← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11088

تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة

صلاح الدين العلائي

Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة تأليف: الإمام العالم المجتهد: خليل بن كيكلدي العلائي، ت (٧٦١هـ) دراسة وتحقيق: د. عبد الرحيم محمد أحمد القشقري أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف، بالجامعة الإسلامية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نزه أصحاب محمد ﷺ من النقائص، وعدلهم من سبع سمواته بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ . وبقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . (التوبة آية: ١٠٠) . وآيات كثيرة تدل على فضلهم وعدالتهم، وأحاديث ثابتة عن المصطفى ﷺ تدل على أن أحداً منا مهما عمل فلن يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه. وقد ظهرت فرق أعمى الله أبصارها عن الأدلة الواردة في حق صحابة رسول الله ﷺ فأخذوا يكيلون الشتائم ويرمون فضلاءهم بكل أنواع الفسق والفجور دون مراعاة لحق الصحبة، وما ذاك إلا لغرض في نفوسهم المريضة، فبئست تلك النفوس، وبئست تلك الأغراض. وقد تعلق أولئك القوم بأحاديث ساقطة لتأييد ما ذهبوا إليه ضاربين عرض الحائط جميع المصطلحات والقواعد التي تعارف عليها العقلاء من الناس، فضلاً عن المسلمين الذين آمنوا بكتاب الله المنزل فيه تزكية صحابة رسول الله، وسنة نبيه الثابتة والتي تؤكد فضلهم وعدالتهم. فمن الأدلى التي ساقوها لتأييد ما ذهبوا إليه حادثتان:

стр. 2

الأولى منهما: ما روي عن عطاء بن السائب أن عبد الله بن الزبير قال يوماً لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث..؟ من كذب علي متعمداً. فقالوا: لا علم لنا بذلك، فقال: إن رجلاً من المدينة عشق امرأة، فأتى أهلها فلم يزوجوه منها فلبس حلة وأتى أهلها وقال لهم: إن رسول الله ﷺ بعثني إليكم لكي أتضيف في أي بيت شئت من بيوتكم، وكان ينتظر أن ينام عندهم ... ليتصل بتلك المرأة، فأتى رجل منهم رسول الله فقال له: إن فلاناً يزعم أنك أمرته أن يبيت في أي بيوتنا شاء، فقال: كذب والله. ثم أرسل رجلاً وأمره أن يضرب عنقه إن تمكن منه ويحرقه في النار، فلما خرج دعاه رسول الله ونهاه عن إحراقه بعد قتله، لأنه لا يعذب في النار إلا رب النار. ورويت هذه الحادثة عن طريق صالح بن حيان عن إبن بريده عن أبيه بتفاوت يسير لا يغير المعنى. والدليل الثاني: رواه إبن سعد في الطبقات والطبراني، عن المنقع التيمي أنه قال: أتيت النبي ﷺ بصدقة إبلنا وقلت له: إن فيها ناقتين هدية لك، فأمر بعزل الهدية عن الصدقة، فمكث أياماً وخاض الناس أن رسول الله باعث خالد بن الوليد إلى رقيق مصر فمصدقهم. فقلت: والله ما عند أهلنا من مال، فأتيت النبي ﷺ فقلت له: إن الناس خاضوا في كذا وكذا، فرفع النبي ﷺ يديه حتى نظرت إلى بياض إبطه، وقال: اللهم لا أحل لهم أن يكذبوا علي. قال المنقع فلم أحدث بحديث عن النبي ﷺ إلا حديثاً نطق به كتاب أو جرت به سنة يكذب عليه في حياته فكيف بعد موته. وقد نظرت في هذين الدليلين فلم أرهما على شرط المحدثين

стр. 3

الذين لا يقبلون من الأحاديث إلا ما ثبت عن رسول الله ﷺ . فالحديث الأول أورده ابن الجوزي في موضوعاته محتجاً به، وهو لا يصلح للاحتجاج لأن في سنده عطاء بن السائب. قال فيه الحافظ: صدوق اختلط١، والراوي عنه داود بن الزبرقان. قال فيه البخاري: حديثه مقارب. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: متروك. وقال أبو داود: ضعيف ترك حديثه٢. أما طريق صالح بن حيان، فلا يكون مسانداً لرواية ابن الزبير، لأن الراوي صالح بن حيان ضعفه ابن معين، وقال مرة: ليس بذاك. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ٣. أما الحديث الثاني، فهو لا يصلح أيضاً للاحتجاج به، لأنه من رواية سيف بن هارون البرجمي. قال فيه النسائي والدارقطني: ضعيف. وفي رواية الدارقطني: ضعيف متروك٤. وقال إبن حبان: يروي عن الأثبات الموضوعات٥.

стр. 4

وعصمة بن بشير البرجمي قال فيه الذهبي: عصمة بن بشير عن الفزع، قال الدارقطني: هما مجهولان، والخبر منكر١. فلا يصلح إذاً أن يكون مستمداً لمن أراد إثبات الكذب ووقوعه في عهد رسول الله ﷺ . إلا أن الحسيني صاحب كتاب الموضوعات في الآثار والأخبار "يرى أن الصحابة كانوا يكذبون إستدلالاً بهذين الحديثين. وقد تقدم ما فيهما من علل. وهذا والله تحامل من المؤلف على صحابة رسول الله ﷺ العدول الأخيار، ولم يكتف بهذا، بل نص على أنه مهما كان الحال فسواء صحت هذه المرويات أو لم تصح، فالمعاصرون للنبي ﷺ لم يكونوا في مستوى واحد كغيرهم من سائر الناس في مختلف العصور. فمنهم الصديقون الأبرار ومنهم المسلم الذي لم يبلغ مرتبة الأبرار، ومنهم المتستر بالإسلام الذي يستبيح كل شيء في سبيل تحقيق أهدافه ورغباته. ثم تناقض ذلك المؤلف فقال: ونحن لا ندعي وقوع الكذب منهم على الرسول في حياته بصورة قاطعة، لأن الأرقام التي بأيدينا لا تنتهي إلى هذه النتيجة، ثم رجع عن هذا القول، وألبس الصحابة لباس الكذب حين قال: ولكنا لا نستبعده بل نقر به اعتماداً على هذه المرويات٢. أهذا هو المنهج العلمي؟ لا أظن ذلك، وإنما هي أحقاد دفينة في

стр. 5

نفوس ضعيفة منذ العصور المتقدمة، وما ذاك إلا لهدم أساس الشريعة الإسلامية التي أتى بها محمد بن عبد الله، وحملها صحابته الأخيار بكل صدق وأمانة وإخلاص وتضحيات، وبذلوا في سبيل إعلائها الغالي والنفيس. وقد قيد الله للرد على هؤلاء أئمة أجلاء منهم الإمام العالم خليل بن كيكلدي العلائي ﵀ رحمة واسعة في كتابه الذي بين أيدينا، فجاء رده موجزاً في عبارته وقوياً في أدلته، ومنصفاً في ترجيحه للحق دون الميل لهوى شخصي أو تعصب مذهبي. وقد تعلقت به حال قراءتي له، فعزمت على إخراجه وتحقيقه مشاركة مني في الدفاع عن الصحابة الذي عدلهم الله ورسوله. وأسأل الله أن ينفع به جميع المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه. التعريف بالمؤلف وكتابه منيف الرتبة: هو الإمام الفقيه الأصولي المحدث الأديب الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي الشافعي. المعروف بالعلائي، ويكنى بأبي سعيد. وكان مولده في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وستمائة، بمدينة دمشق، ويرى إبن العماد الحنبلي أنه ولد في شهر ربيع الأول. وبدأ مشوار العلم في سن مبكر جداً، ولا يستبعد أن يكون طلبه للعلم كان في الخامسة من عمره. لأنه حكى عن نفسه أنه سمع صحيح الإمام مسلم ﵀ سنة ثلاث وسبعمائة، وكان عمره آنذاك تسع سنوات، وذلك بعد حفظه لكتاب الله وتمكنه من أصول اللغة العربية. وبهذين يتأهل لدراسة المزيد من علوم الشريعة التي ابتدأها بسماع

стр. 6

صحيح الإمام مسلم، وصحيح الإمام البخاري، وعلم الفقه والفرائض. وكان لهذا التبكير في التحصيل أثر كبير في إستيعابه للمسائل العلمية الدقيقة التي تطرق إليها في مؤلفاته، وكانت الحجة على من عليه. وكان من نتيجته أيضاً كثرة المؤلفات التي خلفها لنا في كل فن، والتي سبق ذكرها في مقدمة تحقيقي لكتاب النقد الصحيح، وسأذكر في هذه العجالة بعضها. شيوخه: قال إبن العماد الحنبلي: بلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة. وأخذ علم الحديث عن المزي وغيره. وأخذ الفقه عن الشيخين. البرهان الفزاري ولازمه وخرج له مشيخة. والكمال الزملكاني وتخرج به وعلق عنه كثيراً. انتهى. ومن شيوخه أيضاً: الشيخ نجم الدين القحفازي الذي ابتدأ قراءة العربية عليه. والشيخ زكي الدين الزكوي الذي أخذ عنه الفقه وعلم الفرائض. أقوال العلماء فيه: قال السبكي: كان حافظاً ثقة ثبتاً عارفاً بأسماء الرجال والعلل والمتون. وقال الحافظ ابن كثير: كانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل،

стр. 7

وتخريج الأجزاء والفوائد. وله مشاركة قوية في الفقه واللغة العربية والأدب. وقال الحافظ الذهبي: وهو من أخص تلاميذه. كان إماماً في الفقه والنحو والأصول، مفتناً في علوم الحديث ومعرفة الرجال. علاّمة في معرفة المتون والأسانيد فمصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن. وقال في معجمه: معدود في الأذكياء. وله يد طولى في فن الحديث ورجاله. وقال إبن العماد: جد واجتهد حتى فاق أهل عصره في الحفظ والإتقان. رحلاته: لم تذكر الكتب التي ترجمت للمؤلف أنه ارتحل كثيراً، ولعل ذلك يعود إلى أن المؤلف اكتفى بالسماع من أهل بلده، لأنه عاش في عصر كان معظم العلماء في مدينة دمشق١. فالرحلة لم تكن ضرورة ملحة إلا إذا كان للحج، وقد قام بها المؤلف مراراً. أو للتدريس وقد قام بها في القدس، حيث أقام بها مدرساً بالصلاحية واستقر بها مدة طويلة يدرس ويفتي ويصنف إلى آخر عمره، حيث كانت وفاته في تلك الديار، وذلك في ثالث المحرم عام إحدى وسبعين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الرحمة إلى جانب السور. بعد حياة حافلة بالعلم والعمل، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

стр. 8

مؤلفاته: إن الباحث في حياة المؤلف يدرك تماماً مدى الجهد الذي بذله في إيصال العلوم النافعة للأجيال الذين عاصروه ومن جاء بعده. وقد ذكرت الكتب التي تناولت حياته بالترجمة جملة كبيرة من المصنفات في شتى العلوم الشرعية تجاوزت في عددها الخمسين مصنفاً بين كتاب كبير تجاوز المجلدات الكبيرة، وأجزاء صغيرة مثل هذا الجزء الذي بين أيدينا. وقد ذكرت في مقدمة تحقيقي لكتاب النقد الصحيح ما مجموعه سبعة وأربعون كتاباً فأغنى ذكره هناك عن الإعادة في هذه العجالة. إلا أنه من المناسب أن أورد مصنفاته الموجودة بين أيدينا سواء كانت مخطوطة أو ما طبع منها وهي قليلة جداً بالنسبة لما فُقد أو مازال في أرفف المكتبات العالمية. فمن مؤلفاته المطبوعة: ١- إجمال الإصابة في أقوال الصحابة. وهو جزء صغير أفرده لاستيفاء القول في حكم – أقوال الصحابة- من حيث كونها حجة في الأحكام الشرعية أم لا١. ٢- بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس٢. ٣- تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد٣.

стр. 9

٤- جامع التحصيل لأحكام المراسيل١. ٥- جزء في تفسير الباقيات الصالحات وفضلها٢. ٦- النقد الصحيح لما أعترض عليه من أحاديث المصابيح٣. أما مؤلفاته المخطوطة فهي ما يلي: ١- الأشباه والنظائر. وقفت على نسخة منه في الجامعة العثمانية تحت رقم ٣٦٢-٢٩٧، وعدد أوراقه ٢١٩ ورقة. ٢- تفصيل الإجمال في تعارض بعض الأقوال والأفعال. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية قسم المخطوطات، تحت رقم ١٣٠٤. ٣- تلقيح الفهوم في صيغ العموم. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية قسم المخطوطات، تحت رقم ٦٤٧ / ٦٤٨. ٤- التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة. يحققه الدكتور مرزوق بن هياس الزاهراني معتمداً فيه على نسختين مختلفتين، وقد أوشك على الانتهاء منه. ٥- تهذيب الأصول إلى مختصر جامع الأصول. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية قسم المخطوطات، تحت رقم ٢٥١٠.

стр. 10

٦- توفية الكيل لمن حرم لحوم الخيل. يحققه الدكتور عبد الكريم صنيتان العمري، بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، وهو على وشك الانتهاء منه. ٧- جزء فيه أحاديث منتقاة من جزء أبي مسعود بن الفرات. منه نسخة مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عن الأصل المخطوط في المكتبة الأحمدية. ورقمه في الجامعة ٥١٦/ ١٣ ص (ل٧٠ –٧٢) في ٣ لقطات. ٨- مجمع الفوائد. منه نسخة مخطوطة في مكتبة الشيخ عارف حكمت بالمدينة تحت رقم ٤٩٣ عام. ٩- رسالة في تفسير ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ . منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٣٦٠٢. ح ضمن مجموع من ٤٨ق –٦٨ق. ١٠- رسالة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ . منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٢١٢١ ب، ضمن مجموع من ١ق - ٧ق. ١١- رفع الأشكال عن حديث صيام ستة أيام من شوال. ذكره د. عمر فلاته في مقدمة كتابه المراسيل للعلائي ١/ ١٥، وقال: موجود في القاهرة. ١٢- شفاء المسترشدين في حكم إختلاف المجتهدين. منه نسخة في مكتبة كوبريللي باسطمبول، تحت رقم ٣٨٦/ ٢. ١٣- العدة في أدعية الكرب والشدة. منه نسخة مخطوطة في مكتبة كوبريللي تحت رقم ٣٣٤ ب م

стр. 11

ونسخة في مكتبة برلين تحت رقم: ٤١٤٨. ١٤- الفتاوى المستغربة. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية بقسم المخطوطات تحت رقم ٦٨٦٨ ف. ١٥- الفصول المفيدة في الواو المزيدة. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٢٧٠٩، من ورقة ١٠٩- ١٢٦. ١٦- حديث "قطع في مجن" وما يتعلق به. منه نسخة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٥٤٢. ١٧- كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ١٧٧٠. ١٨- الكلام في بيع الفضولي. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ٨٧٨. ١٩- المجموع المذهب في قواعد المذهب. منه نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم: ١٧٩٠. ٢٠- الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده. لم يبق من الكتاب سوى قطعة وقفت عليها مصورة في مكتبة شيخنا الفاضل الشيخ حماد بن محمد الأنصاري حفظه الله.

стр. 12

مصدار ترجمة المؤلف: ١- الأنس الجليل ٢/١٠٧. ٢- البداية والنهاية ١٤/٢٦٧. ٣- تذكرة الحفاظ ٤/١٥٠٧. ٤- الدارس ١/٦٠. ٥- الدرر الكامنة ٢/٩١. ٦- ذيل طبقات الحفاظ ص ٣٦٠. ٧- الرسالة المستطرفة ص ٦٣. ٨- شذرات الذهب ٦/١٩٠. ٩- طبقات الشافعية ١٠/٣٦. ١٠- العبر ٤/١٨٦. ١١- معجم الشيوخ للذهبي ١/٢٢٣. ١٢- مقدمة كتاب المراسيل للدكتور عمر حسن فلاته. ١٣- مقدمة تحقيقي لكتاب النقد الصحيح للعلائي. ١٤- فهرس الفهارس ٢/٧٩٠. وصف النسخ: لقد اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب على أربع نسخ مختلفة من أصل خمس نسخ قمت بجمعها في أوقات متباينة، مما جعلني أعيد النظر في تحقيق الكتاب ثلاث مرات قبل دفعها إلى المطبعة لكتون متداولة بين أيدي الباحثين. وكانت النسخ المتعددة خير معين لي على إخراج النص كما أراده المؤلف بدون تصحيف أو تحريف.

стр. 13

وكانت أولى النسخ الأربع نسخة الأسكوريال، وهي ضمن مجموعة تحتوي على مؤلفات العلائي. ورقمها: ١٦١٢. الناسخ وتاريخ النسخ: لم يذكر الناسخ اسمه بعد الانتهاء من نسخ الكتاب كعادة النساخ. وذلك اكتفاء بما ذكره في أول المجموعة التي تضمنت هذا الكتاب وغيره. وقد ذكرالناسخ اسمه في نهاية كتاب التنبيهات المجملة. وحيث أن الخط واحد مع اختلاف في تاريخ النسخ. فإن الناسخ لهذا الكتاب هو محمد بن أحمد بن الصميدي الذي نسخ كتاب التنبيهات في الثامن من شهر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة، وكتاب منيف الرتبة في التاسع عشر من جمادى الأولى من تلك السنة. ومن خلال نسخي لهذه النسخة التي جعلتها أصلاً تبين لي أن الناسخ بذل جهداً وعنابة في نسخ الكتاب، تجلى ذلك في الاهتمام بالعناوين وبداية الأحاديث التي أوردها المصنف بخط يغاير الخط الذي استعمله في تسطير الكتاب، ولم ينس كتابة الكلمة من الورقة المقابلة في آخر سطر من الورقة السابقة حتى لا تتداخل الأوراق عند عدم كتابة أرقامها في أعلى الورقة. ويظهر أنه قابل بين نسخته والنسخة التي نقل عنها، بدليل الدائرة المنقوطة بعد انتهاء المعلومة. وهو مصطلح معروف لدى علماء هذا الشأن. ومن أجل هذه الميزات الآنفة الذكر إضافة إلى جودة الخط ووضوحه، وعدم وجود سقط جوهري أو تحريم أو تصحيف ذي ضرر على مادة الكتاب، جعلت هذه النسخة أصلاً في التحقيق. والنسخ التي

стр. 14

سيأتي ذكرها فرعاً لها في التصحيح والتكميل عند المقابلة. عدد أوراق النسخة: ٢٧ ورقة. مسطرتها: ١٩ سطراً. النسخة الثانية: وهي نسخة مصورة عن الأصل المخطوط في مكتبة جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية. تحت رقم هـ ٧٨٥ – وقد تفضل الشيخ نظام يعقوبي مشكوراً بإرسال نسخة مصورة عنها، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة في الدارين. وتقع النسخة في ٢٩ ورقة من الحجم المتوسط، وتمتاز بوضوح خطها ووجود بعض الفوارق الجيدة عن النسخة التي اعتمدتها في التحقيق، وقد أشرت إلى تلك الفوارق في الحاشية عند التحقيق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وتوفرت فيها ميزان النسخة الأصلية من تمام الضبط وإثبات الكلمة الأولى في آخر الورقة التي تسبق العبارات الموجودة في الورقة التالية. والاعتناء بالمقابلة من الأصل المنقول منه، بدليل إثبات الكلمات الساقطة في حاشية النسخة. إلا أن الناسخ لم يهتم بذكر اسمه ولا تاريخ نسخه للكتاب، وقد أدى هذا التصرف إلى أن أجعلها نسخة أخرى للمقابلة والتصحيح عند الحاجة. النسخة الثالثة: وهي نسخة مصورة من مكتبة خدابخش والمحفوظة هناك تحت رقم ٣١٨٣/٢ وعدد أوراقها ٣٣ ورقة تحتوي كل ورقة على ١٩

стр. 15

سطراً. والخط قريب جداً إلى الخط الفارسي. وفيها بعض الإلحاقات مما يدل على أنها قوبلت بعد الانتهاء منها. ويكاد يكون الاختلاف بينها وبين النسخ الأخرى نادرة جداً. وقد أثبت بعضها في الحاشية. النسخة الرابعة: وهي نسخة المتحف الوطني بكراتشي، ضمن مجموعة تحمل رقم ١٩٨٠ وتقع في ٢٨ ورقة وتحتوي كل ورقة على ١٨ سطراً. وقد أتحفني بها فضيلة الأستاذ الدكتور ضياء الرحمن الأعظمي، فجزاء الله خيراً ونفع بعلمه المسملين. وتمتاز هذه النسخة كسابقتها من جودة الخط ووضوحه، مع بعض الفوارق الخفيفة. وقد أثبتها في الحاشية أثناء المراجعة. التعريف بالكتاب: عنوان الكتاب هو: ((تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة)) . وقد اتفقت النسخ التي اعتمدتها على هذه التسمية، إلا أن الكتاني ﵀ ذكر في فهرس الفهاري ٢ /٧٩٠ أن من مؤلفاته كتاب تحقيق منصب الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، وأظنه تصحف عليه كلمة منصب من كلمة منيف، ونظراً لورود الاسم حسبما ذكرت بعاليه في النسخ المذكورة، فإنني اعتمدته في غلاف الكتاب.

стр. 16

موضوعه: قال المؤلف في مقدمة كتابه: هذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة. وقد تطرق ﵀ إلى مواضيع هامة جداً لم يتطرق إليها مجتمعة من قبله أحد. وقد حصر كلامه في كتابه هذا على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في تعريف الصحبة. وحكى في ذلك أقوال الأئمة المتقدمين، والتي بلغت مجموعها ستة أقوال. ثم أورد ما يمكن إيراده من المعارضة ورد ما يمكن رده، وخلص إلى نتيجة رأى أنها صحيحة لا يمكن ردها. المسألة الثانية: الطرق التي يمكن بها إثبات الصحبة. وأنها تثبت تارة بالتواتر وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر وتارة بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته أنه صحابي. المسألة الثالثة: في تقرير عدالة الصحابة ﵃. وأنه لا عبرة بمن حط على الصحابة أو خاض فيما شجر بينهم. ثم أورد جملة من الأدلة التي

стр. 17

تؤكد عدالة الصحابة من الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع الأمة.. وأورد أدلة من ذهب إلى أنهم غير عدول، وناقشها نقاشاً علمياً رد فيها كل تخرصاتهم واجتهاداتهم الخاطئة في فهم النصوص الواردة. وختم كتابه بفصل عن التهم التي أوردها بعض الناس في حق أبي هريرة ﵁ ورواياته عن النبي ﷺ وردها رداً شافياً فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته إثبات الكتاب للمؤلف: إن الأدلة قائمة على أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو كتاب الإمام العلائي. فقد اعتمد الحافظ إبن حجر نصاً واحداً في كتابه الإصابة ١/١٠-١١. إلا أنه لم يشر إلى إسم الكتاب. بل اكتفى بقوله: قال العلائي. وعند رجوعي إلى الأصل وجدت الكلام الذي نقله الحافظ منطبقاً على ما في هذا الكتاب. وكذلك فعل الإمام السخاوي. حيث نقل نصين عن الكتاب في فتح المغيث ٣/ ٨٩-١٠٤ دون الإشارة إلى عنوان الكتاب. والسيوطي أيضاً نقل نصاً واحداً وعزاه إلى العلائي دون الإشارة إلى عنوان الكتاب، إلا أن المقارنة أثبتت أنهم نقلوا هذه المعلومات من كتاب منيف الرتبة. وأما الكتاني فقد ذكر إسم الكتاب مصحفاً كما أشرت إليه آنفاً. فهذه الأدلة تكفي لإثبات نسبة الكتاب للعلائي بعنوانه الذي

стр. 18

أثبته، بما لا يدع مجالاً للشك، وبهذه النقولات التي اعتمدها العلماء بعده في كتبهم نستدل على أهمية الكتاب، وما تطرق إليه من مواضيع فيه تدور في فلك الصحابة رضوان الله عليهم. عملي في التحقيق: كان جل اهتمامي في تحقيق النص وإخراجه وضبطه ضبطاً تاماً على قدر الاستطاعة، وذلك بالرجوع إلى النسخ المتوافرة لدي، والتي أشرت إليها آنفاً وبالرجوع إلى المراجع التي اعتمدها في نقل معلوماته. ثم التعليق على المواضع التي أرى أنه لا بد من التعليق عليها. ولذا لم أطل في الحاشية لأن القارئ يريد الوقوف على ما في أصل المؤلف، ثم إن كثيراً من الروايات التي استند عليها المؤلف في كتابه هي من الصحيحين أو أحدهما. وما كان فيه ضعف نبه عليه، فأغنى ذلك عن التعليق الذي يفوت الفائدة من نص الكتاب، والله الموفق والهادي إلى الصواب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آل وصحبه وسلم. وكتبه د. عبد الرحيم بن محمد القشقري في المدينة النبوية عام ١٤٠٩

стр. 19

ملاحظة: توجد صورة لنسحة الاسكوريل باسبابيا

стр. 20

ملاحظة: توجد هنا صورة لنسخة برنستون "امريكا"

стр. 21

نسخة خدا بخش بالهند

стр. 22

نسخة التحف الوطني بكرتشي

стр. 23

المسألة الأولى: في تعريف الصحابي ... نص، كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للإمام الحافظ العلائي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيق إلا بالله. أما بعد: حمداً لله الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً، وفضل من اجتباه بما آتاه من جميل الرغائب وجزيل النعمى (ويسر للخير من هداه إليه فكان للسابقين المزية العظمى) ١، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث برحمة ورحمى المنعوت بأشرف الصفات حكمة وحكماً. الذي فتح به قلوباً غلفاً وعيوناً عمياً وآذاناً صماً. وعلى آله وصحبه الحائزين به نعماً جماً. الفائزين لما خصوا به من صحبته بالمحل الأسمى. فإن الله اختص نبيه ﷺ بصحابة جعلهم خير أمته، والسابقين إلى تصديقه وتبعيته والمجاهدين بين يديه والباذلين نفوسهم تقرباً إليه (والناقلين لسننه وقضاياه، والمقتدين به في أفعاله ومزاياه) ٢، فلا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم. ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم. فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم. ومتلقى من جهتهم بإبلاغهم وتفهيمهم. فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان.

стр. 24

وهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة. ثم إثبات العدالة لجميعهم ﵃، وأنه لا يشذ عن هذه المنقبة أحد منهم، وذكر المذاهب الشاذة وبيان ما يعتمد من قويم المسالك. وبالله تعالى التوفيق. وإياه نسأل الهداية إلى أقصد الطريق. إنه بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير. والكلام فيما قصدنا له ينحصر في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: فيما يثبت به إسم الصحبة حتى ينطلق على من قام به إسم الصحابي، وفي ذلك مذاهب متباينة. الأولى: وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث. "أنه كل مسلم رآه النبي ﷺ ولو لحظة وعقل منه شيئاًَ، فهو صحابي، سواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً". وهذا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل ﵀. ورواه عبدوس بن مالك قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل ﵀ يقول: "كل من صحبه سنة أو شهراً أو ساعة أو رآه فهو من

стр. 25

أصحابه"١. وقال البخاري في صحيحه: "من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"٢. وأخرج أبو داود في سننه حديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: ١ -"الجمعة حق واجب على كل مسلم ... الحديث". ثم قال أبو داود عقيبه: طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ ، ولم يسمع منه شيئاً. فدل إخراجه الحديث في سننه على أنه مسند، ولولا أن طارقاً يعد من الصحابة لمجرد الرؤية، وإلا كان تابعياً، فيكون الحديث مرسلاً٣. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: "المعروف في طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى النبي ﷺ فهو من الصحابة". قال: وبلغنا عن أبي المظفر بن السمعاني المروزي أنه قال: "أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثاً أو كلمة. ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة. وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ . أعطوا كل من رآه حكم الصحبة"٤. والقول الثاني: وهو أضيق من الأول قليلاً، أنه لا يكتفي بمجرد الرؤية، لكن لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة ولو ساعة.

стр. 26

لطيفة حكاه بعض أئمة الحديث المتأخرين عن الواقدي أنه قال: "ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله ﷺ وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب النبي ﷺ ولو ساعة من النهار"١. وهكذا قال الآمدي في الأحكام ناقلاً له عن أكثر أصحابنا: "أن الصحابي من رأى النبي ﷺ وصحبه ولو ساعة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه ولا طالت مدة صحبته"٢. وعبارة الشيخ صفي الدين الأرموي في نهاية الوصول نحو هذا. وهي أعم من قول الواقدي المتقدم آنفاً. من جهة أن ذاك اشترط فيه البلوغ، ولم يقيد الآمدي والأرموي كلامهما بذلك. بل يدخل فيه أيضاً الصبي المميز كمحمود بن الربيع الذي عقل عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين٣. وعده البخاري وغيره من الصحابة لذلك. فيمكن لذلك أن يجعل الكلامان قولين متباينين. وأما ابن الحاجب فإنه اختار في مختصريه القول الذي نقلناه أولاً عن أحمد بن حنبل والجمهور من الاكتفاء بمجرد الرؤية٤.

стр. 27

((القول الثالث)) : إن الصحابي أنما ينطلق على من رأى النبي ﷺ واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه. حكاه هكذا الآمدي والأرموي عن جماعة ولم يسموهم١. ونقله ابن الصلاح عن أبي المظفر بن السمعاني أنه ذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة. والظاهر إنما يقع على من طالت صحبته للنبي ﷺ وكثرت مجالسته له على طريق التتبع له والأخذ عنه. قال: وهذا طريق الأصوليين٢. ((القول الرابع)) : إن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي ﷺ وأخذ عنه العلم. حكاه الآمدي هكذا عن عمر بن يحيى٣. وعبر غيره عن هذا القول بأن يجمع بين الصحبة الطويلة والرواية عنه ﷺ . وهذا أقرب، لأنه من المعلوم أن من طالت صحبته للنبي ﷺ فلا بد وأن يتحمل عنه شيئاً ما، ولو من أفعاله التي شاهدها. لكن يرد على هذا القائل: أنه لا يعرف خلاف بين العلماء في أن من طالت صحبته ولم يحدث عنه ﷺ بشيء. أنه معدود من الصحابة، لكن وقوع مثل ذلك نادر جداً. إذ لا يلزم من عدم وصول رواية عن ذلك الصاحب إلينا أن لا يكون روى شيئاً عن النبي ﷺ مما سمعه أو شاهده.

стр. 28

((القول الخامس)) : وهو أضيق المذاهب. ما حكاه إبن الصلاح وغيره عن سعيد بن المسيب أنه قال: "لا يعد الصحابي إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين"١. قال الشيخ أبو عمرو: وكان المراد بهذا إن صح عنه راجع إلى المحكى عن الأصوليين. ولكن في عبارته ضيق يوجب أن لا يعد في الصحابة جرير بن عبد الله ﵁ ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافاً في عده من الصحابة٢. قلت: مثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي. وخلق كثير ممن أسلم سنة تسع وبعدها. وقدم عليه ﷺ فأقام عنده أياماً ثم رجع إلى قومه، وروى عنه أحاديث. اللهم إلا أن يؤول كلام سعيد بن المسيب على من يعطي كمال الصحبة المقتضى للعدالة، على ما اختاره الإمام المازري كما سيأتي إن شاء الله من قوله: إن العدالة المطلقة إنما يحكم بها لأمثال هؤلاء.

стр. 29

وهو قول مرجوح أيضاً كما سنبينه إن شاء الله تعالى. ((القول السادس)) : وهو أوسع المذاهب، ما حكاه القاضي عياض قال: ذهب أبو عمر بن عبد البر في آخرين إلى أن إسم الصحبة وفضيلتها حاصلة لكل من رآه وأسلم في حياته، أو ولد وإن لم يره، وإذا كان ذلك قبل وفاته بساعة ولكن كان معهم في زمن واحد. وجمعه وإياه عصر مخصوص. قلت: إن كان هذا أخذه القاضي عياض من تصريح إبن عبد البر وغيره بذلك، ففيه من الأشكال ما سيأتي. وإن كان مأخوذاً من إدخالهم أمثال هؤلاء في كتب الصحابة التي صنفوها، فقد صرح إبن عبد البر بأنه إنما أدخل مثل الأحنف بن قيس، والصنابحي، وأولاد الصحابة الذين ولدوا في حياته ﷺ ، ولا يثبت لأحد منهم رؤية لموته ﷺ وهم صغار جداً. ليستكمل بذكرهم القرن الذي أشار إليه النبي ﷺ بأنه خير القرون. يعني لا لأنهم من الصحابة. فقد حكم على روايتهم عن النبي ﷺ بالإرسال في غير موضع من كتبه، فعرف مقصده بذكرهم في كتاب الصحابة١. هذا حاصل المذاهب التي وقفت عليها في هذه المسألة، ويتعلق بها مباحثات. الأولى: إن الصحبة لها اعتباران. أحدهما: من حيث الوضع. والآخر: من حيث العرف.

стр. 30

فهي من حي الوضع اللغوي ينطلق على القليل والكثير سواء كان في مجالسة أو مماشاة ولو ساعة يسيرة١. وقد روى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه خرج مع عبد الله بن مسعود رديفاً له. فصحبه دهقان في الطريق من القنطرة، فأنشعبت له طريق فأخذ فيها. قال: فقال عبد الله: أين أخذ الرجل. فقلت: إنشعبت له طريق. فلما رآه قال: السلام عليك فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤا بالسلام. قال: بلى ولكن هذا حق الصحبة. فأطلق إبن مسعود ﵁ إسم الصحبة على السير معه شيئاً يسيراً. وأما من حيث العرف: فإنه لا ينطلق إلا على الصحبة الطويلة أو الكثيرة. صرح بذلك إبن سيده، والراغب٢ وغيرهما. لكن لا حد لتلك الكثرة، كما أنه لم يحد الاعتبار اللغوي من حيث القلة إلا بما ينطلق عليه الإسم. وقد استدل ابن الحاجب لقول الجمهور الذي اختاره. أن إسم الصحابي يقع على من له مجرد الرؤية فأكثر من ذلك، بأن إسم الصحبة يعم القليل والكثير. بدليل أنه يصح تقسيمها إلى ذلك. ويقبل التقييد بكل منهما.

стр. 31

فيكون للقدر المشترك بينهما، لأن مورد التقسيم يجب أن يكون مشتركاً. ولذلك لو حلف حالف أنه لا يصحب فلاناً حنث بصحبته لحظة١. واستدل غيره أيضاً بصحة الاستفهام، فإن القائل إذا قال: صحبت فلاناً..؟ حين أن يقال صحبته يوماً أو شهراً أو ساعة يسيرة. ونحو ذلك، فلولا أنه موضوع للكل لما حسن الاستفهام منه. واعترض عليه بشيئين: أحدهما: أنه – أعني ابن الحاجب- صدر المسألة بما اختاره من قول الجمهور بأن إسم الصحبة يقع على من له مجرد الرؤية، كما تقدم. وهذا الدليل لا يطابق المدعي. لأن من رأى شخصاً من بعيد، ولم يكلمه ولا صحبه لحظة. لا يقال له أنه صحبه. لا من حيث الوضع ولا من حيث العرف قطعاً. فلا يستقيم الدليل إلا لمن قال بالقول الثاني أنه لا يكتفي بمجرد اللقاء، بل لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة من ملابسة ما إما بكلام أو مماشاة ونحو ذلك دون من رآه من بعيد وقتاً ما كأبي الطفيل وأمثاله. الثاني: إن هذا التقسيم والاستفهام إنما يجيئان في مطلق اسم الصحبة التي هي المصدر وكذلك الفعل. فأما إسم الفاعل الذي هو الصاحب فلا ينطلق إلا على الملازم الذي كثرت منه الصحبة. كما يقال المزني والربيع صاحبا الشافعي.

стр. 32

وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة ونحو ذلك. صرح بذلك الراغب وغيره١. فلا يلزم من كون الصحبة للقدر المشترك بين القليل والكثير أن يكون الصاحب كذلك، ولا يحسن الاستفهام عند إطلاق لفظ الصاحب كما يحسن عند إطلاق الفعل أو المصدر. وكذلك الحنث في اليمين أيضاً. فإنه إذا حلف أن لا يكون صاحباً لفلان لم يحنث بصحبته ساعة لطيفة، وهذا هو المأخذ الذي اعتبره المازري في تخصيص الحكم بالعدالة لمن اشتهر من الصحابة دون من قلّت صحبته، أو كان له مجرد الرؤية، فلا يبقى في إدراج من كان له مجرد الرؤية في عداد الصحابة إلا لشرف المنزلة، أعطي من رآه حكم الصحبة. وقد روى شعبة عن موسى السيلاني وأثنى عليه خيراً قال: ٢-"أتيت أنس بن مالك ﵁ فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك. قال: بقي ناس من الأعراب قد (رأوه) ٢ فأما من صحبه فلا"٣.

стр. 33

قال ابن الصلاح: إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة١. قلت: وهو يقتضي التفرقة بين الرائي ومن يطلق عليه إسم الصاحب. والحاصل أن تسمية الجميع بإسم الصحابي له إعتبارات. إحداها: من يصدق عليه الإستعمال العرفي قطعاً، وهؤلاء هم، جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا معه ﷺ . ومن هاجر إليه من القبائل وغزا معه. ولا ريب في أمثال هؤلاء. الثاني: من يقرب من هؤلاء كالذين هاجروا إليه وأقاموا عنده أياماً قلائل ورجعوا إلى أماكنهم كوفد (عبد القيس) ٢ ووفد ثقيف وأمثالهم، وكمثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي، وجرير بن عبد الله البجلي٣. ومن لم يصحبه إلا مدة يسيرة – الأيام والليالي- ولكن حفظ عنه وتعلم منه، وروى عنه عدة أحاديث، فهؤلاء أيضاً وأمثالهم يطلق عليهم إسم الصاحب حقيقة عرفية. وإن كانت مدة صحبتهم ليست طويلة. لتحقق الإسم فيهم وصدق الإتصاف بالصحبة لهم.

стр. 34

الثالث: من لقيه ﷺ بمجالسة يسيرة أو مبايعة أو مماشاة. وكان مسلماً إما بالغاً أو مميزاً. وعقل من النبي ﷺ شيئاً ما، بأن أجلسه في حجره أو مج في وجهه ماء أو غير ذلك، فلاريب في أن الإطلاق العرفي منتف عن مثل هؤلاء. وأما الإطلاق اللغوي فهو قريب. وقد ينازع فيه لأنه يصح نفي الصحبة عن أمثال هؤلاء. فيقال ما صحبه ولكن بايعه أو كلمه يسيراً أو جلس في حجره صغيراً ونحو ذلك. وصحة النفي١ من علامات المجاز. فلا يكون إطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق الحقيقة، لكن الإتفاق واقع من أئمة الحديث في كل عصر على تسمية هؤلاء من جملة الصحابة. وإخراج ما حكوه من تلك الوقائع في مسانيد الصحابة والإحتجاج بما فيها من الأحكام إذا صح السند إليهم من غير توقف في ذلك. فإسم الصحبة في أمثال هؤلاء قريب من الحقيقة اللغوية قرباً قوياً وإن كان الاستعمال العرفي معدوماً في حقهم. ومن هؤلاء طارق بن عبد الله المحاربي حيث أخبر أنه رأى النبي ﷺ بالمدينة فقال: ٣-" هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: نعم. هذا البعير. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقاً من تمر. قال: فأخذه بخطامه (وسار إلى المدينة. فقلنا: بعنا من رجل لا ندري من هو) ٢ ومعنا ظعينة٣. فقالت: أنا ضامنة لكم ثمن البعير. رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة

стр. 35

البدر (لا نحبس بكم) ١ فأصبحنا. فجاء رجل فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم. يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا. وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: ففعلنا" ٢. رواه عن جامع بن شداد وربعي بن حراش. وعداد طارق هذا في أهل الكوفة. والرابع: من لم يجتمع به ﷺ أصلاً. وإنما رآه من بعيد، وحكى شيئاً من أفعاله. أو لم يحك شيئاً. مثل أبي الطفيل عامر بن واثلة وغيره ممن ليس له إلا مجرد الرؤية. أما في حجة الوداع أو غزوة الفتح أو غزوة حنين. وغير ذلك. أو كان مع أبيه فأراه النبي ﷺ من بعد. فلا ريب في أن الإطلاق اللغوي منتف عن هؤلاء قطعاً، فضلاً عن الاستعمال العرفي، وإنما أعطي هؤلاء حكم الصحبة لشرف ما حصل لهم من الرؤية له ﷺ ، ولدخولهم في القرن الذي أثبت رسول الله ﷺ أنه خير القرون من أمته. فكان ذلك على وجه التوسع المجازي لا بالحقيقة والله أعلم. الثانية: أما ما بعد هذه المراتب من إلحاق من عاصر النبي ﷺ ولم يره أصلاً. بالصحابة إذا كان قد أسلم في زمنه كالأحنف بن قيس،

стр. 36

وأبي عبد الله الصنابحي وأشباههما. فلا ريب أنه بعيد جداً. لأن الصحبة منفية عن هؤلاء قطعاً بالإعتبار اللغوي والمعنى الإصطلاحي. ولا رؤية حصل لهم بها شرف المنزلة، فلا وجه لعدهم في جملة الصحابة، إلا على ما تقدم ذكره من استيفاء ذكر أهل القرن الأول الذي عاصره النبي ﷺ . وكذلك من ولد في حياته ﷺ من أبناء الصحابة، ومات النبي ﷺ وهو إبن سنة ونحو ذلك. فلا يطلق على أحد من هؤلاء إسم الصحبة لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز١. لكن هؤلاء المعاصرون على قسمين: أحدهما: من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ مكاتبة أصلاً ولا قرأ كتابه كأبي رجاء العطاردي، وإسمه عمران بن ملحان، وأمثاله ممن لا عداد له إلا في التابعين. الثاني: من كتب إليه النبي ﷺ أو راسله كالنجاشي واسمه أصحمة بن بحر. أو قرأ كتاب النبي ﷺ كعبد الله إبن عكيم الجهني. فهؤلاء أقرب من القسم الأول بناء على أن المكاتبة أحد أنواع التحمل

стр. 37

التي تصح بها الرواية. فهم مرتفعون عن أن يعدوا في قسم التابعين، ولا بد لما بينهم وبين النبي ﷺ من الإتصال فيكون ذلك علامة مجوزة لإطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق المجاز، وأما الحقيقة فمنتفية قطعاً. ومقابل هذا في التوسع. أعني عد هذين القسمين من جملة الصحابة. قول من ضيق الأمر جداً ولم يجعل الصحابي إلا من صحب النبي ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وهو المحكي عن سعيد بن المسيب إن ثبت عنه١. والإجماع منعقد في كل عصر على عدم اعتبار هذا الشرط في إسم الصحابي. كيف والمسلمون في سنة تسع وما بعدها من الصحابة آلاف كثيرة، وكذلك من أسلم زمن الفتح من قريش وغيرها ولم يصحب النبي ﷺ إلا زمناً يسيراً. واتفق العلماء على أنهم من جملة الصحابة. وأما اشتراط الجمع بيه الصحبة والرواية فضعيف. لأن الرواية لم تتصل إلا عن عدد يسير من الصحابة بالنسبة لجميعهم ﵃. فقد جاء عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدد من روى عن النبي ﷺ فقال:

стр. 38

٤-" شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً" وعن أبي زرعة أيضاً أنه قال: ٥-"قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه". وفي رواية: ممن رآه وسمع منه. فقيل له: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه..؟ فقال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب. ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه فعرفه١. قلت: وكذلك من شهد معه فتح مكة، وغزوة حنين فإنهم كانوا يوم حنين إثني عشر ألفاً. ومن وفد عليه من القبائل، ومع هذا كله فأكبر الكتب المصنفة في مسانيد الصحابة وأكثرهاً حديثاً مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀. وجميع ما فيه لمن سمى من الصحابة من الرجال والنساء نحو سبعمائة وثلاثين نفساً، ومن المبهمين الذي لم يسموا من الصنفين نيف وثلاثمائة. فيسقط من هؤلاء جملة من الصحابة مع المعرفة بهم، وعدهم في أهل بدر وأحد والحديبية ونحوها. وقد تقدم أنه لا يلزم مع عدم إتصال رواية عن أحد منهم أن لا يكون روى شيئاً بالكلية، والله أعلم. الثالث: ذكر الآمدي وابن الحاجب٢. وغيرهما من أئمة

стр. 39

الأصول أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى نزاع لفظي في مسمى الصحابي على ما ينطلق. وهذا فيه نظر من جهة أن مراد المصنفين غالباً بالنزاع اللفظي ما لا يترتب عليه حكم شرعي. ولا ريب في أن هذا الخلاف يترتب عليه أحكام شرعية. منها: العدالة الآتي تقريرها للصحابة ﵃. فإن من لا يعد الرائي من جملة الصحابة يتطلب تعديله بالتنصيص على ذلك كما في سائر الرواة من التابعين فمن بعدهم. ومن ثبتت له خصيصة الصحبة بمجرد اللقاء أو بالصحبة اليسيرة لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفي بشرف الصحبة تعديلاً. ومنها: الحكم على ما رواه عن النبي ﷺ بكونه مرسل صحابي أم لا. فإن الجمهور على قبول مراسيل الصحابة ولم يخالف فيها إلا الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني١. فإذا أثبت لمن له مجرد الرؤية كونه صحابياً التحق مرسلة بمثل ما روى عن ابن عباس، والنعمان بن بشير وأمثالهما عن النبي ﷺ

стр. 40

في القبول على رأي الجمهور. وإن لم نعطه إسم الصحبة كان حديثه عن النبي ﷺ كمرسل سائر التابعين يجيء فيه الخلاف المشهور. ومنها أن من كان منهم مجتهداً أو نقلت عنه فتياً وحكمة١ هل يلتحق ذلك بكونه قول صحابي حتى يكون حجة على رأي كثير من أهل العلم أو لا يكون كذلك – يعني أيضاً على إعطائه رتبة الصحبة أم لا. فتبين أن الخلاف في هذه المسألة ينبني عليه أحكام مهمة عظيمة الجدوى فكيف يكون لفظياً. وما صرح به بعضهم أن الخلاف اللفظي قد يترتب عليه حكم شرعي فهو بعيد عن المعروف من اصطلاحهم، والله أعلم. الرابعة: تقدم في عبارة الإمام البخاري وغيره، تقييد من رآه ﷺ أو كلمه أو ماشاه بكونه مسلماً في تلك الحالة حتى يثبت له إسم الصحبة. وكذلك قال الآمدي وغيره٢. وهذا هو الحق وإن كانت المسألة قل من صرح بها فإن الصحبة رتبة شريفة اختص بها من صحب النبي ﷺ أو كلمه أو مشي معه، أو رآه على القول بذلك، وإنما تثبت هذه الخصيصة ويصح الاتصاف بها بشرطها، وهو الإيمان به ﷺ حتى يصح انتسابه إليه، فمن ليس كذلك لا بصح انتسابه إلى صحبته.
следующие страницы →