثر عليها عن لسان أحدهم يقول: "إن جسمه وروحه وأولاده وما يملكه ويقتنيه ونور عينيه وكل ما يفكر به قلبه هو لسين إله حضرموت".

стр. 100

الدولة السبئية سبق وذكرت أن دولة سبأ ورثت دولة معين، وكان ذلك حوالي ٦٣٠ ق. م. غير أن السبئيين كانوا قبل ذلك يشكلون دولة مستقلة إلى جانب دولة معين، بدأت تخمينًا من عام ٩٥٠ ق. م. ومعنى ذلك أن أوائل حكامهم كانوا يعاصرون العهد الأخير من ملوك المعينيين. ولنلاحظ أن المعلومات عن دولة سبأ وافره نوعًا ما قياسًا لما هو معروف عن الدول التي سبقتها؛ لأن النقوش العائدة للعهد السبئي قد توفرت للعلماء أكثر من غيرها١. ويستدل من نقوش آشورية عثر عليها في بلاد الرافدين عن عهد "تغلات فلاسر" الثالث "٧٤٥- ٧٢٧ ق. م" ومن عهد "سرجون" الثاني "٧٢١ - ٧٠٥ ق. م" وغيرهما من ملوك آشور أنهم قد استوفوا الجزية من بعض ملوك السبئيين. وبما أن الآشوريين لم يصلوا في فتوحهم إلى أرض اليمن، فيظهر أن هذه الجزية إنما هي عبارة عن رسوم أو هدايا كان السبئيون يقدمونها إليهم عن تجارتهم٢ التي كان يحرصون على إيصالها إلى الشمال ولا سيما بلدة غزة التي كانت مخزنًا لتصريف السلع اليمنية في حوض البحر الأبيض المتوسط٣، أو ربما كان المقصود بما ذكر في النقوش قبائل عرفت باسم "سبأ" أو "سبأي" يظن الباحثون أنها كانت قاطنة في الشمال العربي، سيما وأنهم استنتجوا أن أصل السبئيين من الشمال، وهو الرأي المرجح لدى العالم المستشرق "هومل" الذي استند على نقش عثر عليه "غلازر"، فقال: إن أصلهم من القبائل العربية التي كانت تسكن منطقة الجوف "في الشمال" نزحوا لسبب من الأسباب -وقد يكون بضغط من الآشوريين- إلى الجنوب اليمني واستوطنوا فيه، ثم أخذوا في بناء دولتهم وفي التوسع، حتى قضوا على دولة معين، وحلوا محلها، وحكموا البلاد بأجمعها٤. لقد اتفق الباحثون على تقسيم حكم السبئيين إلى دورين:

стр. 101

الأول: يمتد من ٩٥٠ إلى ٦٣٠ ق. م، وهو الدور الذي كان حكامهم يلقبون فيه باللقب الديني "مكرب"، وكانت عاصمتهم مدينة "صرواح" الواقعة بين مدينة مأرب وصنعاء، ومكانها اليوم مدينة "خريبة" شرق صنعاء. الثاني: من ٦٣٠ إلى ١١٥ ق. م، وهو الدور الذي تغلبوا فيه على معين وورثوها ولقبوا بألقاب "ملوك"، وأصبحت عاصمتهم مدينة "مأرب" التي تقع على بعد ١٠٠كم إلى الشرق من صنعاء. وقد بُدِئَ ببناء سد مأرب في أواخر الدور الأول، وبقي قائمًا حتى أيام الدولة الحميرية التي قامت على أنقاض دولة سبأ منذ ١١٥ ق. م. وقد ظهر من الكتابات المنقوشة على السد أن أوائل بناته من المكربين "سمعهلي ينوف"، ثم ابنه "يتعمر بيين" ثم "كرب آل بيين" ولم تزل الإضافات تترى عليه في عهد الملوك حتى اكتمل حوالي عام ٣٠٠ م في عهد الحميريين١. إن وجود هذا السد في بلاد اليمن دليل واضح على أن السبئيين كانوا على جانب كبير من الحضارة ومن التقدم، في فن البناء والهندسة, بالإضافة إلى اهتمامهم بالزراعة. وقد ورد له ذكر في القرآن الكريم ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَال﴾ ٢. كما شاهد الهمداني أنقاضه في القرن الرابع الهجري، ووصفه في كتابه "الإكليل" وصفًا ينطبق على ما وجده المكتشفون الحديثون من أنقاضه. وقد حدثنا عن مشاهداته لمقاسم الماء من مداخر السد قائلًا: "كأن صانعها قد فرغ من عملها بالأمس.... ورأيت أحد الصدفين، وهو الذي يخرج منه الماء، قائمًا بحاله على أوثق ما يكون، وإنما وقع الكسر في العرم، وقد بقي قسم من العرم.."٣. بُني سد مأرب في مضيق بين جبلين يسمى كل منهما باسم "بلق" وفي وادٍ يسمى "وادي أذنة" الذي كانت تندفع فيه السيول نحو الشمال الشرقي، ومكانه يبعد مسيرة ثلاث ساعات عن "مأرب". وقد زار أنقاضه كل من "أرنو وهاليفي وغلازر" ووصفوه بما يتفق مع رواية الهمداني. وهو في مكان يرتفع ٣٩٠٠ قدم فوق سطح البحر، بطول ٨٠٠ ذراع وعرض ١٥٠ ذراعًا، وارتفاع بضعة عشر ذراعًا، مبني بالحجارة الضخمة، ويستند

стр. 102

عند طرفيه على الجبلين حيث صنعت له فتحتان في الجانبين، تتسرب منهما المياه في أقنية خاصة تتجه نحو الجنتين. وكان للفتحات أبواب صنعت من عوارض الخشب والحديد، تفتح لدى المباشرة بالسقاية١. ويظهر أنه بدأ يتصدع فيما بعد ويرمم، وآخر ما كان من ذلك عام ٥٣٩ م في عهد الاحتلال الحبشي، ثم قلت العناية به في أواخر هذا العهد فتهدم. بالرغم من أن دولة سبأ قد كرست جل عنايتها للزراعة والتجارة والعمران، فإن النصوص التي عثر عليها في أنقاضها، وبخاصة منها ما وقع في يد "غلازر" تشير إلى حروب خاضها مكربوها في أواخر الدور الأول، ضد جيرانهم من الأذواء والأقيال. كان الهدف من هذه الحروب توسيع رقعة الدولة، والقضاء على الإمارات المستقلة المجاورة وصهرها، ولا سيما إسقاط دولة معين وابتلاعها. فهناك مسلة مرمرية، ونص معروف باسم "Glaser ١٠٠٠" وآخر معروف باسم "نص صرواح" وغيرها عليها نقوش كتابية تشير إلى هذه الحروب. مثال ذلك أن المكرب "يثع أمر بيين" قد انتصر على القتبانيين فقتل الآلاف، وهاجم مملكة معين وضم بعض مقاطعاتها. والمكربان "مهأمرم" و"أمرم" هاجما بعض القبائل التي لم تخضع لسبأ، وجرت معها معركة قرب نجران أسفرت عن قتل عشرات آلاف الأعداء واغتنام عشرات الآلاف من رءوس الماشية، وإحراق وتخريب عدد من المدن في نجران أو حوالي يثيل٢. ويستدل من النقوش أن "كرب آل وتر" كان آخر المكربين وأول الملوك، فمن الرقم ما يحمل اسمه مقرونا بلقب "مكرب"، ومنها ما يقرنه بلقب "ملك" والنقوش -ولا سيما نص "صرواح"- تفصح عن حروبه الكثيرة وانتصاراته المتتالية على جيرانه، وبخاصة معين وأوسان وقتبان التي ذكر أنها كانت حليفة له، ولكن يظهر أنه حاربها أيضا عندما شعر بازدياد قوته وهو يهاجم مملكة "أوسان" -وكانت تقيم في الجنوب الغربي من اليمن، وبلغت من القوة أنها بسطت سيطرتها على منطقة حضرموت وعلى الطرق التجارية المتفرعة عنها- فيحرز انتصارات كثيرة، يقتل ويأسر الآلاف، وينزع المناطق

стр. 103

والأرضين منها ومن معين وقتبان. وقد وصفه الدكتور جواد علي بكونه جسورًا مغامرًا أولع بالفتح والتوسع حتى انتهى به الأمر إلى إسقاط دولة معين، وبسط سلطانة بالحرب على جميع القبائل والمشيخات، فأسس مملكة واحدة تجمع كل ممالك اليمن تحت سيطرته ونفوذه، فاتخذ لنفسه لقب "ملك" مستبدلًا إياه بلقبه السابق "مكرب" وكان ذلك سنة ٦٣٠ ق. م١. إن الكتابات التي عثر عليها في خرائب اليمن قد تعرضت لأسماء ملوك سبأ، وقد عرف منهم حتى الآن ٢٠ ملكًا بالإضافة إلى ١٧ مكربًا، وكان لهم ألقاب تضاف إلى أسمائهم مثل: وتار "العظيم" بيين "الممتاز"، ذرح "الشريف"، ينوف "السامي". إنما لم يستطع العلماء معرفة الكثير من أخبارهم، وأكثر ما وقفوا عليه هو ما يتعلق بعنايتهم بالتجارة والعمران من بناء قصور ومعابد وإضافات لسد مأرب وغير ذلك. ومن المستندات الأثرية ما يدل على عنايتهم بالتنظيم الإداري والمالي, من ذلك قانون وضع في عهد الملك "يدع آل بيين" ابن الملك "كرب آل وتر" يتعلق بقبيلة "سبأ" وسائر القبائل، حددت فيه شروط استغلال الأراضي واستثمارها في مقابل ضرائب معينة تدفع للدولة, وقيام القبائل بالخدمة العسكرية، وتقديم عدد من الجنود لخدمة الدولة. وتوقيت صدور مثل هذا القانون مباشرة بعد فترة التوسع، يدلنا على تفرغ الدولة للتنظيم بعد الاضطرابات والحروب. وقد استنتج الباحثون من هذا القانون أن الرؤساء هم الذين كانوا يلتزمون بدفع الضرائب عن قبائلهم، وتقديم الرجال للخدمة العسكرية، إذ كانت أسماؤهم تذكر في الأوامر الملكية المتعلقة بالضرائب، إشعارًا منهم بموافقتهم والتزامهم بدفعها للدولة وفق الشروط التي تم الاتفاق عليها٢. أما من حيث التجارة فإن السبئيين كانوا ملاحين ماهرين وتجارًا نشيطين، عبروا المحيط الهندي إلى الشرق الأقصى، معتمدين على معرفتهم بمواقيت حركات الرياح الموسمية التي تتبدل اتجاهاتها بحسب المواسم والفصول، فاحتكروا التجارة مع الهند، وجنوا من

стр. 104

ذلك الأرباح الطائلة، إذ كان لهم أسطول تجاري يجوب موانئ الهند والصين والصومال وسومطرة وغيرها، وينقلون على متنه التوابل والأفاوية وغيرها من سلع الهند، وبعد أن يفرغوها في ساحل عمان يسيرون بها برًّا حتى البحر الأحمر، ومن هناك ينقلونها إلى مصر على ظهور السفن عن طريق البحر الأحمر. كما سيطر السبئيون على الطرق التجارية التي تصل اليمن بالشمال، وهي التي تسير من مدينة شبوة في حضرموت إلى مأرب فمكة فالبتراء فغزة، وقد بقي رخاء السبئيين مستمرًّا لمدة طويلة، فزهدت بلادهم، وازدهرت واتسعت ثروتهم، واتجهوا إلى العمران فبنوا السدود والخزانات والقصور والهياكل والمعابد وأحاطوها بالأسوار وتفننوا في تزيينها وزخرفتها وتجميلها، وغرسوا الحدائق حولها، واستتموا أسباب القوة التي تميز بها عهد المكربين. وهكذا إلى أن برز في وجه حكام سبأ في العهد الملكي من ينافسهم من الأمم الأخرى، كالبطالمة حكام مصر الذين استطاعوا أن يجدوا لهم منفذا إلى البحر الأحمر فالمحيط الهندي، فلم تعد الملاحة في هذه الجهات حكرا للسبئيين، لا سيما وأن البطالمة قد استطاعوا إحياء القناة الفرعونية القديمة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، فصارت سفنهم تجتازها وتسير برحلاتهم إلى هذا البحر، وحاولوا خوض غمار البحر الهندي، للوصول إلى أرض التوابل دونما حاجة إلى وساطة السبئيين، والحصول على التوابل والأفاوية التي كان الأوروبيون من سكان حوض البحر الأبيض المتوسط يقبلون على شرائها إقبالا شديدا. لكنهم فشلوا في تحقيق مآربهم لجهلهم سر تقلبات الرياح الموسمية، وخصائص المد والجزر في ذلك المحيط، إنما نجحوا مع ذلك في ارتياد البحر الأحمر وفي منافسة التجارة السبئية فيه؛ فانحط بذلك شأن السبئيين لزوال أهمية الطريق البري الذي كانوا يسيطرون عليه, وحل محله الطريق البحري من حيث الأهمية، إذ اتصل البطالمة بموانئه وبدءوا يتعاملون مع أهلها في التجارة. لهذه الأسباب تناقصت أهمية مدن سبأ، لتنتعش من التجارة البحرية المدن اليمنية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر، الأمر الذي أدى إلى بروز أمرائها وازدياد نفوذهم، وكان من هؤلاء أذواء ريدان وأذواء حمير وغيرهم وبدأت المنافسة السياسية بين هؤلاء وبين ملوك سبأ، لا سيما وأن الوهن والانحطاط قد سلكا طريقهما إلى الدولة السبئية بسبب زوال العوامل الاقتصادية التي أدت إلى انتعاشها وازدهارها وقوتها -كما قدمنا- فاضطر قسم كبير من القبائل إلى النزوح عن البلاد، وتعاقب على العرش ملوك

стр. 105

ضعفاء لم يستطيعوا السيطرة على الاضطرابات الداخلية التي عمت البلاد طولًا وعرضًا. ومن الرجوع إلى النصوص القديمة نلاحظ أن أسباب الضعف الاقتصادي الذي أصاب مملكة سبأ يتضافر ويتشابك مع الأسباب الاجتماعية والسياسية ليئول أمر المملكة في النهاية إلى الزوال. ولنتابع التطورات التي حدثت من هذا القبيل: كان النظام السبئي السياسي في عهد المكربين يقوم على أساس العصبية القبلية لأسرة سبأ ممتزجة مع الدين، فهو نظام يمزج بين السياسة والدين. والمجتمع مكون من مدن وقرى وقبائل لكل منها آلهتها الذي يجمع شملها فهو حاميها، بدليل أن السبئيين كانوا يرفقون اسم الإله بكلمة "شيمم" ومعناها: حامٍ وناصر، أي: إن الإله حامي أتباعه وناصرهم، أو بكلمة "ألم" أي: إله الطائفة، أو بكلمة "صبلم" الطائفة ويعني: الرباط المقدس الذي يجمع شملها. وكان الإله "ألمقة" الذي يرمز إلى القمر، هو الإله القومي لسبأ، مع وجود آلهة أخرى إلى جانبه مثل "ذات حميم" و"ذات بعدن" وهما رمزان للشمس، و"عثتر" الذي يرمز إلى الزهرة١. غير أننا ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد لا نلبث أن نشاهد أن أسرًا جديدة قوية تظهر على مسرح الحوادث، وتنافس الأسرة السبئية "لأسباب اقتصادية وسياسية" وتلعب دورا خطيرا في سياسة اليمن، كما يلمع في سماء نفوذ الدولة الجديدة آلهة جديدة لم يكن لها شأن في الماضي، إنما برزت أهميتها بفضل الأسر الجديدة التي كانت تعبدها، فنقرأ أسماء آلهة مثل "تالب ريام"، "ذو سماوي" -وكانت تخص قبيلة همدان التي لعبت الدور الرئيسي في سياسة هذا العهد- كما نقرأ أسماء آلهة أخرى تخص غيرها من القبائل. إن ظهور هذه الأسر الجديدة والآلهة الجديدة ليس من قبيل الصدفة، إنما هو دليل على تطور خطير قد حدث في السياسة والاجتماع والدين، وظهور الهمدانيين كمنافسين للقبائل والعشائر التي أقامت عرش سبأ لم يكن من قبيل الاتفاق, ولم يكن من السهل على سبأ أن تقبل بآلهة جديدة تنافس إلهها القومي "ألمقة" لولا أن يكون ثمة عامل قاهر هو عامل القوة الذي زعزع التوازن السياسي في الدولة. والواقع أن دولة المكربين التي بدأت

стр. 106

على أساس ثيوقراطي "ديني" صارت تضم -نتيجة للتوسع والفتح- عناصر غير سبئية وأراضي جديدة لم تكن من صميم الأراضي السبئية. كما ضمت إمارات كانت -بطبيعة كيفية الضم- معادية لها، إذ اندمجت معها إثر حركة الفتح، فبزغت مفاهيم سياسية جديدة حطمت ما قبلها من مفاهيم قبلية ضيقة مستندة إلى أساس التعصب الشديد لمدينة أو قبيلة بعينها، وأحلت محلها مفاهيم جديدة بنيت على تفكير أوسع ونظرة أعمق وأشمل للواقع١. لكن هذه المفاهيم سرعان ما ترجمت إلى أعمال عنف تركت أثرها السيئ على المملكة. فمن النصوص المكتشفة نستنتج أن مملكة سبأ قد وقعت في أواخر أيامها فريسة للفوضى وهدفًا للأطماع الخارجية، وأقضت مضجعها المنازعات التي وقعت بينها وبين جيرانها الريدانيين والحضارمة والقتبانيين والحميريين الذين شعروا بكياناتهم السياسية المتميزة -بعد أن أفاقوا من صدمة قضاء السبئيين على استقلالهم- فنتج عنها حروب طويلة تفاقم أمرها؛ كان منها ما وقع بين سبأ و"ذو ريدان" وانتصرت فيها سبأ فضمت إمارة "ذو ريدان" فأصبح ملكها "ملك سبأ وذو ريدان". لكن الأحوال لم تهدأ، بل أعقبها حروب أخرى أشمل وقعت بين ملوك سبأ و"ذو ريدان" من جهة وحضرموت وقتبان من جهة ثانية، وقد اشترك فيها هؤلاء الملوك وشعوبهم وقبائلهم وانتشرت في جميع أنحاء البلاد. عندئذٍ أصبح الملك السبئي مضطرًّا إلى الاستعانة بأمير قبيلة همدان "يرم أيمن" -وكانت مكانته قد ارتفعت في نظر الملك- لفض النزاع بينه وبين أعدائه، فأدى هذا الأمير دوره بنجاح وانعقد بين الطرفين صلح لم يعرف أكانت شروطه في جانب سبأ أم في جانب خصومها. لكن "يرم أيمن" لم يدع الفرصة تفوته، بل اهتبلها، مستغلًّا نفوذه الذي بلغ الأوج في البلاط الملكي، ونفوذ قبيلته الذي توسع بين القبائل؛ لينافس الملك السبئي على؟؟؟. ولم يلبث الريدانيون والحميريون أن استغلوا، بدورهم، هذا النزاع الهمداني -السبئي، فأخذوا يعملون للاستفادة منه. أما قتبان فبعد أن اشتركت في الحروب السابقة

стр. 107

نفضت يدها من النزاع لا سيما وأن أهميتها قد انحطت ولم يعد لها شأن في سياسة الجنوب اليمني. وأما حضرموت فقد تأرجحت بين الكفتين، تقف مرة إلى جانب همدان وأخرى إلى جانب سبأ، وفقًا للظروف السياسية التي تحيط بها. ومما تجدر الإشارة إليه أن الأحباش قد ظهر لهم وجود على سواحل اليمن الجنوبية في الأماكن التي كانت الإمارة "أوسان"، وطفقوا يتدخلون في الشئون الداخلية لمملكة سبأ، وراحوا يتحزبون لفريق دون آخر؛ لتحقيق مطامعهم في شبه الجزيرة العربية. وتبلور الموقف بين الطرفين في حلفين: يضم الأول سبأ وريدان وحمير، والثاني: همدان، وحضرموت، والأحباش. والذي جعل حضرموت تنحاز إلى همدان كونها قد استولت على أكثر أراضي قتبان وأصبحت تخشى السبئيين والحميريين والريدانيين الذين أخذوا ينافسونها في الغنيمة التي حصلت عليها ويهددونها. لقد انتصر الهمدانيون في أول الأمر على خصومهم، غير أن هؤلاء ما لبثوا أن أحرزوا النصر الحاسم عليهم في النهاية. ويظهر أن نفوذ ريدان وحمير قد ازداد بسبب هذه الأحداث، فأصبح لهم نوع من الإشراف عليها بسبب دعمهم لها، فأصبحت تحمل صبغة سبئية -ريدانية- حميرية، وسمي ملكها باسم "ملك سبأ وذو ريدان" وغلب عليها اسم "الدولة الحميرية"١.

стр. 108

الدولة الحميرية مدخل ... الدولة الحميرية إن ثمة اتفاقًا في وجهة النظر بين المؤرخين على تقسيم الدولة الحميرية إلى دورين: الدور الأول: وكان لقب الملوك فيه "ملك سبأ وذو ريدان" كما ظهر في النقوش التي عثر عليها في أنقاضهم، والتي يستدل منها أن أول ظهور لهذا اللقب كان سنة ١١٥ ق. م. نتيجة ما ذكرت آنفا من حروب. غير أن هذا اللقب قد خضع لتطور جديد منذ عام ٣٠٠ ق. م. إذ أضيفت إليه أسماء بعض المناطق الأخرى، فأصبح "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت"، وفي فترة أخرى أضيف "يمنات وعربهم في الجبال وتهامة" ولذا جنح المؤرخون إلى جعل سنة ٣٠٠ م بدءًا لعهد جديد في الدولة الحميرية سموه: الدور الثاني، وقالوا: إن نهايته كانت سنة ٥٢٥ م الموافقة للاحتلال الحبشي

стр. 109

لليمن. وقد اتخذت الدولة الجديدة مدينة ريدان التي عرفت فيما بعد باسم "ظفار" عاصمة لها، وهي تقع على بعد مائة كيلومتر إلى الشمال الشرقي من "مخا" على الطريق الذي يصل بينها وبين صنعاء.

стр. 110

الدول الأول ... الدور الأول: "١١٥ ق. م - ٣٠٠ م": تمتعت الدولة في هذا الدور بالاستقرار والازدهار الاقتصادي, ففي الميدان الاقتصادي أفادت الدولة الحميرية من الضعف الذي بدأ يدب في دولة البطالمة في أواخر أيامها، لا سيما وأن قوتها قد أخذت في التلاشي أمام الضغط الذي لقيته من الدولة الرومانية التي ما لبثت أن تغلبت عليها، وانتزعت منها سورية ومصر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد. لكن الفرصة لم تتهيأ لها في بادئ الأمر للاستقرار والاهتمام بالنشاط التجاري، فانفتح المجال بذلك لعودة التجارة اليمنية إلى سلوك الطريق البري القديم إلى جانب الطريق البحري، فلعب الحميريون دورا مهمًا في هذا الميدان، وعادوا إلى فرض السيطرة العربية على النشاط التجاري بين الشرق والبحر الأبيض المتوسط عبر الطريقين البحري والبري، فجنوا الأرباح الطائلة وجمعوا الثروات الضخمة، وازدهرت دولتهم أيما ازدهار، إذ أنشئوا القصور الشامخة، وأبرزها قصر غمدان الذي ذكر الهمداني أنه بني على عشرين طابقًا، ووصفه وصفًا يظهر أنه مبالغ فيه، وبنوا المعابد الفخمة وتفننوا في تزيينها وتجميلها، وغرسوا الحدائق حولها, واستحالت بلادهم إلى جنان وارفة الظلال عامرة البنيان، كما اقتنوا أفخر الأثاث والرياش وتمتعوا بنعيم الحياة. وفي الميدان السياسي شعرت الدولة الحميرية في بسط سيطرتها على كافة أرجاء الجنوب اليمني، وامتد نفوذها إلى خارجها، إذ هاجر جماعة من اليمنيين إلى أرض كوش "الحبشة حاليا" لأغراض تجارية، وأنشئوا هناك مستعمرات، وكونوا جالية يمنية نشرت بين الأحباش ثقافة لم يكن بوسع هؤلاء أن ينشئوها، وتمكنت في القرن الأول قبل الميلاد من إقامة دولة سميت "دولة أكسوم" التي اتخذت الخط اليمني "المسند" لكتابة لغتها التي عرفت باسم "الجعزية". كما هاجرت قبائل يمنية أخرى، ومنها معافر على ما يعتقد، إلى الشاطئ الشرقي من إفريقيا، وانتشرت في مختلف جهاتها، وأنشأت فيها -وبخاصة في الصومال وفي جوار زنجبار- بعض المشيخات والحكومات.
следующие страницы →