← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1108

المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في العبادات

عهود بنت عيسى بعيطي

Полный текст (527 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القول الأوّل: غسل اليدين قبل الوضوء سنة - مطلقًا - للقائم من النوم، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثاني: غسل اليدين قبل الوضوء واجب على القائم من النوم - مطلقًا -، وإن تيقن طهارتهما، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله، وهو قول الحسن البصري (٥). القول الثالث: غسل اليدين واجب عند الوضوء على القائم من نوم الليل، وهو مذهب الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - غسل اليدين قبل الوضوء سنة – مطلقًا-، للقائم من النوم، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٧). الدليل الثاني: قال النبي ﷺ لأعرابي: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ

стр. 72

وَهَلِّلْهُ … ) (١). وجه الدلالة من الآية والحديث: -أمر الله عز جل بغسل الأربعة أعضاء ولم يأمر بغسل اليدين قبلها، ولو كان يجب غير ذلك لبيّنه (٢). نوقش: آلة التطهير هي اليد، فوجب غسلها لأن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (٣). أجيب: القول بالوجوب ممتنع؛ لأن اليد طاهرة حقيقةً وحكمًا، طهارة متيقنة فلا تزول بالشك (٤). الدليل الثالث: عن أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٥). وجه الدلالة من الحديث: ذكر علة الغسل فيه تنبيهًا على المقصود منه وهو الاحتياط، وقوله: (أين باتت يده) خرج مخرج الغالب؛ لأن الأصل هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالاحتمال وطروء الشك، وتوهم النجاسة يناسبه الندب واستحباب الغسل، فلا تجب الطهارة إلا بدليل (٦).

стр. 73

الدليل الرابع: غسل اليدين واجب على المحدث وهو من فروض الوضوء، وفي إيجابه عند الاستيقاظ من النوم مرة، ومرة عند الوضوء، إيجاب له عند الحدث مرتين (١). الدليل الخامس: العضو الذي لم يلزم غسله في الوضوء من غير نوم، لا يلزم غسله في الوضوء بسبب النوم كسائر أعضاء الجسد (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - غسل اليدين قبل الوضوء واجب على القائم من النوم - مطلقًا -، وإن تيقن طهارتهما، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله - بما يلي: الدليل الأوّل: عن أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: -النهي الوارد في الحديث يفيد المنع، وإلا لم يكن لنهيه فائدة (٤). -الأمر بالغسل يقتضي الوجوب، وعلته التعبد، فيعم الوجوب كل من تناوله الخبر (٥). الدليل الثاني: الحكم إذا تعلق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة، كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم، تجب في حق الآيسة والصغيرة، وكذاك الاستبراء، مع أن احتمال النجاسة لا ينحصر في مس الفرج، فإنه قد يكون في البدن بثرة أو دمل، وقد يحك جسده فيخرج منه دم بين أظفاره، أو

стр. 74

يخرج من أنفه دم، وقد تكون نجسة قبل نومه فينسى نجاستها لطول نومه (١). نوقش: النوم إن كان حدثًا فهو كالبول، وإن كان سببًا للحدث فهو كاللمس، وهما لا يوجبان غسل اليدين قبل غمسها في الإناء، فكذلك النوم (٢). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - غسل اليدين واجب عند الوضوء على القائم من نوم الليل - بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: في الحديث دليل على أن الأمر مختص بنوم الليل دون ننوم النهار، وذلك مأخوذ من قوله ﷺ (أين باتت يده)، والمبيت لا يكون إلا بالليل (٤). نوقش الاستدلال من أوجه: أ. لفظ المبيت قد يستعمل للفعل ولو كان نهارًا، كقول بات القوم يدبرون أمر كذا (٥). يمكن أن يجاب: بعدم التسليم؛ لأن المتقرر في لغة العرب أن البيات والتبييت والمبيت لا يكون إلا ليلًا (٦).

стр. 75

أُعترض على الجواب: البيتوتة الدخول في الليل ولو من غير نوم، جاء في العين: "من فسر بات على النوم فقد أخطأ" (١)، وإنما ذكره في الحديث لأنه الغلب (٢). ب. لم يأمر الله بغسل اليد عند القيام للصلاة، في قوله: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم لإلى الصلاة … " وهو يشمل كل قيام ومنه القيام من نوم الليل (٣). ت. قياس نوم الليل على نوم النهار؛ بجامع أن كلًا منهما قائم من النوم ولم يتيقن النجاسة (٤). أجيب: هذا القياس لا يصح لسببين (٥): ١ - الأمر بالغسل للقائم من نوم الليل ثبت تعبدًا، فلا يصح قياس غيره عليه. يمكن أن يناقش: بأن ثبوت الحكم تعبدًا ليس محل اتفاق، فلا يستقيم هذا الجواب. ٢ - نوم الليل مظنة لإصابة النجاسة أكثر من نوم النهار. يمكن أن يناقش: مظنة إصابة النجاسة هي علة الحكم، ويد النائم تطوف على بدنه في نوم النهار كما تطوف في نوم الليل، والتعليل باشك لا يوجب الغسل (٦).

стр. 76

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: غسل اليدين قبل الوضوء سنة - مطلقًا - للقائم من النوم، سواءً أكانت يده مطلقة أو مشدودة، أو في جراب، أو النائم عليه سراويله، وذلك لوجاهة استدلال أصحاب هذا القول والرد على الاعتراضات الواردة عليه، وضعف استدلال قول المخالفين، ولأن قول من فرق بين نوم الليل ونوم النهار مع وجاهته، إلا أن الاعتراضات الواردة على استدلاله أضعفت قولهم.

стр. 77

المطلب الثاني: لا فرق بين المستحاضة ومن به سلس البول في المسح على الخفين. صورة المسألة: كيفية المسح على الخفين ومدته وأحكامه هل يستوي فيها المستحاضة ومن به سلس بول أم لا؟ جاء في المغني: "والرجل والمرأة في ذلك سواء، يعني في المسح على الخفاف، وسائر أحكامه وشروطه … ولا فرق بين المستحاضة ومن به سلس البول وغيرهما" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: دخولهما في عموم الحديث الذي نصه (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ يَمْسَحَ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) (٢). حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على عدم التفريق بين المستحاضة ومن به سلس بول في أحكام المسح على الخفين (٣). ٢ - واختلفوا في كيفيته ومدته لهما، على أربعة أقوال:

стр. 78

القول الأوّل: يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين - مطلقًا - كغيرهما ممن لا عذر له، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، وقول زفر (٣) من الحنفية (٤). القول الثاني: لا يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين - مطلقًا -، وهو وجه عند الشافعية (٥). القول الثالث: يجوز للمستحاضة ومن به سلس البول المسح على الخفين، لفريضة واحدة وما أرادا من النوافل، وهو الأصح عند الشافعية (٦). القول الرابع: يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين ما دام الوقت باقيًا، فإذا خرج الوقت وجب الغَسل، وهو مذهب الحنفية (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين - مطلقًا - كغيرهما ممن لا عذر له - بما يلي: الدليل الأوّل: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله

стр. 79

عليه وسلم - (يَأْمُرُنَا أَنْ يَمْسَحَ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) (١). وجه الدلالة من الحديث: الحديث عام في جواز المسح على الخفين، وهو يشمل المستحاضة ومن به سلس بول وغيرهما، ولم يرد تخصيص أو استثناء لذلك العموم (٢). الدليل الثاني: يشترط للمسح على الخفين لبسهما على طهارة كاملة، وصاحب الحدث الدائم طهارته (٣) في الشرع كاملة معتبرة، فجاز له المسح كغيره (٤). الدليل الثالث: المسح على الخفين رخصة للمضطر وغير المضطر، وهما أحق من يترخص بذلك (٥). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لا يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين مطلقًا – بـ: أن اللبس حصل مع الحدث، والصلوات إنما جازت مع الحدث الدائم للضرورة، ولا ضرورة هنا، بل هي رخصة وشرطها اللبس على طهارة كاملة، وطهارة صاحب الحدث الدائم ناقصة (٦). نوقش:

стр. 80

يقاس ما يتجدد على صاحب الحدث الدائم حال عذره من استحاضة وسلس بول على ما يتجدد عليه من حدث حال الطهارة الكاملة (١). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - يجوز للمستحاضة ومن به سلس البول المسح على الخفين، لفريضة واحدة وما أرادا من النوافل - بما يلي: الدليل الأوّل: طهارة الغَسل التي لُبس عليها الخفين لا تستباح بها أكثر من فريضة واحدة، حيث إن المستحاضة ومن به سلس بول يتوضآن لكل صلاة، فلم يستبيحا بالمسح عليها أكثر منها، وإنما استبيحت تلك الفريضة؛ لأنه يحكم بطهرهما حينها (٢). يمكن أن يناقش الاستدلال من وجهين: أ. لا تعارض بين استباحة الصلاة بالمسح وبقاء مدته، فإن مدة المسح لا تبطل بالحدث ولا بخروج الوقت (٣). ب. الأمر بالوضوء حال السيلان مع عدم الحدث إنما كان على وجه الاستحباب (٤). يمكن أن يجاب عنه: القول بأن الأمر للاستحباب ليس محل اتفاق، فهناك من قال أنه للوجوب (٥). الدليل الثاني: حكم طهارة المستحاضة ومن به سلس بول مقصورًا على استباحة فريضة ونوافل، ويعتبران محدثان بالنسبة لما زاد على ذلك، فيكون لبسهما للخف على حدث، لأن طهارتهما لا ترفع الحدث حقيقة (٦).

стр. 81

يمكن أن يناقش: من المحال أن يكون الإنسان طاهرًا إن أراد أن يصلي صلاة، ومحدثًا في عين الوقت إن أراد أن يصلي أخرى، فهو إما طاهر فيصلي ما شاء، أو محدث فلا يصلي مطلقًا (١). واستدلَّ أصحاب القول الرابع القائل - يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين ما دام الوقت باقيًا، فإذا خرج الوقت وجب الغَسل - بـ: أن سيلان الدم عفو في الوقت لا بعده، وخروج الوقت ليس بحدث، فكان اللبس مع السيلان في الوقت قد حصل على طهارة معتبرة، وليس كذلك لو حصل اللبس بعد خروج الوقت (٢). يمكن أن يناقش: بما نوقش به استدلال أصحاب الأقوال الأخرى. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يجوز للمستحاضة ومن به سلس بول المسح على الخفين - مطلقًا - كغيرهما ممن لا عذر له، وذلك لقوة ما استدل وعلل به أصحاب هذا القول، ومناقشة تعليلات المخالفين التي لا تقوى على معارضة استدلال القول المرجح.

стр. 82

المطلب الثالث: لا فرق في الخارج من غير السبيلين بين قليله وكثيره. صورة المسألة: من خرج منه بول أو غائط من غير السبيلين فهل يحكم بانتقاض طهارته أم لا؟ سواء كان قليلًا أم كثيرًا؟ جاء في الشرح: "لا يختلف المذهب في نقض الوضوء بخروج الغائط والبول؛ سواء أكان من مخرجهما، أو من غيره، ويستوي قليلهما وكثيرهما في ذلك" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر - والله أعلم - أن سبب الإلحاق: أن الحدث هو خروج البول والغائط ذاته سواء خرج من مخرجه المعتاد أم لا وسواء كان قليلًا أم كثيرًا. أدلة الشريعة الإسلامية جاءت عامة، لم تفرق في الغائط والبول بين الخارج من السبيلين والخارج من غيرهما، ولا بين القليل منه والكثير في نقض الوضوء. حكم المسألة: اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن الخارج من غير السبيلين إن كان غائطًا أو بولًا فهو ناقض للوضوء، لا فرق في ذلك بين القليل والكثير (٢).

стр. 83

واستدلوا بما يلي: الدليل الأوّل: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: عموم الآية يدل على أن الخارج من السبيلين من بول وغائط ناقضًا للوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا لو كان البول والغائط خرج من السبيلين أو من غيرهما (٢). الدليل الثاني: عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَقُومَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِهِ أَذًى مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) (٣). الدليل الثالث: عن صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ (٤) – ﵁ قَالَ: (كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ) (٥). وجه الدلالة من الحديثين: لم تنص الأحاديث على الفرق بين كثير الخارج وقليله، ولا بين كونه من مخرجه أو غيره والتنكير

стр. 84

فيهما للتعميم فيشمل كل غائط وبول خارج من البدن سواءً أكان من السبيلين أو من غيرهما، قليلًا كان أو كثيرًا فهما في الحكم سواء (١).

стр. 85

المطلب الرابع: لا فرق في نقض الوضوء بمس الفرج بين العامد و غيره. صورة المسألة: من توضأ ثم مس ذكره فهل يحكم بنقض وضوئه مطلقًا عامدًا كان أم لا؟ جاء في المغني: "مسألة مس الفرج … وفي نقض الوضوء بجميع ذلك خلاف في المذهب وغيره … فعلى رواية النقض لا فرق بين العامد وغيره" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: دخول العامد وغيره في عموم قوله: (مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في نقض وضوء من مس ذكره على أربعة أقوال: القول الأوّل: مس الذكر ينقض الوضوء إن كان بشهوة، وهو قول للمالكية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). القول الثاني:

стр. 86

مس الذكر ناقض للوضوء - مطلقًا -، (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثالث: مس الذكر لا ينقض الوضوء - مطلقًا -، وهو مذهب الحنفية (٥)، وقول عند المالكية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). القول الرابع: مس الذكر ينقض الوضوء إن كان عمدًا، وهو قول عند المالكية (٨)، ورواية عن الإمام أحمد (٩)، واختيار ابن تيمية (١٠). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - مس الذكر ينقض الوضوء إن كان بشهوة - بما يلي: الدليل الأوّل: الجمع بين الأدلة وهي: حديث بسرة (١١)، وحديث طلق (١٢) لأنه يطابق ألفاظ

стр. 87

الأخبار التي هي عموم في إثبات الوضوء ونفيه (١). نوقش: لم تنص الأحاديث الواردة في مس الذكر، على تقييد المس بالشهوة، فهو تقييد لما أطلقه الشارع بلا دليل (٢). أجيب: سؤال طلق كان عن الرجل يمس فرجه في الصلاة، ولا يتصور أن يكون المس في الصلاة بشهوة، فيحمل حديث بسرة على المس بشهوة وحديث طلق على المس بدون شهوة (٣). ويمكن أن يجاب: بأن اعتبار الشهوة راجع إلى كون مس الفرج لمس يؤثر في الطهارة، كمس المرأة إذا كان بشهوة بجامع التلذذ (٤). الدليل الثاني: أن النبي شبه الذكر بسائر أجزاء الجسد، ولا يكون مشابهًا لها إلا في حال عدم الشهوة (٥). الدليل الثالث: الذكر ليس بحدث وإنما هو سبب للحدث، وإيجاب الوضوء منه معلقًا على المس الذي يؤدي للحدث، وليس ذلك إلا اللذة (٦). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - مس الذكر ناقض للوضوء مطلقًا - بما يلي:

стр. 88

الدليل الأوّل: عن بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ (١): "أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) (٢). الدليل الثاني: عن أُمِّ حَبِيبَةَ- ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ) (٣). الدليل الثالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءُ الصَّلَاةِ) (٤). وجه الدلالة من الأحاديث: جاءت الأدلة عامة في نقض الوضوء من مس الذكر فشملت العمد والسهو (٥)، فلفظ اللمس يطلق على العامد والساهي (٦).

стр. 89

نوقش الاستدلال من أوجه: أ. نقض الوضوء بمس الذكر - مطلقًا - يخالف إجماع الصحابة ﵃ (١). يمكن أن يجاب: عدم التسليم بدعوى الإجماع، فقد اختار جمع من الصحابة (٢) القول بعدم نقض الوضوء، كعلي، وحذيفة (٣)، وابن مسعود وغيرهم (٤). ب. روي أن حديث بسرة، حادثة وقعت في زمن مروان بن الحكم فلما شاور من بقي من الصحابة قالوا: لا ندع كتاب ربنا، ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (٥). ت. الحديث خبر فيما تعم به البلوى، فلو ثبت لاشتهر، ولو اشتهر لم يخفى عن أكابر الصحابة الذين أنكروا الوجوب (٦). أجيب: قد نقل الحكم في هذا مستفيضًا عن بضعة عشر راويًا من الرجال والنساء (٧)، ولو كان الوضوء منه غير واجب لم يخف ذلك على أكابر الصحابة الذين أوجبوا الوضوء (٨). الرابع: لو ثبتت الأخبار، فإنها محمولة على غسل اليدين، لا حقيقة الوضوء (٩). أجيب: حمل المعنى على غسل اليد لا يصح، لأن ألفاظ الشرع تحمل على الحقيقة إلا إذا تعذر

стр. 90

ذلك، أو وجدت قرينة صارفة ولا قرينة هنا (١). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل - مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا- بما يلي: الدليل الأوّل: عن قيس بن طلق (٢)، عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله: أيتوضَّا أحدنا إذا مسَّ ذكرَهُ؟ قال: (إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ أَوْ جَسَدِكَ) (٣). وجه الدلالة من الحديث: بيَّن النبي أن الذكر بضعة من الجسد، فهو كسائر أعضاءه، فإما أن يكون طاهرًا أو نجسًا، ولا يجب الوضوء من مس الطاهرات ولا النجاسات، وعليه لا يجب الوضوء من مس الذكر عمدًا كان أو سهوًا (٤). نوقش الاستدلال من وجهين: أ. هذا الحديث "منسوخٌ بحديث نقض الوضوء؛ لأن أبا هريرة وبسرة ﵄ أسلما (٥) بعد قدوم طلق" (٦). أجيب بجوابين: ١ - لا اختلاف في القول بتأخر إسلام أبي هريرة وبسرة عن قدوم طلق، ولكن ادعاء النسخ فيه احتمال، وإطلاق النسخ على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من طريق

стр. 91

الاحتمال خارج عن الاحتياط (١)؛ لأن المسجد بني مرتين، فيحتمل أن قدوم طلق وسؤاله كان في الثانية، وقدومه ثم رجوعه لا ينفي عوده بعد ذلك (٢). ٢ - لا يصار إلى النسخ إلى إذا تعذر الجمع (٣)، وهو هنا ممكن. ب. قياس الذكر على سائر البدن لا يصح؛ لأن له أحكام خاصة تتعلق به، كوجوب الغسل بإيلاجه والحد والمهر (٤). أجيب: هذه الأحكام لا تختص بالذكر، وإنما تتعلق بالجماع، بل قد يتعلق المهر بالخلوة، والحد بالعزل (٥). الدليل الثاني: الوضوء من مس الذكر حاجة الناس إليه عامة، والأصل أن يرد النقل بحكمه مستفيضا متواترا؛ فكيف يجوز نقله من طريق الآحاد، ولو كان الأمر بالوضوء واجبًا لنقله كافة الصحابة عن النبي، كما نقلوا الوضوء من البول والغائط، وغسل الجنابة ونحوها (٦). نوقش: لا دليل على أن بيان ما عمت به البلوى يلزم أن يكون عامًا، بل يجوز أن يكون آحادًا كما في الوضوء من القيء (٧)، أما حديث الوضوء من مس الذكر فقد رواه نحو خمسة عشر صحابيًا (٨).

стр. 92

الدليل الثالث: القول بإيجاب الوضوء من مس الذكر يؤدي للوقوع في الحرج؛ لأنه يقع من الإنسان غالبًا، والحرج مرفوع عن هذه الأمة (١). الدليل الرابع: مس الذكر ليس حدثًا بذاته، ولا سببًا لوجود الحدث غالبًا فأشبه مس الأنف، فلا ينتقض الوضوء به (٢). يمكن أن يناقش: مس الذكر ليس حدثًا لكنه سبب لوقوع الحدث، لا سيما إن كان المس بشهوة، ولا سبيل لقياسه على الأنف في ذلك. واستدلَّ أصحاب القول الرابع القائل - مس الذكر ينقض الوضوء إن كان عمدًا - بما يلي: الدليل الأوّل: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة من الآية: دلت الآية على عدم نقض الوضوء بمس الذكر خطأً أو نسيانًا، وعلى النقض بمسه عمدًا (٤). أجيب: غاية ما تدل عليه الآية هو نفي الجناح وهو الإثم، ونفي الإثم ليس دليلًا على بقاء الطهارة (٥). الدليل الثاني: القياس على مس المرأة فهو ناقض للوضوء إن كان بقصد فكذلك مس الذكر بجامع

стр. 93

المس (١). يمكن أن يناقش: انتقاض الوضوء بمس المرأة ليس محل اتفاق (٢)، فلا يستقيم هذا الاستدلال. الدليل الثالث: العرب لا تسمي الفاعل فاعلًا إلا بتحقق القصد منه في الفعل، فلا يكون ماسًّا لذكره إلا إذا كان قاصدًا (٣). يمكن أن يناقش: اللمس المجرد لا يقع به حكم في الشرع من كفارة أو تحريم، ولو مع وجود القصد، ولا يتعلق به حكم إلا إن كان بشهوة (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: مس الذكر ينقض الوضوء إن كان بشهوة؛ وذلك لوجاهة هذا القول وإعماله لجميع الأدلة، والقاعدة تقول: إعمال الأدلة أولى من إهمالها، ولما تم من الرد على المناقشات الواردة على أدلة هذا القول، وورود الاعتراضات المضعفة لأدلة المخالفين.

стр. 94

المطلب الخامس: لا فرق في نقض الوضوء بأكل لحم الجزور بين قليله وكثيره والنيئ وغيره. صورة المسألة: توضأ شخص، ثم أكل قليلًا من لحم جزور، فهل ينتقض وضوءه بذلك الأكل؟ جاء في الكشاف: "السابع من النواقض: أكل لحم الجزور … لا فرق بين قليله وكثيره وكونه نيئا وغير نيء" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: يظهر - والله أعلم - أن سبب الإلحاق هو دخول الأمر في عموم حديث البراء بن عازب (٢)، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الوضوءِ من لُحومِ الإبلِ، فقال: (تَوضَّؤوا منها) وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: (لا توضَّؤوا منها) وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ، فقال: (لا) (٣). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في نقض الوضوء بأكل لحم الجزور، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، نيئًا أو مطبوخًا، على ثلاثة أقوال:

стр. 95

القول الأوّل: أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، قليلًا كان أو كثيرًا، نيئًا أو مطبوخًا، وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول الشافعي (٢)، واختاره النووي من الشافعية (٣). القول الثاني: أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء - مطلقًا -، قليلًا كان أو كثيرًا، نيئًا كان أو مطبوخًا، وهو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). القول الثالث: أكل لحم الجزور ينقض الوضوء إذا كان نيئًا، وهو رواية عند الحنابلة (٧). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، قليلًا كان أو كثيرًا، نيئًا أو مطبوخًا - بما يلي: الدليل الأوّل: عن البراء بن عازب- ﵁، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الوضوءِ من لُحومِ الإبلِ، فقال: (تَوضَّؤوا منها)، وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: (لا توضَّؤوا منها) وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ، فقال: (لا) (٨).

стр. 96

الدليل الثاني: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (١) ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ)، قَالَ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: (نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ)، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: (لَا) (٢). وجه الدلالة من الحديثين: في الحديثين دليل على انتقاض الوضوء بأكل لحم الإبل مطلقًا؛ لأن فيهما أمر بالوضوء منه، وظاهر الأمر الوجوب، ولا تجب الطهارة إلا عند انتقاضها (٣). نوقش الاستدلال من وجهين: أ. يحمل الأمر في الحديث على الاستحباب، أو على غسل اليد؛ لأن النبي ﵊ إنما فرَّق بين لحم الإبل والغنم؛ لأن لحم الإبل له ريح منتن ليست للحم الغنم، فاستحب فيه الوضوء لقطع الرائحة، ثم إن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد (٤). أجيب بعدة أجوبة (٥): ١ - حمل الأمر على الاستحباب مخالف للظاهر، لأن مقتضى الأمر الوجوب، والنبي لما سئل عن حكم الوضوء من هذا اللحم، أجاب بالأمر بالوضوء منه، ولو أراد به الاستحباب لكان تلبيسًا على السائل لا جوابًا.

стр. 97

٢ - أن النبي ﵇ – قَرَنَ الأمر بالوضوء من لحم الإبل بالنهي عنه من لحوم الغنم، والمراد من النهي عن الوضوء من لحم الغنم هو نفي الإيجاب، فيتعين حمل الأمر بالوضوء من لحم الإبل على الإيجاب ليتحقق الفرق بينهما. ٣ - حمل معنى الوضوء على غسل اليد يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب، لأن غسل اليد غير واجب، وقد تبين فساد ذلك. ٤ - الوضوء إذا جاء على لسان الشارع، وجب حمله على الموضوع الشرعي دون اللغوي، ولو كان المراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم؛ فإن غسل اليد منه مستحب. ٥ - الأمر بالوضوء من لحم الإبل خرج جوابا للسؤال عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة. ٦ - عند صرف النص عن ظاهره، لابد من دليل يصرف اللفظ، ويكون مكافئًا للظواهر المتروكة في القوة، أو يكون أقوى منها، وليس هناك دليل قوي يصرف ذلك. ب. الحديث منسوخ بحديث جابر ﵁ قال: (كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) (١). أجيب لا يصح القول بالنسخ، لوجوه منها (٢): ١ - الأمر بالوضوء من لحم الإبل متأخر عن حديث ترك الوضوء مما مست النار، ومن شروط النسخ تقدم الناسخ. ٢ - أكل لحوم الإبل ينتقض به الوضوء لكونه من لحوم الإبل، لا لكونه مما مست النار، فهو ينقض وإن كان نيئًا، ونسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الأخرى. ٣ - خبر إيجاب الوضوء خاص، وخبر تركه عام، والعام لا ينسخ الخاص إلا إذا تعذر الجمع، وهو

стр. 98

ممكن هنا (١). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء - مطلقًا -، قليلًا كان أو كثيرًا، نيئًا كان أو مطبوخًا - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ) (٢). وجه الدلالة من الحديث: بين الحديث أن الوضوء يكون من الخارج النجس؛ لأن الحدث هو خروج النجس حقيقة، أو ما هو سبب الخروج، ولم يوجد ذلك في أكل لحم الجزور، قل أو كثر نيئًا أو مطبوخًا (٣). نوقش: الحديث موقوف على ابن عباس فلا يصح الاستدلال به، ولو ثبت فحديث وجوب الوضوء أصح وأخص فوجب تقديمه (٤). الدليل الثاني: لحم الجزور يغلب أكله، فلو وجب الوضوء منه لوقع الناس في الحرج، والحرج مرفوع عن الأمة (٥). الدليل الثالث: القياس على سائر المأكولات، بجامع عدم التأثير في نقض الطهارة وإيجاب الوضوء في كل منهما (٦).

стр. 99

يمكن أن يناقش من وجهين: أ. هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأن النص الصريح يقابله، ولا اجتهاد في مورد النص (١). ب. هذا استدلال بمحل النزاع، وهو انتقاض الطهارة أو عدمه. الدليل الرابع: تناول الأشياء المحرمة أو النجسة، مثل الخمر والميتة والدم لا يوجب الوضوء، فمن باب أولى لا توجبه الأشياء الطاهرة والمباحة (٢). يمكن أن يناقش: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأن النص الصريح يقابله، ولا اجتهاد في مورد النص (٣). واستدلَّ أصحاب القول الثالث القائل -أكل لحم الجزور ينقض الوضوء إذا كان نيئًا- بـ: عن جابر ﵁ قال: ((كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)) (٤). وجه الدلالة من الحديث: يظهر أن وجه الاستدلال: بين الحديث عدم إيجاب الوضوء مما مست النار -ولحم الجزور إن كان مطبوخًا- يعد مما مسته النار فلا تنتقض الطهارة به، ويبقى النيء منه على مقتضى إيجاب الوضوء بأكله. نوقش: دل الأمر في الأحاديث الصحيحة التي سبق ذكرها؛ أن أكل لحوم الإبل ينتقض به الوضوء لكونه من لحوم الإبل، لا لكونه مما مست النار، وعليه فإنه ينقض بكل صوره نيئًا كان أو مطبوخًا، لكن كان النقض بمطبوخه لعلتين زالت إحداهما وبقيت الأخرى (٥).

стр. 100

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، قليلًا كان أو كثيرًا، نيئًا أو مطبوخًا، وذلك لقوة دليل هذا القول وصراحته والرد على ما ورد عليه من الاعتراضات الواردة عليه، وضعف استدلالات المخالف التي لا تقوى على معارضة النص الصريح.

стр. 101

المبحث الثالث: المسائل التي قيل فيها لا فرق عند الحنابلة في الغسل، والتيمم، وإزالة النجاسة، والحيض، وفيه أحد عشر مطلبًا: المطلب الأول: لا فرق في غسل من انقطع حيضها ونفاسها بين أن تنوي الوطء، أو حله. المطلب الثاني: لا فرق في التيمم بين سفر الطاعة والمعصية. المطلب الثالث: لا فرق في التيمم بين كون الجبيرة على كسر أو جرح. المطلب الرابع: لا فرق في النية للتيمم بين ما وجب بالشرع، وما وجب بالنذر. المطلب الخامس: لا فرق في بطلان تيمم لابس العمامة وغيرها بالخلع بين أن يكون مسح عليها قبل التيمم أو لا. المطلب السادس: لا فرق بين رطب النجاسة وجافها. المطلب السابع: لا فرق في التطهير بين الحاصل بفعل الله تعالى أو فعل الآدمي. المطلب الثامن: لا فرق في عدم النجاسة بالموت بين المسلم والكافر. المطلب التاسع: لا فرق بين أن يكون زمن الدم أكثر من زمن الطهر أو مثله أو أقل. المطلب العاشر: لا فرق في الحيض بين نساء العرب وغيرهن. المطلب الحادي عشر: لا فرق في الاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج بين من يأمن على نفسه مواقعة المحظور أو يخاف ذلك.

стр. 102

المطلب الأول: لا فرق في غسل من انقطع حيضها ونفاسها بين أن تنوي الوطء، أو حله. صورة المسألة: امرأة انقطع حيضها أو نفاسها، واغتسلت، هل هناك فرق بين أن تنوي بغسلها الوطء، أو حله؟ جاء في الكشاف: "وإن نوت من انقطع حيضها أو نفاسها بغسلها حل الوطء صح غسلها، وارتفع الحدث الأكبر؛ لأن حل وطئها يتوقف على رفعه وهو الوطء … إذ لا فرق بين الوطء وحله" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عدم وجود وصف مؤثر في الحكم يفرق بين نية الوطء وحله (٢). حكم المسألة: اختلف الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فيمن انقطع حيضها ونفاسها، إن نوت بغسلها الوطء أو حله، على قولين (٣): القول الأوّل: يصح غسل من انقطع حيضها ونفاسها، لا فرق بين أن تنوي الوطء، أو حله، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني:

стр. 103

لا يصح غسل من انقطع حيضها أو نفاسها، إن نوت بغسلها حل الوطء فقط، وهو وجه عند الشافعية (١)، وقول عند الحنابلة (٢). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يصح غسل من انقطع حيضها ونفاسها، لا فرق بين أن تنوي الوطء، أو حله - بـ: أن حل وطء الحائض والنفساء يتوقف على رفع ذلك الحدث، فإن اغتسلت ونوت ارتفع حدثها وحل الوطء فصح الغسل (٣). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لا يصح غسل من انقطع حيضها أو نفاسها، ونوت بغسلها حل الوطء فقط - بـ: أن المرأة إنما نوت بغسلها حل الوطء، لا نفس الجماع، وحل الوطء ليس من موجبات الغسل (٤). نوقش: هذا الاستدلال فيه نظر؛ لعدم وجود فرق مؤثر بين نية الوطء وحله، والتفريق بينهما تحكم بلا دليل (٥). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يصح غسل من انقطع حيضها ونفاسها، لا فرق بين أن تنوي الوطء أو حله، وذلك لوجاهة ما علل به أصحاب هذا القول وسلامته من المعارضة، وورود المناقشة على تعليل المخالف مما أسقط الاحتجاج به.

стр. 104

المطلب الثاني: لا فرق في التيمم بين سفر الطاعة والمعصية. صورة المسألة: من سافر وقصد بسفره معصية الله ، فهل له أن يترخص برخصة التيمم إذا فقد الماء؟ جاء في المغني: "لا فرق بين سفر الطاعة والمعصية في التيمم" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: عموم النصوص الدالة على مشروعية التيمم، فإنها لم تخصص سفر دون آخر، أو تفرق بين الغرض من السفر. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على جواز التيمم لمن سافر سفر طاعة (٢). ٢ - واختلفوا في جوازه لمن سافر سفر معصية على قولين: القول الأوّل: يجوز التيمم في سفر المعصية، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، والأصح عند الشافعية (٦).

стр. 105

القول الثاني: لا يجوز التيمم في سفر المعصية، وهو قول للمالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - يجوز التيمم في سفر المعصية - بما يلي: الدليل الأوّل: قَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣). وجه الدلالة من الآية: الآية عامة في جواز التيمم في السفر عند فقد الماء، فيعم الحكم كل سفر دون تفريق بين سفر الطاعة، وسفر المعصية (٤). الدليل الثاني: التيمم عبارة عن مسح أقيم مقام غسل فجاز استباحته في سفر المعصية، كما يجوز في سفر الطاعة (٥). الدليل الثالث: سفر المعصية يعد سفرًا صحيحًا، لأن السفر نفسه ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره (٦). الدليل الرابع: التيمم واجب عند عدم الماء أو العجز عن استعماله، والمعصية لا تمنع من صحة الواجب (٧). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - لايجوز التيمم في سفر المعصية - بما يلي: الدليل الأوّل: العاصي بسفره يستطيع استباحة التيمم بالتوبة من معصيته، لذا لم يجز له التيمم

стр. 106

حال عصيانه (١). يمكن أن يناقش: قياس المسافر العاصي على الحاضر العاصي إذا عدم الماء، بجامع العصيان في الجميع (٢). أجيب: لما كان للسفر تعلق بعدم الماء أو خوف فوات الوقت، والمسافر عاص به لم يجز له التيمم في ذلك السفر (٣). يمكن أن يناقش الجواب: السفر بمجرده لا يعتبر من الأعذار المبيحة للتيمم. الدليل الثاني: التيمم رخصة، والرخص تابعة للحال التي وجبت الرخصة لأجلها، فيمتنع التيمم في سفر المعصية تبعًا للحال، لأن المعصية تنافي الرخصة والتخفيف (٤). نوقش من وجهين: أ. التيمم عزيمة، تجب في السفر والحضر، فلا يترك في سفر المعصية؛ لأنه حكم لا يختص بالسفر، فيباح في سفر الطاعة والمعصية (٥). ب. على اعتبار أن التيمم رخصة، والرخص تنافي العصيان، فإنه لا ينتفي من الرخص بسبب العصيان إلا رخصة يظهر أثرها في السفر والحضر كالقصر والسفر (٦).

стр. 107

الدليل الثالث: في إباحة التيمم للعاصي بسفره إعانة له على السفر (١). يمكن أن يناقش: لا يسلم هذا؛ لأن الرخصة في التيمم لعلة السفر ذاته، وهذا متحقق فيمن كان سفره طاعة أو معصية فيصدق عليه وصف السفر (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يظهر أن الراجح في المسألة -والله أعلم- هو القول الأوّل القائل: يجوز التيمم في سفر المعصية؛ وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن أدلة المخالفين ضعيفة لا تقاوم دلالة النص.

стр. 108

المطلب الثالث: لا فرق في التيمم بين كون الجبيرة على كسر أو جرح. صورة المسألة: أصيب شخص وشُد على جرحه أو كسره، فهل المشروع في حقه للطهارة المسح فقط، أو يجمع إليه التيمم؟ جاء في المغني: "لا فرق في التيمم بين كون الشد على كسر أو جرح" (١). سبب الإلحاق وعدم التفريق في المسألة: ١ - الجرح موضع يحتاج إلى الشد عليه، فأشبه الكسر (٢). ٢ - يظهر والله أعلم أن السبب أيضًا هو: عدم وجود فارق بين الشد على الكسر والجرح يؤثر في الحكم، فكلاهما يصدق عليه وصف (الحائل) الذي يأخذ أحكام المسح. حكم المسألة: ١ - اتفق الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على جواز المسح على الجبيرة (٣) والعصابة (٤)، سواء أكان الشد لكسر أو لجرح (٥). ٢ - واختلفوا في حكم التيمم مع المسح عليها على قولين:

стр. 109

القول الأوّل: لا يجب التيمم مع مسح الجبيرة أو العصابة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول للشافعية (٤). القول الثاني: يجب التيمم مع المسح على الجبيرة والعصابة، وهو القول الأصح للشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦). استدلَّ أصحاب القول الأوّل القائل - لا يجب التيمم مع مسح الجبيرة أو العصابة - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- ﵁، قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ ﷺ ، (فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ) (٧). وجه الدلالة من الحديث: أمر النبي عليًّا بالمسح على الجبائر ولم يأمره بالتيمم م مع المسح (٨)، ويلحق بالجبيرة الجرح والقرح

стр. 110

ونحوه (١). نوقش: هذا الحديث لا يصح الاستدلال به؛ لضعف إسناده (٢). الدليل الثاني: عَنِ ابْنِ عُمَرَ- ﵄، أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَكَفُّهُ مَعْصُوبَةٌ فَمَسَحَ عَلَى الْعَصَائِبِ وَغَسَلَ سِوَى ذَلِكَ (٣). وجه الدلالة: اقتصر ابن عمر على المسح ولم يجمع إليه التيمم، وفعل الصحابي حجة (٤). الدليل الثالث: العضو المشدود محلٌ واحد، فلا يُجمع فيه بين بدلين (المسح والتيمم) (٥). الدليل الرابع: القياس على الخف بجامع أن كلاهما ممسوح في طهارة فلم يجب له التيمم، بل أن صاحب الجبيرة والعصابة أولى، لأن صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (٦). واستدلَّ أصحاب القول الثاني القائل - يجب التيمم مع المسح على الجبيرة والعصابة - بما يلي: الدليل الأوّل: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ) يَعْصِبَ (شَكَّ مُوسَى - علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ
следующие страницы →