← Общие книги

Общие книги · id 11085

تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (154 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النقلى الثابت، واعتقد أن الصواب في قوله إمامه، أو في قول غيره مع مخالفته للدليل الثابت، قد وقع في الشرك، وأنه صير إمامه ربا من دون الله، ويبين الشيخ المنهج السليم في حالة وجود الدليل النقلى، ووجود الأقوال البشرية المخالفة، فيقول: ((ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم، وإنما الشأن إذا اختلفوا، هل يجب عليّ أن أقبل الحق ممن جاء به، وأرد المسألة إلى الله، والرسول، مقتديا بأهل العلم، أو انتحل بعضهم من غير حجة، وأزعم أن الصواب في قوله؟ فأنتم على هذا الثاني، وهو الذي ذمه الله، وسماه شركا، وهو اتخاذ العلماء أربابا، وأنا على الأول أدعو إليه، وأناظر عليه)) ١. ولما كان موقف الحنابلة من هذا أكثر تفصيلا من غيره، فقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن بيان موقف الأتباع فيما لو وجدوا روايتين عن الإمام أحمد مختلفتين، أو أقوالا للأصحاب مختلفة، وكل يدلي بدليل، فهل يجوز العمل بكل منهما؟ فكان جوابه مؤكدا لما سبق: ((إذا اختلف كلام أحمد وكلام أصحابه، فنقول في محل النّزاع: التراد إلى الله ورسوله، لا إلى كلام أحمد، ولا إلى كلام أصحابه، وقولك: إذا استدل كل منهما بدليل، فالدلائل الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضا،

стр. 72

لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل: إما استدل بحديث لا يصح، وإِما فهم من كلمة صحيحة مفهوما مخطئا)) ١. ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ((إذا صح لنا نص جلي من كتاب، أو سنة، غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الثلاثة أخذنا به، وتركنا المذهب)) ٢. وإذا كان الأمر كذلك، فإِن الشرك أصرح، وآكد فيمن ترك النقل الصحيح إِلى العقل، زاعما أن عقله المحدود الرؤية أولى من النقل -الوحي- الذي يتنزل به الروحِ الأمين من لدن العليم الخبير، الذي يعلم من خلق ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً. فعبادة العقل لون من عبادة الهوى، وتغليبه محض شك في الله، وافتراء عليه، فلو كان لدى العقل القدرة على علم ما وراء الحياة والكون لما أنزل الله كتبه، ولا أرسل رسله، ولحاسبنا وفق الطاقة العقلية، لكنه -سبحانه- أرسل الرسل، وجعل مدار الحساب وفق ما أنزله عليهم؛ لأن طاقة العقل لا تتحمل -بدون الاسترشاد بالوحي- هذا العبء الكبير، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء من الآية: ١٥] .

стр. 73

فعبادة العقل، والاستغناء به عن الوحي شرك يدخل في تفضيل رأي البشر على النقل كتابا وسنة. ٧- التكفير والقتال لكل من خالف التوحيد: وهذا الأمر هو الذي أثار الناس، وألبهم على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ وذلك لأسباب كثيرة، لعل من أعظمها أن الدولة العثمانية كانت قد أشعات جوا من الرفض لهذه الدعوة، بحجة الخروج عليها، وتنفيذ الأحكام دونها. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: ((من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية: ٦٥-٦٦] . ويقول: ((من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر إجماعا)) ١. ويقول أيضاً: ((من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعاً)) ٢. هذا، وليس التكفير في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمرا

стр. 74

عادياً، يلقى هكذا بدون فهم، أو حدود، أو قيود كلا، فلا بد من قيام الحجة أولا. يقول الشيخ: ((وإِنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك)) ١. ومن عرف أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه، وسعى في تنفير الناس عنه، أو سعى في قتال من دعا إِليه، وكل من عرف الشرك، ثم زيّنه للناس أو مدحه، فهؤلاء يجب قتالهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال من الآية: ٣٩] . والفتنة في هذه الآية الشرك٢.

стр. 75

الإتباع للسلف لقد كثرت الأقاويل حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فافترى عليه نفر من الناس، وخاضوا في الحديث عن دعوته بغير علم، وكأنه كان بدعا في تاريخ المصلحين، أتى لهم بمذهب جديد. والحق أن دعوته هي دعوة الإسلام، ومنهاجه الرشيد، نهجها الاتباع لا الابتداع، ترد الناس إلى الشريعة الإسلامية في مصدريها الأساسيين: القرآن، والسنة، وهي -مع ذلك- تقدر المذاهب الفقهية المعتبرة، والاجتهادات الفرعية المستندة على الدليل من الكتاب والسنة. يقول الشيخ محمد في رسالته إلى (السويدي) من علماء العراق: ((وأخبرك أني -ولله الحمد- متبع، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم إلى يوم القيامة)) ١. وفي رسالته إلى علماء بلد الله الحرام يقول: ((فنحن -ولله الحمد- متبعون، غير مبتدعين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل)) ٢.

стр. 76

((وأنا أشهد الله وملائكته، وأشهدكم على دين الله ورسوله: أني متّبع لأهل العلم)) ١. ولقد أكد الشيخ، ﵀، في غير موضوع من رسائله، وفتاواه، وكتبه ضرورة الرجوع إِلى الكتاب والسنة، حتى لا تطغى آراء العقول على الوحي والأصول. فقد أجاب الشيخ أحمد بن مانع عن مسائل سأل عنها بقوله: ((وأما المسائل التي ذكرت، فاعلم -أولا- أن الحق إِذا لاح واتضح، لم يضره كثرة المخالف، ولا قلة الموافق، وقد عرفت بعض غربة التوحيد الذي هو أوضح من الصلاة والصوم، ولم يضّره ذلك، فإِذا فهمت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النّساء: ٥٩] . وتحققت أن هذا حتم على المؤمنين كلهم، فاعلم أن مسألة الأوقاف فيها النّزاع معروف في كتب المختصرات، وذكر في شرح (الإِقناع) في أول الوقف أنهم اتفقوا على صحة وقف المساجد والقناطر، يعني نفعهما، لا الوقف عليهما. واختلفوا فيما سوى ذلك. إِذا تبين هذا، فأنت تعلم أن رسول الله ﷺ قال: " من أحدث في أمرنا

стр. 77

هذا ما ليس منه فهو رد "١. وفي لفظ الصحيح: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "٢. وتقطع أن الرسول ﷺ لم يأمرنا بهذا، ولو أمر به لكان الصحابة أسبق الناس إليه، وأحرصهم عليه٣. ثم إنه في حالة النّزاع يجب الرد إلى الله ورسوله، ولا يسع المسلم إلا ذاك. وفي جوابه على مسائل سأله عنها الشيخ عبد العزيز الحصين يقرر ذلك، وكانت المسألة الأولى عن العروض، هل تجزئ في الزكاة إذا أخرجت بقيمتها؟ فأجاب الشيح محمد بقوله: ((فأما المسألة الأولى: ففيها روايتان عن أحمد، إحداهما: المنع؛ لقوله: " في كل أربعين شاة شاة، وفي مائتي درهم خمسة دراهم "٤ وأشباهه. والثانية: يجوز، قال أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع تمر نخلة، فقال: عشره على الذي باعة، قيل: يخرج تمرا أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج تمرا، وإن شاء أخرج من الثمن. إذا ثبت هذا، فقد قال بكل من الروايتين جماعة، وصار نزاع فيها، فوجب ردها إلى الله والرسول)) ٥.

стр. 78

ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أن دين الله الحق، هو الذي بعث الله به محمدا ﷺ ؛ لأن الله أعطى رسوله جوامع الكلم، وأنه ﵊ يتكلم بالكلمة الجامعة، وبهذا أكمل الله لنا الدين، وأغنانا بهذا عن إِحداث شيء في الدين ليس منه، فإِنه يكون بدعة وضلالة. يقول الشيخ: ((اعلم -أرشدك الله- أن الله بعث محمدا ﷺ بالهدى الذي هو العلم النافع، ودين الحق الذي هو العمل الصالح، إِذ كان من ينتسب إِلى الدين، منهم من يتعانى بالعلم والفقه، ويقول به كالفقهاء، ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الاَخرة، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين. ومن أعظم ما امتن الله به عليه، وعلى أمته أن أعطاه جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة، تكون قاعدة جامعة، يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى، وكذلك يتكلم رسول الله ﷺ بالكلمة الجامعة. ومن فهم هذه المسألة فهماً جيداً فهم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة من الآية: ٣] ، وهذه الكلمة أيضا من جوامع الكلم؛ إِذ الكامل لا يحتاج إِلى زيادة. فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه، كما

стр. 79

أوصانا بقوله: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "١. وفهم أيضا معنى قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النّساء: ٥٩] . فإذا كان الله -سبحانه- قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله، أي إلى كتابه، وإلى الرسول، أي إلى سنته، علمنا قطعا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع فيه الناس، وجد فيه ما يفصل النّزاع)) ٢. ويتابع كلامه، فيوجب في محل النّزاع الرد إلى الله والرسول، إذا اختلف كلام أحمد، وكلام أصحابه، يقول ﵀: ((إذا اختلف كلام أحمد، وكلام أصحابه، فنقول في محل النزاع: التراد إلى الله والرسول، لا إلى كلام أصحابه وبالجملة، فمتى رأيت الاختلاف، فرده إلى الله والرسول)) ٣. ولا يحمل الشيخ الناس على اتباع كلامه، إنما يدعوهم إلى اتباع رسول الله ﷺ ففي رسالته إلى الشيخ فاضل آل مزيد يقول: ((إني أذكر لمن خالفني أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها، ولا تأخذوا من

стр. 80

كلامي شيئا، لكن إِذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم فاتّبعوه، ولو خالفه أكثر الناس)) ١. ويصرح في غير موضع، بأنه لا يدعو إِلى مذهب، إِنما يدعو إِلى الكتاب والسنة: ((ولست -ولله الحمد- أدعو إِلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إِمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، بل أدعو إِلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إِلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه، إِن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ فإِنه لا يقول إِلا الحق)) ٢. ولم يقصد الشيخ محمد ﵀، بالاتباع، إِغلاق باب الترجيح بالدليل، والاجتهاد في المذهب، أو إِغلاق باب التطور العلمي، بل إِنه على العكس من ذلك، فهو حين يدعو إِلى عدم تقديس كلام الأئمة المجتهدين، وضرورة العودة إِلى الكتاب والسنة، إِنما يحافظ على صلة الناس بمصادر الإشعاع الأولى الكفيلة -بجوامع كلمها، وآفاق معانيها، وغزير كنوزها- بمواجهة كل التطورات والتغيرات، فالكتاب والسنة يشيعان في النفس والعقل معاني متجددة، ويقدمان أنواعا مختلفة من العلاج تواجه كل العصور.

стр. 81

طاعة أولي الأمر والنصح لهم لا ينكر عاقل أن لقوة السلطان أثراً عظيماً في نشر الدعوات والأفكار، بالإضافة إلى القوة المعنوية، والحجج والبراهين العقلية والنقلية. ومن البديهي أن أي دعوة إذا لم يكن لديها من القوة ما يكفي لحمايتها والذود عنها، فإنها سرعان ما تتكالب عليها قوى الشر والطغيان، حتى تستأصل خضراءها فلا يمكن للحق أن ينتشر دون قوة تسنده، وتحميه، وتفرض هيبته. وتظهر الأهمية البالغة للقوة في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وكذلك تظهر أهمية القوة في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٨٠] . يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((قال قتادة: فيها إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا

стр. 82

بسلطان، فسأل سلطانا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإِقامة دين اللِّه، فإِن السلطان رحمة من الله، جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم)) . ويعلق ابن كثير على قول قتادة قائلا: ((وهو الأرجح، فإِنه لابد -مع الحق- من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ الآية [الحديد: ٢٥] ، ويقول عثمان بن عفان ﵁ ((إِن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)) . أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والاَثام ما لا يمتنع كثير من الناس عنه بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع)) ١. ومن هنا كانت نظرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الاستعانة بقوة السلطان؛ لكي تنجح دعوته في منطقة تعمها الفوضى الدينية والاجتماعية والسياسِة. وكان من الصعب -والحالة هذه- الوصول إلى أي خطوة عملية مؤثرة في التغيير، والإِصلاح بالجهد الدعوي المجرد، ومن هنا اتجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعزمه وطموحه؛ ليضع يده في يد أولي الأمر

стр. 83

أصحاب السلطة والحكم، الذين آمنوا بالعقيدة والشريعة، وسعوا إلى توحيد الجزيرة العربية كلها تحت راية واحدة، مدركا كل الإدراك، وواعيا كل الوعي، أنه ليس من السهل نشر الدعوة في البلاد القاصية والدانية في مدة قصيرة أو معقولة، إلا بحماية أمير ذي قوة ونفوذ، بمساعدته ومساعدة رجال دولته. لقد فطن الشيخ إلى الفروق الكبيرة بين دعوة لا تؤازرها قوة الحكم، مثلما كان حال المسلمين والرسول ﷺ في مكة، ودعوة يعضدها الحكم، ويهيء لها أسباب حمل الرسالة، ويضع كل إمكانات دولته في خدمة الدعوة، وذلك مثل حال المسلمين في المدينة بعد الهجرة بقيادة رسول الله ﷺ فالفرق كبير بين الحالين والجهدين، والنتائج جد مختلفة. وكانت هذه المفاهيم الصحيحة، والآراء العلمية هي التي دعت الشيخ إلى مكاتبة أمير العيينة عثمان بن معمر؛ فقد أرسل إليه رسالة ضافية، ينتهي فيها إلى حثة على مناصرة دعوة الإصلاح بقوته قائلا: ((إني لأرجو -إن أنت قمت بنصر: لا إله إلا الله- أن يظهرك الله تعالى، وتملك نجداً وأعرابها)) ١. وبصرف النظر عن موقف الأمير عثمان منه بعد فترة وجيزة، فإن

стр. 84

الشيخ محمد بن عبد الوهاب استطاع في هذه الأثناء أن يصدع بدعوته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ، لدرجة أن بعض أهل العيينة بدؤوا يجنحون لقبول الحق رويداً رويداً وفي هذه المدة تصدى الشيخ للقضاء على بعض مراكز البدع، ونجح في مهمته١. ولما انتقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إِلى "الدرعية" استقبله -كما ألمحنا سابقا- أميرها (محمد بن سعود) ، فعرض عليه الشيخ أصول دعوته، مبينا له المعنى الصحيح لكلمة التوحيد: (لا إِله إِلا الله) وآفاق وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعنى الجهاد، ثم ذكر بعض المساوئ الموجودة في أهل نجد، ولفت نظره إِلى مسؤوليته أمام الله في إِصلاحها، فما كان إِلا أن تأثر الأمير، ونطق قائلا: ((يا شيخ، إِن هذا دين الله، ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين: - نحن إِذا قمنا بنصرتك، والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترحل عنّا، وتستبدل بنا غيرنا. - إِن لي على الدرعية قانونا آخذه منهم في وقت الثمار، أخاف أن تقول: لا تأخذ منهم شيئا.

стр. 85

قال الشيخ: أما الأولى: فابسط يدك، الدم بالدم، والهدم بالهدم. وأما الثانية: فلعل الله يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها)) . وكانت هذه اللحظة هي اللحظة التاريخية الفاصلة في تاريخ الدعوة الإصلاحية، وقد وفق الله فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب توفيقاً عجيباً. وذلك حين تحقق التآخي والتلاحم والتآزر بين الدعوة التي يقوم بها، والدولة السعودية؛ فقد ناصره، وحماه، وتبنى آراءه أمير الدرعية محمد بن سعود، الذي استطاع -تحت راية الدعوة- إخضاع أكثر إمارات نجد لسلطته، وأتم ابنه الإمام عبد العزيز، ثم سعود، توحيدها، وإقامة الدولة السعودية في شبه الجزيرة العربية. وهذه كانت ثمرة رائعة لفقه الشيخ محمد في استنصاره بأهل السلطان من أجل نصر الدعوة، كما كانت نتيجة فقهه في وجوب طاعة ولاة الأمر في المعروف والاستعانة بهم على الحق، ومؤازرتهم إنه فقه الإسلام، وشريعته التي أوجب الله فيها طاعة ولاة الأمر، والنصح لهم، والتعاون معهم، وحرم فيها الخروج على الخليفة أو الحاكم، ولو كان فاجرا؛ وذلك لما يترتب على الخروج عليه من المفاسد الضارة بالأمة.

стр. 86

يقول في رسالته إِلى أهل القصيم: ((وأرى الجهاد ماضياً مع كل إِمام، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه)) ١. وقد أثبتت التجارب السياسية في القرن الرابع عشر للهجرة القرن الذي يمكن أن يطلق عليه (قرن الانقلابات والثورات) ، ولا سيما في العالم الثالث، وعالمنا العربي والإِسلامي أثبتت هذه التجارب صدق هذا الفقه. فنَزعات الخروج والهيجان الثوري، وعدم الانضباط، والانقياد لكل ناعق نزعات مدمرة، انتهت بمجتمعات كانت غنية إِلى الفقر، ومجتمعات كانت آمنة إِلى القلاقل والفتن التي صعب التحكم فيها، والسيطرة عليها وهكذا يبدو عمق النظرة لدى الشيخ محمد، ولدى الفقهاء المسلمين، والدعاة الناصحين الذين يوجبون طاعة ولاة الأمر، ويطالبون بالإِصلاح والتقويم من خلال القنوات الشرعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والالتزام بالمبدأ الأصولي القائل: ((درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)) .

стр. 87

فقه الدعوة والدعاة ... فقه الدعوة إن رجلا أراد الله له أن يكون سببا لإحياء ما اندرس من تعاليم الإسلام في وقت كان الناس أحوج ما يكونون فيه إلى مصلح ومرشد أمين، إن رجلا كهذا قد أودع الله فيه من جميل الصفات، وحسن الفهم ما به تتألف حوله القلوب، بحيث يجد الناس في شخصه القدوة الطيبة، والنموذج الأمثل لكل من يتصدى لدعوة الناس إلى الله . لقد رزق الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهماً للدين، وفقهاً في الدعوة إلى الله . ونستعرض من خلال اطلاعنا على رسائل الشيخ وما تركه من آثار علمية، بعض الجوانب المهمة فيما يتعلق بالدعوة إلى الله، وفقه الدعاة، مشيرين إلى أنه من الأهمية بمكان أن يقف كل داع إلى الله عند هذه الجوانب في فقه الشيخ الوقفة المتأنية الجدير بها: ١- فضل الدعوة إلى الله : لقد كان الداعون إلى الله دائماً في أفضل مكانة، وأشرف مهنة، وهذا ما أبرزه الشيخ محمد، وأكد عليه قولاً وعملاً، ونحن نرى مصداق ذلك فيما قاله الشيخ في رسالته لأحد علماء المدينة، حيث يقول له:

стр. 88

((ويكون عندك معلوما أن أعظم المراتب، وأجلها عند الله، الدعوة إِليه التي قال الله فيها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] . وفي الحديث: " والله لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم " ١٢. إِن الداعي إِلى الله عندما يقف على هذا الفضل العظيم من الله يندفع؛ لكي يجاهد في سبيل هذا الدين، وليقدم أفضل العطاء، ولا يبخل على الدعوة بنفس أو مال، وهذا -عينه- ما أراد الشيخ محمد أن يؤصله، ويعمقه في عقول الدعاة عندما أكد على هذه المسألة المهمة، التي يجب أن يستوعبها الدعاة إِلى الله. ٢- وجوب الدعوة إلى الله : والدعوة إِلى الله تجب علىِ كل مسلم، آمن بالله ربا، وبالإِسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولاَ، وتوفرت فيه شروط الدعوة ومؤهلاتها، وذلك حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، وهذا هو سبيل النبي محمد ﷺ الذي يجب أن يسير فيه كل مسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]

стр. 89

وقال النبي ﷺ : " بلغوا عني ولو آية "١. وهذا ما أكد عليه الشيخ محمد في أكثر من مناسبه، يقول ﵀، في رسالة إلى أهل القصيم: ((وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة)) ٢. ويقول في كتاب: (ثلاثة الأصول) : ((اعلم -رحمك الله- أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه)) ٣. بل يرى الشيخ، ﵀، أن هذا الأمر -الدعوة إلى الله- مما أضاعه كثير من الناس، وهو أصل الأصول، يقول في رسالة له: ((قيل: إن أول آية نزلت قوله -سبحانه- بعد "اقرأ": ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١-٢] ، قف عندها، ثم قف، ثم قف تر العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول)) ٤.

стр. 90

وبهذا يتأكد لدينا أنه عندما تندرس معالم الدين، ويعطل شرع الله، وتشيع البدع، ويحلّ الشرك محل التوحيد، فالواجب على كل مسلم النهوض بالدعوة إِلى الله، والعمل بكل ما يملك من إِمكانات في سبيل إِعلاء كلمة الله، ومع إِقامة شرع الله، فإِنه يجب المحافظة على هذا الخير وذلك النعيم، فلا تتوقف الدعوة إلى الله حتى تقوم الساعة. وهذا المعنى العظيم أكد عليه الشيخ محمد ﵀، في كتبه ورسائله كلها، بل وفي سلوكه، وجهاده أيضا.

стр. 91

من آداب الداعي إلى الله والداعي إلى الله لا بد أن يتحلَّى بصفات خاصة، يستطيع من خلالها أن يبلغ الدعوة، وأن تتحقق الهداية -بإذن الله تعالى- على يديه، كيف لا؟ وقد خاطب الله نبيَه محمداً ﷺ -أفضل الدعاة إِلى الله- فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران من الآية: ١٥٩] . إِنه لا بد من أن تتحقق في الداعي إِلى الله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، صفات أساسية. ومن أهم هذه الصفات: ١- التواضع: من أهم ما يجب أن يتحلى به الداعي إلى الله التواضع، فالناس إنما ينفرون ممن يتعالى عليهم، ويرى أنه أفضل منهم، والداعي إلى الله إذا لم يكن متواضعا مع المدعوين، فإنه يحكم على نفسه بالفشل، ولو نظرنا إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، لوجدناه على أفضل ما يكون من التواضع، فهو لم يدع العصمة، أو بلوغ الغاية في الكمال، بل ينشد الحق مستعينا بالله خوفا

стр. 92

من الوقوع في الباطل، يقول في رسالته لأحد علماء المدينة: ((ولكن نسأل الله الكريم، رب العرش العظيمِ، أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا فنضلّ)) ١. وهو لا يستنكف من قبول النصيحة، فيقول في رسالته للشيخ عبد الله بن محمد ابن عبد اللطيف: ((أشهد الله وملائكته وجميع خلقه: أنه إِن أتانا منكم كلمة الحق، لأقبلنها على الرأس والعين)) ٢. وهو نفسه ما قاله لمحمد بن عيد: ((وأما ما ذكرتم من كلام العلماء فعلى الرأس والعين)) ٣. وانظر رسالته أيضا لعلماء الحرم، ففيها المعنى نفسه٤. وهكذا نلمح خلق التواضع في رسائل الشيخ، ﵀، وهو الأمر الذي كان له أعظم الأثر في التفاف الناس من حوله، والإِقبال على الدعوة

стр. 93

٢ - اللين مع المدعو: وهذا الخلق الطيب ينبغي أن يتحلى به الداعي إِلى الله، ولأهميته أمر الله ﵎ نبييه موسى وهارون ﵉ أن يقولا لفرعون قولاً ليناً، فقال ﵎: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه الآيتان: ٤٣-٤٤] . فإِذا كان هذا في حق طاغية، فكيف بالداعية مع إِخوانه المسلمين؟ وهذا هو نفسه ما أكد عليه الشيخ محمد للدعاة إِلى الله، فقد ذكر في رسالته إِلى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف ما يأتي: ((فينبغي للداعي إِلى الله أن يدعو، ويجادل بالتي هي أحسن، إِلا الذين ظلموِا منهم. وقد أمر الله رسوليه موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً ليناً لعله يتذكر، أو يخشى)) . ٣ - مراعاة حال المخاطب أو المدعو: ليس الناس كلهم على حالة واحدة: ثقافة وفهماً، بل يتفاوتون في الإِدراك، والقدرة على الاستيعاب، ويتفاوتون -كذلك- في قدرتهم على قبول الحق، والتخلص من الهوى وضغوط الواقع والعادات؛ ولهذا يجب مراعاة حال المدعو، وهذا ما ينبغي أن يتفطن إِليه الداعي إِلى الله.

стр. 94

ويظهر هذا جلياً عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، من خلال الرسالة التالية، يقول - في معرض تلقين أصول العقيدة للعامة -: ((إِذا قيل لك، من ربك؟ فقل: ربي الله. فإذا قيل لك: إِيش أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السماوات والأرض. فإِذا قيل: إِيش تعرفه به؟ فقل: أعرفه باَياته ومخلوقاته. وإِذا قيل لك: إيش أعظم ما ترى من آياته؟ فقلْ: الليل والنهار، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] . فإذا قيل لك: إِيش معنى الله؟ فقل: معناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين)) ١. ٤- اختيار الأسلوب الأمثل مع المدعو: إِن اختيار الأسلوب الأمثل مع المدعو، وحسن انتقاء الكلمات، وإنزال الناس منازلهم -حتى في الخطاب- لمن دواعي القبول، وكسب قلوب المدعوين، وهذا قد يتحقق بأكثر من أسلوب

стр. 95

فالدعاء للمدعو، أو مدحه، والثناء عليه بما فيه من صفات طيبة، مما يدعو إِلى النجاح، والظفر بما يريد توصيله للمدعو، وقد كانت هذه سمة رسائل الشيخ محمد، ﵀. ففي رسالته إِلى محمد بن عباد -مطوع ثرمداء- يقول له: ((من محمد بن عبد الوهاب إِلى الأخ محمد بن عباد، وفقه الله لما يحبه ويرضاه وصلنا أوراق في التوحيد بها كلام من أحسن الكلام، وفقك الله للصواب)) ١. ويقول في رسالة له إِلى محمد بن عيد: ((وصل الكراس، وتذكرون أن الحق إِن بان لكم اتبعتم، وفيه كلام غير هذا يسر الخاطر من طرفك، خاصة بسبب أن لك عقلاً: والثانية: أن لك عرضا تشح به. والثالثة: أن الظن فيك، إِن بان لك الحق أنك ما تبيعه بالزهايد)) ٢. وأيضا في رسالته إِلى فاضل آل مزيد من مشايخ بادية الشام يقول: ((من محمد بن عبد الوهاب إِلى الشيخ فاضل آل مزيد، زاده الله من الإِيمان، وأعاذه من نزغات الشيطان. أما بعد: فالسبب في المكاتبة أن راشد بن عربان ذكر لنا عنك كلاماً حسناً سر الخاطر، وذكر عنك أنك طالب مني المكاتبة، بسبب ما يجيك

стр. 96

عنا من كلام العدوان، من الكذب والبهتان، وهذا هو الواجب من مثلك، أنه لا يقبل كلاماً إلا إِذا تحققه)) ١. ٥ - الحرص على هداية المدعوّ: لقد مدح الله نبيه محمدا ﷺ بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة: ١٢٨] . وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة في حرصهم على هداية المدعوين، وهو ما نجده في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو يقول في رسالته إِلى محمد بن عيد: ((ولكن أرى لكم أن تقوم في السَّحَر، وتدعو بقلب حاضر بالأدعية المأثورة، وتطرح نفسك بين يدي الله أن يهديك لدينه ودين نبيّه، ﵇) ٢. ٦- أن يتحلى الداعي بسعة الصدر: ومن أهم ما ينبغي أن يتحلى به الداعي إِلى الله سعة الصدر، وبخاصة في المسائل الفرعية التي ليست من أصول الدين، فلا ينبغي الإِنكار على المخالف، أو تفسيقه، أو تبديعه، لمجرد الخلاف في المسائل التي وقع

стр. 97

فيها الخلاف بين السلف والخلف، يقول الشيخ محمد ﵀ في هذا المعنى: ((قد تبين لكم في غير موضع أن دين الإِسلام حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين، وهذه المسائل -يشير إِلى مسائل في الزكاة- وأشباهها مما يقع الخلاف فيه بين السلف والخلف من غير نكير من بعضهم على بعض، فإِذا رأيتم من يعمل ببعض هذه الأقوال المذكورة بالمنع، مع كونه قد اتقى الله ما استطاع، لم يحلّ لأحد الإِنكار عليه، اللهم إِلا أن يتبين الحق، فلا يحل لأحد أن يتركه لقول أحد من الناس، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في بعض المسائل من غير نكير، ما لم يتبين النص، فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله، في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم، ويوقرهم، ولو أخطأوا، ولكن لا يتخذهم أرباباً من دون الله، هذا هو طريق المنعم عليهم. وأما اطراح كلامهم، وعدم توقيرهمْ، فهو طريق المغضوب عليهم)) ١. فما أجود هذا الكلام، وأحقه بالقبول من سائر ذوي العقول والأفهام!! وأخيراً نختم هذه الآداب بذكر الآداب التي استنبطها الشيخ

стр. 98

محمد، ﵀، من سورة المدثر، إِذ اشتملت على عدة آداب يجب على الداعي مراعاتها، يقول الشيخ، ﵀: ((وأما قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] الآيات، ففيه مسائل: الأولى: الداعي إِلى الله لا يقتصر على نفسه. الثانية: خطابه بالمدّثر. الثالثة: أن الداعي يبدأ بنفسه، فيصلح عيوبها. الرابعة: تعظيم الله -سبحانه- علماً وعملاً. الخامسة: هجران الرجز. السادسة: قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثّر: ٦] . السابعة: قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] ، فأمره بالطريق إلى القوة على ما تقدم، وهو الصبر خالصا. ً ففي هذه الاَيات تتركز الاَداب التي يجب أن تتحقق في الداعي، لأن الخلل يدخل على الدعاة إِلى الدين من ترك هذه الوصايا أو بعضها، فيقعون في الخطأ، وينصرف الناس عنهم، كما أن في هذه الآيات كشفا للعيوب التالية التي قد يقع فيها بعض الدعاة: ١- الحرص على الدنيا، فنهى عنه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثّر: ٦] .٢

стр. 99

- عدم الجدّ، فنبه عليه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] . ٣- رؤية الناس -في سلوك الداعية- العيوب المنفرة لهم عن الدين. ٤- التقصير في تعظيم العلم، الذي هو من التقصير في تعظيم الله. ٥- عدم الصبر على مشاق الدعوة. ٦- عدم الإِخلاص. ٧- عدم هجران الرجز، والتقصير في ذلك، وهو من أضرها على الناس١.

стр. 100

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقد اهتم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين ما ينبغي أن يكون عليه الداعية إِلى الله، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، جاء في رسالته إِلى إِخوانه من أهل سدير: ((وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، يحتاج إِلى ثلاث: - أن يعرف ما يأمر به، وينهي عنه. - ويكون رفيقاً فيما يأمر به، وينهى عنه. - صابراً على ما جاء من الأذى. وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا، والعمل به، فإِن الخلل يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا، أو قلة فهمه. وأيضا: يذكر العلماء أن إنكار المنكر إِذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إِنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه؛ فإِنكم إِن لم تفعلوا صار إِنكاركم مضرة وهذا الكلام، وإِن كان قصيراً، فمعناه طويل، فلازم تأملوه، وتفقهوا فيه، واعملوا به، فإِن عملتم به صار نصراً للدين، واستقام الأمر، إِن شاء الله)) ١.

стр. 101

الابتلاء في الدعوات إِن طريق الدعوة محفوفٌ بالمكاره، والمحن، والشدائد، وتلك سنة الله من لدن آدم ﵇ مروراً بنوح ﵇ وإِخوانه هود وصالح، وإِبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وعيسى، وغيرهم، إِلى خاتمهم محمد ﷺ . وهو كذلك بالنسبة لأتباع الرسل من الدعاة إِلى الله، فأشد الناس ابتلاءً، هم الأنبياء، فالأولياء، فالأمثل، فالأمثل. يقول الشيخ محمد ﵀ في هذا: ((واعلم أن الله -سبحانه- من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إِلا جعل له أعداءً، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام: من الآية١١٢] ١. ويقول في رسالته إِلى نغيمش وغيره من إِخوانه: ((ولكن -يا إِخواني- لا تنسوا قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ (الفرقان: من الآية: ٢٠] .

стр. 102

وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت الآيتان: ٢-٣] . فإذا تحققتم أن من اتبع هذا الدين، لا بد له من الفتنة، فاصبروا قليلاً، ثم أبشروا عن قليل بخير الدنيا والآخرة)) ١. وقد بين الشيخ محمد، ﵀، أنه يجب تعلم أربع مسائل، منها: ((الصبر على الأذى فيه -أي في الدعوة إِلى معرفة الله، ومعرفة نبيّه، ومعرفة دين الإِسلام- والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر] ٢. وقال أيضا، عند تفسيره قول الله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة من الآية: ١٢٤] . ((ففي الآية الأولى مسائل: الأولى: معرفة أنه تعالى حكيم لا يضع الأشياء إِلا في مواضعها، لأنه

стр. 103

ما جعله إِماماً إِلا بعد ما أتم ما ابتلاه به، وسئل بعضهم: أيهما أولا: الابتلاء، أو التمكين؟ فقال: الابتلاء، ثم التمكين)) ١. وبهذا يتضح لكل داعٍ إِلى الله أن طريقه ليس محفوفاً بالورود والرياحين، وإِنما بالمحن والشدائد، حتى يعد للأمر عدته، ثم ليعلم أن هذا هو السبيل للتمكين لدين الله، وأن النصر مع الصبر، ثم الأمر - كما قال الشيخ، ﵀، لإِخوانه:- ((فاصبروا قليلاً، ثم أبشروا عن قليل بخير الدنيا والآخرة، واذكروا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] . وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصّافات الآيات:١٧٠- ١٧٣] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة الآيتان: ٢٠-٢١] . فإِن رزقكم الله الصبر على هذا، وصرتم من الغرباء الذين تمسكوا

стр. 104

بدين الله مع ترك الناس إِياه، فطوبى ثم طوبى، أن كنتم ممن قال فيهم نبيكم ﷺ : " بدأ الإِسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إِذا فسد الناس "١. فيا لها من نعمة، ويا لها من عظيمة، جعلنا الله وإِياكم من أتباع الرسول، وحشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه الذي يرده من تمسك بدينه في الدنيا، ثم أنتم في أمان الله وحفظه، والسلام)) ٢. والحق أننا نجد -عند البحث المتعمق والمفصّل- حشداً كبيراً من القضايا التي عالجها، ووقف عندها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تتصل بقضية الدعوة، ووسائلها، وشروطها، وآداب الداعي، ومؤهلاته التي لا بد منها؛ لكي يستطيع الوصول إِلى مستوى الداعية الصادق، والناجح، المعبّر -بحق- عن عظمة الإِسلام، وعن خصائصه التي ميّزه الله بها. إِن مستوى الأحكام في العبادات، وشريعة الإِسلام الربانية الإِنسانية المنسجمة المتكاملة في حقول المعرفة، والتربية، والسياسة، والاقتصاد، والأخلاق، والعلاقات الدولية هذا المستوى الرفيع المحكم يحتاج إِلى قدرة عقلية خاصة، وإِلى فقه صحيح بقضايا الحياة والمجتمعات، وحركة

стр. 105

الحضارات، وصراعاتها، وتفاعلاتها ويحتاج -قبل ذلك- إِلى تعمق في تدبر القرآن، والسنة وإِلى الحياة معهما حياة مستقيمة صحيحة بغية العلاج، والبيان في كل أقضية الحياة. تبليغ الدعوة المنطلق. الوسائل. إعداد الرجال. توزيع الوظائف في دولة الدعوة. ولقد توافر ذلك للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكان -بحق- فاتحاً لخير كثير، امتدت أغصانه، وأنواره إِلى معظم بلاد المسلمين، وتأثر بدعوته كثيرون في بلاد عديدة، وعلى أيدي هؤلاء المتأثرين به انتشرت دعوة التوحيد السلفية، وتخلص الكثير من مظاهر الشرك، حتى ولو لم يسمّوا أنفسهم بالموحدين، أو السلفيين.

стр. 106

تبليغ الدعوة المنطلق ... المنطلق لا شك أن المنهاج التربوي السائد لدى أي أمة، يجب أن يراعي ثلاثة أمور، يتعلق كل أمر منها بقسم من أقسام الزمان: الماضي، والحاضر، والمستقبل، وهذه الأمور الثلاثة تكمن وفق هذا الترتيب فيما يلي: أولاً: الإِرث الثقافي والحضاري، وهذا يتعلق بالماضي، من حيث البحث في سلبياته وإِيجابياته، سواء فهمت على وجهها الموضوعي، وقومت تقويما صحيحا، واستخلصت منها العظة والعبرة، أم فهمت على غير وجهها، وسواء أكان المنهاج الموضوع ضد هذا الإِرث، أم معه. ثانيا: الواقع المعيش الذي يعانيه أصحاب هذا المنهاج، وما يحيط بهم من تأثيرات جغرافية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو ثقافية، إِضافة إِلى التحديات التي تواجههم مرحليا، أو استراتيجيا. ثالثا: المستقبل المنشود لهذه الأمة وما ينبغي أن يُبدأ به، أو يركّز عليه، حسب الأولويات التي يمليها المنهاج، بغية تحقيق هذا المستقبل الذي ينبغي أن تتضافر الجهود، لكي يكون أفضل من الواقع الموجود في الحاضر، والذي سرعان ما تطوى صفحته، ويسبقه الزمان.

стр. 107

ومن هذا المنطلق الذي لا يكاد يُختلَف عليه، ننظر إِلى المنهاج التربوي لدعوة الشيخ المجدد، شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀. * فبالنسبة للعنصر الأول: لا يكاد يختلف أحد من المنصفين، على أن ماضي هذه الأمة الإِسلامية، وتراثها الثقافي والحضاري، قدّم أعظم مثل يمكن أن يستلهمها المسلمون اليوم، من خلال تجربة حضارية طويلة رائعة، تكفل للأمة النهوض من الهوة الحاضرة، التي مرت بمثلها، في فترات عديدة من التاريخ، وذلك حين تنفصل عن ثوابتها، ويصبح واقعها أشبه بحال الأمم المنقرضة، والتي استطاع الإِسلام أن يتغلب عليها بثقافته، وحضارته المتجددة المتأبية على الانسحاق، والانطماس. وحول أصالة هذا المنهاج، وقدرته الثابتة، يقول الإِمام مالك بن أنس، إِمام دار الهجرة، حين رأى بعض الصور السلبية: ((لن يصلح آخر هذه الأمة إِلا بما صلح به أولها)) . وبمقدار استيعاب الأمة لهذه الحكمة الواعية البصيرة التي استقاها مالك بن أنس، ﵀، من صفحات فجر الإسلام وضحاه، ومن فقهه الرشيد بطبيعة هذا الدين، وحاجة الإِنسانية إِلى مبادئه، وحاجتها إِلى وجود أمة تحمل المبادئ -قولاً وعملاً- للعالم

стр. 108

وانطلاقا من أنَّ هذه الأمة -كما أدرك مالك أيضا- تختلف عن كل الأمم في أبجديات الرُّقي الحضاري؛ ذلك لأننا قد علمنا من الوحي، ومنِ التجارب البشرية التي تعرض لها المسلمون خلال أربعة عشر قرناً، أنه إذا صح أن تتطور الأمم الأخرى بنبذ ماضيها، وتراثها، وعقائدها، وبالبحث عن جديد، مهما كان مخالفاً لهذا الماضي، فإِنه لن يصح لهذه الأمة الإِسلامية المصطفاة لحمل آخر رسالة إِلهية إِلى البشر أن تخضع لهذه المعادلة، ذلك لأن هذه الأمة تختلف تمام الاختلاف عن الأمم الأخرى، فلا يمكن لها أن تنهض من كبوتها، أو تتطور إِلى الأمام، إِلا إِذا عادت إِلى منطلقها، وقواعدها الثابتة. ولعل سائلاً يسأل: لم تنفرد الأمة الإِسلامية عن بقية الأمم؟ هل هو غرور استعلائي عنصري؟ أو هو حب للتخلف؟ أو تقديس للماضي؟ إِن الإِجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، لا يمكن أن يقدّرها حق قدرها إلا من وقف على خصائص الإِسلام، الدين الخاتم، والرسالة الخاتمة، ووقف أيضاً على وظيفة المسلمين. إِن هذا الدين يتميز بخصائص كثيرة يتفرَّد بها عما لدى الأمم الأخرى من مناهج، ولعل من أهم هذه الخصائص: خاصية أن مصدر هذا الدين كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه،

стр. 109

وهي الخاصية الوحيدة التي يمكن أن تنتج ارتقاءً وتطوراً، يتجه في النهاية إِلى أعلى، وإِلى تحقيق صلة مستقيمة بين الإِنسان، وخالقه من خلال القيم الثابتة التي لا تؤثر في وضوحها ونقائها، عوامل التعرية الزمانية. كما أن المسلمين أراد الله لهم -في ظل ختم الرسالة- أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس، يدعون إِلى الله إِلى يوم القيامة. ومن هذا المنطلق كان إِيمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضرورة التمسك بأصول هذا المنهاج الرباني، من عقيدة، وشريعة، وأخلاق، بل بضرورة التمسك بالخطوات التي كان يترسمها السلف الصالح، وهذا ما أشارت إِليه الآية الكريمة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التّوبة من الآية ١٠٠] . فاتّباع السلف الصالح الموصّل إِلى رضوان الله -سبحانه- مشروط بالإِحسان في الاتّباع، وليس أيّ اتباع، صحيحاً، أو مغلوطاً، أو مشوباً ببعض آثار الفوضى الفكرية، أو العاطفية، كما يريد فريق من الناس أن يخدع نفسه، ويخادع الناس من حوله حين يقوم ببعض شعائر الدين، فتنسيه بقية المهمات الشرعية الكبرى، بحجة أنه متبع للسلف الصالح. فهذا الإِحسان في الاتباع، هو المحك الأكبر، والمؤشر الأدق لمدى

стр. 110

قرب هذا المنهج، أو بعده مما يرضي الله، . وهذا الإِحسان دائرته أدق، وأعمق من دائرة الإِيمان الذي تعد دائرته -هو أيضا- أدق، وأعمق من دائرة الإِسلام، فلا يكون إِحسان حتى يكون إِيمان، ولا يكون إِيمان حتى يكون إِسلام، وإِذا اختل الإسلام في أحد أركانه، اختلَّ الإِيمان -ولا بد- في أركانه، وعليه يضعف الأمل في بلوغ رضا الله، الذي تعبِّر عنه مرحلة الإِحسان. إِنه لا بد من تصحيح الإِسلام -أولا- في قلوب المسلمين، وسلوكهم، فإِذا تم ذلك، ارتقى الإِنسان بإِسلامه، وإِيمانه إِلى درجة الإِحسان، وهناك يغرس حجر الأساس -من خلال هذا الالتزام- للفعالية والوثوب الحضاري المنشود. ولذلك كان اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتصحيح الاعتقاد، وكان تركيزه على تصحيح إِسلام الناس الذين يحيطون به في نجد، نواةً لشجرة الإِسلام العظمى، وعلى توفير أسباب الحماية اللازمة لها -قدر الاستطاعة- من القوى المعادية، التي تحرص ألا تنبت هذه النواة، التي يمكن أن تصبح بعد ذلك شجرة إِيمانية قوية، يتعذر اقتلاعها، لأنها ليست شجرة شركية مزيفة، مثل التي كانوا يعبدونها، ويتقربون إِليها. لقد ألفوا العيش في الحرّ والعري، وقد رأوا الشجرة شبحاً مخيفاً،
следующие страницы →