تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة
إعداد الدكتور محمد بنكيران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مدخل:
تعد عملية تدوين السنة النبوية واحدة من أهم العمليات في تاريخ الإسلام على نحو عام، أفنى فيها أجيال من العلماء أعمارهم، وركزوا فيها أخلص جهودهم، واستخدموا لإنجاحها نبوغهم وإبداعهم وثاقب فكرهم، ونالت من اهتمامهم وعنايتهم الشيء الكثير، وهي تحظى في الدرس الحديثي بمكانة خاصة ومتميزة من حيث قيمتها والأهمية التي تكتسبها، وذلك لكونها المرآة المجلية لطبيعة عمل المحدثين تجاه السنة النبوية وحقيقته وآثاره، والمبرزة للمقاصد والأغراض التي كانوا يطمحون إلى تحقيقها من وراء هذه العملية والتي وجد فيها ما هو منهجي، وما هو نقدي، وما هو عقدي، وما هو أصولي، وما هو فقهي استنباطي، وما هو حضاري. وبناء على هذا فهي بوابة رئيسة لأكثر من مجال، وميدان خصب بالدلالات والإشارات، ومفتاح للرؤية الشمولية والنسق العام الذي تحرك في إطاره المحدثون في خدمتهم للسنة النبوية وعنايتهم بها، وهي الواجهة التي تعكس حقيقة اتجاهاتهم واختياراتهم، الأمر الذي يجعل من هذه القضية إحدى القضايا التي تتطلب الدرس العميق والبحث الموسع.
стр. 2
١- تحديد المصطلحات:
إن عنوان هذا العرض هو "تدوين السنة النبوية في القرون الثاني والثالث والرابع"، فهل يعني ذلك أن ما وقع في هذه القرون المتباينة يسمى جميعه تدويناً، وأن ما جرى استعماله من المصطلحات في هذه القضية هو مصطلح التدوين فقط دون أي مصطلح آخر؟.
إن مسألة المصطلح مهمة جدا في مثل هذه المجالات كما هو معلوم وهو
стр. 3
يرمز إلى وجود التطور أو عدمه؛ وذلك لأن تعدد المصطلحات وتباينها يشير إلى أن العملية قد مرت بأطوار متعددة، وكان لها في كل مرحلة مناهج جديدة، وخصائص وميزات مباينة لما سبق، فكان لابد من تمييزها على مستوى المصطلح، والعكس بالعكس، أي: إن وجود مصطلح واحد يعني جمودها على وضع واحد، وبُعْدها عن أي شكل من أشكال التطور.
وبناء على ذلك فإن ما يتداول في قضيتنا هاته ليس هو مصطلح التدوين فقط، بل معه مصطلحان اثنان: هما الكتابة والتصنيف.
فمما ورد في الكتابة: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسول ﷺ مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، (وخطب خطبة) فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه" (١) ، ومثله كذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله ﷺ بَشَرٌ يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقٌّ" (٢) .
ومما ورد في التدوين قول الإمام الزهري محمد بن مسلم (ت ١٢٤هـ) :
стр. 4
"لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني" (١) ، وقال الإمام مالك بن أنس: "أول من دون العلم ابن شهاب" (٢) .
ومما ورد في التصنيف قول عبد الرزاق الصنعاني: "أول من صنف الكتب ابن جريج" (٣) وقول ابن عدي عن يحيى الحماني: إنه أول من صنف المسند بالكوفة، وقال: "وأول من صنف المسند بالبصرة مسدد، وأول من صنف المسند بمصر أسد السنة" (٤) .
وإذا كانت هذه النقول ذات دلالات واضحة على اختصاص كل مرحلة بمصطلح، فإنه لا ينبغي القطع بذلك إلا بعد الوقوف على المعنى اللغوي لكل واحد من هذه المصطلحات.
أ- معنى الكتابة لغة:
جاء في لسان العرب لابن منظور في مادة كتب: "كَتَب الشيءَ يَكْتُبه كَتْباً وكِتاباً وكِتابةً، وكَتَّبه: خَطَّه؛ قال أَبو النجم:
أَقْبَلْتُ من عِنْدِ زيادٍ كالخَرِفْ ... تَخُطُّ رِجْلايَ بخَطٍّ مُخْتَلِِفْ
تُكَتِّبانِ في الطَّريقِ لامَ ألِفْ
ونقل عن الأَزهري في معنى الكِتاب أنه اسم لما كُتب مَجْمُوعاً.
وبناء عليه يكون معنى الكتابة هو النسخ وخط الحروف وهي عملية
стр. 5
بسيطة تتحقق في القليل مما قد يقع على ورقة، أو ربما بعضها، كما يمكن أن تتحقق في أكثر من ذلك.
ب- معنى التدوين لغة:
أما التدوين فالذي يظهر من معناه اللغوي أنه لا يتحقق إلا في الشيء الكثير، وهو بذلك لا يرادف معنى الكتابة؛ لأنه لا يماثلها في البساطة، بل هو أوسع وأشمل وربما أعقد، فالدِّيوانُ هو كما قال كل من ابن منظور والفيروزابادي مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ، وجمعه: دَواوِينُ ودَياوِينُ، وعليه فيكون التدوين هو عملية ضمِّ الصحائف إلى بعضها، وجَمْعِ ما تمَّتْ كتابته فيها في كتاب كبير هو الديوان.
ج- معنى التصنيف لغة:
يظهر من الدلالة اللغوية لهذه الكلمة أن الفارق بينها وبين التدوين لا يرجع إلى القلة والكثرة كما هو الحال بين كلمتي الكتابة والتدوين، وإنما يتمثل في معنى آخر لابد أن يتضمنه التصنيف وهو الترتيب والتمييز والتبويب، فقد جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي: "الصَّنف والصِّنف: النوع والضَّرْب. جمع "أصناف وصنوف ". وبالكسر وحده (أي الصِّنف) الصفة، ثم قال: صَنَّفه تصنيفا جعله أصنافا، وميز بعضها عن بعض "، وقال المناوي في التعاريف: "الصنف الطائفة من كل شيء أو النوع يقال: صَنَّفَ متاعه جعله أصنافا، ومنه تصنيف الكتب" (١) .
وبمقابلة النقول السابقة مع هذه الدلالات اللغوية يتبين أنه يتعين التحري
стр. 6
والتدقيق في استعمال المصطلحات في هذه القضية، وحيث إنه من المؤكد أن السنة النبوية خضعت للتطور من هذه الناحية، فإن المراحل التي تدرجت عبرها منها ما ينبغي أن يسمى كتابة لا غير، ومنها ما ينبغي أن يسمى تدوينا لكونه لا ينطبق عليه إلا معنى التدوين، ومنها ما ينبغي أن يسمى تصنيفا لتوافر كل مواصفات التصنيف فيه.
وبناء على هذا: نعدُّ الدكتور فؤاد سيزكين موفقا حينما قسم أطوار كتابة السنة النبوية إلى ثلاث مراحل: أولاها مرحلة الكتابة، والثانية مرحلة التدوين، والثالثة مرحلة التصنيف (١) .
ونعني بالكتابة ما تم في عهد النبي ﷺ والصحابة وذلك في القرن الأول الهجري، وكان التدوين في نهاية هذا القرن على يد ابن شهاب الزهري بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١هـ) ، وبعده مباشرة بدأت عملية التصنيف التي توسع فيها جيل تلامذة الزهري ﵀.
وليس هناك من الناحية الزمنية تماثل بين هذه المراحل كما هو واضح، فمرحلة التدوين هي أقصر المراحل، وقد تمَّ في وقت قياسي؛ لأن عمر بن عبد العزيز هو الذي كان الآمر للزهري به؛ ولم تستغرق خلافته أكثر من سنتين، وما مات حتى أكمل الزهريُّ مهمته، بينما استغرقت الكتابة قرنا كاملا، أما التصنيف فاستغرق أضعاف ذلك.
هذه هي أهم النقاط التي كان لابد من التنبيه لها وبيانها بين يدي هذا
стр. 7
العرض، والتي على أساسها سيتم تناول تدوين السنة النبوية في هذه القرون الثلاثة، وبها يظهر أن تقسيم المراحل كان ينبغي أن يؤخذ فيه بعين الاعتبار ما لكل مرحلة من الخصائص المنهجية والنقدية والعلمية فذلك أولى من تقسيمها زمنيا، لأنه قد يتقاسم القرن مرحلتان.
ولا يفوتني هنا أن أنبه على صعوبة هذا الموضوع وتشعب أطرافه نظراً لتناوله فترة زمنية طويلة ومراحل مختلفة ومتباينة، ولأجل ذلك سأحاول التركيز والاختصار قدر المستطاع.
стр. 8
٢- تدوين السنة النبوية في القرن الثاني الهجري:
كان تعامل المسلمين مع السنة النبوية منذ أول يوم يقوم على أساسين اثنين هما: الحفظ في الصدور والتقييد في الصحف، وعلى الرغم من أن الحفظ في البداية كان هو الغالب بسبب المنع النبوي من الكتابة الذي اقتضته ظروف معينة فإن الكتابة ظلت حاضرة، ولكن بصورة محدودة إلى حد ما إلا أنها كانت تعرف مع الأيام توسعا وانتشاراً؛ بسبب ارتفاع الأسباب الداعية إلى منعها شيئا فشيئا من جهة، ثم بسبب تكاثر الدواعي إلى ضرورة حفظها بهذا الطريق. وفي بيان هذا يقول ابن الأثير: "وكان اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يسطرونه محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله ، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوح ومات معظم الصحابة وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى" (١) .
стр. 9
ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل عرفت السنة النبوية ظاهرة خطيرة جداً هي ظاهرة الوضع والاختلاق، فكانت داعيا أساسياً لدى العلماء الذين فطنوا لبداياتها الأولى إلى التوقف عن أي تحرج من كتابة السنة والانطلاق نحو تدوينها تدوينا رسميا في نهاية القرن الأول الهجري، وذلك في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي كلف ابن شهاب الزهري بالعملية.
وهو لشدة اهتمامه بالقضية وحرصه على أن يُولِيَها ما تستحقه من العناية والاهتمام، لم يكتف فقط باختيار الإمام الزهري والاعتماد عليه؛ إدراكاً منه لقوة تمكنه وتفوقه على سائر علماء عصره وإنما اهتدى إلى أن يعبئ جهود علماء الأمة الإسلامية كافة؛ لتتم العملية على أكمل وجه، فأرسل إلى سائر عماله على الأقاليم الإسلامية يأمرهم بجمع السنة قائلا: "انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه" (١) .
وربما لم يُكْتَبْ أن يصلَنا من هذه الكتب التي كتبها عمر إلا كتابٌ واحد هو ما أرسله إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره فيه بجمع السنن، ولا يبعد أن يكون السبب في اشتهار خطاب عمر لأهل المدينة دون غيره راجعا إلى أهميته وذلك لكونه يتضمن الأمر بجمع حديث المدينة المنورة؛ لقوله فيه على ما في بعض الروايات: انظر ما كان عندك - أي في بلدك - من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه" (٢) ، وحديث المدينة يأتي في الدرجة الأولى من حيث الأهمية لشموله أولا ثم لصحته ثانيا، والشمول راجع
стр. 10
إلى كون المدينة المنورة دار مقام النبي ﷺ والصحابة من بعده، فكانت بذلك منبع السنة النبوية قولا تلقاه التابعون من أفواه الصحابة وعملا توارثوه عنهم، وأما الصحة فلأنَّ أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة، فإن التدليس فيهم قليل، والاشتهار بالكذب ووضع الحديث عندهم عزيز، كما قال الخطيب البغدادي (١) :
"وربما كان السبب في تخصيص أبي بكر دون غيره من أهل المدينة راجعاً بالإضافة إلى كونه أميرا عليها إلى ما كان يمتاز به من مؤهلات مهمة فاق بها غيره، حيث كان تابعيا فقيها ضليعا في علم القضاء، بل لم يكن عند أحد بالمدينة من القضاء ما كان عنده، وكانت له خبرة بالسيرة النبوية، ويصفه الإمام مالك فيقول: "ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءة ولا أتم حالا ولا رأيت مثل ما رأى" (٢) ، وكانت خالته هي عمرة بنت عبد الرحمن، وقد أخبر الإمام مالك أن عمر أمره بجمع الحديث من عند خالته هاته والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٣) ، ومن المؤكد أن ذلك لم يكن من نافلة القول وإنما لعلم عمر بمكانة عمرة في حفظ الحديث وروايته، فهي المدنية التابعية الثقة التي كان يقول عنها عمر نفسه: "لم يبق أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة" وكانت هي والقاسم وعروة أثبت الناس في حديث عائشة (٤) ، وكانت عائشة كما هو معلوم من بين السبعة المكثرين عن النبي ﷺ ، وكان القاسم بن
стр. 11
محمد بالإضافة إلى ما سبق - ثقة رفيعا عالما فقيها إماما ورعا كثير الحديث (١) .
وإذا أخذنا نفحص الروايات المتعلقة بجمع أبي بكر بن حزم - وهي قليلة جدا - نجد أنها تثبت قيامه بمهمة الجمع هاته: فقد أخرج الفسوي بإسناده عن ابن وهب عن مالك أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن يكتب له العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن والقاسم بن محمد فقلت لمالك: السنن؟ قال: نعم، قال: فكتبها له" (٢) .
وليس يثبت من خلال ما وصَلَنَا من الروايات أن أبا بكر أرسل شيئا من ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، بل صَرَّح الإمام مالك في إحدى الروايات عنه أن عمر توفي قبل أن يبعث إليه أبو بكر بما كتبه (٣) ، وأما عن مصير تلك الكتب فقد سأل مالك عبد الله بن أبي بكر فقال: ضاعت (٤) .
ولم يكن هناك ما يمنع الزهري من القيام بعمله على أحسن وجه، بالرغم من ضياع ما كتبه ابن حزم، وذلك بحكم ما عُرِفَ عنه من سعة العلم بالحديث، ولا سيما حديث المدنيين والحجازيين؛ فقد روى الفسوي عن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: "أما أعلمهم بقضايا رسول الله وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقها وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثا
стр. 12
فعروة بن الزبير ولا تشأ أن تُفَجِّر من عبيد الله بن عبد الله بحراً إلا فجرته؛ قال: ثم يقول لي عراك بن مالك: وأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب فإنه جمع علمهم جميعا إلى علمه " (١) .
وقد أمر عمر بن عبد العزيز بكتب ما جمعه الزهري من الحديث في دفاتر ودواوين وبعث بها إلى الأمصار الإسلامية حسبما روى ابن عبد البر عن ابن شهاب نفسه قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا" (٢) .
وبإمكاننا الجزم بأن للزهري في هذه القضية فضلا من جهتين فضل السبق إلى التدوين وفضل التفرد بإنجازه، ولهذا قال إبراهيم بن سعد: "إن أول من وضع للناس هذه الأحاديث ابن شهاب" (٣) ، ومثله قال مالك وقد تقدم، وكان الزهري يقول: "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني" (٤) .
وأما عن تفرده فقد شاع عند كثير من الدارسين اعتقاد بأن عمر بن عبد العزيز حينما أراد أن يدون السنة كاتب العلماء والولاة في ذلك، وكان شأن الزهري في ذلك شأن غيره من العلماء (٥) .
ولكن الصحيح في ذلك هو أن عمر اعتمد اعتمادا كليا على الإمام الزهري الذي كان يقيم معه في عاصمة الخلافة، وكانت كتبه إلى الآفاق
стр. 13
لأجل الاستعانة بها فقط، ومن الأدلة على ذلك عدم ثبوت وصول كتاب إلى الزهري من عمر في ذلك في مقابل اشتهار كتابه إلى ابن حزم، بالرغم من عدم تمكنه من إرسال أي شيء إلى عمر وضياع تلك الكتب كما مر، فكيف يعقل أن يشتهر كتاب عمر، لابن حزم، ولا ينقل - فضلا عن أن يشتهر - كتابه لابن شهاب؟.
إنه الدليل الواضح على أن الزهري كان هو القائم بأمر التدوين وأن غيره ممن كوتب فلأجل أن يساعده فقط.
وتفيد الروايات أن هذه المدونات انتشرت في البلاد الإسلامية انتشاراً واسعاً وتداولها طلبة العلم، ومن ذلك ما روي أن إسحاق بن راشد قدم الري فجعل يقول: أخبرنا الزهري، فسئل: أين لقيته؟ فقال: "لم ألقه، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له ثم" (١) . وورد أيضا أن حديث الزهري عن أنس في الصدقات الذي رواه عنه سلمة بن عمرو القاضي جاء في آخره: "هذا كتاب ابن شهاب الزهري بخطه فيما أخبرني به أبو عمرو الأوزاعي عنه" (٢) .
كما يظهر من جهة أخرى أن كثيرا من هذه المدونات بقيت في دار الخلافة بعد وفاة الزهري في خلافة هشام ويزيد من بعده، فكان ينتفع بها طلاب العلم ويروون منها، ويذكر علي بن المديني فيمن روى منها الوليد بن محمد الموقري (٣) .
واستمر الأمر على هذا الحال إلى أن حملت من دار الخلافة عند مقتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ ولا يعلم مصيرها بعد ذلك. أخرج ابن سعد
стр. 14
عن معمر قال: "كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول: من علم الزهري" (١) .
وأما من الناحية المنهجية والنقدية - وهما أهم ما ينبغي الوقوف عنده في هذه القضية - فقد توافر في هذا التدوين أمران اثنان هما الشمول والتوثيق.
فبخصوص الأمر الأول يمكن القول بأن السنة وإن كتبت قبل هذه الفترة أي في زمن الصحابة والتابعين فإنه لم يراع في كتابتها بُعد الشمول أو الاستقصاء، ويتبين هذا من خلال ما وصلنا من مدونات الصحابة في الحديث حيث نجد أن صحيفة علي بن أبي طالب مثلا لم تشتمل إلا على أحاديث متعلقة ببعض الأحكام الشرعية، هي أحكام الدِّيات ومقاديرها وأصنافها وحكم تخليص الأسير من يد العدو، وبعض أحكام القصاص وغيره.. (٢) ، ومثل هذه الصحيفة باقي الصحائف الأخرى.
وكان الشائع عند طلاب الحديث في عصر الزهري تدوين بعض الحديث فقط كأحاديث الأحكام الشرعية مثلا، أما الإمام الزهري فكان يكتب - وهو ما يزال في مرحلة الطلب - كل ما تتلقفه أذناه من الحديث النبوي، سواء أتعلق الأمر بأحاديث الأحكام أم بغيرها من أبواب الدين وميادينه، ويؤكد هذا ما رواه الخطيب البغدادي وابن عبد البر في جامعيهما عن أبي الزناد قال: "كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس" (٣) .
(١) الفسوي: المعرفة والتاريخ ج١: ٦٣٨ – أبو نعيم الحلية ج٣: ٣٦١.
(٢) انظر فتح الباري ١: ٢٠٤-٢٠٥.
(٣) الخطيب: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢: ١٨٨ – ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ١: ٨٨.
стр. 15
ولم يكن يقتصر على المرفوع من قول النبي ﷺ ، بل كان يدون ما جاء عن الصحابة أيضا ملحقا إياه بالسنن فقد روي عن صالح بن كيسان قال: "اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة فقلت أنا: ليس بسنة فلا نكتبه، قال: فكتب، ولم أكتب، فأنجح، وضيعت" (١) .
ولاشك أن هذه الرغبة التي لازمت الزهري منذ البداية قد خلفت أثارها على عمله وتدوينه فاتصف هو الآخر بالشمول، إلا أنه شمول في إطار السنن المرفوعة إلى النبي ﷺ ، وما في حكمها من أقوال الصحابة، بدليل كتاب عمر ابن عبد العزيز لابن حزم الذي حدد فيه نوعية العلم المرغوب في جمعه حيث قال: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سُنَّة ماضية أو حديث عمرة" (٢) وهذا يدل على أن مأثور الصحابة لم يكن مقصودا لديه بالتدوين، بل ورد في رواية أخرى ما يرفع احتمال أي شك في هذا حيث قال: "ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ " (٣) . ويؤيد هذا أيضا ما روي عن ابن وهب حين أخبره مالك بكتاب عمر لابن حزم في جمع الحديث فقال: "قلت لمالك: السنن؟ قال: نعم" (٤) .
ولاشك أن المقصود بالسنن في قول الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزيز
стр. 16
بكتب السنن فكتبناها دفترا دفترا.." (١) هو هذا.
وأما بخصوص الأمر الآخر أي: جانب التوثيق والتمحيص، فلم يفت الخليفة عمر بن عبد العزيز أن ينتبه له ويوليه من العناية والاهتمام ما هو جدير به، فعمل بذلك على تدوين السنة نقية صحيحة النسبة إلى رسول الله ﷺ ، ولاشك أن اختياره للإمام الزهري في حد ذاته كان أثرا من آثار اهتمامه بهذا الجانب، فلقد كان ابن شهاب - إلى جانب كونه إماما ثقة مبرزا في الحديث- مشهورا بشدة تحريه ونقده للروايات. ويعكس هذا بوضوح ما قاله عمرو بن دينار عنه: "ما رأيت أبصر بحديث من الزهري" (٢) ، وكان إذا حدث أتى بالحديث على وجهه مع ذكر إسناده والتركيز عليه ويقول: "لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة" (٣) .
وذهب كثير من الباحثين إلى عدِّه أول من أسند الحديث اعتمادا على قول الإمام مالك "أول من أسند الحديث ابن شهاب " (٤) ، ولأجل هذا تُعدُّ أحاديث الإمام الزهري وأسانيده من أحسن الأسانيد، قال الإمام أحمد بن حنبل: "الزهري أحسن الناس حديثا وأحسن الناس إسنادا" (٥) ، وليس في عصره من يضاهيه في معرفته بالإسناد، وإن وجد من ينافسه في كثرة الرواية واتساعه في الرجال وعلمه بفقه الحديث، يقول الإمام أبو داود الطيالسي:
стр. 17
"وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري وقتادة والأعمش وأبي إسحاق، وكان قتادة أعلمهم بالاختلاف وكان الزهري أعلمهم بالإسناد... " (١) .
ويُرْوى عنه الكثير مما يدل على معرفته بصحيح الروايات وجيدها ودقة علمه بمخارج السنن وتمييزه لصحيحها من سقيمها، ومن ذلك توقيه الرواية عن أهل العراق، وتحذيره منها، بقوله: "إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به ثم اردد" (٢) ، ويروي عنه النعمان بن راشد فيقول: "سمعت ابن شهاب يحدث بحديث يزيد بن أبي أنيسة فقلت: يا أبا بكر من حدثك بهذا؟ قال: أنت حدثتنيه، ممن سمعته؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، قال أفسدته، إن في حديث أهل الكوفة دغلا كثيرا" (٣) .
وقد كان كلام الزهري هذا من أهم ما اعتمده المحدِّثون في تضعيف رواية أهل العراق.
فكان تعيين الزهري - وهو بهذه المنزلة - على رأس القائمين بتدوين السنة كافيا بأن يجعلها تخضع لمقاييس محدودة مضبوطة منع معها تسرب الموضوع إليها، ويؤكد هذه الحقيقة قول الزهري وهو يشرح البواعث على قيامه بالتدوين: "لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثا ولا أَذِنْتُ في كتابته" (٤) .
стр. 18
وكأننا بالزهري يريد بعمله هذا حصر صحيح السنة النبوية؛ جرَّاء إحساسه بالوضع فيها.
هذا وقد كان عمل الزهري هذا بداية حقيقية لمرحلة أخرى جديدة دخلتها السنة المطهرة على يد تلامذته من بعده، الذين ارتفع لديهم الحاجز النفسي الذي سيطر في السابق على أكثر العلماء فبادروا إلى التصنيف فيها، وكونوا النواة الأساس للتصنيف في الحديث، وكان منهم الركائز الأساسية لقيام المنهج المعرفي في العالم الإسلامي.
стр. 19
- التصنيف وبدايته في القرن الثاني:
اتفقت المصادر على أن أول من صنف مطلقا: هشام بن حسان (ت١٤٧هـ) وأبو محمد عبد الملك بن جريج (ت١٥٠هـ) ومحمد بن إسحاق (ت١٥١هـ) ومعمر بن راشد (ت١٥٣هـ) وسعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦هـ) وأبو عمرو الأوزاعي (ت١٥٦هـ) ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب (ت١٥٨هـ) والربيع بن صبيح (ت١٦٠هـ) وشعبة بن الحجاج (ت١٦٠هـ) وسفيان الثوري (ت١٦١هـ) وحماد بن سلمة (ت١٦٧هـ) والليث بن سعد (ت ١٧٥هـ) وهؤلاء اختلف في أيهم كان الأسبق.
وبعدهم مالك بن أنس (ت١٧٩هـ) وعبد الله بن المبارك (ت١٨١هـ) ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة (ت١٨٣هـ) وهشيم بن بشير (ت١٨٨هـ) وجرير بن عبد الحميد (ت١٨٨هـ) وعبد الله بن وهب (ت١٩٧هـ) ووكيع ابن الجراح (ت١٩٧هـ) وسفيان بن عيينة (ت١٩٨هـ) وعبد الملك بن عبد الرحمن الذماري (ت٢٠٠هـ) ، وأبو داود الطيالسي (ت٢٠٤هـ) ، وعبد الرزاق الصنعاني (ت٢١١هـ) ، ومحمد بن يوسف الفريابي (ت٢١٢هـ) .. (١) وأغلب هؤلاء تلامذة للزهري.
قال الترمذي ﵀ في العلل: "وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه منهم هشام بن حسان وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وسعيد بن أبي عروبة ومالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الله بن
стр. 20
المبارك ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أهل العلم والفضل صنفوا، فجعل الله ﵎ في ذلك منفعة كثيرة، فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل من عند الله لما نفع الله المسلمين به فهم القدوة فيما صنفوا" (١) .
وقال أبو طالب المكي مفصلا بعض ذلك: "أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سننا منشورة مبوبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس ﵁ في الفقه، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجوامع في السنن والأبواب، وكتاب التفسير في أحرف من علم القرآن، وجامع سفيان الثوري الكبير ﵁ في الفقه والأحاديث، فهذه مِنْ أول ما صُنِّف ووُضِع من الكتب بعد وفاة سعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد عشرين أو أكثر ومائة من التاريخ.." (٢) .
ويظهر من هذا أن التصنيف في السنة على هذا النحو من الترتيب والتبويب كان على غير المسانيد وإنما على الأبواب الفقهية، وأن أصحابه اتجهوا به في هذه الفترة أي: في منتصف القرن الثاني إلى ميدانين اثنين هما التفسير والفقه، وكانت الطبقة الأولى من هؤلاء كالربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة، ربما تصنف كل باب على حِدَة، بينما اتجهت الطبقة التي بعدها إلى جمع أبواب متعددة في الكتاب الواحد، إلا أن القاسم المشترك بينهم هو تدوين أقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم، أي: الموقوف والمقطوع إلى جانب المرفوع،
стр. 21
وكان منهم من يضمن الكتاب اختياراته وآراءه كالإمام مالك ﵀.
وكانت هذه المصنفات تعنون إمَّا بـ"المصنف" أو "الموطأ" أو "الجامع" أو "السنن" وكانت السنن هي الغالبة؛ إذ قَلَّ إمام من الأئمة ليس له سنن، فابن جريج وابن أبي عروبة والأوزاعي وحماد بن سلمة وابن المبارك وابن أبي زائدة ووكيع، كل هؤلاء كانت لهم سنن.
وإذا كانت كتب السنن تعرّف كما ورد في "الرسالة المستطرفة " للكتاني بأنها الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف، وقال: "لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثا" (١) ، فإن هذه الصورة لم تتحقق إلا في الطور الأخير وذلك في القرن الثالث كما سيأتي، أما في هذه الفترة فكانت السنن تجمع الموقوف والمقطوع مع المرفوع كما تقدم.
فلماذا كانت البداية على هذا النحو، وكانت هذه الخصائص بالذات؟
الجواب أن العوامل التي تحكمت في هذه المرحلة واتجاهاتها كانت مغايرة للعوامل التي سادت زمن الزهري، وظهرت على منهج التدوين وأبعاده لديه، حيث كان من أهمها: التأسيس الفقهي والأصولي وما اقتضاه ذلك من تركيز الجهود لمزيد من الجمع لما تفرق من السنة النبوية وترتيبه على أبواب الفقه والتعقيب عليه بالرأي الفقهي أحيانا.
وكان منها أيضا ما تعرضت له السنة من هجوم أريد به النيل من حجيتها والطعن في مدى قبولها بذريعة ما لابسها من الدخيل والمكذوب.
стр. 22
وقد وضح أستاذنا الدكتور فاروق حمادة في هذا الصدد أن مصنفات القرن الثاني الهجري - بالنظر إلى هذه العوامل - إنما نشأت لتردَّ على أهل الزيغ والبدع والانحرافات والأهواء كالقدرية والخوارج والرافضة وأمثالهم، وخاض علماء الحديث في هذه المرحلة معركة إثبات السنة وحجيتها وبيان موقعها في حياة المسلمين (١) .
وكما لم يكن من شرط هذه الكتب الاقتصار على المرفوع وحده حيث أوردت إلى جانبه الموقوف والمقطوع - كما تقدم - فإنها لم تقتصر كذلك على الصحيح المتصل، فاستطردت إلى المراسيل والمنقطعات والبلاغات، ولعل السبب في ذلك في الغالب خوفهم من الوقوع في الموضوع من الحديث المرفوع وتوقيهم من أن يتسرب إلى كتبهم منه شيء ولاسيما أن المرحلة مرحلة تمحيص وغربلة ونقد وتثبت من الأسانيد فكان أن استبدلوا الموقوفات والمقطوعات بالمسندات المرفوعات لعدم اقتضاء الأولى من التحري والتشدد ما تقتضيه هذه، وقد جاء النص على هذا صريحا لدى الخطيب البغدادي في ثنايا حديثه عن طرائق تصنيف الحديث في جامعه حيث قال: "وهذان النوعان - أي الموقوف والمرسل - أكثر ما في كتب المتقدمين إذ كانوا لكثير من المسندات مستنكرين" (٢) .
ثم أورد بإسناده عن محمد بن يحيى بن كثير قال: قال أبو نعيم: سلني ولا تسلني عن الطويل، ولا المسند، أما الطويل فكنَّا لا نحفظه، وأما المسند فكان الرجل إذا والى بين حديثين مسندين رفعنا إليه رؤوسنا استنكارا لما جاء به" (٣) .
стр. 23
وفي هذا ما يدل على أن الإسناد لم يعرف في هذه المرحلة اكتماله ونضجه واستقراره بعد.
стр. 24
٣- تدوين السنة النبوية في القرن الثالث الهجري:
يعدُّ هذا القرن أهم فترة في تاريخ السنة النبوية على الإطلاق سواء من حيث تدوين المتون أو من حيث نضج القواعد النقدية واكتمالها ونضج ما يرتبط بها من الدراسات والأبحاث في علم الرجال وعلم العلل وفقه الحديث والعلوم المتعلقة بذلك وقضية الإسناد، ولذلك استحق أن يسمى عند الدارسين بالعصر الذهبي للسنة.
وقد اتجه المصنفون فيه إلى تطوير ما فتقه شيوخهم في هذا الميدان وبلورته وترسيخه على أسس متينة وقوية، وهكذا توالت المصنفات وعمت كل البلاد الإسلامية، وبلغت في الكثرة والتنوع مدى بعيدا، ويمكن أن نذكر من هؤلاء المصنفين: أسد بن موسى الأموي (ت٢١٢هـ) ، وعبيد الله بن موسى العبسي (ت٢١٣هـ) ، وعبد الله بن الزبير الحميدي (ت٢١٩هـ) وأحمد بن منيع البغوي (ت٢٢٤هـ) ، وسعيد بن منصور (ت٢٢٧هـ) ، ونعيم بن حماد الخزاعي (ت٢٢٨هـ) ، ومسدد بن مسرهد البصري (ت٢٢٨هـ) ، وعلي بن الجعد الجوهري (ت٢٣٠هـ) ، وعبد الله بن محمد الجعفي المسندي (ت٢٢٩هـ) ، ويحيى بن معين (ت٢٣٣هـ) ، وعلي بن المديني (ت٢٣٤هـ) ، وأبا خثيمة زهير بن حرب (ت٢٣٤هـ) ، وأبا بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ) ، وإسحاق بن راهويه (ت٢٣٨هـ) ، وخليفة بن خياط (ت٢٤٠هـ) ، وأحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ، وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي (ت٢٤٢هـ) ، والحسن الحلواني (ت٢٤٢هـ) ، وأحمد بن منيع
стр. 25
(ت ٢٤٤هـ) ، وعبد بن حميد (ت٢٤٩هـ) ، وإسحاق بن منصور (ت٢٥١هـ) ، ومحمد بن هشام السدوسي (ت٢٥١هـ) ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت٢٥٥هـ) ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) ، ومسلم بن الحجاج القشيري (ت٢٦١هـ) ومحمد بن يزيد ابن ماجه (ت٢٧٣هـ) ، وأبا داود سليمان بن الأشعث (ت٢٧٥هـ) ، وأبا عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت٢٧٩هـ) ، وأبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) .
وقد اتجه المصنفون في مطلع هذا القرن إلى تأليف "المسانيد" وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفا مرتبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة أو على القبائل أو السابقة في الإسلام أو الشرافة النسبية أو غير ذلك (١) ، وقد صارت هي الطاغية لدرجة أنه قل إمام من الأئمة إلا وألَّف مسندا، الأمر الذي يشبه إلى حد بعيد ظاهرة تأليف السنن في منتصف القرن الثاني كما تقدم.
ويُعَدُّ تصنيف "المسانيد" توجها من المحدثين نحو إفراد الأحاديث المرفوعة بالجمع والتدوين دون غيرها من الموقوف والمقطوع كما هو الحال في السابق لأن الحجة تقوم به بعد كلام الله تعالى كما نبه على ذلك أستاذنا الدكتور فاروق حمادة حفظه الله (٢) . قال الحافظ ابن حجر: "وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو
стр. 26
الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم. إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء. ومنهم من صَنَّفَ على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي شيبة" (١) .
ومع أن المسانيد تعد تطوراً في التأليف الحديثي ونضجاً على المستوى المنهجي والنقدي معا، فإنها لم تكن – على رغم من ذلك- تقتصر على الصحيح فقط، وإنما تورد بعضا من الأحاديث التي لم تبلغ درجة الصحة، كما سبق في كلام الكتاني ﵀، وملحظهم في ذلك أمور منها:
أولاً: ما ذكره الحافظ ابن حجر وهو أن الغرض الأساس عند من يصنف على المسانيد هو جمع حديث كل صحابي على حدة، سواء أكان يصلح للاحتجاج به أم لا، ثم ذكر الحافظ أنَّ مَنْ عرف من أصحاب المسانيد بانتقاء الأحاديث الصحيحة قليل كإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، ومع ذلك فقد وقع في كتبهم ما لا يبلغ درجة الصحة من الضعيف والمنكر (٢) .
стр. 27
ومنها أيضا ملحظ آخر نبه له الشيخ أبو زهو وهو الإشارة - من خلال كثرة الطرق التي يوردونها - إلى أن طرق الحديث قد تتعدَّد، فيبلغ مبلغ الصحيح أو أنه يصلح للاعتبار، ومنها ما تتبين صحته فيما بعد لأهل الحديث ونقاده، إلا أن هذه الطريقة هي - في نظره - ذات عيوب، لأن المطالع لها
-إذا لم يكن من أهل الفن المتضلعين فيه الواقفين على أحوال المتون والأسانيد- تعذَّر عليه الوقوف على درجة الحديث من الصحة والضعف والاحتجاج به أو عدمه (١) .
وبالإضافة إلى هذا النقص، هناك جانب آخر يعد من سلبياتها وهو عدم ترتيبها على أبواب الفقه، وذلك ما يجعل الوقوف على الأحكام الشرعية منها شاقا على غير الحفاظ المتقنين لعدم التناسب في جمع الحديث بين موضوعاتها.
هكذا إذن يتبين أن السنة النبوية عرفت على مستوى التدوين تطوراً مستمراً وسيراً يوما بعد يوم نحو الكمال، فقد كان المصنفون في البداية يخلطون الصحيح والمتصل بالمرسل والبلاغ والمنقطع، والسنن بالموقوفات ثم لا يبين معظمهم ذلك ولا يوضحه.
وخير دليل على ذلك أن موطأ الإمام مالك الذي يعد أصح الكتب في هذه الفترة، أو هو بحسب عبارة الشافعي أكثر الكتب صوابا، لا يخلو من المراسيل وما شاكلها، وإن تحرى فيها الصحة والثبوت وهي لأجل ذلك حجة عنده وعند من يقلده.
стр. 28
فحينما اتجه المحدثون بعد ذلك إلى تأليف المسانيد كان الغرض لديهم هو العناية بوصل الأسانيد أولاً مع الاقتصار على المرفوع منها إلى رسول الله ﷺ لأنه المراد عند الاحتجاج، وقد نستطرد هنا إلى القول بأن هذا الاتجاه تطور في النهاية، مُسْفرا عن اختيار مصطلح "السنن" عنوانا جديدا للكتب التي ليس فيها شيء من الموقوف (١) ، وهي ما سنرجئ الكلام عليه إلى حين.
هذا الوضع الذي كانت عليه المصنفات الحديثية كان يوازيه في الناحية الفكرية للمجتمع الإسلامي وضع مضطرب جدا، حسبما وضَّح الدكتور فاروق حمادة، فقال: "أطلت الأفكار من كل جانب، وأرادت كلُّ فكرة فرض نفسها بقوة متذرعة بكل الحجج، ولم تبق فكرة من الأفكار التي راجت آنئذ إلا وحاولت النيل من الحركة الحديثية (المعتزلة - الباطنية - إخوان الصفا - التشيع - التصوف - القدرية - الجهمية القائلون بخلق القرآن - المجسمة - الراوندية ... وغيرهم) (٢) .
لقد كان المبتدعة من المعتزلة وغيرهم يشوشون على أهل الحديث بالقول بعدم حجية خبر الآحاد بدعوى اختلاط السنة بالمكذوب والمختلق، وكان المحدثون خصوما لهم، يحاجونهم ويعملون على دحض مزاعمهم، كما كانوا في الوقت نفسه خصوماً لبعض أهل الفقه الذين اشترطوا للعمل بخبر الآحاد شروطا زائدة عما تطلبه علماء الحديث، وذلك كأن يكون المتن سالما من المعارضة للقرآن أو للسنة المشهورة، وألا يكون مما تعم به البلوى، وألا يكون
стр. 29
مما أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، وألا يخالفه راويه من الصحابة قولا أو عملا (١) .
وكان من نتائج شرطهم هذا أن وافقوا المتبدعة من المتكلمين في جزء من موقفهم تجاه السنة النبوية، وضيقوا دائرة المقبول منها موسعين من ساحة القياس.
من هنا رأى المحدثون مجابهة هؤلاء أيضا كما جابهوا الآخرين وقد تمت هذه المجابهة على نحو عملي وتطبيقي وليست بالقول فقط، حيث بين أهل الحديث لهؤلاء أن ما يصح من الحديث مع التشديد في الشروط كثير فاتجهوا إلى تجريد الصحيح وإفراده بالتأليف، إلا أن ذلك لم يكن منهم تجاوبا مع هذا المعطى وحده وإنما مع حاجة الأمة إلى كتاب خاص بالصحيح المسند من الحديث، وكان أول من فتح الباب في هذا المجال هو الإمام البخاري الذي أخبر عن هذا المعطى الأخير بقوله: "كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: "لو جمعتم كتابا مختصراً لسنن النبي ﷺ ، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب" (٢) ، وقد جعل اسمه: "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" وأفرده لأصح الصحيح خاصة لا مطلق الصحيح، قاصداً فيه الاختصار فقط، وليس الاستقصاء. وفي هذا الإطار يجب أن يفهم قوله المشهور: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي
стр. 30
ألف حديث غير صحيح" (١) وقوله: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول" (٢) وقوله: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله" (٣) .
وتكرر من البخاري الردُّ على كثير من آراء هذا الاتجاه الفقهي، دون تعيين لأي اسم من ممثليه؛ لأنه عني بنقض أسس الاتجاه لا انتقاد الأشخاص، فناقش آراءه الفقهية وتأصيلاته المنهجية، ومن ذلك أنه جعل ضمن كتب جامعه كتاب أخبار الآحاد، وعقد تحته ستة أبواب هي:
١ - باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.
٢ - باب بعث النبي ﷺ الزبير طليعة وحده.
٣ - باب قول الله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] فإذا أذن له واحد جاز.
٤ - باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد.
٥ - باب وصاة النبي ﷺ وفود العرب أن يبلغوا مَنْ وراءهم.
٦ - باب خبر المرأة الواحدة.
ويطول بنا المقام لو أردنا أن نستوعب كل مارد به البخاري ﵀
стр. 31
عملياً على هذا الاتجاه، وهو يدل بكل تأكيد على أنه كان ينطلق من رؤية واضحة ومتكاملة نتيجة إدراكه لهذا الوضع، واستيعابه لحاجات العصر الراهن ومتطلبات المستقبل، وجعل ﵀ كتابه الجامع الصحيح الذي يمثل أرقى مرحلة في التطور النقدي والفكري للأمة الإسلامية خلاصة للمسانيد التي سادت قبله ومعظمها من تأليف شيوخه، تنكَّب فيه القصور والنقص الحاصل في كل المصنفات السابقة فتحرى الصحيح المتصل من المرفوع، وتوسع في ذلك ليكون الكتاب جامعا لفنون متنوعة وأبواب من الدين متعددة، كان بعضها يفرد في مصنفات خاصة قبل زمانه، ورتب ذلك على أبواب الفقه إمعانا منه في التجاوب مع الواقع ومتطلباته وإسعاف أهله في الحال والاستقبال بحاجاتهم من السنن في سهولة ويسر.
وتعود مزايا جامع الإمام البخاري إلى ثلاثة جوانب: أولها نقدي وقد امتاز بخصوصه بأمرين، أحدهما: السبق إلى التصنيف في الصحيح المجرد من المرفوع إلى النبي ﷺ ، والآخر دقة شرطه في التصحيح، وثانيها جانب القيمة الفقهية والتشريعية للكتاب، إذ كانت للإمام البخاري مقاصد فقهية استنباطية لا تقل درجة حرصه على تحقيقها عما كان له نحو المقاصد النقدية، وهو أمر اختص به البخاري وتميز به أكثر من كثير غيره، ولأجل ذلك ضمَّن كتابه أصول أحاديث الكتب المتقدمة وخلاصة محتوياتها وصحيح مادتها، مضافاً إليها آي القرآن المناسبة لموضوع كل ترجمة وأقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم متى كانت الحاجة إلى ذلك قائمة إلا أنها خارجة عن دائرة شرطه في الصحيح، الأمر الذي جعل كتابه في النهاية كتاب فقه للأحكام الشرعية بأدلتها من القرآن والحديث الصحيح، على أسس منهجية خاصة في الاستنباط
стр. 32
والترتيب. وهذا هو ثالث الجوانب أي: جانب العرض والتبويب والترتيب الذي كان مجالا لتفنن البخاري وإبداعه، إذ استطاع أن يُسَخِّر ذلك لغرض إبلاغ القارئ آراءه في مجال النقد واختياراته في ميدان الفقه والاستنباط مستبدلا اللمحة السريعة والإشارة الخفية بالعبارات والتعليقات الطويلة والمتكررة.
وبناء على ذلك احتلَّ الجامع الصحيح للإمام البخاري مكانة عالية ودرجة رفيعة لم ينافسه فيها أي كتاب، واشتهر بعلو مرتبة أحاديثه وكثرة مزاياه وخصائصه، وكان محله عند الأمة هو "التلقي بالقبول" بصورة مجمع عليها وملزمة لكل المسلمين في جميع العصور.
ويعني التلقي بالقبول من بين ما يعني التسليم التام للإمام البخاري فيما قَرَّره من صحة أحاديث كتابه، ويقتضي ذلك عدم جواز الاشتغال بالبحث أو حتى الكلام على أسانيده ورجاله من حيث الصحة والضعف أو التجريح والتوثيق وما شابه ذلك، لأن كل ذلك عبث لا داعي له، ولا فائدة من ورائه بعد أن انتهى النقاد من المحدثين من درسه وتقرير صحته، ولذلك كان سلوكهم تجاه ما خرج فيه من الأحاديث الاكتفاء بالعزو له، وعدّ ذلك حكما على الحديث بالصحة أو بالأحرى بأعلى درجاتها على الإطلاق.
ثم حذا حذوه في دقة الشرط في التصحيح تلميذه وخريجه الإمام مسلم ابن الحجاج (ت٢٦١هـ) في كتابه: "المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ ".
كما حذا حَذْوَه في نخل الكتب المتداولة إلى وقته وانتقاء الأحاديث الصحيحة حسب شرطه الذي كان يقارب شرط الإمام البخاري في الضيق
стр. 33
والدقة ويأتي في المرتبة بعده مباشرة، وقد ثبت عنه أنه قال: "صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث"، وهو مُتَلَقَّى بالقبول ككتاب الإمام البخاري، وهما معاً أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.
ومع أن شرط الإمام البخاري كان أدقَّ وأعلى من شرط الإمام مسلم إلا أن كتاب الإمام مسلم حظي بتفضيل بعض العلماء لميزات تعود إلى جانب الترتيب والعرض وطريقة إيراد الحديث، يقول الحافظ ابن حجر: "حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى" (١) .
ويظهر أن الإمام مسلما أراد بكتابه تحقيق جملة من الأهداف المتجاوبة مع حاجة الأمة إلى كتاب حديثي يتحرى الصحيح ويسعف أهل الفقه بالمادة الحديثية الصالحة للاحتجاج والعمل ولأجل ذلك مَيَّزه بما يأتي:
أ - سرد الأحاديث سرد المحدث المعني بالمتون والمخصوص بمعرفة الأسانيد، وحرص على أن لا يشوش على ذلك بشيء إلى درجة أنه لم يضع أسماء الكتب والأبواب والتراجم.
ب - أخلى الكتاب من اجتهاداته الشخصية بالمرة حتى يترك المجال واسعا للقارئ لاختيار ما يراه راجحا أو موافقا لمذهبه.
ج - اهتم كثيرا بصناعة الإسناد وبسائر النواحي الفنية للأحاديث في
стр. 34
الكتاب، فكان في ترتيبه لها مرتبطا بهذا المحور، ولا تكاد تجد للجانب الفقهي أثراً إلا في التبويب العام، أما داخل الأبواب فإن ترتيب الأحاديث يتم عنده حسب المعطيات الإسنادية والخصائص النقدية، إذ يراعي الشهرة والعلو والخلو من العلة وأمثال ذلك (١) .
د - وفي هذا الإطار جعل لكتابه بخلاف البخاري مقدمة في منهج النقد الحديثي تعدُّ من أقدم ما كتب في الجانب النظري والتقعيدي لعلم مصطلح الحديث، فكان هذا وذاك مما أعطى لكتابه تميزاً حظي على أساسه بتفضيل عدد لا يستهان به من العلماء كما تقدم.
وفي هذا القرن أيضا ألَّف الأئمة الأربعة سننهم المشهورة وهم: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت٢٧٥هـ) وأبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي (ت٢٧٩هـ) وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت٣٠٣هـ) ومحمد بن يزيد المشهور بابن ماجه (ت٢٧٣هـ) ، الذين تعد كتبهم مظهراً من مظاهر اكتمال قواعد النقد الحديثي ونضج الرؤية المستوعبة لحاجات الأمة ورغباتها واستمرارا لسير المحدثين نحو تطوير تآليفهم على مستوى النقد ونوع المادة المدونة وعلى نحوٍ عال من الإخراج والترتيب والتبويب وحتى التراجم، وهكذا اشتركت السنن الأربعة في الأمور الآتية:
١ – العمل على استيعاب مضامين الكتب السابقة وتضمين مادتها في ثنايا ما ألفوه، والسعي إلى جعل تآليفهم تغني عن كل ما سبقها.
٢ - توجيه العناية لأحاديث الأحكام على نحوٍ يلبي حاجة الفقهاء
стр. 35
والمجتهدين على شتى المستويات شمولا واستقصاء وترتيبا.
٣ - الحرص على تجاوز كل النقائص التي وجدت في المصنفات السابقة من حيث المنهج أو النقد أو العرض والترتيب.
ثم كان لكل واحد منها خصائص لا يشاركه غيره فيها جعلت لبعضها من القيمة ما لا يوجد إلا لها. ويصدق هذا بشكل خاص على سنن أبي داود ﵀ التي اعتبرت مؤلفا أساسيا في السنة النبوية لا يمكن الاستغناء عنه بحال، قال الإمام الخطابي مبينا مرتبة هذا الكتاب وأهميته وموقف الأئمة منه: "واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين مثله، وقد رُزِقَ القبول من الناس كافة، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه مُعَوَّلُ أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن وأقطار الأرض" (١) .
وقد انبنى إقبال العلماء على الكتاب على المرتكزات الآتية:
١ - سَبْقُ أبي داود إلى تأليف السنن، أو بعبارة أصح: سَبْقُه إلى جمع السنن على سبيل الاستقصاء، وليس مجرد التأليف في حد ذاته، لأنه سبق أبا داود إليه غيره بمدة طويلة سواء في هذا القرن أو الذي مضى كابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز (ت١٥٠هـ) وأبي مرة موسى بن طارق اليماني الزبيدي القاضي، والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ) وأبي عثمان سعيد بن منصور (ت٢٢٧هـ) وأبي عمرو سهل بن أبي سهل زنجلة (ت٢٤٠هـ) وأبي علي الحسن بن علي الخلال (ت٢٤٢هـ) وأبي جعفر
стр. 36
الدولابي (ت٢٢٧هـ) والدارمي عبد الله بن عبد الرحمن (ت٢٥٥هـ) وأبي بكر الأثرم (ت٢٧٣هـ) .
وعلى هذا بنى العلامة الكتاني قوله: "قيل وهو (أي أبو داود) أول من صنف في السنن وفيه نظر يتبين مما يأتي" (١) .
ويشرح الخطابي هذا المرتكز فيقول: "وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه" (٢) .
وهو بهذا الكلام لا يبين قضية الاستقصاء فقط بل نوعيته كذلك، فأبو داود ﵀ وُفِّق حسب تحليل النقاد في جمع الأحاديث الأصول في مجال الأحكام الشرعية، ومارس في كتابه بحق جهدا عظيما: هو استيعاب مادة المصادر المتقدمة وتوفير محتواها للأجيال اللاحقة، ولذلك استحق كتابه أن يسمى "أم الأحكام " من لدن الحافظ ابن حجر ﵀ (٣) .
٢ – حرص الإمام أبي داود في الكتاب على تلافي الطول والتكرار في المصادر التي اعتمدها عند جمعه لمادة الأحكام الشرعية، مما جعله يضمن الإقبال الذي حرمته تلك المصادر، وإلى هذا المعنى يشير الخطابي بقوله: "وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآدابا فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر
стр. 37
على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها، على حسب ما اتفق لأبي داود" (١) .
٣ – عنايته بالجانب النقدي وسعيه نحو تطوير قضية الإسناد والعمل على إنضاجه في الكتاب من خلال الأحاديث التي يسوقها فيه وذلك بسوقها مسندة أي متصلة مرفوعة فكان ذلك هو الضامن لقبول الكتاب. ونحن من خلال دراستنا لرسالة أبي داود إلى أهل مكة يتجلى لنا أن الهاجس لدى الأئمة والنقاد في تلك الفترة ومنهم أبو داود هو الإسناد، والذي ينظر في مسيرة التأليف في السنة النبوية، يجد أن ما حصل فيه التطور فعلا هو قضية "الأسانيد" بالدرجة الأولى، وأن الكتب الستة بصفة خاصة إنما حازت ما حازته من القبول بفضل عنايتها بوصل الأسانيد بشكل خاص وما يرتبط بها من التصحيح والقبول، ثم جودة التبويب كذلك كما سيأتي بيانه.
والدليل على ذلك ما قاله ابن حزم في سياق تحديده لمراتب الكتب الحديثية حيث قال: "أَوْلى الكتب الصحيحان، ثم صحيح ابن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود ..." (٢) ثم جعل بعد ذلك بدرجات كثيرة موطأ مالك.. وهو إنما بنى ذلك على أساس الإسناد لا غير كما نص على ذلك الذهبي في سياق لومه له على جعله موطأ مالك في المراتب المتأخرة فقال: "ما أنصف ابن حزم بل رتبة الموطأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود والنسائي ولكنه تأدب
стр. 38
وقدم المسندات النبوية الصرفة وإن للموطأ لوقعا في النفوس ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء" (١) .
وبهذا يظهر أن موطأ مالك إنما تأخرت رتبته عن الصحيحين بسبب قضية الإسناد وكان يمكن أن تتخلف رتبته حتى عن غيرهما من الكتب كالسنن الأربعة لولا أصحية الأحاديث التي اشتمل عليها في ذاتها، ومهما يكن من أمر فإن الذهبي هنا وإن ناقش ابن حزم في قضية الترتيب فإنه أقره في عدّ مسألة "الإسناد" في الترتيب وهو ما يدل على أن ذلك هو مذهب الجمهور عامة، وأنه معولهم في قبول كتاب سنن أبي داود.
٤ - ولكن لا يجوز أن نتصور أن الإسناد واتصاله كان هو المقياس الأوحد للتعامل مع كتب السنة ومنها سنن أبي داود بذلك الشكل وإلا لكانت كل الكتب المسندة محل قبول من الأئمة حتى تلك التي تضم الضعيف والموضوع وما بهذا يقول أحد. فالإسناد إذن نعني به إيراد ما توافرت فيه شروط الصحة من الأحاديث مسندة موصولة فهذا هو الذي يضمن للكتاب القبول وهذا بالضبط هو ما توافر لسنن أبي داود، أي بعبارة أخرى اتصال الأسانيد مع نظافتها.
٥ – تَوَخِّي أبي داود لشهرة الأحاديث التي أخرجها، وهو قيد إضافي مرتبط بمدى تدقيقه وتشديده وضيق شروطه ليس إلا، ولكنه على كل حال من السمات التي عملت على توفير القبول للكتاب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القضية كانت ملحظا أساسيا تمت مراعاته بجد من لدن أصحاب الكتب الستة جميعهم وليس أبا داود وحده، وكانت بالتالي من المرتكزات الأساسية
стр. 39
لقبولها، ومعنى ذلك أن التلقي بالقبول للكتب الستة يعود في جزء كبير منه إلى كونها ركزت على الحديث المشهور المتداول والمعمول به وليس الغريب أو الشاذ أو المهجور، وقد دأب العلماء على اعتبار الاعتماد على الكتب الستة عملا منهجيا صائبا يلزم به طلبة العلم بكل صرامة؛ لكيلا تزل أقدامهم باعتماد غيرها من المصادر التي لم يراع فيها هذا الملحظ.
٦ – استهدافه من الكتاب تأصيل مذاهب فقهاء الأمصار حتى صار كالدليل للفقه المتداول إلى وقته يقول العلامة ولي الله الدهلوي: " ... وثالثهم أبو داود السجستاني وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل، قال أبو داود: "ما ذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه "، وما كان فيها ضعيفا صرح بضعفه وما كان فيه علة بينها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد" (١) . ولم يكن هذا موقفا معزولا للغزالي وحده، بل كان موقف جمهور العلماء فقد جاء عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي (ت٣٤٠هـ) وهو أحد الرواة لسنن أبي داود قوله: "لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب (أي السنن) لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة." (٢) ، وقال أبو يحيى الساجي
стр. 40
(ت٣٠٧هـ) : "كتاب الله أصل الإسلام وكتاب السنن عهد الإسلام" (١) .
٧- إبداع أبي داود في كيفية إخراجه وتفننه في وضعه ورصفه وإجادته في تبويبه وترتيبه وتوخي الدقة وكثير من التفصيل في تراجمه، فغدا كأنه كتاب فقه بالشكل الذي عليه كتب الفقهاء. حتى قال الإمام الخطابي: "فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفا وأكثر فقها" (٢) .
وكان لكتاب الترمذي ميزة أخرى هي سبقه إلى بيان درجة كل حديث من أحاديثه في إطار ترتيبه لها على الأبواب مع عرض المذاهب الفقهية وقد بين بنفسه أنه أعدَّ كتابه لهذا الغرض استجابة لمن سأله ذلك فقال: "وجدنا غير واحد من الأئمة تكلَّفوا من التصنيف ما لم يسبقوا إليه منهم هشام بن حسان وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وسعيد بن أبي عروبة ومالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ووكيع ابن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم والفضل، صنفوا فجعل الله ﵎ في ذلك منفعة كثيرة، فنرجو لهم بذلك الثواب الجزيل من عند الله لما نفع الله المسلمين به فهم القدوة فيما صنفوا" (٣) .