← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيه مشقة شديدة، ولو قلنا بالتنجيس لأدى ذلك إلى حرج ومشقة، وما جعل الله تعالى علينا في الدين من حرج (١).

стр. 37

المطلب الثالث: لا فرق بين البول القليل والكثير إذا وقع في البئر. صورة المسألة: إذا وقع في البئر بول، هل ينجس ماء البئر سواءً كان البول قليلًا أو كثيرًا؟ جاء في المغني: "ولا فرق بين البول القليل والكثير" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: القياس على سائر النجاسة، حيث إن سائر النجاسات إذا وقعت في البئر تَنجّس، لا فرق بين قليلها وكثيرها، فكذلك البول (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له لونًا أو طعمًا أو ريحًا، فإنه يتنجس (٣). ٢ - واختلفوا في تنجس ماء البئر بالبول القليل والكثير على أربعة أقوال: القول الأوّل: ماء البئر إن تغير بالبول نجس، وإلا فلا، سواء أكان قليلًا أو كثيرًا، وهو مذهب المالكية (٤)،

стр. 38

ورواية عند الحنابلة (١)، واختيار ابن تيمية (٢). القول الثاني: يتنجس ماء البئر بالبول القليل والكثير عند ملاقاته الماء، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول للشافعية (٤). القول الثالث: يتنجس ماء البئر بملاقاة النجاسة؛ إن كان قليلًا، وإن كان قُلتين، لا يتنجس إلا بالتغيير، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الرابع: ينجس ماء البئر إن كانت النجاسة بولًا أو عذرةً مائعة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - ماء البئر إن تغير بالبول نجس، وإلا فلا، سواء أكان قليلًا أو كثيرًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (٨). وجه الدلالة من الآية:

стр. 39

الله قد سمى الماء طهورًا، وأجمعت الأمة على أن الماء طاهر مطهر، وما كان طاهرًا مطهرًا يستحيل لحوق النجاسة به؛ لأنه إن لحقته لم يكن مطهرًا، فلو فسد بمجرد مماسة النجاسة لكان كبقية المائعات، ولم تحصل لأحد طهارة (١). الدليل الثاني: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ، وَالْمَحَايِضُ وَعَذِرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: قوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء). اللفظ فيه عام لم يخص القليل من الكثير، فيبقى على عمومه إلا ما خصه الدليل (٣)، كما في إحدى الروايات: (إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) (٤). نوقش:

стр. 40

بئر بضاعة حكم بطهارتها لأنها كانت طريق للماء إلى البساتين، فيكون ماؤها ماءً جاريًا، والماء الجاري ينقل النجاسة عن موضعها، فيصبح ما بعده من الماء طاهرًا مطهرًا (١). أجيب: لا يسلم بهذا؛ لأن الناس عرفوا هذه البئر وضبطوها في كتبهم، ولم يقل أحد إن ماءها كان جاريًا (٢). ويمكن أن يناقش: رواية: (إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) ضعيفة لا يصح الاحتجاج بها (٣). يمكن أن يجاب: هذه الرواية مع القول بتضعيفها إلا أن الإجماع منعقد على العمل بها (٤). الدليل الثالث: عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَهْ مَهْ (٥)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا تُزْرِمُوهُ (٦) دَعُوهُ) فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ … قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ (٧) عَلَيْهِ" (٨).

стр. 41

وجه الدلالة من الحديث: في الأمر بصب الماء على موضع البول دليل على أن الماء إذا خالط البول ومازجه لم ينجس، بل إنه إذا غلب عليه طهره ولا تضره الممازجة (١). الدليل الرابع: أن هذا ماء خالطه ما ينفك عنه غالبًا، فوجب أن يكون طاهرًا مطهرًا كما لو زاد عن القلتين، بجامع أن الكل لم يتغير بتلك المخالطة (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يتنجس ماء البئر بالبول القليل والكثير عند ملاقته الماء - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: معلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير له لونًا ولا طعمًا أو ريحًا، ومع هذا منع منه رسول الله ﷺ ونهى عنه (٤). نوقش: الحديث نص في النهي عن البول في الماء الدائم، وليس فيه دليل على تنجسه به (٥)، والنهي فيه إنما كان على سبيل الإرشاد والتنزيه والاحتياط، بدليل ما ذُكر من أدلة، ويكون في الماء القليل آكد منه في الكثير لإفساده له، لأن البول اليسير في الماء الكثير، لا يغير فيه شيئًا من أوصافه

стр. 42

الثلاثة (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: الحديث نص في أن النجاسة لو تحققت لنجست الماء وإن لم تغيره له لونًا أو طعمًا أو ريحًا (٣). نوقش: الأمر في الحديث للندب والاستحباب لمن كانت يده طاهرة أو غير طاهرة (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَاتٍ) (٥). وجه الدلالة من الحديث: الأمر بالإراقة والغسل دليل على تنجس الماء، ومعلوم أن الولوغ لا يغير لون الماء ولا طعمه ولا رائحته (٦). الدليل الرابع: القياس على سائر المائعات، إذا خالطت شيء منها نجاسة، مُنع أكله وشربه، مستويًا في ذلك حكم القليل منه والكثير (٧).

стр. 43

نوقش: المائعات تفارق الماء في كونها لا تبلغ حدًا يتعذر حفظه وصونه عن النجاسة، فتنجس بحلولها فيها لإمكان صونها، بخلاف الماء (١). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل – يتنجس ماء البئر بملاقاة النجاسة؛ إن كان قليلًا، وإن كان قُلتين، لا يتنجس إلا بالتغيير - بما يلي: الدليل الأوّل: عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ، وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ (٢) لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث بمفهومه على أن الماء - ويدخل في ذلك ماء البئر- إذا كان دون قلتين- فإنه يتأثر بالنجاسة (٤)، وإنما " ورد هذا مورد الفصل والتحديد بين المقدار الذي ينجس والذي لا ينجس، ويؤكد ذلك قوله: ﷺ فإنه لا ينجس" (٥).

стр. 44

نوقش: الحديث لم يصح، ففي سنده ومتنه اضطراب؛ لاختلاف الرواية فيه (١)، ولو صحَّ فإن "الحجة فيه ليست من جهة نصه، وإنما من جهة مفهومه، وإذا لم يكن مفهومه حجة، سقط الاحتجاج به فيما دون القلتين، وإن احتج بالمفهوم، ففي مقابلته قوله: ﷺ : خلق الله الماء طهورًا (٢)، والمنطوق مقدم على المفهوم" (٣). أجيب: الحديث ثابت ومحفوظ (٤)، وهو مخصص للحديث المذكور (٥). نوقش الجواب: لا يصح تخصيص المنطوق بالمفهوم (٦). الدليل الثاني: النجاسة إذا صعبت إزالتها، وشق الاحتراز منها، عُفي عنها، وإذا لم يشق الاحتراز لم يُعف، ومعلوم أن قليل الماء لا يشق حفظه، فكثيره يشق فعفي عما شقَّ دون غيره، وضبط الشرع حد القليل بقلتين، فتعين أن ماء البئر القليل ينجس بمجرد البول فيه لا فرق بين قليله وكثيره، وإذا بلغ قلتين لا ينجس إلا إذا أثَّر فيه البول، فغيَّر أحد أوصافه، وهي اللون، أو الطعم، أو الريح (٧). نوقش:

стр. 45

تحديد القليل بالقلتين فيه نظر؛ لأن القلة مجهولة، تُطلق ويراد بها قامة الرجل، وقد تذكر ويراد بها رأس الجبل، وتذكر ويراد بها الجرة، فلا يتعين أحدها إلا بدليل (١). وقد أجيب: مع كون اللفظ مشتركًا، إلا أنه لا ينصرف لغير الأواني، لأنها أوعية الماء التي يقدر بها، وهو الأشهر في عرف الاستعمال (٢). واستدلَّ أصحاب القول الرابع القائل – ينجس ماء البئر إن كانت النجاسة بولًا أو عذرةً مائعة – بـ: عن أبي هريرة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: النهي الوارد في الحديث يتناول القليل من البول والكثير وهو خاص فيه فيجمع بينه وبين حديث القلتين بحمل هذا على البول وحمل حديث القلتين على سائر النجاسات (٤). نوقش: التفريق بين بول الآدمي وعذرته وبين سائر النجاسات لا دليل عليه، فالحكم عام في جميع النجاسات (٥). الترجيح:

стр. 46

بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: ماء البئر إن تغير بالبول نجس، وإلا فلا، سواء أكان قليلًا أو كثيرًا؛ وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، ويعضده أن الأصل في الماء الطهارة، فلا يُنتقل عن هذا الأصل إلا بيقين، ولأن حديث: إذا بلغ الماء قلتين وهو العمدة عند المخالفين وردت عليه اعتراضات أضعفت الاحتجاج به.

стр. 47

المطلب الرابع: لا فرق بين النجاسة من ولوغ الكلب، وبين نجاسة يده أو غير ذلك من أجزائه. صورة المسألة: إذ ولغ الكلب في إناء أو لمسه بيديه أو رجله أو وقع فيه شعره أو أحد أجزائه، فهل يتنجس الإناء بكل ذلك أو يفرق بين الولوغ وغيره؟ جاء في المغني: "ولا فرق بين النجاسة من ولوغ الكلب، أو يده، أو رجله، أو شعره، أو غير ذلك من أجزائه؛ لأن حكم كل جزء من أجزاء الحيوان حكم بقية أجزائه" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - قياس أجزاء الكلب على سؤره. ٢ - أن ذلك حكم غيره من الحيوانات فكذلك الكلب (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في النجاسة من سائر أجزاء الكلب هل تلحق بالنجاسة من ولوغه أو لا على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: لعاب الكلب نجس، وسائر أجزائه طاهرة، وهو مذهب أبي حنيفة (٣).

стр. 48

القول الثاني: سائر أجزاء الكلب نجسة كلعابه، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وقول محمد (٣)، وأبو يوسف (٤) من الحنفية (٥). القول الثالث: الكلب طاهر، لعابه وسائر أجزائه، وهو مذهب المالكية (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لعاب الكلب نجس، وسائر أجزائه طاهرة - بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَاتٍ) (٧). وجه الدلالة من الحديث: في الأمر بغسل الإناء سبعًا دليلٌ على تنجسه بالولوغ، والجمادات لا يلحقها تعبد، فلم يبق

стр. 49

سوى أن الأمر لتنجس الإناء (١) ثم إن الأمر في الحديث اقتصر على الغسل من ولوغ الكلب دون غيره، فيعلم من ذلك أن المسكوت عنه عفو. الدليل الثاني: طهارة جلد الكلب بالدباغ دليل على طهارة أجزائه (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - سائر أجزاء الكلب نجسة كلعابه - بما يلي: الدليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَاتٍ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: لولا نجاسة لعاب الكلب ما وجب غسل الإناء منه، وإذا ثبت أن لسانه ولعابه الذي هو عرق فمه نجس علم أن سائر أجزائه نجسة (٤)؛ لأنه لما نص على نجاسة الفم مع أنه أشرف شيء من أجزائه فغيره بالنجاسة أولى (٥). نوقش: ليس في الأمر بالتطهير دليل على النجاسة، فالتطهير قد يقع على النجس وغير النجس، كما في الجُنُب فإنه أُمر بالغسل مع الحكم بطهارة ما مس ولاصق (٦). الدليل الثاني: (نَهَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ،

стр. 50

وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ) (١). وجه الدلالة من الحديث: في تحريم ثمن الكلب دليل على نجاسته، ونجاسته تقتضي نجاسة جميع أجزاءه (٢). نوقش: النهي إنما كان على وجه التنزيه (٣). الدليل الثالث: قال النَّبِيَّ ﷺ في الهرة: (أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ) (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل نفي النبي ﷺ لحكم النجاسة عن الهرة، وتعليله لذلك، على نجاسة الكلب، وذلك يشمل جميع أجزائه (٥). يمكن أن يناقش: النفي إنما كان لنجاسة لعاب الهرة، ولو دلَّ ذلك على نجاسة الكلب، فإن الدلالة لا تتجاوز نجاسة لعابه.

стр. 51

واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - الكلب طاهر، لعابه وسائر أجزائه - بما يلي: الدليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: الكلب من الجوارح، وقد أباح الله - تعالى - تعليمها والانتفاع بها في الصيد، وأكل ما صادته، وإباحتها دليل على طهارتها، وإلا لأمر بغسلها، ولما لم يأمر بغسل صيد الكلب من أثر لعابه، دل هذا على أنه طاهر (٢). نوقش: هذه الآية لا دلالة فيها على عدم نجاسة الكلب؛ لأن النجس قد يجوز الانتفاع به في حال الضرورة كالميتة، والآية وردت بالإباحة، فلو حكم بتنجيس ما أصابه بفمه لخرج مدلولها عن الإباحة إلى الحظر؛ لأن لعاب الكلب يسري فيما عضه من الصيد، فلا يمكن غسله فصار معفوا عنه، ولا ينكر العفو عن شيء من النجاسة للحوق المشقة في إزالته كدم البراغيث وأثر الاستنجاء (٣). الدليل الثاني: قال رَسُولَ اللهِ- ﷺ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ) (٤). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دليل على إباحة الانتفاع بالكلب، وأكل ما صاده، ولو كان لعابه نجسًا لبين رسول

стр. 52

الله ذلك لمن صيد له، فدل هذا على طهارته (١). الدليل الثالث: قال النبي ﷺ : (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِيَةٍ (٢)، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دليل على إباحة اقتناء الكلب والصيد به، كما أبيح ذلك في غيره من الجوارح، فصار كسائر الطاهرات التي أبيح لنا الانتفاع بها من غير ضرورة (٤). الدليل الرابع: سئل النبي ﷺ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ، وَالْكِلَابُ، وَالْحُمُرُ، وَعَنِ الطَّهَارَةِ مِنْهَا؟ فَقَالَ (لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ) (٥). وجه الدلالة من الحديث: دلَّ هذا الحديث على طهارة الكلب من وجهين: ١ - أنه جمع بين الكلاب والسباع، فلما كان السبع طاهرًا حُكم بطهارة ما جمع إليه. ٢ - أنه حكم بطهارة ما بقي من شرب الكلاب، ولم ينقل إلينا مقدار الباقي، ولو كان يختلف

стр. 53

الحكم باختلاف القدر المتبقي من الماء لبينه ﷺ (١). نوقش: هذا الحديث محكوم بضعفه، ولو سُلِّم فإن الحياض غالبًا ما تكون كثيرة الماء، فلا يحصل تنجسها بالولوغ، ولو كانت قليلة وولغ فيها كلب، فغاية ما ينتهي إليه الحكم هو الشك في تنجسها به، والشك لا يوجب التنجيس (٢). الدليل الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵃ قَالَ: (كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: نفي الرش في الحديث أبلغ من نفي الغسل، ولفظ شيئًا نكرة دلت على العموم (٤)، وهذا كله للمبالغة في طهارة سؤره إذ الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، والنبي ﷺ لم ينكر ذلك ولم يأمر بغسله، فعلم أنه طاهر (٥). نوقش: لا دلالة في الحديث على ما ذُكر؛ لأن طهارة المسجد متيقنة، والنجاسة مشكوك فيها، واليقين لا يزول بالظن فضلًا عن الشك. ولو سُلِّم بدلالة الحديث على عموم طهارة الكلب، فلا تعارض بين دلالته ودلالة الحديث الصريح بإيجاب الغسل سبعًا من ولوغ الكلب، ثم إن القول بطهارة لعاب الكلب يلزم منه القول بطهارة بوله، لأن الغالب أنه يقع منه في المسجد، ولا قائل بذلك، فعلم أن الحديث متروك الظاهر

стр. 54

كأن يكون ذلك في أول عهد الإسلام قبل ثبوت حكم النجاسة، والظاهر أن الغرض من إيراد الحديث هو الدلالة على جواز مرور الكلب في المسجد (١). الدليل السادس: كل حي نجسًا بعد الموت، فالحياة علة لطهارته، والكلب حي طاهر كسائر الحيوان" (٢). نوقش: الاستدلال بالحياة علة للطهارة غير صحيح؛ لأنه لما كان بعض الأموات طاهرًا جاز أن يكون بعض الأحياء نجسًا (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: لعاب الكلب نجس، وسائر أجزائه طاهرة، وذلك لسلامة دليل هذا القول من المعارضة، وقوة دلالته على المراد، فقد جاءت السنة الصحيحة بغسل الإناء الذي أصابه لعاب الكلب، ولم تأمر بغسل ما أصابه سائر أجزاء جسمه، ولأن استدلال المخالفين لم يسلم من المناقشة، ولا ينتهض لمعارضة الأدلة الصريحة، ولأن المساواة بين اللعاب وجميع الأجزاء زيادة على النص، فقد جاء النص بنجاسة اللعاب فقط.

стр. 55

المطلب الخامس: لا فرق في طهارة شعر الحيوان بين حياته وموته. صورة المسألة: إذا انفصل شعر الحيوان عن أصله، فهل يحكم بطهارة الشعر أو نجاسته؟ جاء في المغني: "وكل حيوان فشعره مثل بقية أجزائه ما كان طاهرا فشعره طاهر، وما كان نجسا فشعره كذلك، ولا فرق بين حالة الحياة وحالة الموت" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - يظهر - والله أعلم - أن سبب عدم التفريق هو: تعليق الحكم بعين الحيوان لا بحاله، فما كانت عينه طاهرة فشعره طاهر، حيًا وميتًا، وما كانت عينه نجسة فشعره نجس، حيًا وميتًا. ٢ - استصحابًا لأصل الطهارة. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن شعر الحيوان المأكول المتصل به طاهر إن أخذ منه حال الحياة (٢). ٢ - واتفقوا على أن شعر الحيوان غير مأكول اللحم المتصل به طاهر (٣). ٣ - واختلفوا في حكمه إن كان منفصلًا أو كان الحيوان ميتًا على ثلاثة أقوال:

стр. 56

القول الأوّل: شعر الحيوان طاهر - مطلقًا -، حيًّا كان أو ميتًا، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثاني: شعر الحيوان يتبع بقية أجزائه في الطهارة والنجاسة، حيًّا كان ذلك الحيوان أو ميتًا، وهو مذهب الحنابلة (٥)، ووجه عند الشافعية (٦). القول الثالث: شعور جميع الحيوانات حال موتها نجسة، وهو مذهب الشافعية (٧)، ورواية عند الحنابلة (٨). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - شعر الحيوان طاهر - مطلقًا -، حيًا كان أو ميتًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ (٩).

стр. 57

وجه الدلالة من الآية: دلت الآية على إباحة الانتفاع بأصواف وأوبار وأشعار الحيوانات، ولم تختص بشعر الميتة من المذكاة، فهو عام في الحي والميت، سواء أكان طاهرًا حال الحياة أو لا، والعام يبقى على عمومه حتى يرد المخصص أو أن يمنع منه دليل (١). نوقش هذا الاستدلال من أوجه: أ. يحتمل أن تكون الآية محمولة على شعر الحيوان المأكول إذا ذُكي أو أخذ في حياته كما هو المعهود (٢). ب. لفظ (من) ورد للتبعيض، فمنها ما يكون أثاثًا ومنها ما لا يكون أثاثًا، والبعض المراد هو الطاهر (٣). أجيب عن هذه الاعتراضات: بأن قصر الحكم على الحيوان المذكَّى أو ما أخذ شعره في حياته تحكم بلا دليل، فليس في الآية فصل بين الميتة والذكاة (٤). ت. قوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فيه إجمال، فالحين غير معلوم المدة، ويحتمل أن المعنى إباحتها إلى حين الموت (٥). أجيب: ليس في معنى الحين المذكور في الآية إجمال، وإنما أريد به: أنكم تنتفعون به مدة من الزمن لم

стр. 58

يُعينها ؛ لأن استعمال الناس يختلف بحسب حاجتهم، ويختلف أيضًا باختلاف ما استعمل له (١). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄، قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: (هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟) فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) (٢). وجه الدلالة من الحديث: (إنما) حصر وقصر لحكم التحريم على الأكل، وفي هذا دليل على أن ما عداه لا يحرم الانتفاع به، ومن ذلك الشعر فإنه لا يؤكل، وإباحة الانتفاع به دليل طهارته (٣). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قَالَ: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمَهَا وَأَمَّا الْجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ) (٤). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (٥) أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ حَلَالٌ إِلَّا مَا أُكِلَ مِنْهَا، فَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْقَرْنُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالسِّنُّ وَالْعَظْمُ فَكُلُّ هَذَا حَلَالٌ لِأَنَّهُ لَا يُذَكَّى) (٦).

стр. 59

وجه الدلالة من الحديثين: لم يُستثنى في الحديث من الميتة بحكم التحريم شيء سوى الأكل، وفي هذا دليل على إباحة أجزاء الميتة ما عدا ما حرم أكله، مما يؤكد طهارة شعرها، وإذا طهر حال الموت، فطهارته حال الحياة أولى، إذ لا فرق. نوقش: هذان الحديثان محكوم بضعف إسنادهما وقد بُين ذلك في التخريج (١). الدليل الخامس: الشعر إذا قطع حال الحياة كان طاهرًا ويجوز الانتفاع به؛ بخلاف الجلد إذا قطع حال الحياة، فإذا كان الشعر طاهرًا في الحال التي لو قطع فيها الجلد كان نجسًا، فطهارته وجواز الانتفاع به في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد من باب أولى (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - شعر الحيوان يتبع بقية أجزائه في الطهارة والنجاسة، حيًا كان ذلك الحيوان أو ميتًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال النبي ﷺ : (يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: ذِكر العاج (٤) في الحديث يدل على إباحته وفي ذلك دليل على أن ما لا تحله الحياة كالشعر والعظم يكون طاهرًا في حال الحياة والموت، إن كان الحيوان طاهرًا حال الحياة (٥).

стр. 60

الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل) (١). نوقش: كلا الحديثين حكم بضعفهما فلا تقوم بهما حجة. وحديث أم سلمة لو حكم بصحته فإنه يقتضي الإباحة ولا يدل على الطهارة، وفي اشتراط الغسل دليل على النجاسة (٢). الدليل الثالث: الشعر لا تفتقر طهارته منفصلًا إلى ذكاة أصله، فلا يحكم بنجاسته عند موت الأصل، كأجزاء السمك والجراد (٣). الدليل الرابع: الشعر لا تحله حياة ولا موت، فلا ينجس بموت الحيوان، كبيضه، فلو انفصل في الحياة كان طاهرًا، إن كان الحيوان طاهرًا (٤). نوقش: القياس على البيض قياس مع الفارق؛ لأن الشعر متصل بالحيوان اتصال خلقة، فينجس بالموت كالأعضاء؛ بخلاف البيض والحمل (٥). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - شعور جميع الحيوانات حال موتها نجسة - بما يلي:

стр. 61

الدليل الأوّل: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: الآية نص في تحريم الميتة، والتحريم دليل على التنجيس، واللفظ عام يتناول الشعر وغيره (٢). نوقش هذا الاستدلال من وجهين: أ. الشعر لا يصدق عليه وصف الميتة، حيث إن الميتة وصف لما فارقته الحياة بلا ذكاة، والشعر ونحوه لا حياة له بدليل أنه لا يحس ولا يألم، فكيف يتصور أن يكون ميتة (٣). أجيب: بعدم التسليم فالشعر يصدق عليه وصف الميتة؛ لأن الميتة اسم لما فارقته الحياة بجميع أجزائه، ودليل حياته نموه حال حياة الحيوان، وعدم الألم ليس دليلا على عدم الحياة، لأن الألم قد يفقد من لحم العصب ولا يدل على عدم الحياة. نوقش الجواب: بأن ما ذُكِر منتقض بالبيض، والجنين فإن فيه حياة ولا ينجس بانفصاله عن الحيوان، كما هو الحال في بقية الأعضاء، ثم إن النمو ليس دليلًا على الحياة فالنباتات تنمو ولا تتنجس (٤). ب. يسلم بأن هذه الآية عامة في الميتة، ولكن خصصتها آية النحل (٥)، والخاص مقدم على العام. أجيب:

стр. 62

كلتا الآيتين فيها عموم وخصوص، فآية النحل عامة في الحيوان الحي والميت، وآية المائدة (١) عامة في تحريم الميتة، فكل آية عامة من وجه خاصة من وجه فتساويتا من حيث العموم والخصوص: وكان التمسك بآية المائدة أولى لأنها وردت لبيان أن الميتة محرمة علينا، ووردت الأخرى للامتنان بما أحل لنا (٢). نوقش الجواب: ١ - التحريم في الآية يجوز أن يكون مختص بالأكل فلا يُسلّم بحرمة الانتفاع (٣). ٢ - يُسلّم بأن خصوص آية المائدة يقضي على عموم آية النحل، وخصوص آية النحل يقضي على عموم آية المائدة، ولكن العمل بآية النحل أولى لأن النص ورد بذكر الصوف والوبر والشعر الذي هو محل الخلاف وليس في آية تحريم الميتة ذكر صريح لذلك (٤). الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ (٥). وجه الدلالة من الآية: أثبت الله – للعظام إحياء، والإحياء إنما يكون بحياة تعود بعد الموت، والشعر جزء متصل بالحيوان اتصال خلقة فأشبه الأعضاء (٦)، فدلَّ هذا على نجاسة شعر الحيوان الميت. نوقش: قوله: ﴿يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ لا يدل على سبق الحياة فيها، كما لا يدل قوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٧) على سبق الحياة

стр. 63

في الأرض، والمراد بإحياء العظام إنبات لحمها لا حقيقة الإحياء، فليس فيما ذكر دليل على النجاسة (١). الدليل الثالث: قياس الموت على الحياة؛ بجامع أن كلًا منهما إذا حلَّ بالحيوان حلَّ بجميع أجزائه، فكما أنه حي بجميع أجزائه وأعضائه، كذلك إذا مات فهو ميت بجميع أجزائه وأعضائه؛ لأن كل جزء من الحيوان له قوة الاستمداد وصفة البقاء، وفيه الصلاح صفة الحياة، وعند انقطاع الاستمداد تكون له صفة الممات، وهذا ثابت لجميع أجزائه لا يختص بجزء دون جزء (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: شعر الحيوان طاهر - مطلقًا - حيًّا كان أو ميتًا؛ وذلك لقوة أدلة أصحاب هذا القول والرد على الاعتراضات الواردة عليها، ومناقشة أدلة المخالفين مما أضعف الاستدلال بها، ولأن الأصل في الأشياء الطهارة، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل.

стр. 64

المطلب السادس: لا فرق بين الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب وبين ثلاثة أحجار في التطهير. صورة المسألة: رجل استجمر بحجر واحد له ثلاثة شعب، فهل يجزئه في الاستنجاء؟ جاء في المغني: "والحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة (٢): ١ - عدم تأثير عدد الأحجار واجتماعها أو تفرقها في حكم الإجزاء، فالمعول عليه هو الإنقاء. ٢ - اشتراك الثلاثة الأحجار والحجر الواحد ذي الثلاث شعب في المعنى الحاصل منهما. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء- رحمهم الله تعالى - على أن الاستجمار بثلاثة أحجار يجزئ في التطهير (٣). ٢ - واختلفوا في إجزاء الاستجمار بحجر كبير، ذي ثلاث شعب على قولين: القول الأوّل: يجزئ الاستجمار بحجر كبير، ذي ثلاث شعب، وهو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 65

القول الثاني: لا يجزئ الاستجمار بحجر كبير ذي ثلاث شعب، وهو قول عند المالكية (١)، ورواية عن أحمد (٢). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يجزئ الاستجمار بحجر كبير ذي ثلاث شعب - بما يلي: الدليل الأوّل: عن جابر بن عبد الله- ﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : (إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا) (٣). وجه الدلالة من الحديث: الحديث يقتضي ثلاث مسحات دون عين الأحجار؛ لأن المقصود من الاستجمار ثلاثًا، هو حصول الإنقاء، فإذا استجمر بحجر له ثلاث شعب فقد حصل المقصود (٤). الدليل الثاني: إن استجمر ثلاثًا منقية بما وجدت فيه شروط الاستجمار، أجزأه، ولو فصل الحجر ذي الثلاث شعب فصارت ثلاثة صغارًا واستجمر بها لأجزأت، إذ لا فرق بينهما إلا الفصل ولا أثر لذلك في التطهير (٥). الدليل الثالث: القياس على ما لو مسح ذكره في ثلاثة مواضع من صخرة عظيمة، بجامع حصول معنى الإنقاء في الجميع، فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه من كل

стр. 66

وجه (١). الدليل الرابع: المقصود هو تكرار المسح حتى الإنقاء، لا تكرار الممسوح به، فالمعتبر عدد المسحات، لا عدد الأحجار، لقوله: (لا يكتفي أحدكم بدون ثلاث) (٢). الدليل الخامس: لو كان العدد معتبرًا في الأحجار، لوجب في الاستنجاء بالماء (٣). نوقش الاستدلال من وجهين: أ. عدم التسليم بقياس الحجر على الاستنجاء بالماء؛ لأن الماء يزيل العين والأثر جميعًا، والحجر إنما يزيل العين دون الأثر، فالاستنجاء بالماء أبلغ في الإنقاء (٤). أجيب: هذا يدل على أن المعتبر الإنقاء، لا العدد، وقد حصل بالحجر الذي له ثلاث شعب (٥). ب. الإنقاء هو المراد، والعدد عبادة، كما أن المعتبر في العدة هو الاستبراء، ويقع بحيضة واحدة، ولابد فيها من استيفاء العدد (٦). أجيب: ١ - الاستبراء لا يقتصر على الحيضة الأولى دون الأخريين؛ لاحتمال وقوع وطء بعد الحيضة الأولى، فيحتاج إلى الاستبراء، وكذلك في الثانية، وليس الاستنجاء كذلك (٧). ٢ - القياس على العدة فاسد، ويبطل بعدة اليائسة والصغيرة، فهي تجب لمجرد العبادة، ولا يجب

стр. 67

الاستنجاء بوجه إلا لإزالة النجاسة (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل – لا يجزئ الاستجمار بحجر كبير، ذي ثلاث شعب - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ سَلْمَانَ الفارسي- ﵁ قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دليل على أنه لا يجزئ في الاستجمار سوى ثلاثة أحجار؛ لأنه ﵊ نص عليها، وعلق الإجزاء بها (٣). نوقش: دلالة الحديث تقتضي ثلاث مسحات بحجر دون عين الأحجار، -ويفسر ذلك حديث جابر السابق- كما لو قيل: ضربته ثلاثة أسواط، والمراد ثلاث ضربات بسوط؛ لأن معناه معقول ومراده معلوم، ويؤكد ذلك عدم الاقتصار على لفظ الأحجار فيما يصح به الاستجمار بل أجيز الخشب والخرق والمدر (٤)، وإنما قيد العدد بالثلاثة لأنه الغالب، لا لأنه شرط (٥). الدليل الثاني: إذا استجمر بالحجر ذي الثلاث شعب فإنه يتنجس؛ فلا يجوز الاستجمار به

стр. 68

مرة ثانية كالحجر الصغير (١). نوقش الاستدلال من وجهين: أ. إنما يتنجس من الحجر ما أصابته النجاسة، والاستجمار، حاصل بغيره، فأشبه ما لو تنجس جانبه بغير الاستجمار. ب. لو استجمر بالحجر ذي الثلاث شعب ثلاثة أشخاص، لحصل لكل واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة أحجار فكذلك إذا استجمر به الواحد (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يجزئ الاستجمار بحجر كبير ذي ثلاث شعب، وذلك لوجاهة استدلال أصحاب هذا القول وسلامته، في مقابلة ضعف استدلال المخالف.

стр. 69

المبحث الثاني: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في سنن الفطرة والوضوء والمسح على الخفين وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: لا فرق في غسل اليدين إذا قام النائم من نومه، بين كونها مطلقة أو مشدودة. المطلب الثاني: لا فرق بين المستحاضة ومن به سلس البول في المسح على الخفين. المطلب الثالث: لا فرق في الخارج من غير السبيلين بين قليله وكثيره. المطلب الرابع: لا فرق في نقض الوضوء بمس الفرج بين العامد و غيره. المطلب الخامس: لا فرق في نقض الوضوء بأكل لحم الجزور بين قليله وكثيره والنيئ وغيره.

стр. 70

المطلب الأول: لا فرق في غسل اليدين إذا قام النائم من نومه، بين كونها مطلقة أو مشدودة. صورة المسألة: إذا استيقظ النائم من نومه وأراد الوضوء فما حكم غسل يديه قبل غمسها في الإناء؟ وهل هناك فرق بين كونها مطلقة أو مشدودة، أو كان على الرجل سراويل؟ جاء في المغني: "ولا فرق بين كون يد النائم مطلقة أو مشدودة بشيء، أو في جراب، أو كون النائم عليه سراويله أو لم يكن" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر والله أعلم أن سبب الإلحاق هو: عموم حديث أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على سنيَّة غسل اليدين لغير القائم من النوم أول الوضوء (٣). ٢ - واختلفوا في وجوب غسل اليدين أول الوضوء للقائم من النوم على ثلاثة أقوال:

стр. 71

القول الأوّل: غسل اليدين قبل الوضوء سنة - مطلقًا - للقائم من النوم، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثاني: غسل اليدين قبل الوضوء واجب على القائم من النوم - مطلقًا -، وإن تيقن طهارتهما، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله، وهو قول الحسن البصري (٥). القول الثالث: غسل اليدين واجب عند الوضوء على القائم من نوم الليل، وهو مذهب الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - غسل اليدين قبل الوضوء سنة – مطلقًا-، للقائم من النوم، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٧). الدليل الثاني: قال النبي ﷺ لأعرابي: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ

стр. 72

وَهَلِّلْهُ … ) (١). وجه الدلالة من الآية والحديث: -أمر الله عز جل بغسل الأربعة أعضاء ولم يأمر بغسل اليدين قبلها، ولو كان يجب غير ذلك لبيّنه (٢). نوقش: آلة التطهير هي اليد، فوجب غسلها لأن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (٣). أجيب: القول بالوجوب ممتنع؛ لأن اليد طاهرة حقيقةً وحكمًا، طهارة متيقنة فلا تزول بالشك (٤). الدليل الثالث: عن أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٥). وجه الدلالة من الحديث: ذكر علة الغسل فيه تنبيهًا على المقصود منه وهو الاحتياط، وقوله: (أين باتت يده) خرج مخرج الغالب؛ لأن الأصل هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالاحتمال وطروء الشك، وتوهم النجاسة يناسبه الندب واستحباب الغسل، فلا تجب الطهارة إلا بدليل (٦).

стр. 73

الدليل الرابع: غسل اليدين واجب على المحدث وهو من فروض الوضوء، وفي إيجابه عند الاستيقاظ من النوم مرة، ومرة عند الوضوء، إيجاب له عند الحدث مرتين (١). الدليل الخامس: العضو الذي لم يلزم غسله في الوضوء من غير نوم، لا يلزم غسله في الوضوء بسبب النوم كسائر أعضاء الجسد (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - غسل اليدين قبل الوضوء واجب على القائم من النوم - مطلقًا -، وإن تيقن طهارتهما، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله - بما يلي: الدليل الأوّل: عن أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: -النهي الوارد في الحديث يفيد المنع، وإلا لم يكن لنهيه فائدة (٤). -الأمر بالغسل يقتضي الوجوب، وعلته التعبد، فيعم الوجوب كل من تناوله الخبر (٥). الدليل الثاني: الحكم إذا تعلق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة، كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم، تجب في حق الآيسة والصغيرة، وكذاك الاستبراء، مع أن احتمال النجاسة لا ينحصر في مس الفرج، فإنه قد يكون في البدن بثرة أو دمل، وقد يحك جسده فيخرج منه دم بين أظفاره، أو

стр. 74

يخرج من أنفه دم، وقد تكون نجسة قبل نومه فينسى نجاستها لطول نومه (١). نوقش: النوم إن كان حدثًا فهو كالبول، وإن كان سببًا للحدث فهو كاللمس، وهما لا يوجبان غسل اليدين قبل غمسها في الإناء، فكذلك النوم (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - غسل اليدين واجب عند الوضوء على القائم من نوم الليل - بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دليل على أن الأمر مختص بنوم الليل دون ننوم النهار، وذلك مأخوذ من قوله ﷺ (أين باتت يده)، والمبيت لا يكون إلا بالليل (٤). نوقش الاستدلال من أوجه: أ. لفظ المبيت قد يستعمل للفعل ولو كان نهارًا، كقول بات القوم يدبرون أمر كذا (٥). يمكن أن يجاب: بعدم التسليم؛ لأن المتقرر في لغة العرب أن البيات والتبييت والمبيت لا يكون إلا ليلًا (٦).

стр. 75

أُعترض على الجواب: البيتوتة الدخول في الليل ولو من غير نوم، جاء في العين: "من فسر بات على النوم فقد أخطأ" (١)، وإنما ذكره في الحديث لأنه الغلب (٢). ب. لم يأمر الله بغسل اليد عند القيام للصلاة، في قوله: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم لإلى الصلاة … " وهو يشمل كل قيام ومنه القيام من نوم الليل (٣). ت. قياس نوم الليل على نوم النهار؛ بجامع أن كلًا منهما قائم من النوم ولم يتيقن النجاسة (٤). أجيب: هذا القياس لا يصح لسببين (٥): ١ - الأمر بالغسل للقائم من نوم الليل ثبت تعبدًا، فلا يصح قياس غيره عليه. يمكن أن يناقش: بأن ثبوت الحكم تعبدًا ليس محل اتفاق، فلا يستقيم هذا الجواب. ٢ - نوم الليل مظنة لإصابة النجاسة أكثر من نوم النهار. يمكن أن يناقش: مظنة إصابة النجاسة هي علة الحكم، ويد النائم تطوف على بدنه في نوم النهار كما تطوف في نوم الليل، والتعليل باشك لا يوجب الغسل (٦).
следующие страницы →