يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة.
وأيضاً فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه. لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول١.
وأما الذي فاز به الصحابة ﵃ من صحبة النبي ﷺ والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه، فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعاً، فلا يقع التفاضل فيه. فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله. وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم. فهذا أشد ما يُجاب به عن هذا الحديث.
وحديث أبي جمعة: لم تتفق الروايات فيه على لفظ: هل أحد خير منا؟ بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له "هل من قوم أعظم منا أجراً"، ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن. فروايته أرجح. ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفاً بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين، دون ما أختص به الصدر الأول من الصحبة.
وأما حديث: "أمتي كالمطر"، فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه إبن معين٢.
فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي٣.
стр. 72
وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء١.
وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثاً معضلاً٢.
وقال إبن عدي: بعض حديثه لا يتابع عليه. وذكر من جملة حديثه حديث أنس هذا٣. وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيى به دون أصحاب ثابت البناني، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد.
ثم على تقدير صحته فهو مؤل على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الذين وتمسكوا به. وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي. كانوا في ذلك غرباً. فزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم٤.
أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى بن مريم ﵇ ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام. وهي من أواخر أزمان هذه الأمة.
فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول، ولا مساواتهم بل بالنسبة إلى ما ذكرناه، كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها، وبالله التوفيق.
стр. 73
الوجه الثالث:
الإجماع على ذلك ممن يعتد به على أحد الوجهين:
أما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف، فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة، وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم.
وأما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع إنعقاد الإجماع، إن ثبت أن أحداً من أهل البدع، خالف في ذلك.
والطريق الأولى أقوى، ولا فرق في هذا بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها.
قال ابن الصلاح:
أجمع العلماء الذين يعتمد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضاً إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أباح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة.
فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، والله أعلم.
الوجه الرابع:
إنما يكتفي في التعديل بأخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب، فكيف لا يكتفي بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثال ذرة في الأرض ولا
стр. 74
في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب، وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآناً يتلى مستمراً ما بقيت الدنيا، وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مسترماً لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه ﷺ ما يقع بينهم، وأخبر بذلك إما على وجه الإجمال كقوله ﷺ :
٢٨- "أرى مواقع الفتن بين يبوتكم كمواقع المطر" ١، ونحو ذلك.
(او تفصيلاً في بعض القضايا، كمن أسر إليه ذلك، كحذيفة رضي الله عنه٢، ولم يكن ذلك مانعاً له ﷺ من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك) ٣ مما تقدم.
وهذا مع عصمته ﷺ عن وقوع الكذب في أخباره وبراءته من المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده ﷺ لم يحط من رتبتهم شيئاً ألبتة.
فأما قوله ﷺ في حديث الحوض:
٢٩-"ليختلجن رجال من دوني أعرفهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:
стр. 75
سحقاً" ١.
وفي رواية:
"فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ... الآية. فإنه محمول على من ارتد بعده ﷺ ثم مات على ذلك. بدليل قوله: فيؤخذ بهم ذات الشمال.
وكذلك في الرواية الأخرى: إنهم لم يزالوا مرتيدين على أعقابهم منذ فارقتهم ... الحديث.
وإلا فالنبي ﷺ قد شهد للعشرة ﵁ بأنهم من أهل الجنة، وقال:
٣٠- "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار" ٢.
ولما قال حاطب، ٣وقد شكاه، ليدخل حاطب النار.
قال له النبي ﷺ :
٣١- "كذب إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله تعالى إطلع على أهل بدر، فقال: إعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" ٤.
وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير ﵃، وأن كثيراً من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي ﷺ لهم بأنهم لا يدخلوا النار، وشهادته للعشرة بأنهم في
стр. 76
الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي ﵄ من القتال.
فتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة١.
الوجه الخامس:
أن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين، كمالك والسفيانين والشافعي والبخاري ومسلم، وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل، ولا البحث عن حاله بالإتفاق، وهو عمل مستمر لا نزاع فيه.
فالصحابة ﵃ أولى بذلك، لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الآباء والأولاد والأقرباء والأهل، ومفارقة الأوطان والأموال.
كل ذلك في موالاة النبي ﷺ ونصرته لله خالصاً.
ثم ما كانوا عليه دائماً من إشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم فيه لومة لائم، ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد، وتدويخ الأمصار، فيا لله العجب كيف يداني أحداً من هؤلاء من بعدهم فضلاً عن مساواتهم، حتى إنه يحتاج الواحد منهم إلى الكشف عن حاله وتزكيته أو يكون ما صدر عنه عن إجتهاد أو تأويل قادحاً في عدالته وحاطاً له عن علو مرتبته العلية.
إن هذا القول الأعمى في البصيرة، وتوصلاً إلى الطعن في الشريعة والقدح في الدين وإلقاء الشبهة فيه.
ولذلك رد الله تعالى كلام من تكلم فيهم على القادحين، فكان ذلك سبباً لحط مرتبتهم ومقتضياً
стр. 77
لجرحهم وفسقهم، ولله الحمد والمنة.
فهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضي للقطع بعدالة الصحابة ﵃، والأخير مختص بمن أكثر صحبته ﷺ وأقام معه مدة، وهاجر معه أو إليه بخلاف الوجه الثاني، فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو لحظة، بحيث يعد من الصحابة بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من المسلمين وإن لم يثبت له صحبة ولا رؤية.
لكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لا بد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن بعدهم، فتبقى فيمن ثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه وبالله التوفيق.
وأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض الصحابة على بعض، ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى:
ما لا يصح عنهم أصلاً.
وإلى ما قد صح، وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة.
كقول عائشة في زيد بن أرقم ﵄.
٣٢- "أبلغوا زيداً إنه قد أحبط جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب"١.
стр. 78
وقول عبادة بن الصامت ﵁ وقد قيل له إن أبا محمد يزعم:
٣٣- "إن الوتر واجب"١.
فقال: كذب أبو محمد٢.
وأبو محمد هذا من الصحابة ﵃ ونحو ذلك.
فالأمر فيه بين والخطب هين لسهولة تأويلها وإنها لا تعارض نصوص الكتاب والسنة المشهورة.
وأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم، فقطعوا على كل من قاتل علياً ﵁ من أهل الجمل وصفين بالفسق، واستثنى بعضهم من ذلك عائشة طلحة والزبير ﵃. قال: لأنهم تابوا من ذلك دون معاوية ومن كان معه.
ولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها. ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ذلك بما ثبت عن النبي ﷺ من تحريم الدماء، وذكر ما يترتب على سفكها.
ولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية ترجع إلى وجهين:
стр. 79
أحدهما: أن ذلك كان من كل منهم بناء على الإجتهاد منه في ذلك والتأويل المسوغ له للأقدام عليه، ومع هذا فلا يكون شيء من ذلك قادحاً في عدالتهم. لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الإجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتوجه تخطئته إلى أحد من الفريقين.
وإن قلنا المصيب واحد والثاني مخطئ، فالمخطئ في إجتهاده معذور غير آثم، فلا يخرجه خطؤه عن العدالة.
وإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الإجتهاد فالمخطئ كان متأولاً فيما فعله.
وإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة، كيف وإن عدالتهم ثابتة بما تقدم من الأدلة القطعية، فيستصحب ولا يُزال بالشك والوهم.
لا سيما مع ما تقدم من ثناء الله تعالى عليهم ورسوله ﷺ مع العلم بما يصدر منهم.
ومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه قعود جماعة من الصحابة ﵃ عن الكون مع أحد الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وغيرهم لأنه خفي عليهم الأمر.
وروي أن علياً ﵁ دعى سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له:
٣٤- "أعطني سيفاً يعرف الحق من الباطل، أو قال: المحق من المبطل، وكان علي ﵁ مع أن الحق معه يغبط سعدً ﵁ بذلك، فكان يقول:
٣٥- "لله در منزل نزله سعد بن مالك، إن كان ذنباً فذنب صغير، وإن كان أجر فأجر عظيم١.
стр. 80
وقال علي ﵁ أيضاً غير مرة١:
٣٦- "إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ .
والآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ.
الوجه الثاني:
إن كلما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم.
فإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته، ولا يجدون فارقاً قاطعاً بين الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل وإحسان الظن بهم. وانسداد ذلك في حق الجميع. وحينئذ يؤدي إلى أحد أمرين لا بدّ منهما:
إما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع، وهو المطلوب.
وإما إسقاط عدالة الجميع، وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي. فإن الأمة كلها ممن يُعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة، معاذ الله من ذلك.
وأما من تقدمت الحكاية عنه. بأن كل من لا بس الفتن فهو ساقط العدالة، فهو قول باطل ممن لا يُعتد به.
ونظيره إكفار الخوارج كل
стр. 81
الفئتين، فلا يرجع هذا القول إلا على قائله. ونسأله الله السلامة من الأهواء المضلة.
فإن قيل: أنتم وإن تأولتم. فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم.
قلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة، حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر. فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة الدالة على عدالتهم، واستصحبنا ذلك في كل١ فرد منهم كان هذا الشك مندفعاً. كيف ونحن إنما نتأول تأويلاً في كلّ قصة. هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما سيأتي بيان بعضه إن شاء الله تعالى قريباً.
وهذا أمر معمول به –أعني استصحاب العدالة- وأنها لا ترفع بالشك في حق من ثبتت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم يفد إلا الظن المجرد. بجريان ذلك في حق من هو مقطوع بعدالته بتعديل الله تعالى ورسوله ﷺ بطريق الأولى.
وبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة ﵃ أن العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة. ولكن المعنى بهذا أن روايته مقبولة وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها؛ لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك.
هذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي. وأما التفصيلي:
فلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة، ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا للجميع. ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل
стр. 82
لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة ﵃ ويكون ذلك مثالاً لغيره.
وهو أن المصيبة بعثمان ﵁ كانت عظيمة. ولم يكن خطر ببال علي ولا غيره من الصحابة ﵃ أن يُقتل. ولكن ظنوا أن الخوارج الذين حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة. فلما وقع قتله بغتة كان منكراً مهولاً. ولم يكن في قتله بحمد الله أحد ممن ثبتت الصحبة له كما تقدم.
فأعجل الأمر الصحابة ﵃ عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم حينئذ. ورأو المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولاً. ولم يكن بدّ من متابعة علي ﵁. لأنه حينئذ أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة. لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك. فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظاماً تاماً يتمكن به علياً ﵁ من الإقادة بدم عثمان ﵁ من قاتليه وقد انضموا إليه. فلو أقاد من أحدهم لتفرق١ بذلك قبائلهم كلها. وكثرت الفتن وزاد الهرج.
فرأى علي ﵁ أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة الحق من غير فتنة. ورأى طلحة والزبير ﵄ ومن قام معهما أنهم قد وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان ﵁ والسكوت عنه إلى أن قتل. وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم. ولم يكن عندهم ما رآه علي ﵁ من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعاً من المبادرة إلى الطلب بدم عثمان.
فوقع ما قدره الله تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضي الله
стр. 83
أمراً كان مفعولا. قدر وقوعه في الأزل. وإن كان اجتهاد علي ﵁ أقرب إلى الحق. وإن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة. لم يكن مقصده باطناً للاجتهاد الذي هو مأخذ طلحة والزبير.
بدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة ﵁. فالمقصود أن الصحابة ﵃ إنما قاموا مجتهدين فيما نقلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده. لا فرق فيه بين الدماء وغيرها.
وذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة ﵃. وبسط الكلام يطول به المقام ويخرج عن المقصود. وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور الله قلبه، ولم يمل به الهوى إلى الانحراف. وبالله التوفيق.
وأما معاوية ﵁ وإن كانت فئته باغية على علي ﵁ بنصّ النبي ﷺ إذ قال:
٣٧- "تقتل عماراً الفئة الباغية" ١.
فقد علم النبي ﷺ بما أطلعه الله عليه أن معاوية سيملك، وقال له:
٣٨- "إن ملكت فاعدل" ٢.
стр. 84
وعلم أيضاً ببغيه في قتال علي ﵁. ومع ذلك دعى له في الحديث الذي رواه يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
٣٩- "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب" ١.
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صدّق معاوية في الوتر بركعة واحدة، وقال:
٤٠- "أصاب إنه فقيه"٢.
وروى عنه أنه "قصّر عن النبي ﷺ بمشقص"٣.
стр. 85
وكذلك روى أيضاً عن معاوية:
جرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب بن يزيد، وجماعة غيرهم من الصحابة ﵃.
وكل ذلك بعدما وقع منه من قتال علي ﵁.
واتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن العاص، وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعاً سابقاً على قول من قدح فيهم حتى أن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثاً١.
وقال محمد بن سيرين:
كان معاوية ﵁ لا يتهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم٢.
قال الإمام أبو بكر البيهقي:
كل من روى عن النبي ﷺ ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة، لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى.
ومما يتصل بذلك أيضاً:
الكلام في سمرة بن جندب ﵁.
стр. 86
فقد تعرض إليه بعضهم لما روى أن النبي ﷺ قال له ولأبي هريرة ولآخر كان معهما١ في بيت.
٤٠- "آخركم موتاً في النار" وكان آخرهم موتاً سمرة.
ولأنه ولي البصرة لزياد بن أبيه ثم لمعاوية أيضاً.
وكان يكثر القتل.
وقد روى شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ أنه قال:
٤١- "حفظت عن رسول الله ﷺ سكتتين في الصلاة.. الحديث"٢.
وأن عمران بن حصين أنكر ذلك، فكتبوا في ذلك إلى أبي بن كعب فكتب بصدق سمرة، ويقول:
٤٢- "إن سمرة حفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وروى عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين أن ابن عباس ﵄ أمر الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه، فأرسل إلى سمرة بن جندب فقال له:
стр. 87
أما علمت أن رسول الله ﷺ أمر بها. قال: بلى. قال: فما منعك أن تعلم أهل البلدة.
فلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى، لما سأله واستشهد به.
وقال عبد الله بن صبيح عن ابن سيرين:
٤٣- "كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله"١.
وأما حديث: "آخركم موتاً في النار".
فقد وقع مصداقه بأن سمرة ﵁ أصابه في آخر عمرة كزاز فكان يعالج منه بأن يغلي له قدر مملوء ماء حاراً، فيقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها وهي أشد ما تكون حراراة، فمات.
فلم يكن مراده ﷺ إلا نار الدنيا٢.
وأما قتله الناس:
فإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذي أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس٣، ولم يكن يقتل أحداً إذا ظفر به ﵁.
وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة، ومن جلد عمر ﵁ في قذف المغيرة بن شعبة وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم. لأنهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوه مخرج القذف، وجلدهم عمر ﵁ باجتهاده، فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة ﵃.
стр. 88
((فصل))
والذي نختتم به الكتاب في هذا المعنى أمر مهم أولع فيه الحنفية في كتبهم ومناظراتهم يفضي إلى خلل عظيم في الإسلام، وذلك يتعلق بأمرين:
أحدهما: في حق أبي هريرة ﵁ على الخصوص، وأن التهمة تطرقت إلى رواياته لكثرة ما روى، ولأنه أنكر عليه جماعة من الصحابة١.
والثاني: فيما يتعلق بأخبار من ليس من فقهاء الصحابة، وإنما يقدم عليها القياس عند المعارضة، ويكون التأويل متطرقاً إليها بخلاف أخبار الفقهاء منهم، وجعلوا هذين الأمرين عمدة لهم في رد كثير من الأحاديث التي صحت على خلاف مذهبهم. والله الموعد.
كما ثبت هذا اللفظ عن أبي هريرة ﵁، لما قيل له إنه يكثر الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
وقد بالغ بعضهم حتى حكى أبو الحسين بن القطان من أصحابنا عن عيسى بن أبان أنه نقل عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال:
٤٤- "يخرج من أمتي ثلاثون دجالاً ... الحديث".
وأن علياً قال:
стр. 89
أنا أشهد أن أبا هريرة منهم.
ونقله عن إبن أبان جماعة من غلاة الحنفية ولكن أبو بكر الرازي منهم. أنكر هذا عن عيسى بن أبان، وقال:
هو كذب على عيسى، ووضعه من لا يرجع إلى دين ولا مرؤة، ولا يتحاشى من الكذب في التثبت.
والذي نقله الرازي عن إبن أبان أنه قال:
يقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يخالف نظايره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة والتابعون، وذلك لكثرة ما أنكر الناس من حديثه. وشكهم في أشياء من روايته.
قال إبراهيم النخعي:
كانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة والنار، ولم يقبل ابن عباس روايته في الوضوء مما مست النار، وقال:
٤٥- "أنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار".
فقال له أبو هريرة:
يا ابن أخي إذا جاءك الحديث عن النبي ﷺ فلا تضرب له الأمثال١.
قال عيسى بن أبان: فلم يرد ابن عباس رواية أبي هريرة لمعارض لها عنده – يعني نسخ الوضوء مما مست النار-، وإنما ردها بالقياس – وكانت عائشة ﵄ تمشي في الخف الواحد، وتقول:
"لأخشن أبا هريرة".
стр. 90
يعني في روايته المنع من ذلك١.
وأنكرت عليه أيضاً:
٤٦- حديث: "ولد الزنا شر الثلاثة".
وعارضته بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢.
وقالت لابن أخيها:
لا تعجب من هذا وكثرت حديثه، إن رسول الله ﷺ كان يحدث حديثاً لو عده العاد أحصاه٣.
قال:
وقد أنكر ابن عمرو وغيره من الصحابة عليه كثرة حديثه، ولم يأخذوا بكثير من رواياته حتى يسألوا غيره.
وقال أبو بكر الرازي بعد سياقه هذا الكلام:
لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غير أبي هريرة مثل ما ظهر منهم في حديثه.
فدل ذلك على أنه متى غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته كان ذلك مسوغاً للإجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول.
ثم ذكر أن عمر ﵁ قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول الله ﷺ أشياء لا تعرف:
стр. 91
"لئن لم تكف عن هذا لألحقنك بجبال دوس" ١.
ثم ذكر الرازي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
٤٧- "من يبسط ردائه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئاً سمعه مني. قال أبو هريرة: فبسطت نمرة كانت عليّ حتى قضى رسول الله ﷺ مقالته، فما نسيت شيئاً سمعته منه" ٢.
وأجاب عن ذلك: بأن هذا لو كان كذلك لكانت هذه فضيلة اختص بها من بين الصحابة، ولعرفوا له ذلك واشتهر بها حتى كانوا يرجعون إليه ويقدمون روايته على٣ رواية غيره، ولم يقع ذلك. بل كانوا ينكرون كثرة روايته.
وأيضاً كيف يكون ذلك وقد روى حديث:
٤٨- "لا عدوى ولا طيرة" ٤. ثم نسيه.
وروى حديث:
٤٩- "لا يورد ممرض على مصح". وأنكر أن يكون حديثاً بالخبر الأول٥.
стр. 92
قال: على أنه لو صح الحديث في بسطه النمرة، لكان محمولاً على ما سمعه في ذلك المجلس خاصة دون غيره.
ثم ذكر بعد ذلك توقى من توقى من الصحابة ﵃ في الرواية وتقليلهم منها.
قال: وهذا يدل على أن كثيراً١ من الصحابة ﵃ أشفقوا على حديث النبي ﷺ من أن يدخله خلل أو وهم.
وإذا كان السهو والغلط جائزين على الرواة ثم ظهر من السلف إنكار لكثرة الرواية على بعضهم، كان ذلك سبباً لاستعمال الرأي والإجتهاد٢ فيما يرويه وعرضه على الأصول والنظاير٣.
"رد المؤلف على أبي بكر الرازي" ٤
وهذا الفصل كما تراه ظاهر الضعف، مقتض لرد كثير من السنة الثابتة لمجرد الظن الفاسد. وليس في شيء مما ذكروه ما يقتضي توقفاً في حديث أبي هريرة ﵁ ولا تطرق تهمة إليه. معاذ الله من ذلك أنّى وقد شهد له النبي ﷺ بالحرض على الحديث لمّا قال له:
٥٠- "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﷺ : لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله". أخرجه البخاري٥.
وروى في كتاب التاريخ له من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن مالك بن أبي عامر قال:
стр. 93
٥١- "كنت عند طلحة بن عبيد الله ﵁ فدخل عليه رجل فقال:
يا أبا محمد والله ما ندري أهذا اليماني – يعني أبا هريرة – أعلم برسول الله ﷺ منكم، أو هو يقول على النبي ﷺ ما لم يقل؟
فقال: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم. إنا كنا أغنياء لنا بيوتات وأهلون. وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع. وكان مسكيناً لا مال له ولا أهل. يده مع يد رسول الله ﷺ . فكان يدور معه حيثما دار. فما نشك أنه قد علم مالم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولن نجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل"١.
وروى حفص بن غياث عن أشعث عن مولى لطلحة قال:
٥٢- "كان أبو هريرة جالساً في مسجد الكوفة، فمر رجل بطلحة رضي الله عنه٢.
فقال: قد أكثر أبو هريرة.
فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا".
وفي تاريخ البخاري أيضاً من طريق إسماعيل بن أمية عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبيه:
٥٣- "أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت ﵁ فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة فإنا بتنا أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، فخرج علينا رسول الله ﷺ ونحن ندعوا الله فجلس إلينا فسكتنا فقال:
стр. 94
عودوا للذي كنتم فيه. قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا ثم دعى أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي هذان وأسألك علماً لا ينسى. فقال النبي ﷺ : آمين. فقلنا يا رسول لاله ونحن لا نسألك علماً لا ينسى. قال: سبقكما بها الغلام الدوسي١.
وروى هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن بن إبن عمر أنه مر بأبي هريرة ﵁ وهو يحدث عن النبي ﷺ حديث من تبع جناز فقال:
٥٤- "أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: اللهم نعم. لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الردى ولا صفق بالأسواق، لقد كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها".
فقال إبن عمر:
٥٥- "يا أبا هريرة قد كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه".
وهذا إسناد صحيح.
وأصل القصة في صحيح مسلم وفيه أن إبن عمر قال حينئذ: لقد فرطنا في قراريط كثيرة٢.
стр. 95
وقال إبن أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ كثير بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي ﷺ الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم. ثم يحدثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً.
قال: فعرفت يومئذ أنا أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ .
رواه البخاري في تاريخه أيضاً١.
وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال:
٥٦- "قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة. فقلت: تحدث عن رجل وقد كنت مع النبي ﷺ ؟ فقال: إنه قد سمع٢.
(ولأن) ٣ أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن النبي ﷺ .
قلت: وممن روى عنه أيضاً من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة سهل بن حنيف٤.
قال البخاري:
روى عنه نحو ثمانمائة نفس من صاحب وتابع من أهل العلم.
стр. 96
وهذا يقتضي إجماع الأمة كلها على قبول روايته وعدم التوقف فيها١.
قال أبو صالح:
٥٧- "كان أبو هريرة ﵁ من أحفظ أصحاب النبي ﷺ ، ولم يكن بأفضلهم"٢.
وقال حماد بن زيد ثنا عمرو بن عبيد الأنصاري قال: ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم.
٥٨- "أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير فجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به، فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر"٣.
قلت:
وهذا كله نتيجة بسط ردائه الذي أشار إليه أبو بكر الرازي، وفي كلامه ما يقتضي تضعيفه. وليس كما ذكر لأنه ثابت في الصحيحين.
وفي بعض طرقه الثابت قال:
٥٩- "حضرت من النبي ﷺ مجلساً فقال: من يبسط ردائه حتى
стр. 97
أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلن ينسى شئياً سمعه مني؟ فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي. فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئاً بعده سمعته منه "١.
أخرجاه في الصحيحين من طريق إبن عيينة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة.
ورواه البخاري أيضاً من طريق إبن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال قلت:
٦٠- "يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه، قال: ابسط ردائك فبسطه فغرف بيديه ثم قال: ضمه. فضممته فما نسيت حديثاً قط" ٢.
فهاتان الروايتان مصرحة بأن عدم نسيانه لم يكن مختصاً بما قاله النبي ﷺ في ذلك المجلس. بل هو شامل لجميع ما سمعه منه في ذلك المجلس وغيره.
وقول الرازي لو كان كذلك لاشتهر به بين سائر الصحابة، ولم يتثبت في حديثه. يقال عليه إنه غير لازم لأن القضية لم تكن بحضور جمع يسمع الحديث منهم. ولم يعرف ذلك إلا من جهته. وقد شهدوا له بالحفظ كما تقدم عن جماعة منهم، ولم يتثبت أحد منهم في حديثه. ولو وقع في بعض ذلك شيء من واحد منهم كان على وجه الاحتياط. كما في قصة أبي بكر ﵁ مع المغيرة في ميراث الجدة٣.
стр. 98
وقصة عمر ﵁ مع أبي موسى في الإستئذان ثلاثاً١.
ولا يلزم من ذلك تطرق ريبة إليهما.
وكذلك فعل إبن عمر في حديث أبي هريرة في إتباع الجنازة، وقد سلم له أنه كان يلزم رسول الله ﷺ ويغيبون في أشغالهم٢.
وأما قول عمر ﵁:
"لألحقنك بجبال دوس"، فلم ثبت عنه٣.
وقد ولاه عمر ﵁ البحرين مع عدم مداهنته٤.
وقال له عثمان ﵁:
٦١- "حفظ الله عليك دينك، كما حفظت علينا ديننا".
стр. 99
وإنما عمر ﵁ كان يحب إقلال الرواية عن النبي ﷺ ويوصي بذلك كثيراً من الصحابة. أخذاً بالتوقي والإحتياط وحذراً من زيادة أو نقصان يقعان من الراوي وهو لا يشعر، والروايات عنه بذلك ثابتة. فلم يكن ذلك مختصاً بأبي هريرة دون غيره.
وأما نقض الرازي ذلك بنسيانه حديث:" لا عدوى" فلا يلزم لأنه لم يصرح بأنه نسيه.
وربما كتمه في ذلك الوقت لمصلحة رآها في الحاضرين يومئذ.
ولو سلم أنه نسيه فلا يلزم منه دوام نسيانه، بل ربما تذكره بعد ذلك.
وفي إجماع العلماء كافة على قبول قول أبي هريرة وتلقيه منه غنية ورد على إبن أبان ومن تبعه في رأيه. والله ولي التوفيق.
وأما الكلام في أفراد الصحابة الذين لم يشتهروا بالعلم، وأن حديثهم لا يقبل منه إلا ما وافق القياس، فهو كما تقدم في الضعف، وعلى خلاف ما كان عليه الصحابة ﵃.
فقد ثبت عن ابن عباس أن عمر ﵁ سأل عن إملاص المرأة، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:
٦٢- "كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة.. الحديث".
رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم١.
وأخرجوا أيضاً بسند صحيح أن عمر ﵁ كان يقول:
стр. 100
٦٣- "الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً. حتى قال له الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ كتب إليه أنْ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر ﵁ إليه"١.
وصححه إبن حبان أيضاً.
ولما أفتى إبن مسعو ﵁ بإجتهاده أن المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول لها مهر المثل والميراث، وقام معقل بن سنان الأشجعي ﵁ فأخبره أن النبي ﷺ قضى بمثل ذلك في بروع بنت واشق. فرح به ابن مسعود كثيراً، ولولا قبول روايته لم يفرح به.
وكل هذه الأمور على خلاف القياس، والصحابة الرواة لها لم يشتهروا بالقصة بل ولا بطول الصحبة، فليس لما قالوه وجه مع قبول الصحابة ﵁ ذلك.
وأيضاً إذا كان الصحابي عدلاً مأموناً فلا فرق فيما رواه بين ما يوافق القياس وما يخالفه. وإن كانت التهمة تتطرق إليه فيما يخالف القياس، فهي متطرقة إلى ما يوافقه أيضاً. ويكون حكمه حكم سائر الرواة من غير الصحابة ممن يتهم بسوء الحفظ، وقلة الإتقان ومعاذ الله من ذلك.
ولا ريب في أن فتح هذا الباب في الصحابة يشوش الشريعة ويدخل الشك في السنن، ويطرق أهل البدع كالرافضة وغيرهم إلى القدح في الدين والتشكيك فيه والتلبيس على ضعفاء المؤمنين. وكل
стр. 101
مقالة أدت إلى هذه المفاسد فهي فاسدة، لا سيما والإجماع العملي منعقد قبل قائلها وهي غنية عن الإطالة في ردها، والله ولي التوفيق.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. تم.
آخر الكتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، ووافق الفراغ من نسخه من نسخة المصنف في تاسع عشر جمادى الأول سنة ست وسبعمائة وسبعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 102
مصادر ومراجع
...
فهرس المراجع
١- الاجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة.
المؤلف: بدر الدين الزركشي ت (٧٩٤هـ) تحقيق سعيد الأفغاني – نشر المكتب الإسلامي.
٢- أحكام الأحكام. للآمدي.
تعليق عبد الرزاق عفيفي – وتصحيح عبد الله بن غديان. ط الأولى عام ١٣٨٧هـ.
٣- الاستيعاب في أسماء الأصحاب.
المؤلف ابن عبد البر ت (٤٦٣هـ) ط الأولى سنة ١٣٢٨ بمطبعة السعادة بمصر مع كتاب الإصابة.
٤- الإصابة في تمييز الصحابة
المؤلف الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢) مع كتاب الاستيعاب.
٥- الأنس الجليل. لمجير الدين الحنبلي.
نشر مكتبة المحتسب. عمان – الأردن.
٦- البداية والنهاية.
المؤلف: الحافظ ابن كثير. ت (٧٧٤هـ) . ط الأولى عام ١٣٥١هـ. ط بمطبعة السعادة.
٧- تاريخ الخلفاء
المؤلف: الإمام السيوطي. ت (٩١١هـ) .
بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ط الأولى عام ١٣٧١هـ. بمطبعة السعادة بمصر.
стр. 103
٨- تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي ت (٢٨٠هـ) .
تحقيق د. أحمد محمد نور سيف. نشر دار المأمون للتراث.
٩- التاريخ الكبير للإمام البخاري ت (٢٥٦هـ) .
ط الأولى عام ١٣٦١ هـ بمطبعة دائرة المعارف العثمانية.
١٠- تحفة الأحوذي شرح جامع الإمام الترمذي.
للمباركفوري ت (١٣٥٣هـ) مراجعة عبد الوهاب عبد اللطيف. نشر محمد بن عبد المحسن الكتبي.
١١- تحفة الأشراف.
للحافظ المزي. ت (٧٤٢هـ) تصحيح وتعليق عبد الصمد شرف الدين. نشر دار القيمة ط الأولى.
١٢- تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب.
المؤلف: ابن كثير. ت (٧٧٤هـ.) .
دراسة وتحقيق عبد الغني بن حميد الكبيسي. نشر دار حراء للنشر والتوزيع مكة المكرمة.
١٣- تذكرة الحفاظ.
المؤلف: الإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) . نشر دار إحياء التراث العربي.
بتصحيح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي عام ١٣٧٤هـ.
١٤- تفسير القرآن العظيم.
المؤلف: الإمام ابن كثير. ت (٧٧٤هـ) . طبع دار إحياء الكتب العربية. عيسى البابي.
١٥- تقريب التهذيب.
المؤلف: الإمام ابن حجر العسقلاني. ت (٨٥٢هـ) .
стр. 104
تحقيق وتعليق. عبد الوهاب عبد اللطيف. نشر دار المعرفة للطباعة. بيروت. ط الثانية عام ١٣٩٥هـ.
١٦- التقييد والإيضاح.
المؤلف: زين الدين العراقي ت (٨٠٦هـ) .
تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. نشر محمد عبد المحسن الكتبي. ط الأولى عام ١٣٨٩هـ.
١٧- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.
المؤلف: الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢هـ) .
تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني عام ١٣٨٤هـ.
١٨- تهذيب الأسماء واللغات.
المؤلف الإمام النووي. ت (٦٧٦هـ) . ط إدارة الطباعة المنيرية.
١٩- تهذيب التهذيب.
المؤلف: الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢هـ) .
ط بمطبعة دائرة المعارف النظامية. ط الأولى.
٢٠- جامع التحصيل في أحكام المراسيل.
المؤلف: الإمام العلائي ت (٧٦١هـ) .
تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.
٢١- الجرح والتعديل.
المؤلف: إبن أبي حاتم ت (٣٢٧هـ) .
تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي. ط بمطبعة دائرة المعارف. ط الأولى عام ١٣٧١هـ.
٢٢- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.
المؤلف الحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢هـ) .
ط بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية عام ١٣٤٨هـ.
стр. 105
٢٣- الرسالة المستطرفة.
المؤلف: السيد محمد بن جعفر الكتاني.
نشر دار الكتب العلمية – بيروت عام ١٤٠٠ هـ، ط الثانية.
٢٤- سنن ابن ماجه.
للإمام ابن ماجه ت (٢٧٥هـ) .
تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء الكتب العربية عام ١٣٧٢هـ.
٢٥- السنن الكبرى
للإمام البيهقي. ت (٤٥٨هـ) .
ط دار الفكر –بيروت.
٢٦- سنن الإمام الدارقطني ت (٣٨٥هـ) .
تصحيح وتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني.
ط دار المحاسن للطباعة، عام ١٣٨٦هـ.
٢٧- شذرات الذهب.
المؤلف ابن العماد الحنبلي. ت (١٠٨٩هـ) ، نشر مكتبة القدس عام ١٣٥١هـ.
٢٨- صحيح الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري ت (٢٦١هـ) بشرح النووي.
ط دار إحياء التراث العربي –بيروت.
٢٩- صحابة رسول الله ﷺ .
تأليف: عيادة بن أيوب الكبيسي. نشر دار القلم – بيروت. ط الأولى عام ١٤٠٧هـ.
стр. 106
٣٠- طبقات الشافعية الكبرى.
المؤلف الإمام السبكي ت (٧٧١هـ) .
تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ومحمود الطناحي. ط عيسى البابي الحلبي، ط الأولى.
٣١- العبر في خبر من غبر.
المؤلف: الإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) .
تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني. ط الأولى ١٤٠٥هـ.
دار الكتب العلمية –بيروت.
٣٢- عون المعبود شرح سنن أبي داود.
المؤلف: أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.
ضبط وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان. نشر محمد عبد المحسن، ط الثانية ١٣٨٨هـ.
٣٣- فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري.
المؤلف: الحافظ ابن حجر العسقلاني.
تحقيق فضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، ط المطبعة السلفية.
٣٤- فتح القدير.
المؤلف: الإمام الشوكاني ت (١٢٥٠هـ) ، نشر محفوظ العلي –بيروت.
٣٥- فتح المغيث شرح ألفية الحديث.
المؤلف: الإمام شمس الدين السخاوي ت (٩٠٢هـ) .
ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. نشر المكتبة السلفية. ط الثانية عام ١٣٨٨هـ.
стр. 107
٣٦- الفرق بين الفرق.
المؤلف: عبد القاهر بن طاهر ت (٤٢٩هـ) .
تحقيق محمد محيي الدين. ط دار المعرفة –بيروت.
٣٧- فضائل الصحابة.
المؤلف: الإمام أحمد بن حنبل ت (٢٤١هـ) .
تحقيق وصي الله بن محمد عباس. ط الأولى ١٤٠٣هـ. مركز البحث العلمي. بجامعة أم القرى.
٣٨- فهرس الفهارس والأثبات.
المؤلف: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني.
تحقيق: د. إحسان عباس. ط الثانية ١٤٠٢هـ.
دار الغرب الإسلامي –بيروت.
٣٩- الكامل في ضعفاء الرجال.
المؤلف: الإمام أبو أحمد بن عدي ت (٣٦٥هـ) .
ط الأولى عام ١٤٠٤هـ، ط بمطبعة دار الفكر –بيروت – لبنان.
٤٠- كشف الأستار.
المؤلف: الحافظ نور الدين الهيثمي ت (٨٠٧هـ) .
تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. ط بمؤسسة الرسالة.
٤١- الكفاية.
المؤلف: الخطيب البغدادي ت (٤٦٣هـ) .
ط الأولى، ط بمطبعة السعادة.
٤٢- المجروحين.
المؤلف: محمد بن حبان البستي ت (٣٥٤هـ) .
تحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط الأولى ١٣٩٦هـ، ط دار الوعي بحلب.
стр. 108
٤٣- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
المؤلف: نور الدين الهيثمي ت (٨٠٧هـ) .
نشر دار الكتاب العربي –بيروت.
٤٤- المحدث الفاصل.
المؤلف: الإمام الرامهرمزي ت (٣٦٠هـ) .
تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب. ط الأولى عام ١٩٧١م، ط دار الفكر.
٤٥- المراسيل.
المؤلف: ابن أبي حاتم الرازي ت (٣٢٧هـ) .
تحقيق شكر الله نعمة الله. ط الأولى عام ١٣٩٧هـ، ط مؤسسة الرسالة.
٤٦- المستدرك على الصحيحين.
المؤلف: أبو عبد الله الحاكم، ت (٤٠٥هـ) ، نشر دار الفكر –بيروت، عام ١٣٩٨هـ.
٤٧- مسند الإمام أحمد بن حنبل ت (٢٤١هـ) .
ط الأولى ١٣٨٩هـ، ط المكتب الإسلامي.
٤٨- مسند الطيالسي.
المؤلف: الإمام أبو داود الطيالسي ت (٢٠٤هـ) ، ط الأولى، بمطبعة دائرة المعارف النظامية عام ١٣٢١هـ.
٤٩- المصنف – للإمام عبد الرزاق الصنعاني ت (٢١١هـ) .
تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. ط الأولى عام ١٣٩٠هـ، نشر المكتب الإسلامي.
٥٠- المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر.
للإمام بدر الدين الزركشي ت (٧٩٧هـ) .
стр. 109
تحقيق ودراسة: عبد الرحيم بن محمد القشقري، رسالة دكتوراه.
٥١- معجم شيوخ الإمام الذهبي.
المؤلف: الإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) .
تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة. ط الأولى ١٤٠٨هـ. نشر مكتبة الصديق.
٥٢- المفردات في غريب القرآن.
المؤلف: الراغب الأصبهاني. ط مطبعة الميمنة سنة ١٣٢٤ هـ.
٥٣- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث
المؤلف: أبو عمرو بن الصلاح، ت (٦٤٢هـ) .
نشر دار الحكمة بدمشق عام ١٣٩٢هـ.
٥٤- المعجم الكبير.
المؤلف: الإمام الطبراني ت (٣٦٠هـ) .
تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.
ط الأولى ١٤٠٠هـ، بمطبعة الوطن العربي.
٥٥- الملل والنحل للشهرستاني.
ط مصطفى البابي عام ١٣٨٧هـ.
٥٦- موطأ الإمام مالك ت (١٧٩هـ) .
بحاشية السيوطي المعروف بتنوير الحوالك.
ط المكتبة التجارية الكبرى.
٥٧- ميزان الاعتدال للإمام الذهبي ت (٧٤٨هـ) .
تحقيق علي محمد البجاوي، ط دار إحياء الكتب العربية.