← Общие книги

Общие книги · id 11085

تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (154 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأيضا، فإِن هذه الدعوة -بهذا الوضوح، وبهذا الانتماء المباشر للقرآن والسنة، وعقيدة السلف الصالح- لا تعد شيئاً جديداً، ولا مذهبية جديدة تنسب إِلى من دعا إِليها. كلا فما كان الأمر كذلك، وما زعم صاحب الدعوة ذلك، وإِنما كانت دعوته قوية واضحة، تدعو إِلى التمسك بالكتاب والسنة، وإِلى فهمهما في ضوء اللغة الواضحة، التي لا تجنح إِلى التأويل الباطل، أو الإِسقاط الفكري، ولو كان الرجل صاحب مذهب جديد لأعلن أنه ابتكر مذهبا جديدا، على عادة البشر، لكنّ الرجل في كل كتاباته وحواراته، كان يعلن أنه متبع لا مبتدع، وأنه يسعى لعودة الناس إِلى ما كان عليه الرسول ﷺ وصاحبته -رضوان الله عليهم- من فقه واضح فطري للعقيدة والشريعة دون تعقيد فلسفي، أو تركيب عقلي تأويلي، وكان يلح على أنه يدعو إِلى ما دعا إِليه السلف من الصحابه والتابعين، ومن سار على منهجهم، ممن تقيد بالكتاب والسنة، عقيدة وسلوكا، من أمثال أئمة المذاهب: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومن أمثال الأئمة المجاهدين للباطنية، والمؤولة المحرفة، من أمثال شيخ الإِسلام الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، رحم الله الجميع، وأجزل لهم المثوبة على جهادهم. وليس من الموضوعية أن يتقول بعض المتقولين على دعوة الشيخ ما لم

стр. 37

يقله صاحبها، كما أنه ليس من الموضوعية رد كلامه ودعوته، والحكم عليه، انطلاقا من الشائعات التي يروجها أعداء الإِسلام، الخائفون من عودة المسلمين إِلى منابع شريعتهم الأصلية، ورسالتهم الصافية النقية، التي مكنتهم في الأرض قرونا كثيرة، وهي صالحة لتمكينهم في أي وقت يعودون فيه إِليها، ويلتزمون بها، ويبلغونها للناس، كما أنزلها الله على خاتم الأنبياء محمد ﵊ وكما نشرها في العالم أصحابه، وتابعوهم، رضوان الله عليهم.

стр. 38

وسائل الشيخ في الدعوة إلى التوحيد سلك الشيخ ﵀ في دعوته إِلى التوحيد سبلا، ووسائل، يمكن تناولها من خلال الإِشارة إِلى: ١- كتبه. ٢- رسائله. أولا: كتبه، والدعوة إلى التوحيد: كانت الكتابة في بيان حقيقة التوحيد، وبيان حقيقة الإِيمان، ومن ثم بيان خطورة الانحراف عن التوحيد، والوقوع في الشرك، كانت الكتابة في ذلك تمثل أكبر قدر من اهتمامات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى تعم الفائدة، ويستطيع كل راغب وطالب، الوقوف على حقيقة ما يدعو إِليه، إِن لم يكن ممن صحبه، أو التقاه. وسنتناول فيما يلي -بإِيجاز- أهم ما كتبه الشيخ في هذا الشأن: ١- كتاب التوحيد١: وهو من أعظم ما ألفه في بيان حقيقة توحيد العبادة، وبيان ما ينافيه، أو ينافي كماله، وقد جعله على أبواب، بلغت ستة وستين بابا، كل باب يشتمل على العنوان، والترجمة المتضمنة للحكم، ثم

стр. 39

الاستدلال على ذلك من الكتاب والسنة، وتذييل كل باب بمسائل عظيمة تستفاد منه. ٢- كشف الشبهات١: وفيه يعرض الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكثير من الشبه التي أثيرت حول توحيد العبادة، ويرد على أصحاب هذه الشبه من خلال الأدلة من الكتاب والسنة، مثل استدلال بعضهم على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا، بأن الناس يستغيثون يوم القيامة بالأنبياء، وكقول البعض: إِن إِبراهيم ﵇ لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إِبراهيم: أما إِليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إِبراهيم، ﵇. ويبطل ﵀ الشبهة الأولى، وهي الاستدلال باستغاثة الناس يوم القيامة بالأنبياء، فيقول: ((إِن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال -تعالى- في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص من الآية: ١٥] . ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إِلا الله.

стр. 40

إذا ثبت ذلك، فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف. وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك، ويسمع كلامك، فتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته. وأما بعد موته، فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟)) وأما شبهة استدلالهم بأن الاستغاثة لو كانت شركا لم يعرضها جبريل على إِبراهيم ﵇ فيردها ﵀ بأنها من جنس الشبهة الأولى؛ فإِن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلا محتاجا، فيعرض عليه أن يقرضه، أو أن يهبه شيئا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ، ويصبر إِلى أن يأتيه الله برزق، لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة، والشرك، لو كانوا يفقهون؟ ١. ٣- ثلاثة الأصول٢: وهو مؤلف صغير الحجم، كبير القيمة، يشتمل على أصول

стр. 41

ثلاثة، يجب على كل مسلم ومسلمة، تعلمها، والعمل بها؛ لأنها التي يسأل عنها حين يدفن، وهي: أ- معرفة الله وتوحيده. ب- معرفة الإِسلام، والتمسك به. ج- معرفة رسول الإِسلام محمد ﷺ والاقتداء به. ٤- القواعد الأربع١: وهي من مؤلفات الشيخ التي قرر بها توحيد العبادة، وأنه لا يكون خالصا إِلا بنفي الشرك. ٥- أصول الإِيمان٢: وقد اشتمل على اثني عشر أصلا، لا يتم إِيمان المرء إِلا بالإيمان بها، من مثل معرفة الله، والإِيمان به، والإِيمان بالملائكة، وبالقرآن، وبسائر كتب الله، والتحذير من البدع، ومثل الإِيمان بالقدر. ٦- كتاب مفيد المستفيد، في كفر تارك التوحيد٣: وهذا الكتاب ألفه الشيخ لما ارتاب بعض من يدعي العلم من أهل العيينة، ولما تراجع عن التوحيد الصحيح بعض أهل حريملاء، إِذ طلب من الشيخ أن يكتب كلاما ينفع الله به، فكان هذا الكتاب، الذي بين

стр. 42

فيه نوا قض التوحيد، مقتبسا، ومؤكدا كلامه بأقوال أهل العلم من أمثال: ابن تيمية، وابن القيم. ثانيا: رسائله، والدعوة إلى التوحيد: وهذه الرسائل تنقسم قسمين: أ- رسائل مؤلفة عامة. ب- رسائل شخصية. أ- الرسائل العامة: وهي مجموعة رسائل في التوحيد والإِيمان، بلغ عددها ثلاث عشرة رسالة، وهي: ١- مسائل الجاهلية١ وفيها ذكر الشيخ مائة وعشرين مسألة، خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية، من الكتابيين، والأميين. ٢- شرح ستة مواضع من السيرة٢: وفيها يقول: ((تأمل -رحمك الله- ستة مواضع من السيرة، وأفهمها فهما حسنا، لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء؛ لتتبعه، ودين المشركين؛ لتتركه؛ فإِن أكثر من يدّعي الدين، ويدعي من الموحدين لا يفهم الستة، كما ينبغي)) ٣.

стр. 43

٣- تفسير كلمة التوحيد١: أي بيان معنى: (لا إِله إِلا الله) . وقد بين فيها ﵀ أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفرِ والإِسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وأنها تتضمن نفيا وإِثباتا: نفي الإِلهية عما سوى الله -تعالى- من المرسلين حتى محمد ﷺ ومن الملائكة حتى جبريل، فضلا عن غيرهما من الأنبياء والصالحين، وإِثباتها لله . ٤- تلقين أصول العقيدة للعامة٢: وذلك ببيان معرفة الله، وتوحيده، ومعرفة أصل الإِسلام وقاعدته، ومعرفة النبي ﷺ والبعث بعد الموت، وبيان أصل الإِيمان، من إِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. ٥- ثلاث مسائل٣: وهذه المسائل يقول عنها الشيخ ﵀: ((اعلم -رحمك الله تعالى- أنه واجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن الله خلقنا، ولم يخلقنا عبثا، ولم يتركنا هملا، بل أرسل إِلينا رسولا، ومعه كتاب، من أطاعه فهو في الجنة، ومن عصاه فهو في النار

стр. 44

المسألة الثانية: أن أعظم ما جاء به هذا الرسول أن لا يشرك مع الله في عبادته أحد المسألة الثالثة: أن من وحد الله تعالى، وعبد الله تعالى، لا يجوز له موالاة ﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة من الآية: ٢٢] )) ١. ٦- معنى الطاغوت، ورؤوس أنواعه٢. وقد بين فيها ﵀ معنى الطاغوت، وأنه كل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، ثم ذكر ﵀ أن رؤوس الطواغيت خمسة: أولها: الشيطان الداعي إِلى عبادة غير الله، تعالى. الثاني: الحاكم الجائر، المغير لأحكام الله، تعالى. الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله. الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله. الخامس: الذي يُعْبَدُ من دون الله، وهو راضٍ بالعبادة. ٧- الأصل الجامع لعبادة الله وحده٣. ٨- بعض فوائد سورة الفاتحة -فيما يتعلق بالعقيدة-٤.

стр. 45

٩- نواقض الإِسلام١. ١٠- مسائل مستنبطة من قول الله -تعالى-: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] ٢. ١١- ثماني حالات٣ استنبطها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قول الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس الآيات: ١٠٤-١٠٦] . ١٢- ستة أصول عظيمة مفيدة٤. ١٣- رسالة في توحيد العبادة٥. ب- الرسائل الشخصية: وهذه الرسائل يمكن تقسيمها من الناحية المنهجية أربعة أقسام: القسم الأول: بيان عقيدة الشيخ:

стр. 46

وهي ست عشرة رسالة، أرسلها الشيخ إِلى الأمراء، والعلماء، وإِلى عموم الناس، يبين فيها حقيقة الدعوة التي يدعو إِليها، كما تضمنت الإجابة عن أمور سئل عنها في العقيدة، أو توضيح أمور، رأى أن من واجب معرفتها؛ لكونها تمس جانب العقيدة الذي يمثل أساس الإِسلام. وهذه الرسائل كما يلي: ١- رسالة الشيخ إِلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته: وفيها يقول: ((إِني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة، من الإِيمان بالله، وملائكته، ورسله، والبعث بعد الموت)) ١ وسبق ذكرها. ٢- رسالة الشيخ إِلى محمد بن عباد مطوع ثرمداء: وكان قد أرسل إِليه محمد بن عباد كتابا في تقرير التوحيد وغيره، وطلب من الشيخ أن يبين له إِن كان فيه شيء، يحتاج إِلى تنبيه. وفيها يقول: ((من محمد بن عبد الوهاب، إِلى الأخ محمد بن عباد، وفقه الله لما يحبه، ويرضاه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: وصلنا أوراق في التوحيد، بها كلام من أحسن الكلام -وفقك الله للصواب- وتذكر فيه أن ودك نبين لك إِن كان فيها شيء غاترك،

стр. 47

فاعلم -أرشدك الله- أن فيها مسائل غلط: الأولى: قولك: أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود، ثم معرفة العقيدة، ثم علم التوحيد. وهذا خطأ، وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه، وإِنما الذي أتت به الرسل: أول واجب هو التوحيد، ليس النظر في الوجود، ولا معرفة العقيدة، كما ذكرت أنت)) ١. ٣- رسالة إِلى محمد بن عيد من مطاوعة ثرمداء: وفيها يرد الشيخ على استفسارات محمد بن عيد في مسائل العقيدة، التي يطلب بيان ما فيها من حق وصواب أو خطأ، فبعد أن يستعرض الشيخ كلامه، يقول: ((وما قررتم هو الصواب الذي يجب على كل مسلم اعتقاده، والتزامه، ولكن قبل الكلام، اعلم أني عرفت بأربع مسائل: الأولى: بيان التوحيد الثانية بيان الشرك إلخ)) ٢. ٤- رسالة أرسلها إلى فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام: وهي رسالة يجيب فيها الشيخ عما نسب إِليه من كذب وبهتان، من لمز الشيخ في عقيدته لما نهى عن دعاء غير الله من أنبياء، وصالحين، وأولياء٣.

стр. 48

٥- رسالة إِلى (السويدي) من علماء العراق: وكان قد أرسل للشيخ كتابا يسأله عما يقول الناس فيه، فأجاب: ((وأخبرك أني -ولله الحمد- متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم إِلى يوم القيامة)) ١. ٦- رسالة إِلى العلماء في بلد الله الحرام: وفيها يبين الشيخ أنه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، وأن ما قام به من هدم البنيان على القبور، مما دعا إِليه رسول الله ﷺ وليس هذا تنقيصا في حق الصالحين، وأن هذا الذي دعا إِليه، قال به الأئمة الأعلام، ويوجد في كتبهم، فيقول ﵀: ((فنحن -ولله الحمد- متبعون غير مبتدعين، على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، ومن البهتان الذي أشاع الأعداء، أني أدعي الاجتهاد، ولا أتبع الأئمة)) ، إِلى أن قال: ((وتعلمون -أعزكم الله- أن المطاع في كثير من البلدان لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك، فِإن كان الأمر كذلك، فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله، مثل (الإِقناع) ، و (غاية المنتهى) وكتاب (الإِنصاف) الذي عليه اعتماد المتأخرين، وهو عند

стр. 49

٥- رسالة إِلى (السويدي) من علماء العراق: وكان قد أرسل للشيخ كتابا يسأله عما يقول الناس فيه، فأجاب: ((وأخبرك أني -ولله الحمد- متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم إِلى يوم القيامة)) ١. ٦- رسالة إِلى العلماء في بلد الله الحرام: وفيها يبين الشيخ أنه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، وأن ما قام به من هدم البنيان على القبور، مما دعا إِليه رسول الله ﷺ وليس هذا تنقيصا في حق الصالحين، وأن هذا الذي دعا إِليه، قال به الأئمة الأعلام، ويوجد في كتبهم، فيقول ﵀: ((فنحن -ولله الحمد- متبعون غير مبتدعين، على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، ومن البهتان الذي أشاع الأعداء، أني أدعي الاجتهاد، ولا أتبع الأئمة)) ، إِلى أن قال: ((وتعلمون -أعزكم الله- أن المطاع في كثير من البلدان لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك، فِإن كان الأمر كذلك، فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله، مثل (الإِقناع) ، و (غاية المنتهى) وكتاب (الإِنصاف) الذي عليه اعتماد المتأخرين، وهو عند

стр. 50

٩- رسالة إلى عموم المسلمين: وفيها يبين رده لأسلوب التكفير، ويضع ضوابط للتكفير١. ١٠- رسالة إلى الشيخ حمد التويجري: وكان قد أرسل إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة يذكر فيها كلاما لأحد المنتسبين لمذهب الإمام أحمد، راجيا التعليق عليه، ببيان ما فيه من خطأ أو صواب. يقول الشيخ في رسالته: ((وصاحبها ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد، ﵀، وما تضمنته رسالته من الكلام في الصفات، مخالف لعقيدة الإمام أحمد، وما تضمنته من الشبه الباطلة في تهوين أمر الشرك، بل في إباحته، فمن أبين الأمور بطلانه)) ٢. ١١- رسالة إلى عبد الله سحيم مطوع من أهل المجمعة: وذلك لما سأله عن الكتاب الذي أرسله عدو الله سليمان بن محمد بن سحيم مطوع من أهل الرياض، إلى أهل البصرة، والأحساء، يشنع فيه على الشيخ بالكذب، والبهتان، والزور، والباطل الذي ما جرى، وما كان قصده بذلك إلا الاستنصار بكلامهم على إبطال ما أظهره الشيخ من بيان التوحيد، وإخلاص الدعوه لله، وهدم أركان الشرك.

стр. 51

وقد اشتملت الرسالة على بيان ما في كلام ابن سحيم من حق وباطل، وبيان عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تتفق وعقيدة الأئمة الأربعة١. ١٢- رسالة أيضا إِلى عموم المسلمين: وهي رسالة مكملة للرسالة السابقة، يبين فيها ما في كلام سليمان بن سحيم من الكفر الصريح، وسب دين الإِسلام٢. ١٣- رسالة إِلى أحمد البكيلي صاحب اليمن: وفيها يبين حقيقة الدعوة التي يدعو الناس إِليها، وأنه ما دعا إِلا للإِسلام والتوحيد، وما نهى الناس إِلا عن الشرك٣. ١٤- رسالة إِلى إِسماعيل الجراعي صاحب اليمن: وفيها بيان وردّ للشبه التي أثيرت حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم بيان حقيقة دعوته، إِذ يقول: ((فاعلم -رحمك الله- أن الذي ندين به، وندعو الناس إِليه، إِفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل)) ٤. ١٥- رسالة إِلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني:

стр. 52

وقد اشتملت على بيان حقيقة دعوة الشيخ إلى التوحيد، وقد ابتدأها بقوله: ((الذي ندين به عبادة الله وحدة لا شريك له، والكفر بعبادة غيرة، ومتابعة الرسول النبي الأمي)) ١. ١٦- وقيل إنه بعث رسالة إلى أهل المغرب: وفيها بيان حقيقة الدعوة، وما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الاتباع للنبي ﷺ وترك البدع والتفرق والاختلاف، وأن مما عمت به البلوى صرف الناس أنواعا من العبادة لغير الله، كالتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله٢. القسم الثاني: بيان أنواع التوحيد: كثيرا ما يقع الشرك؛ لعدم التفرقة بين نوعي التوحيد، أو الفهم الخاطئ لمتطلبات كل نوع، فقد يكون الفرد مقرا بتوحيد الربوبية -من حيث تفرد الله بالخلق والتدبير- لكنه لا يدخل في الإسلام؛ لأن الذي يدخل الرجل في الإسلام إنما هو توحيد الإلهية، وهو ألا يعبد إلا الله. ومن هنا كان اهتمام الشيخ ﵀ ببيان حقيقة كل نوع، وكان هذا واضحا في رسائله التالية:

стр. 53

١- رسالة إِلى سائل يدعى حسنا١. ٢- رسالة إِلى كل من محمد بن عبيد، وعبد القادر العديلي وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي، وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل، وصالح بن عبد الله٢. ٣- رسالة إِلى عبد الله بن سحيم٣. ٤- رسالة إِلى محمد بن سلطان٤. ٥- رسالة إِلى عموم المسلمين٥. وهذه الرسائل تتحدث في جملتها عن التوحيد بنوعيه، وبيان كيف وقع الناس في الشرك. فهو -على سبيل المثال- يقول في رسالته إِلى محمد بن سلطان: ((واعلم -أرشدك الله- أن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب لمسألة واحدة، هي: توحيد الله وحده، والكفر بالطاغوت وهذا يتبين بأمرين عظيمين: الأول: توحيد الربوبية: وهو الشهادة بأنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمور إِلا هو، وهذا حق.

стр. 54

الأمر الثاني: وهو توحيد الإِلهية: وهو أنه لا يسجد إِلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا يعبد بجميع العبادات إِلا الله، وحده لا شريك له)) ١. القسم الثالث: بيان معنى (لا إله إلا الله) وما يناقضها: وقد اتضح ذلك في رسائله التالية: ١- رسالته إلى ثنيان بن سعود٢. ٢- رسالته إِلى عبد الرحمن بن ربيعة، مطوع أهل ثادق٣. ٣- رسالة لم يتضح من أرسلت إِليه٤. ٤- رسالة إِلى علماء الإِسلام٥. ٥- رسالة إِلى عموم المسلمين٦. ٦- رسالة إِلى أهل الرياض ومنفوحة، وإِلى عبد الله عيسى قاضي الدرعية٧. ٧- رسالة إِلى بعض البلدان (عموم المسلمين) ٨.

стр. 55

والذي يجمع بين هذه الرسائل بيان معنى: (لا إِله إِلا الله) ، فمثلا يقول في رسالته إِلى ثنيان بن سعود: ((سألتم عن معنى قوله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمّد من الآية: ١٩] ، وكونها نزلت بعد الهجرة، فهذا مصداق كلامي لكم مراراَ عديدة، أن الفهم الذي يقع في القلب غير فهم اللسان، وذلك أن هذه المسألة من أكثر ما يكون تكراراَ عليكم، وهي التي بوب لها الباب الثاني في كتاب التوحيد)) ١. القسم الرابع: بيان الأشياء التي يكفر مرتكبها، ويجب قتاله: إِن قضية تكفير المسلم من أدق القضايا، وأخطرها، كيف لا؟ والمرء يخرج من دائرة الإِسلام إِلى دائرة الكفر، ويصبح مرتدا، هذا إِن صدق الحكم فيه، وإِلا ردت تهمة الكفر إِلى قائلها، إِن لم تصدق على من قِيلت له؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن القول بالكفر إِلا بعد التيقن. ولهذا اهتم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ببيان هذه القضية من خلال رسائله التالية: ١- رسالة إِلى أحمد بن إِبراهيم، مطوع من بلدان الوشم: وكان قد سأل الشيخ عن مسألة التكفير، فأجابه في هذه الرسالة، مع ذكر ضوابط لهذه المسألة٢.

стр. 56

٢- رساله إِلى محمد بن فارس: وفيها تناول كلام العلماء في مسألة التكفير، ثم ختم الرسالة ببيان نواقض الإِسلام العشرة١. ٣- رسالة إلى أحمد بن عبد الكريم: وهي جواب من الشيخ عن قضايا أشكلت على أحمد بن عبد الكريم في مسألة التكفير، طالبا من الشيخ توضيحها وبيانها٢. ٤- رسالة إلى سليمان بن سحيم: وكان سليمان بن سحيم قد كتب كتابا شنع فيه على الشيخ، وقد أرسل له الشيخ، وتلطف معه، لعل الله يهديه، ولما تبين للشيخ أنه معاند للحق والإيمان، ومن أعوان أهل الشرك والطغيان، كتب له هذه الرسالة، ثم ذكروا أمورا قد أخرجته من دائرة الإسلام٣. ٥- رسالة إِلى مطاوعة أهل الدرعية (عبد الله بن عيسى، وابنه عبد الوهاب، وعبد الله بن عبد الرحمن) : وفيها جواب الشيخ على ما أشكل عليهم من مسائل التكفير، يقول الشيخ في صدر رسالته: ((فقد ذكر لي أحمد أنه مشكل عليكم الفتيا بكفر هؤلاء

стр. 57

الطواغيت، مثل أولاد شمسان، وأولاد إِدريس، والذين يعبدونهم، مثل طالب وأمثاله)) ١. ٦- رسالة إِلى بعض أخوانه٢.

стр. 58

موقفه من قضية التكفير كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حريصا على هداية مخالفيه، وإِسداء النصح لهم١ وكثرة رسائله تدل على ذلك، ومن كان بهذا الوصف، كيف يشغل نفسه بتكفير مخالفيه، أو غيرهم بأقل ذنب، كما رماه مخالفوه؟، بل إِنه أعلن رأيه في أكثر من رسالة في هذه القضية بما لا يدع مجالا لمتأول، وفيما يلي مقتطفات من كلامه، لتأكيد ذلك: يقول الشيخ، ﵀: ((ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام)) ٢. ويقول أيضا: ((وقولكم: إننا نكفر المسلمين؛ كيف تفعلون كذا؟! كيف تفعلون كذا؟!، فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين)) ٣. وأيضا: ((ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إِلا من اتبعني، وأزعم أن

стр. 59

أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! هل يقول هذا مسلم، أو كافر، أو عارف، أو مجنون؟!)) ١. ويقول أيضا: ((أما القول: إنا نكفر بالعموم، فذلك من بهتان الأعداء، الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ١٦] ٢. وقد بين الشيخ ﵀ أمورا لا بد من مراعاتها في مسألة الحكم على إِنسان بالكفر، ومنها: ١- أن نأخذ الناس بالظاهر، ونكل باطنهم إِلى الله، وهذا ما صرح به في رسالته إِلى أهل القصيم، حيث يقول: ((وأحكم عليهم -أي أهل البدع- بالظاهر، وأكل سرائرهم إِلى الله)) ٣. ٢- ألا يحكم على الناس بالظن، وبمجرد الموالاة. ٣- أن يعذر المرء بجهله. ٤- لا بد من إِقامة الحجة والبرهان. وعن هذه الأمور، يقول في رسالته إِلى محمد بن عيد: وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل

стр. 60

الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله، ورسوله)) ١. أما عن أعظم نواقض الإِسلام التي يحكم على صاحبها بالكفر، فقد ذكرها في رسالته إِلى محمد بن فارس، فقال: ((اعلم أن من أعظم نواقض الإِسلام عشرة: الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله -تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النّساء من الآية: ٤٨، ١١٦] . ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو القباب. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، كفر إِجماعا. الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شكّ في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إِجماعا. الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر، وإِن عمل به. الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر، والدليل قوله تعالى:

стр. 61

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمّد: ٩] . السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه، كفر، والدليل قوله -تعالى-: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية: ٦٥-٦٦] . السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله، أو رضي به كفر، والدليل قوله -تعالى-: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة من الآية١٠٢] . الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة من الآية: ٥١] . التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ وأنه يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵇ فهو كافر. العاشر: الإِعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى:

стр. 62

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السّجدة: ٢٢] . ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إِلا المكره)) ١. إن تناول هذه القضية بهذا التحديد الدقيق ليغلق الباب أمام ادعاءات أهل الأهواء بأن الشيخ ﵀ كان يتساهل في تكفير المسلم. والشيخ قد اتّهم بذلك في حياته، وفي أثناء قيامه بالدعوة، وكان رده واضحا -كما تبين مما اقتطفناه من رسائله- حتى لا يدع فرصة للمغرضين في صد الناس عن اتباع الحق٢. ﵀ رحمة واسعة.

стр. 63

ثوابت في دعوة الشيخ إلى التوحيد وفيما يلي نشير بإِيجاز إِلى بعض الثوابت في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما يرجع إلى الأساس الذي قامت عليه، وهو التوحيد: ١- معرفة التوحيد أول واجب على العبد: والتوحيد، هو إِفراد الله -تعالى- بالعبادة، والعبادة هي تمام الحب، مع تمام الخضوع لله وهي الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة التي يتعبد الإِنسان بها ربه، ولا يجوز أن يشرك العبد فيها أحدا مع الله، وإلا لم يقبل الله منه عملا على الإطلاق. وكل من ظن أن التوحيد، هو اعتقاد أن الله هو الخالق وحده، وهو المدبر وحده، ولكنه -مع ذلك- يتوجه في عبادته لأحد آخر مع الله، فهو مشرك شركا أكبر، وهو بفعله هذا يزعم أن الألوهية ثابتة لغير الله، وهذا ما ينافي معنى كَلمة: (لا إِله إِلا الله) ، أي: لا معبود بحق إِلا الله، أو لا معبود حق إِلا الله. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ((واعلم أن التوحيد، هو إِفراد الله -سبحانه- بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إِلى عباده، فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إِلى قومه لما غلوا في الصالحين وَآخر الرسل محمد

стр. 64

ـ ﷺ وهو الذي كسر صور الصالحين ١. ويقول عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . وأما قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالله: عَلَم على ربنا ﵎ ومعناه: الإِله، أي المعبود؛ لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام من الآية: ٣] ، أي: المعبود في السماوات، وفي الأرض إِذا عرفت أن معنى الله، هو الإِله، وعرفت أن الإِله هو المعبود، ثم دعوت الله، أو ذبحت له، أو نذرت له، فقد عرفت أنه الله، فإِن دعوت مخلوقا طيبا أو خبيثا، أو ذبحت له، أو نذرت له، فقد زعمت أنه هو الله)) ٢. فلما كان كل ما يجب على العبد نحو ربه ومعبوده -وهو الله- عبادة، والعبادةُ لا تكون إِلا لله، دلّ ذلك على أن معرفة التوحيد أول واجب على العبد؛ لأن عليه مدار الأعمال، قال تعالى:: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمّد من الآية: ١٩] . ٢- لا توحيد إلا بنفي وإثبات: لا يكفي في إِثبات التوحيد نفي العبد لألوهية غير الله، بل يجب أن تقوم حقيقتها الإِثباتية في القلب عقيدة، وفي الجوارح سلوكا. وكلمة التوحيد ليس معناها: أن تعتقد إِلهية الله فقط، ولكن

стр. 65

معناها: أن تنفي خصائص الألوهية عن كل ما سوى الله، وتتوجه لإثباتها لله بالقلب والجوارح. فهي عملية متكاملة: نفي الألوهية عن غيره -سبحانه- وإِثباتها له قولا وعملا. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن معنى كلمة: لا إِله إِلا الله فقال: (اعلم أن هذه الكلمة نفي، وإِثبات: نفي الألوهية عما سوى الله -تعالى- من المخلوقات، حتى محمد ﷺ حتى جبريل، فضلا عن غيرهما من الأولياء، والصالحين) ١. وقال في تفسير قول الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [آل عمران من الآية: ٦٤] . فقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ وفيه معنى: (لا إِله) ، وهو نفي العبادة عما سوى الله، وقوله: ﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ ، هو المستثنى في كلمة الإِخلاص، فأمره -تعالى- أن يدعوهم إِلى قصر العبادة عليه وحده، ونفيها عما سواه)) ٢. ويعلق الشيخ محمد بن عبد الوهاب على حديث النبي ﷺ : " من

стр. 66

قال: لا إِله إِلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله "١.قائلا: ((وهذا من أعظم ما يبين معنى: (لا إِله إِلا الله) ، فإِنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل، ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإِقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إِلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله، ودمه حتى يضيف إِلى ذلك: الكفر بما يعبد من دون الله، فإِن شكّ، أو توقف لم يحرم ماله، ودمه)) ٢. وهذا المعنى الذي قصد الشيخ إِلى توثيقه وتأكيده، مبثوث في آيات كثيرة، مثل قول الله -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة من الآية: ٢٥٦] . وقوله -تعالى-: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النّساء من الآية٦٠] . ٣- الإقرار بتوحيد الربوبية فقط، لا يحرم الدم والمال: يعد هذا من الأمور العظيمة في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

стр. 67

ومضمونه: أن التوحيد الذي جاء به الرسل ليس مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، فلو أن إنسانا أقر بأن الله وحده خالق كل شيء، وأقر بما يستحقه من صفات الكمال، ونزهه عن كل ما ينَزه عنه نفسه لم يكن موحدا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، فيقر بأن الله هو الإِله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له١.وقد أكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على تقرير هذا في مواضع كثيرة من مؤلفاته، ومسائله، ورسائله الخاصة والعامة. ففي رسالته (القواعد الأربع) ذكر القاعدة الأولى، وهي: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا مقرّين لله بتوحيد الربوبية، وأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبر لجميع الأمور، ولم يدخلهم ذلك في الإِسلام، والدليل قوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] . وقد أشار الشيخ محمد ﵀ إِلى هذا إِشارات كثيرة٢؛ لأنه ينبني عليه أمور كثيرة، مثل: القتال، والتكفير، والهجرة،

стр. 68

والمعاداة لكل من أقر بتوحيد الربوبية، إلا أنه صرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله، من نبي، أو ملك، أو ولي، أو قبر، أو قبة، أو جماد. وبهذا يضع الشيخ محمد حدا لهذه الفوضى التي عمت كثيرا من المسلمين، فاختلط لديهم الحابل بالنابل، وصار التوحيد أثرا بعد عين، ومذهبا من مذاهب الفروع، كغيره من المذاهب الفقهية، أو من بعض المذاهب الكلامية التي سمحت لنفسها أن يجد فيها الفرد بحبوحة الاختيار، وليس عقيدة يلتزم بها بالليل والنهار. ٤- لا حقيقة للتوحيد بدون تحقق سبعة شروط لكلمة: (لا إِله إِلا الله) حتى ينتفع بها قائلها، وتكون سببا لدخوله الجنة، والنجاة من النار، ولولا هذه الشروط لكان قولها سهلا على كثير ممن أصروا على الكفر، ولم يكن هناك داع لصبر الفئة المستضعفة الأولى من المسلمين على العذاب الشديد الذي كانوا يتعرضون له، ويتجرعون مرارته، ولولا هذه الشروط لما كان هناك مؤمن ومنافق، ولتساوى الفريقان. وحول هذه الشروط بالذات ظهرت بعض الاستشكالات؛ لأن من النصوص ما يصرح بأن كل من قال: (لا إِله إِلا الله) ، دخل الجنة، بصرف النظر عن أقواله وأفعاله، وقد غفل كثير من العلماء ناهيك

стр. 69

عن العوام عن أن كلمة التوحيد مقتضية لدخول الجنة، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتقاء موانعه١. وهذه الشروط سبعة، هي: العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك، والقبول المنافي للرد، والانقياد المنافي للترك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية لضدها٢. فليس كل من علم معنى كلمة التوحيد استيقنها قلبه، وليس كل من استيقنها قبلها، وليس كل من قبلها انقاد لها، وليس كل من انقاد لها كان مخلصا في هذا الانقياد، وليس كل من أخلص فترة دام معه هذا الإخلاص، وصدق، وصبر على مقتضيات شهادة التوحيد، وليس كل من صبر على هذه المقتضيات بلغ معه الصبر إلى أن يحبها، ويتحمل فداءها بنفسه، ووالده، وولده، والناس أجمعين. وهذه الشروط -كما هو الظاهر- يتعلق بعضها بالقلب، ويتعلق بعضها باللسان، وبعضها بالجوارح، وهي في مجموعها تمثل التوحيد الواجب الذي يدخل به العبد الجنة، وينجو به من النار.

стр. 70

٥ - مقتضى العلم العمل به: وهذا هو جوهر المنهج التربوي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل إنه يعتبره الصراط المستقيم الذي أمرنا الله أن نستهديه إليه في اليوم سبع عشرة مرة، على الأقل، وهو المميز لأمه الإسلام عن غيرها من الأمم. يقول الشيخ محمد ﵀ في تفسيره لسورة الفاتحة: ((وأما قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة من الآية: ٧] ؛ فالمغضوب عليهم: هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثانى صفة النصارى)) ١. ٦- وجوب اتباع الدليل النقلي الثابت: وهذا فيه تشنيع على التقليد الأعمى الذي لف بظلامه عقول غالب الأمة الإسلامية وقتئذ، ولم ينج منهم إلا من طرق باب الاجتهاد على استحياء؛ لما يجد لدى العامة الدهماء من تنقص، وربما اتهام بالفسق، والبدعة لكل من تسول له نفسه أن يرد قول إمام من الأئمة السابقين لمخالفته للحديث النبوي الصحيح. ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن كل من تعمد المخالفة للدليل

стр. 71

النقلى الثابت، واعتقد أن الصواب في قوله إمامه، أو في قول غيره مع مخالفته للدليل الثابت، قد وقع في الشرك، وأنه صير إمامه ربا من دون الله، ويبين الشيخ المنهج السليم في حالة وجود الدليل النقلى، ووجود الأقوال البشرية المخالفة، فيقول: ((ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم، وإنما الشأن إذا اختلفوا، هل يجب عليّ أن أقبل الحق ممن جاء به، وأرد المسألة إلى الله، والرسول، مقتديا بأهل العلم، أو انتحل بعضهم من غير حجة، وأزعم أن الصواب في قوله؟ فأنتم على هذا الثاني، وهو الذي ذمه الله، وسماه شركا، وهو اتخاذ العلماء أربابا، وأنا على الأول أدعو إليه، وأناظر عليه)) ١. ولما كان موقف الحنابلة من هذا أكثر تفصيلا من غيره، فقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن بيان موقف الأتباع فيما لو وجدوا روايتين عن الإمام أحمد مختلفتين، أو أقوالا للأصحاب مختلفة، وكل يدلي بدليل، فهل يجوز العمل بكل منهما؟ فكان جوابه مؤكدا لما سبق: ((إذا اختلف كلام أحمد وكلام أصحابه، فنقول في محل النّزاع: التراد إلى الله ورسوله، لا إلى كلام أحمد، ولا إلى كلام أصحابه، وقولك: إذا استدل كل منهما بدليل، فالدلائل الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضا،

стр. 72

لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل: إما استدل بحديث لا يصح، وإِما فهم من كلمة صحيحة مفهوما مخطئا)) ١. ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ((إذا صح لنا نص جلي من كتاب، أو سنة، غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الثلاثة أخذنا به، وتركنا المذهب)) ٢. وإذا كان الأمر كذلك، فإِن الشرك أصرح، وآكد فيمن ترك النقل الصحيح إِلى العقل، زاعما أن عقله المحدود الرؤية أولى من النقل -الوحي- الذي يتنزل به الروحِ الأمين من لدن العليم الخبير، الذي يعلم من خلق ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً. فعبادة العقل لون من عبادة الهوى، وتغليبه محض شك في الله، وافتراء عليه، فلو كان لدى العقل القدرة على علم ما وراء الحياة والكون لما أنزل الله كتبه، ولا أرسل رسله، ولحاسبنا وفق الطاقة العقلية، لكنه -سبحانه- أرسل الرسل، وجعل مدار الحساب وفق ما أنزله عليهم؛ لأن طاقة العقل لا تتحمل -بدون الاسترشاد بالوحي- هذا العبء الكبير، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء من الآية: ١٥] .

стр. 73

فعبادة العقل، والاستغناء به عن الوحي شرك يدخل في تفضيل رأي البشر على النقل كتابا وسنة. ٧- التكفير والقتال لكل من خالف التوحيد: وهذا الأمر هو الذي أثار الناس، وألبهم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ وذلك لأسباب كثيرة، لعل من أعظمها أن الدولة العثمانية كانت قد أشعات جوا من الرفض لهذه الدعوة، بحجة الخروج عليها، وتنفيذ الأحكام دونها. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: ((من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية: ٦٥-٦٦] . ويقول: ((من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر إجماعا)) ١. ويقول أيضاً: ((من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعاً)) ٢. هذا، وليس التكفير في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمرا

стр. 74

عادياً، يلقى هكذا بدون فهم، أو حدود، أو قيود كلا، فلا بد من قيام الحجة أولا. يقول الشيخ: ((وإِنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك)) ١. ومن عرف أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه، وسعى في تنفير الناس عنه، أو سعى في قتال من دعا إِليه، وكل من عرف الشرك، ثم زيّنه للناس أو مدحه، فهؤلاء يجب قتالهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال من الآية: ٣٩] . والفتنة في هذه الآية الشرك٢.

стр. 75

الإتباع للسلف لقد كثرت الأقاويل حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فافترى عليه نفر من الناس، وخاضوا في الحديث عن دعوته بغير علم، وكأنه كان بدعا في تاريخ المصلحين، أتى لهم بمذهب جديد. والحق أن دعوته هي دعوة الإسلام، ومنهاجه الرشيد، نهجها الاتباع لا الابتداع، ترد الناس إلى الشريعة الإسلامية في مصدريها الأساسيين: القرآن، والسنة، وهي -مع ذلك- تقدر المذاهب الفقهية المعتبرة، والاجتهادات الفرعية المستندة على الدليل من الكتاب والسنة. يقول الشيخ محمد في رسالته إلى (السويدي) من علماء العراق: ((وأخبرك أني -ولله الحمد- متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم إلى يوم القيامة)) ١. وفي رسالته إلى علماء بلد الله الحرام يقول: ((فنحن -ولله الحمد- متبعون، غير مبتدعين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل)) ٢.
следующие страницы →