وأبي عبد الله الصنابحي وأشباههما. فلا ريب أنه بعيد جداً. لأن الصحبة منفية عن هؤلاء قطعاً بالإعتبار اللغوي والمعنى الإصطلاحي.
ولا رؤية حصل لهم بها شرف المنزلة، فلا وجه لعدهم في جملة الصحابة، إلا على ما تقدم ذكره من استيفاء ذكر أهل القرن الأول الذي عاصره النبي ﷺ .
وكذلك من ولد في حياته ﷺ من أبناء الصحابة، ومات النبي ﷺ وهو إبن سنة ونحو ذلك. فلا يطلق على أحد من هؤلاء إسم الصحبة لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز١. لكن هؤلاء المعاصرون على قسمين:
أحدهما: من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ مكاتبة أصلاً ولا قرأ كتابه كأبي رجاء العطاردي، وإسمه عمران بن ملحان، وأمثاله ممن لا عداد له إلا في التابعين.
الثاني: من كتب إليه النبي ﷺ أو راسله كالنجاشي واسمه أصحمة بن بحر. أو قرأ كتاب النبي ﷺ كعبد الله إبن عكيم الجهني.
فهؤلاء أقرب من القسم الأول بناء على أن المكاتبة أحد أنواع التحمل
стр. 37
التي تصح بها الرواية. فهم مرتفعون عن أن يعدوا في قسم التابعين، ولا بد لما بينهم وبين النبي ﷺ من الإتصال فيكون ذلك علامة مجوزة لإطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق المجاز، وأما الحقيقة فمنتفية قطعاً.
ومقابل هذا في التوسع. أعني عد هذين القسمين من جملة الصحابة.
قول من ضيق الأمر جداً ولم يجعل الصحابي إلا من صحب النبي ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين.
وهو المحكي عن سعيد بن المسيب إن ثبت عنه١.
والإجماع منعقد في كل عصر على عدم اعتبار هذا الشرط في إسم الصحابي. كيف والمسلمون في سنة تسع وما بعدها من الصحابة آلاف كثيرة، وكذلك من أسلم زمن الفتح من قريش وغيرها ولم يصحب النبي ﷺ إلا زمناً يسيراً. واتفق العلماء على أنهم من جملة الصحابة.
وأما اشتراط الجمع بيه الصحبة والرواية فضعيف. لأن الرواية لم تتصل إلا عن عدد يسير من الصحابة بالنسبة لجميعهم ﵃.
فقد جاء عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدد من روى عن النبي ﷺ فقال:
стр. 38
٤-" شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً" وعن أبي زرعة أيضاً أنه قال:
٥-"قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه".
وفي رواية: ممن رآه وسمع منه.
فقيل له: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه..؟
فقال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب. ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه فعرفه١.
قلت: وكذلك من شهد معه فتح مكة، وغزوة حنين فإنهم كانوا يوم حنين إثني عشر ألفاً. ومن وفد عليه من القبائل، ومع هذا كله فأكبر الكتب المصنفة في مسانيد الصحابة وأكثرهاً حديثاً مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀. وجميع ما فيه لمن سمى من الصحابة من الرجال والنساء نحو سبعمائة وثلاثين نفساً، ومن المبهمين الذي لم يسموا من الصنفين نيف وثلاثمائة. فيسقط من هؤلاء جملة من الصحابة مع المعرفة بهم، وعدهم في أهل بدر وأحد والحديبية ونحوها.
وقد تقدم أنه لا يلزم مع عدم إتصال رواية عن أحد منهم أن لا يكون روى شيئاً بالكلية، والله أعلم.
الثالث: ذكر الآمدي وابن الحاجب٢. وغيرهما من أئمة
стр. 39
الأصول أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى نزاع لفظي في مسمى الصحابي على ما ينطلق.
وهذا فيه نظر من جهة أن مراد المصنفين غالباً بالنزاع اللفظي ما لا يترتب عليه حكم شرعي. ولا ريب في أن هذا الخلاف يترتب عليه أحكام شرعية. منها:
العدالة الآتي تقريرها للصحابة ﵃. فإن من لا يعد الرائي من جملة الصحابة يتطلب تعديله بالتنصيص على ذلك كما في سائر الرواة من التابعين فمن بعدهم. ومن ثبتت له خصيصة الصحبة بمجرد اللقاء أو بالصحبة اليسيرة لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفي بشرف الصحبة تعديلاً.
ومنها:
الحكم على ما رواه عن النبي ﷺ بكونه مرسل صحابي أم لا. فإن الجمهور على قبول مراسيل الصحابة ولم يخالف فيها إلا الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني١.
فإذا أثبت لمن له مجرد الرؤية كونه صحابياً التحق مرسلة بمثل ما روى عن ابن عباس، والنعمان بن بشير وأمثالهما عن النبي ﷺ
стр. 40
في القبول على رأي الجمهور. وإن لم نعطه إسم الصحبة كان حديثه عن النبي ﷺ كمرسل سائر التابعين يجيء فيه الخلاف المشهور.
ومنها أن من كان منهم مجتهداً أو نقلت عنه فتياً وحكمة١ هل يلتحق ذلك بكونه قول صحابي حتى يكون حجة على رأي كثير من أهل العلم أو لا يكون كذلك – يعني أيضاً على إعطائه رتبة الصحبة أم لا.
فتبين أن الخلاف في هذه المسألة ينبني عليه أحكام مهمة عظيمة الجدوى فكيف يكون لفظياً. وما صرح به بعضهم أن الخلاف اللفظي قد يترتب عليه حكم شرعي فهو بعيد عن المعروف من اصطلاحهم، والله أعلم.
الرابعة: تقدم في عبارة الإمام البخاري وغيره، تقييد من رآه ﷺ أو كلمه أو ماشاه بكونه مسلماً في تلك الحالة حتى يثبت له إسم الصحبة.
وكذلك قال الآمدي وغيره٢.
وهذا هو الحق وإن كانت المسألة قل من صرح بها فإن الصحبة رتبة شريفة اختص بها من صحب النبي ﷺ أو كلمه أو مشي معه، أو رآه على القول بذلك، وإنما تثبت هذه الخصيصة ويصح الاتصاف بها بشرطها، وهو الإيمان به ﷺ حتى يصح انتسابه إليه، فمن ليس كذلك لا بصح انتسابه إلى صحبته.
стр. 41
ولهذا منع الله تعالى نسبة المنافقين إلى صحبته ﷺ وأن يُروى عن أحد منهم شيء أصلاً، ولا يوجد لأحد منهم ذكر في شيء من كتب الصحابة.
وكذلك أيضاً لم يذكر أحد عبد الله بن صياد في الصحابة، وقد كلمه النبي ﷺ ووقف معه في قصته المشهورة١، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ وحج، ولم يعتدوا بذلك اللقاء والكلام في حال كفره، والله أعلم بما آل إليه أمره بعد إسلامه، وقد ذكر هذه المسألة بعض المتأخرين من فضلاء المغاربة وقال:
لعلها لم تقع. أي أن يلقى النبي ﷺ رجل على كفره ويكلمه ثم يسلم بعد وفاته.
وغفل عن إبن صياد هذا٢.
وممايستغرب ذكره هنا شيئان:
أحدهما: ما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء قال:
стр. 42
٦-"بايعت النبي ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه. ونسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت علي. أن هاهنا منذ ثلاث أنتظرك"١.
فهذه القصة كانت قبل النبوة، ولم يكن أسلم عبد الله بن أبي الحمساء يومئذ قطعاً، ثم إنه لم يذكر له بعد ذلك صحبة مع النبي ﷺ ولا يعرف له إلا هذا الحديث الواحد. ولكن الظاهر أن له صحبة وإسلاماً مع النبي صلى الله عليه وسلم٢. فقد ذكره جماعة ممن سكن البصرة من الصحابة وعده بعضهم في المكيين٣.
فلو فرض في مثل هذا أنه أسلم في زمن النبي ﷺ ولم يلقه بعد إسلامه. هل يكتفي بذلك اللقاء الأول مع إسلامه في زمنه ويعد صحابياً بذلك..؟
هذا مما فيه نظر واحتمال منقدح، بخلاف من لم يسلم إلا بعد وفاته ﷺ .
ومن هذا النوع أيضاً:
سعيد بن حيوة الباهلي. رأى النبي ﷺ في الجاهلية وهو صغير في حياة جده عبد المطلب، وهو يتطلبه لما أبطأ عنه في قصة رويناها من طريق داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه٤.
стр. 43
قال ابن عبد البر: لا يعرف سعيد إلا بهذا الحديث١.
قلت: ولم يذكر أحد له لقاء بالنبي ﷺ بعد المبعث والله أعلم.
الثاني: أن الصحابي إذا لقي النبي ﷺ وصحبه ثم ارتد بعد وفاته ثم رجع إلى الإسلام، هل تحبط ردته ما ثبت له من شريف الصحبة، حتى إنه لا يعد فيهم أو لا..؟ لأنه رجع إلى الإسلام بعد ذلك.
هذا مما فيه نظر. ولا يبعد على أصل الحنفية القائلين بأن هذا إسلام جديد، يجب عليه فيه الحج وإن كان قد حج أولاً، فقد حبط ذلك الحج أن يقال بأن صحبته للنبي ﷺ بطل حكمها وبقي كمن لمن يسلم إلا بعد وفاته.
وأما على أصول أصحابنا فلا يجيء ذلك لأن الحبوط مشروط بالوفاة على الردة فلما رجع هذا إلى الإسلام، بقي حكم الصحبة في حقه متسمراً، ولهذا ذكروا الأشعث بن قيس من جملة الصحابة وعدوا أحاديثه من المسندات، وكان ممن ارتد بعد النبي ﷺ ثم رجع إلى الإسلام بين يدي أبي بكر رضي الله عنه٢ وزوجه أخته٣، والله أعلم.
стр. 44
الخامسة: إذا قيل بأن من له مجرد الرؤية من الصحابة، فهل يلتحق بذلك من لم ير النبي ﷺ إلا بعد وفاته وقبل دفنه ﷺ وقد كان مسلماً في حال حياته؟
لم أر أحداً تعرض لهذه الصورة١، وهي محتملة وليست مجرد فرض، بل قد وقعت لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر. وقيل اسمه خويلد بن خالد في قصته المشهورة لما أخبر بمرض النبي ﷺ فسافر نحوه فقبض ﷺ قبل وصوله إلى المدينة بيسير وحضر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر ﵁ ثم حضر الصلاة على النبي ﷺ ، ورآه مسجى وشهد دفنه ولم تتقدم له رؤية قبل ذلك، لكنه كان مسلماً في حياة النبي ﷺ .٢ ولا يبعد أن يعطي هذا حكم الصحبة لشرف ما حصل له من رؤيته ﷺ قبل دفنه وصلاته عليه، وهو أقرب من عد المعاصر الذي لم يره أصلاً فيهم. أو الصغير الذي ولد في حياته. والله أعلم.
стр. 45
المسألة الثانية: في طرق إثبات الصحبة
...
المسألة الثانية: "فيما تثبت به الطرق المتقدمة".
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح٣:
стр. 46
ثم إن كون الواحد منهم صحابياً يعرف تارة بالتواتر، وتارة بالإستفاضة القاصرة عن التواتر. وتارة بأن يروي عن آحاد الصحابة أنه صحابي. وتارة بقوله وأخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته أنه صحابي.
وقال الآمدي في الأحكام:
لو قال من عاصر النبي ﷺ أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، ويحتمل أن لا يصدق في ذلك لكونه متهماً بدعوى رتبة يثبتها لنفسه. كما لو قال: أنا عدل أو شهد لنفسه –بحق-١.
قلت: وقد بنى بعض المصنفين هذا على أن مجرد الرؤية أو الصحبة اليسيرة، هل يثبت فيها مسمى الصحابي أم لا؟ فإن قلنا يكون بذلك صحابياً فذلك مما يتعذر فيه إثبات بالنقل دائماً إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه بالنبي ﷺ أحد أو حال رؤيته إياه، أو حضر ذلك واحداً أو اثنان ولم ينقلا ذلك. فلو لم يثبت ذلك بقوله لتعذر إثباته. بخلاف ما إذا ادعى طول الصحبة وكثرة التردد في السفر والحضر، فإن مثل ذلك يشاهده أقوام كثيرون فينقل ويشتهر فلا يثبت بقوله٢.
ونظير هذا النوع، المودع والوكيل إذا ادعيا الهلاك بسبب ظاهر، فإنه لا يقبل قولهما إلا ببينة لإمكان ذلك٣. بخلاف ما إذا ادعيا مطلق الهلاك. أو أسنداه إلى سبب خفي فإنه يقبل قولهما فيه من غير بينة. ثم
стр. 47
إن قول من تقدم أنه يقبل قوله. أنا صحابي بعد ثبوت عدالته يشمل على صورتين:
أحداهما: أن يكون ثابت العدالة قبل دعواه أن صحابي.
والثاني: أن يقول ذلك ولم يعلم حاله ثم تظهر عدالته بالاختبار بعد ذلك، وهذا ظاهر في القسمين، ووراء هذا قسم آخر وهو أن يذكر لقائه النبي ﷺ واجتماعه به أو يروى شيئاً يذكر أنه سمعه منه أو شاهده بفعله، ولا يعرف ذلك إلا من جهته ولا يعلم حاله قبل ولا بعد. غير أنه لم يظهر فيه ما يقتضي جرحاً.
وقد ذكر الإمام أبو الحسين بن القطان في أثناء كلام له، أن الناس اختلفوا في تصحيح أحاديث هذا الصنف. فقبلها قوم وردها بعض أهل الظاهر١. وفي كلامه ما يقتضي ترجيح الثاني لأنهم لو ادعوا لأنفسهم أنهم ثقات لم يسمع منهم فكيف يقبل منهم ادعاء مرتبة الصحبة.
والذي ذهب إليه أبو عمر بن عبد البر، قبول قول أمثال هؤلاء وتصحيح أحاديثهم بناء على ظاهر سلامتهم عن الكذب والفسق، وهذا هو الذي يقتضيه عمل أئمة الحديث، فإنهم خرجوا في مسانيدهم ومعاجمهم المصنفة على أسماء الصحابة حديث جماعة كثيرين من هذا الصنف.
وكذلك كل من صنف في الصحابة يذكر هؤلاء فيهم من غير توقف. ولكن يبين الطريق إلى ذلك وأنها غريبة. وأنه لا يعرف صحبته
стр. 48
إلا بها لأن هذا شأن مصنفه، بخلاف أصحاب المسانيد والمعاجم فإنهم يخرجون أحاديثهم ويسكتون عنها غالباً. والاحتمال في هذه الصورة أقوى منه فيما تقدم إذا كانت عدالة المخبر بذلك معلومة. وهذا كله فيمن لم يتضمنه كتب التواريخ والسير بأنه صحابي, فأما إذا شهد له بالصحبة مثل البخاري أو مسلم، أو ابن أبي حاتم، أو ابن أبي خيثمة في كتبهم المصنفة وأمثالهم، فإن صحبته تثبت بذلك وإن كان سند حديثه غريباً أو فرداً ولا يعرف بغيره، كما أن من لم يرو عنه إلا راو واحد فهو محكوم عليه بالجهالة إلا أن يكون بعض أئمة الحديث قد وثقه، فإنه لا تلازم بين الجهالة وبين إنفراد الراوي عن الشيخ، فقد يكون معروفاً بالثقة والأمانة ولم يتفق أن يروى عنه إلا واحد، كذلك هذا يكون معروف اللقاء والصحبة اليسيرة بين أهل المغازي والسير وإن لن يرو ذلك إلا من جهة واحدة بأخباره عن نفسه.
فأما إذا أخبر التابعي أنه صحابي حالة الرواية، فهذا على أضرب:
أحدها: أن يقول أخبرني فلان أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا، مقتصراً على مثل ذلك فهذا حكمه ما تقدم في مدعي الصحبة.
وثانيهما: أن تثبت صحبته حال الرواية عنه، ويسميه باسمه، فإن كان مذكوراً بذلك في كتب المغازي والسير فحكمه ما تقدم. وأما إذا لم يكن معروفاً بالصحبة إلا من هذه الطريق فالظاهر الإعتماد على قول التابعي إذا كان ممن يعتمد قوله في مثل ذلك. على أنه يجوز أن يكون التابعي بنى ذلك على تصديقه في دعواه الصحبة وأن المسلمين محمولون على العدالة إلا في من ظهر منه ما يوجب الفسق، فاكتفى فيه بذلك
стр. 49
ولكنه احتمال بعيد، والأول أظهر منه مثل هذه الرتبة لا يثبتها التابعي العارف المعتمد إلا بعد تثبت وغلبة الظن بأن هذا صحابي.
ثالثها: أن لا يسميه بل يقول أخبرني رجل أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا، أو رآه يفعل كذا ونحو ذلك ولا يزيد عليه. فهذا يقرب من الضرب الأول. فلو قال أخبرني عن النبي ﷺ بكذا ولم يصرح بلقائه وقلنا بالراجح أن عن تقتضي الإتصال إلا من المدلس، فلا ريب في أن هذه الصورة يترجح فيها احتمال الوقف، إلا أن تثبت صحبة ذلك الرجل بأحد الطرق المتقدمة لأن التدليس وإن كان لم يثبت في حق هذا الرجل الذي قال عن النبي ﷺ فالإرسال غير منتف عنه.
وكم من تابعي يرسل حديثاً بهذا اللفظ عن النبي ﷺ .
ونحن إنما نثبت الإتصال بلفظ عنه إذا ثبت لقاء المعنعن عنه على الراجح أو يكتفي بمجرد إمكان اللقاء على قول مسلم، وليس في قول التابعي أخبرني رجل عن النبي ﷺ ما يقتضي ثبوت لقائه إياه ولا إمكان ذلك. نعم قد يفرق في مثل هذا بين التابعي الكبير المتقدم وبين من بعده إذ الغالب على الظن أن التابعي الكبير إنما يروي عن الصحابة دون التابعي الصغير. فيقوى الحكم بكون ذلك الرجل صحابياً١.
وقد وقع للقاضي أبي بكر بن العربي في أثناء كلامه في كتابه القبس في شرح الموطأ أنه قال:
اتفقت الأمة على أن مجهول العين تجوز الرواية عنه إذا قال يعني الراوي عنه من التابعين حدثنا رجل من أصحاب النبي ﷺ لوجوب العدالة لهم ولا يجوز ذلك في غيرهم لعدم العدالة فيهم. وفي هذا النقل
стр. 50
من الإجماع نظر ظاهر يعرف مما تقدم.
وقد حكى ابن القطان الخلاف في ذلك مع تسمية المذكور بأنه صحابي فهو جار في قوله رجل. بطريق الأولى.
وقد حكى بعض الفضلاء عن ابن حزم أنه قال في كتابه النبذ الكافية له:
كل من روى عن صاحب لم يسمه، فإن كان ذلك الراوي ممن لا يجهل صحة قول من يدعي الصحبة من بطلانه، فهو خبر مسند تقوم به الحجة، لأن جميع الصحابة ﵃ عدول.
قال: وإن كان الراوي ممن يمكن أن يجهل صحة قول مدعي الصحبة، فهو حديث مرسل لا تقوم به الحجة، إذ لا يؤمن من فاسق من الناس أن يدعي الصحبة عند من لا يعرف كذبه من صدقه١.
وأما إذا روى الراوي الثقة عن بعض أزواج النبي ﷺ خبراً ولم يسمها فهو حجة قاطعة، لأنه لا يمكن أن تخفى أمهات المؤمنين على أحد من أهل التمييز في ذلك الوقت٢.
هذا ما نقله عن ابن حزم، وهو تفصيل حسن بالغ، ومقتضاه أن ما قال فيه أحد علماء التابعين وأهل الخبرة منهم حدثني رجل من الصحابة عن النبي ﷺ بكذا أنه يكون مقبولاً، لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا بعد ثبوت صحبته عنده. وحينئذ لا تضر الجهالة بإسمه لما سنقرره إن شاء الله تعالى من عدالة جميعهم.
стр. 51
وأما إذا لم يكن من علماء التابعين ففيه الاحتمال الذي قاله ابن حزم والتوقف فيه قوى. هذا إذا وصفه التابعي بأنه صحابي، فأما إذا قال حدثني رجل عن النبي ﷺ ولم يكن فيه ما يقتضي اللقاء، فقد تقدم الكلام فيه، وإن الأقوى التفرقة بين كبار التابعين وصغارهم، ويلتحق بما ذكره ابن حزم من الراوية عن بعض أزواج النبي ﷺ مبهمة.
ما إذا قال التابعي الثقة حدثني رجل من أهل بدر، أو من أهل بيعة الرضوان، ونحو ذلك مما لا يخفي بطلان دعوى من يدعي ذلك لنفسه إذا كان كاذباً على أهل ذلك الزمن، لأن المتصفين بمثل هذه الصفات كانوا حينئذ مشهورين مميزين عند كل أحد بخلاف دعوى مطلق الصحبة، فإن فيهم الأعراب ونزاع القبائل ممن لا يعرف حاله أصلاً، ولهذا نجد كثيراً منهم اختلف أئمة الحديث في إثبات الصحبة له، فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون، ولم يختلفوا في من شهد بدراً والحديبية إلا في النادر منهم.
وقد تحصل من مجموع ما تقدم أن ما ثبت به الصفة المقتضية للصحبة على مراتب:
أولها وهو أعلاها: التواتر المفيد للعلم القطعي بصحبته، وهذا لا يختص بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضاً كل من تواترت الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ عدد الرواة عنهم العدد المفيد للتواتر كأبي سعيد الخدري، وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأمثالهم، وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه وتلقته بالقبول، وإن لم تكثر الرواية عنه كأبي قتادة وأبي مسعود البدري ونحوهما.
стр. 52
فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابياً، ويندرج في هذا عدد كثير من الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم.
وثانيها: أن تكون صحبته ثابتة بالإشتهار القاصر عن رتبة التواتر وهو يفيد العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير والمغازي والتواريخ على ذكره في الصحابة وتسميته في عدد من الغزوات ولم يوجد أحد خالف في ذلك ولا أهمل ذكره في ذلك. ويندرج في هذا النوع خلق كثير من الصحابة ﵃، وإن كان فيهم من ليس له إلا الحديث الواحد أو الإثنان.
وثالثها: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه، ولكنه تضمنه كثير من كتب السير بالذكر، أما بالوفادة على النبي ﷺ أو باللقاء اليسير أو في أثناء قصة أو غزوة، له ذكر ونحو ذلك.
فهذه مرتبة دون التي قبلها.
ورابعها: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ممن هو متحقق بها وأثبت له ذلك التابعي الصحبة أو اللقاء أو جزم الرواية عنه عن النبي ﷺ غير معترض على ذلك لما يلزم في روايته عنه على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية سواء سماه في روايته عنه أو لم يسمه. بل قال رجل: إذا كان التابعي كما وصفنا بحيث لا يخفى عنه ذلك، ولا فرق بين الحالتين والتابعي كذلك. إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي بعد ثبوت صحبته.
وخامسها: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة سمعت رسول الله ﷺ أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك. ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح. فهذا مقبول القول على الراجح وفيه ما تقدم من الاحتمال،
стр. 53
ونظيره أن يروي أحد متقدمي التابعين عن رجل لم يسمه شيئاً يقتضي له صحبة، فإن القرائن هنا قائمة بصدقه منها:
ندرة كذب مثل ذلك في ذلك العصر الأول.
ومنها: أن الظاهر من التابعي الكبير أنه لا يروي إلا عن صحابي. فإن انضم إلى ذلك وصفه بصفة خاصة، كرجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان فهو أعلى من هذه المرتبة لما تقدم أن مثل هؤلاء كان مشهوراً. فإذا وصفه التابعي الثقة بذلك كان كالتصريح باسمه وهو معروف. فتكون هذه الحالة حينئذ من المرتبة الرابعة.
وسادسها: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة، ولا ظهر فيها ما يقتضي جرحه فيروي حديثاً يتضمن أنه صحابي إما بسماعه ذلك أو بمشاهدته شيئاً من أفعاله ﷺ ونحو ذلك. أو برواية مجردة إذا اكتفينا بها في إثبات الصحبة. فهذا يتخرج على قبول رواية المستور. فمن قبله كان ذلك هنا بطريق الأولى لقرينة صدق مثل هذا. وأنه لم يوجد في ذلك القرن من يدعي ذلك كذباً إلا نادراً جداً، ولعله لا يصح السند إليه.
١-ومن لم يقبل رواية المستور في التابعين فمن بعدهم قد يقبل مثل هذا. وهو الذي عليه عمل ابن منده، وابن عبد البر وغيرهما ممن صنف في الصحابة، لعدهم هذا الصنف فيهم من غير توقف فيهم ومن العلماء من توقف في حديثهم وإثبات الصحبة لهم كما تقدم.
стр. 54
وسابعها: أن يروي بعض صغار التابعين ومن ليس من أهل الميز منهم عن رجل مبهم ما يقتضي له صحبة، وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا مثل ذلك وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم كما وصفت.
وكان ذلك –والله أعلم – لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون. وأن مثل هذه المرتبة الشريفة لم يدعها أحد في ذلك العصر كذباً، بخلاف الأعصار المتأخرة فقد رويت أحاديث عن جماعة ادعوا أنهم عُمروا وأن لهم صحبة. كما قد أولع كثير في هذه الأزمان بحديث رتن الهندي الذي ادعى الصحبة وأنه عاش إلى نحو الستمائة والخمسين. ولعله لا وجود له البتة. ووضعت عليه هذه الأحاديث.
وإن كان له وجود وقد ادعى مثل ذلك، فهو كذاب قطعاً لا يستريب أحد من علماء أهل الأثر في ذلك. وليس هذا موضع بسط الكلام فيه.
فأما في ذلك العصر الأول فيعز وجود من يدعي صحبة وهو فيها كاذب.
فهذا تقسيم بالغ في تحقيق مراتب ما تثبت به الصحبة، منّ الله به وله الحمد والمنة. ولم أر أحداً بسط الكلام في هذه المسألة مع قوة الحاجة الداعية إليها.
والله الموفق للصواب وله الحمد كثيراً لا نحصي ثناء عليه.
стр. 55
المسألة الثالثة: ((في تقرير عدالة الصحابة ﵃) .
والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف، أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃، وهي الأصل المستصحب فيهم، إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحاً عن أحد منهم، بحمد الله فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم.
وهذه المسألة عظيمة الجدوى، والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول الفقه جميعاً.
أما في أصول الدين: فبالنظر إلى الإمامة وشرايطها وبماذا تنعقد ومن يصح أن يكون إماماً، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد.
وأما في أصول الفقه: فلأن الصحابة نقلة الشريعة، ولم تصل إلى الأمة إلا من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم يبق بأيدينا والعياذ بالله متمسك بشيء منها وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين، وأدى ذلك إلى الإنحلال بالكلية، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، ولا محذور أصعب من هذا، ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا شذوذاً لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض.
فمنهم من زعم أن حكمهم –أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم١.
стр. 56
ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة، لكن في أول الأمر فأما بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن كحال غيرهم لأن الفاسق منهم غير متعين١.
وذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل علياً ﵁ فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق٢.
ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته لأنا لا نقطع بفسق أحد الفريقين، وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيعتذر القبول٣.
ومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولاً، لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها، فلا تزال بالشك كما في المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما، فلا يثبت بهما شيء لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعاً من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين العدالة المستصحب كما في الإنائين إذا تيقن نجاسة أحدهما وهذا مذهب واصل بن عطاء.
ومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته رضي الله عنه٤.
وقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان ﵁ فلا شك في فسقهم، لعدم التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما
стр. 57
نحن فيه بحمد الله، لأنه ليس في قتلة عثمان ﵁ من ثبتت له الصحبة أصلاً، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر، وهو لا صحبة له ولا رؤية أيضاً، لأنه ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر.
وجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور الأعظم من القول المتقدم أولا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع الصحابة بل قال:
لسنا نعني به كل من رآه اتفاقاً أو زاراه لماماً أو ألمّ به لغرض وانصرف عن قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون.١
وهذا قول غريب يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم بالعدالة أصلاً كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وأشباههم ممن وفد عليه ﷺ ولم يقم إلا أياماً قلائل ثم انصرف.
وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الإثنين ولم يدر مقدار صحبته من أعراب القبائل.
فالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور، وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها تظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم للجميع، ومجموعها يرجع إلى وجوه:
أحدها: ثناء الله عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال الله تعالى:
стр. 58
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية١.
والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان، من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة ﵃.
قاله جماعة من المفسرين٢.
قالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه صلى الله عليه وسلم٣.
ويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي ﷺ من المنافقين في غزوة تبوك. فأتبع الله ذلك بفضيلة الصحابة٤ الذين غزو معه ﷺ وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم. ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام. فقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ .. الآية٥.
فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الذين تأخر إسلامهم. فشملت الآية جميع الصحابة٦.
стр. 59
وقد أخبر الله أنه رضي عنهم ورضوا عنه، فمن ادعى بعد ذلك في أحد منهم أنه قد سخط عليه، لزمه بيان ذلك بدليل قاطع عن الله تعالى، ولا سبيل إلى ذلك.
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ .. إلى آخر الآية١.
وهي أيضاً شاملة لجميع الصحابة ﵃. لأن كل من أقام معه ﷺ ساعة ثبت إتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملاً للكل ﵃.
وقال الله تعالى في وصف المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾
إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٢.
ثم مدح الأنصار بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ .. الآية إلى آخرها٣.
ثم ذكر من أسلم بعدهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ .. الآية٤.
стр. 60
والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم، كما في الآية المتقدمة، بدليل قوله: ﴿جَاءُوا﴾ بلفظ الماضي، فهو أولى من حمله على التابعين، لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية، وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم. بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع الصحابة ﵃. ولكنها –أعني هذه الآية- مفيدة التمسك بها في حق من لابس الفتن من أهل الحديبية. فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقاً. والله أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن يتبين خلافه عن الله تعالى، كما تقدم قريباً.
واحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ .. الآية١.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " الوسط. العدل" ٢.
وبقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٣ الآية.
стр. 61
وأعترض بعضهم على ذلك. بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يتخصص بها بعضهم لما يلزم في ذلك من إستعمال اللفظ في معنيين مختلفين. وهوالمجموع من حيث هو مجموع الأمة، وعصر الصحابة دون غيرهم.
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
أحدهما: إلتزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناء على جواز التمسك به في الحقيقة والمجاز جميعاً. وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على كلا المعنيين.
وثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملاً لجميع الأمة، فهي متضمنة الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى. وقد خرج من هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لا بد من معرفة ذلك فيهم بالبحث عن أحوالهم. فبقي في الصحابة على مقتضى الآية. وإذا كانت الآية الأخرى متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس. فلا ريب في أن الصحابة ﵃ أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه. فلا أعدل ممن ارتضاه الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ونصرته والسبق إليه. ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه.
الوجه الثاني من الأدلة:
ثناء النبي ﷺ وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهم خير القرون من أمته وأفضلها وإن أحداً ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهباً في سبيل الله.
стр. 62
ففي الصحيحين من طريق عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
٧- "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١.
ومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
٨- "خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر رسول الله ﷺ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. متفق عليه – أيضاً٢.
ورواه الترمذي من حديث الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال إبن يساف عن عمران رضي الله عنه٣.
وأخرج مسلم أيضاً من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 63
٩- "خيركم قرني. ثم الذين يلونهم. قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثاً ... الحديث" ١.
وفي مسند أحمد بن حنبل من طريق عاصم بن أبي النجود عن خيثمة، والشعبي عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال:
١٠- "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. الحديث" ٢. وإسناده صحيح.
وروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ثنا صدقة بن خالد ثنا عمرو بن شراحيل عن بلال بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلنا:
١١- "يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وأقراني. ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث" ٣.
وسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة. وابنه بلال من فضلاء التابعين. وعمرو بن شراحيل وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه أحد. وصدقة بن خالد احتج به البخاري. وأبو مسهر مشهور من رجال الصحيحين.
وقد رواه معلى بن منصور عن صدقة بن خالد أيضاً ولفظه:
стр. 64
١٢- "قيل يا رسول الله أي التابعين خير. قال: انا وأصحابي.." وذكر بقيته.
وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في الإسلام، دون المعني الاصطلاحي فإنه متأخر.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره. عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن جعدة بن هبيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
١٣- "خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.." ١.
وجعدة بن هبيرة هو إبن أم هانئ، أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢.
أثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة٣.
قال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي ﷺ شيئاً٤.
والأول أظهر.
وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ من وجوه عديدة أنه قام بالجابية خطيباً فقال:
стр. 65
١٤- "إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ١. وذكر الحديث.
فهذا الحديث مستفيض عن النبي ﷺ . وفي بعض ما تقدم من ألفاظه ما يقتضي دخول من رآه ﷺ في أنه متصف بهذه الخيرية.
وقد روى الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن عبد الله بن عامر اليحصبي أنه سمع واثلة بن الأسقع ﵁ يقول:
سمعت النبي ﷺ يقول:
١٥- "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني.. الحديث" ٢. وإسناده صحيح.
وقال ﷺ :
١٦- "فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه". متفق عليه٣.
وفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 66
١٧- " إن الله اختارني واختار لي أصحاباً، وجعل لي منهم وزراء وأنصاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله" ١.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁:
١٨- "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه".
وروى السدي عن أبي مالك عن إبن عباس ﵄ في قوله تعالى:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ .
قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم٢.
وروى سنيد المصيصي ثنا حجاج عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
١٩- "لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قرأها رسول الله ﷺ على الناس. وقال: الناس خير وأنا وأصحابي خير" ٣.
стр. 67
وصدق أبا سعيد عليه. زيد بن ثابت ورافع بن خديج رضي الله عنهما١.
وفي مسند البزار بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال:
٢٠- "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" ٢.
الحديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.
والخير هنا اسم جنس مضاف، أو ضيغة أفعل مضافة. فتعم جميع أنواع الخير. فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث عنها لم يكن خيراً ممن بعده مطلقاً.
فإن قيل هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق الأمة من الفضل، كقوله ﵇:
٢١- "وددت أنّا قد رأينا إخواننا. قالوا يا رسول الله. أولسنا إخوانك. قال أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". أخرجه مسلم٣، وروى معناه من عدة طرق.
وفي معجم الطبراني من حديث الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن حدثني صالح بن جبير حدثني أبو جمعة ﵁ قال:
стр. 68
٢٢- "تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ﵁ فقلنا يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" ١.
وصالح بن جبير وثقه إبن معين وغيره٢.
وقد رواه عنه أيضاً معاوية بن صالح ولفظه:
٢٣-"قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً". وذكر بقيته كما تقدم.
وفي حديث لأبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
٢٤- "فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل منهم في ذلك الزمان أجر خمسين رجلاً، قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم، قال: بل أجر خمسين رجلاً منكم".
رواه أبو داود والترمذي. وإسناد حسن٣.
وروى الترمذي أيضاً من حديث حماد بن يحيى الأبح عن ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 69
٢٥ -" أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أو آخره" ١.
وحماد بن يحيى وثقه إبن معين٢.
قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول، على كل فرد فرد ممن بعدهم ورأو أن في آخر الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة ﵃.
وهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين جميع الأحاديث، واستثنى إبن عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة.
والحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي ﷺ والفوز برؤيته لا يعدل بعمل. وأن من منحه الله تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق لوجوه:
أحدها: مشاهدة النبي ﷺ .
وثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام.
وثالثها: فضيلة الذب عن حضرته ﷺ .
ورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له.
وخامسها: ضبطهم الشريعة، وحفظهم عن رسول الله ﷺ .
وسادسها: تبليغهم إياه إلى من بعدهم.
وسابعها: السبق بالنفقة في أول الإسلام.
стр. 70
وثامنها: إن كل فضل وخير وعلم وجهاد ومعروف عُمل في هذه الشريعة إلى يوم القيامة، فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل. لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا أبوابه. ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم. وقد قال ﷺ :
٢٦- "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" ١.
وقال ﷺ :
٢٧- "من دعى إلى هدى كان له من الأجور مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "٢.
فهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة، مع ما اختصوا به مما تقدم ذكره.
وأما الأحاديث التي ذكرت:
فحديث "وددت أني رأيت إخواني" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه. كيف والأخوة العامة كانت حاصلة أيضاً للصحابة ﵃ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ، وأيضاً فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة. لما يوجد غالباً بين الأخوة من العداوة بخلاف الصحبة.
وأما قوله ﷺ : "للعامل منهم أجر خمسين رجلاً منكم" فلا حجة فيه. لأنه لا
стр. 71
يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة.
وأيضاً فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه. لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول١.
وأما الذي فاز به الصحابة ﵃ من صحبة النبي ﷺ والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه، فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعاً، فلا يقع التفاضل فيه. فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله. وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم. فهذا أشد ما يُجاب به عن هذا الحديث.
وحديث أبي جمعة: لم تتفق الروايات فيه على لفظ: هل أحد خير منا؟ بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له "هل من قوم أعظم منا أجراً"، ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن. فروايته أرجح. ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفاً بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين، دون ما أختص به الصدر الأول من الصحبة.
وأما حديث: "أمتي كالمطر"، فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه إبن معين٢.
فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي٣.
стр. 72
وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء١.
وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثاً معضلاً٢.
وقال إبن عدي: بعض حديثه لا يتابع عليه. وذكر من جملة حديثه حديث أنس هذا٣. وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيى به دون أصحاب ثابت البناني، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد.
ثم على تقدير صحته فهو مؤل على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الذين وتمسكوا به. وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي. كانوا في ذلك غرباً. فزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم٤.
أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى بن مريم ﵇ ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام. وهي من أواخر أزمان هذه الأمة.
فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول، ولا مساواتهم بل بالنسبة إلى ما ذكرناه، كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها، وبالله التوفيق.
стр. 73
الوجه الثالث:
الإجماع على ذلك ممن يعتد به على أحد الوجهين:
أما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف، فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة، وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم.
وأما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع إنعقاد الإجماع، إن ثبت أن أحداً من أهل البدع، خالف في ذلك.
والطريق الأولى أقوى، ولا فرق في هذا بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها.
قال ابن الصلاح:
أجمع العلماء الذين يعتمد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضاً إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أباح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة.
فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، والله أعلم.
الوجه الرابع:
إنما يكتفي في التعديل بأخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب، فكيف لا يكتفي بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثال ذرة في الأرض ولا
стр. 74
في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب، وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآناً يتلى مستمراً ما بقيت الدنيا، وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مسترماً لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه ﷺ ما يقع بينهم، وأخبر بذلك إما على وجه الإجمال كقوله ﷺ :
٢٨- "أرى مواقع الفتن بين يبوتكم كمواقع المطر" ١، ونحو ذلك.
(او تفصيلاً في بعض القضايا، كمن أسر إليه ذلك، كحذيفة رضي الله عنه٢، ولم يكن ذلك مانعاً له ﷺ من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك) ٣ مما تقدم.
وهذا مع عصمته ﷺ عن وقوع الكذب في أخباره وبراءته من المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده ﷺ لم يحط من رتبتهم شيئاً ألبتة.
فأما قوله ﷺ في حديث الحوض:
٢٩-"ليختلجن رجال من دوني أعرفهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:
стр. 75
سحقاً" ١.
وفي رواية:
"فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ... الآية. فإنه محمول على من ارتد بعده ﷺ ثم مات على ذلك. بدليل قوله: فيؤخذ بهم ذات الشمال.
وكذلك في الرواية الأخرى: إنهم لم يزالوا مرتيدين على أعقابهم منذ فارقتهم ... الحديث.
وإلا فالنبي ﷺ قد شهد للعشرة ﵁ بأنهم من أهل الجنة، وقال:
٣٠- "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار" ٢.
ولما قال حاطب، ٣وقد شكاه، ليدخل حاطب النار.
قال له النبي ﷺ :
٣١- "كذب إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله تعالى إطلع على أهل بدر، فقال: إعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" ٤.
وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير ﵃، وأن كثيراً من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي ﷺ لهم بأنهم لا يدخلوا النار، وشهادته للعشرة بأنهم في