← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11091

تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (261 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تَدْوينُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّة نَشْأَتُهُ وَتَطَوُّره من القرن الأوَّل إلى نهاية القرن التاسع الهجري تأليف: الدكتور محمد بن مطر الزهراني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مُقَدِّمَة: وَبِهِ نَسْتَعِين الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا يحصي عدد نعمه العادُّون، ولا يؤدي شكره المتحمِّدون، ولا يبلغ مدى عظمته الواصفون، بديع السموات والأرض إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأستعين به في الشِّدَّة والرَّخاء، وأتوكل عليه فيما أجراه من القدر والقضاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأعتقد أن لا ربَّ إلا إيَّاه، شهادة من لا يرتاب في شهادته، واعتقاد من لا يستنكف عن عبادته، وأشهد أنَّ محمداً ﷺ عبده الأمين ورسوله المكين حسن الله به اليقين، بلَّغ الرسالة وأظهر المقالة ونصح الأمَّة وكشف الغمَّة، وجاهد في سبيل الله المشركين، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلى الله على محمَّدٍ سيد المرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين، وأصحابه المنتخبين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ١ أما بعد

стр. 2

فقد اختار الله طائفةً لصفوته، وهداهم للزوم طاعته من اتباع سبل الأبرار في لزوم السنن والآثار فزيَّن قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه، واتِّباع سنن نبيه، بالدؤوب في الرحل والأسفار وفراق الأهل والأوطار، في جمع السنن ورفض الأهواء والتفقه فيها بترك الآراء، فتجرد القوم للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه، وسألوا عنه وأحكموه وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه وأصَّلوه، وفرَّعوا عليه وبذلوه، وبيَّنوا المرسل من المتصل، والموقوف من المنفصل، والناسخ من المنسوخ، والمحكم من المفسوخ، والمفسَّر من المجمل، والمستعمل من المهمل، والغريب من المشهور. والعدول من المجروحين، والضعفاء من المتروكين، والكشف عن المجهول، وما حُرِّف أو قُلِب من المنحول من مخايل التدليس وما فيه من التلبيس، حتى حفظ الله بهم الدِّين على المسلمين، وصانه عن ثلب القادحين، وجعلهم عند التنازع أئمة الهدى، وفي النوازل مصابيح الدُّجى، فَهُمْ ورثة الأنبياء ومأنس الأصفياء. ١ وقد جعل الله تعالى أهل الحديث أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين

стр. 3

النَّبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملَّته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيَّز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعتكف عليه، سوى أصحاب الحديث فإن كتاب الله عُدَّتُهم، والسُّنَّة المطهَّرة حُجَّتُهم، والرسول ﷺ فِئتهم وإليه نسبتهم، لا يعرِّجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن رسول الله ﷺ وهم المأمونون عليه حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وقارئٌ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، ومن كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خالفهم، ولا يفلح من اعتزلهم المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير ١. وبعد: فهذه نبذٌ يسيرة من جهود تلك الأجيال المتعاقبة من سلفنا الصالح المذكور وصفهم آنفاً، الذين بذلوا كل جهد وكل غالٍ ونفيس في سبيل خدمة السُّنَّة المطهَّرة وحفظها وتدوينها ونقلها إلى الأمة.

стр. 4

جمعت هذه النبذ من مصادر شتَّى، وألَّفت بينها مع شيء يسير من التعليق والربط والتعريف بتلك الجهود، وذلك خلال قيامي بتدريس (مادة تدوين السُّنَّة النبوية عبر عصوره المختلفة) لطلبة السُّنَّة الأولى بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، حيث ألفيت موضوعات منهج هذه المادة لايجمعها أو أكثرها كتاب ليكون موافقاً - أو على الأقل مقارباً - لمنهج هذه المادة في الكلية، وليكون مرجعاً بيد الطلبة في العاجل على أن يعود إلى مصادره الأصلية في الآجل. فرتَّبته وهذَّبته وسمَّيته: تدوين السُّنَّة النبوية نشأته وتطوره من القرن الهجري الأول إلى نهاية القرن الهجري التاسع. وضمنته خمسة أبواب وتحت كل باب عدة فصول وقسَّمت كل فصل إلى عدة فقرات. وقد بدأته بتمهيد شرحت فيه معنى جملة تدوين السُّنَّة. ثم جعلت الباب الأول في بيان مكانة السُّنَّة في الإسلام وعناية السلف بها. وفيه ثلانة فصول: الفصل الأول: في ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سُّنَّة رسول الله ﷺ .

стр. 5

وذكرت فيه ما جاء في ذلك من الكتاب والسُّنَّة وأقوال السلف. والفصل الثاني: عن عناية السلف بالسُّنَّة وضمنته ثلاث فقرات هي: أولاً: عناية الصحابة بالسنة وثانيا: عناية التابعين ومن بعدهم وثالثا: الرحلة في طلب الحديث أما الفصل الثالث فقد تحدثت عن موقف أصحاب الأهواء والفرق من حجية السنة، وقسمته إلى ثلاث فقرات: الأولى: عن الذين يردُّون السُّنَّة مطلقاً. الثانية: عن الذين يردُّون خبر الآحاد. الثالثة: عن الذين يردُّون الزيادة على النص. وتحدثت في الباب الثاني عن تدوين السُّنَّة في القرنين الأول والثانى حيث قسمته إلى فصلين: الأول: التدوين في القرن الأول: وقد أثبتُّ فيه بالأدلَّة والبراهين أن التدوين قد بدأ بداياته الأولى في زمن النبي ﷺ . ثم ذكرت جهود الصحابة ثم التابعين بمختلف طبقاتهم في التدوين في هذا القرن. والثاني: التدوين في القرن الثاني الهجري: وفيه أشرت إلى

стр. 6

تطوُّر التدوين في هذا القرن وذكرت قائمة بأسماء أشهر المصنفين في هذا العصر، ثم درست نموذجاً مما أُلُّف في هذا القرن دراسةً موجزةً، وهذا النموذج هو "موطأ الإمام مالك" ﵀. أما الباب الثالث: فخصصته للكلام عن تدوين السُّنَّة في القرن الثالث الهجري الذي يعتبر أزهى عصور تدوين العلوم الإسلامية، وعلوم السُّنَّة النَّبويَّة على وجه الخصوص. وقد جعلته في فصلين قدمت لهما بكلمة موجزة عن جهود علماء هذا القرن في تطوير التدوين وابتكارهم في طريقة التأليف، وتنويعهم مجالات التصنيف. الفصل الأول: ضمنته الكلام عن المسانيد في فقرتين: - الأولى: عن تعريف المسانيد وطريقة تأليفها وأهم المسانيد. والثانية: دراسة موجزة عن مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. والفصل الثاني: فيه دراسة موجزة جداً عن كل واحد من الكتب الستة المعروفة، وأوجزت الدراسة فيها لأمرين: الأول: أنها معروفة ومشهورة والدراسات عنها كثيرة في القديم والحديث. والثاني: أنَّ هذه الكتب تدرس في سنوات الكُلِّيَّة الأربع، ويأخذ الطلبة نماذج منها مع التعريف بكل كتابٍ ومؤلفه.

стр. 7

أما الباب الرابع: فقد ذكرت فيه التدوين في القرنين الرابع والخامس، وذلك في فصلين: الأول: عن التدوين في القرن الرابع الهجري، وفيه فقرتان: الأولى: تعريفٌ موجزٌ ببعض الكتب المدوَّنة في السُّنَّة في هذا القرن وهي سبعة كتب: - ١- صحيح ابن خزيمة. ٢- صحيح ابن حبان. ٣- مستدرك الحاكم. ٤- شرح مشكل الآثار للطحاوي. ٥- المعجم الكبير للطبراني. ٦- سنن الدارقطني. ٧- السنن الكبرى للبيهقى. والفقرة الثانية: عن كتب المستخرجات. والفصل الثاني: خصصته للتدوين في القرن الخامس الهجرى. وقد اشتمل على موضوعين: الأول: ذكر أهم الكتب المؤلفة في الجمع بين الكتب الستة أو بعضها. والثاني: تعريفٌ موجزٌ بثلاثة كتب هى: ١- شرح السُّنَّة للبغوي. ٢- مصابيح السُّنَّة للبغوي أيضاً. ٣- جامع الأصول لابن الأئير.

стр. 8

وفي الباب الخامس تكلمت عن: "اتجاه التدوين بعد القرن الخامس الهجري" وجعلته فصلين مهَّدتُ لهما بتعريفٍ موجزٍ بأحوال العالم الإسلامي خلال القرون الأربعة من القرن الخامس إلى نهاية الفرن التاسع تقريباً وذلك في فقرتين: - الأولى: عن أهم المحن والفتن التي واجهت المسلمين عموماً وأهل السُّنَّة خصوصاً. والثانية: عن جهود العلماء في مقاومة هذه الفتن والمحن وإبراز جهود أهل السُّنَّة في ذلك مع بيان أنهم كانوا هم المنقذ - بعد الله - للمسلمين مما تردَّوا فيه من البدع والخرافات وجميع الانحرافات. أما الفصل الأول: فقد تضمن الكلام عن الكتب التي أُلِّفت في موضوعات خاصة محدودة مثل: ١- كتب الموضوعات. ٢- كتب الأحكام. ٣- كتب الغريب. ٤- كتب الترغيب والترهيب. والفصل الثاني: عن كتب الموضوعات الشاملة العامة مثل: كتب الأطراف والتخريج والزوائد والمجاميع ونحوها. ولعلَّه بهذا البيان الموجز عما تضمَّنه هذا الكتاب يتبيَّن المراد من العنوان: "تدوين السُّنَّة النبوية نشأته وتطوره".

стр. 9

وبعد: فهذا تلخيصٌ موجزٌ لتلك الجهود الخيِّرة المباركة التي قدمها سلفنا الصالح عبر عصوره المختلفة في خدمة الإسلام عموماً والسُّنَّة المطهَّرة على وجه الخصوص. وفي الختام أحب أن أنبِّه على الأمور التالية: ١- أن سبب اقتصاري على القرون التسعة الأولى هو أنه لم يعد في العصور التالية لها تجديد ولا ابتكار، وما كان من جهود في خدمة السُّنَّة بعد ذلك إنما هو بمثابة تكرار لجهود السابقين أو خدمة لها بالشروح والتلخيصات والتعليقات ونحو ذلك. ٢- أنه كانت هناك جهود مخلصة ومباركة لعلماء الهند بعد القرن التاسع لخدمة السُّنَّة وذلك من خلال عنايتهم بكتب السلف، روايةً وسماعاً وشرحاً وتعليقاً ونحو ذلك، وعلى رأس تلك الكتب التي اعتنوا بها الكتب الستة، وكذلك من خلال التصنيف في علوم الحديث المختلفة وغير ذلك من المجالات مما لا يتسع المقام لبسطه. ٣- عاد للحرمين شيء من مكانتهما العلمية بعد القرن التاسع، وذلك بعد أن فقدت تلك المكانة منذ القرن الثالث الهجري تقريباً، وذلك بسبب تسلط الروافض في هذين البلدين على الولاية والمنبر، نص على ذلك كل من: الإمام ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين من "الفتاوى"، والحافظ الذهبي في كتابه "معرفة الأمصار ذوات الآثار"، وشمس الدين السخاوي في كتابه "التحفة اللطيفة" وكذلك أشار إلى ذلك ابن بطوطة في رحلته.

стр. 10

إذ بعد دخول العثمانيين أرض الشام ومصر والحجاز كان لهم جهودٌ مشكورةٌ في قمع الروافض في الحجاز وفي غيره من ديار الإسلام، كما كان لأسلافهم التركمان والسلاجقة مثل ذلك الموقف مع الروافض والباطنيين في زمانهم. وكان ممن له جهود في خدمة السُّنَّة فيما بعد القرن العاشر الهجري كل من: عبد الرؤف المناوي (ت ١٠٣١ هـ) ، وعلي القاري (ت ١٠١٤ هـ) ، ومحمد عبد الهادي السندي (ت ١١٣٨ هـ) وغيرهم. ٤- قامت في جزيرة العرب نهضة علمية سلفيَّة على منهاج أهل السُّنَّة والجماعة مستنيرة بجهود مدرسة شيخ الإسلام الحافظ أبي العباس ابن تيمية وتلاميذه، وذلك على يد شيخ الإسلام المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه وأحفاده منذ القرن الثاني عشر الهجري، ومازلنا نعيش بفضل الله على آثار تلك النهضة السلفيَّة المباركة، والتي أعادت لأهل السُّنَّة مكانتهم ورفعت رؤوسهم بعد أن طغت البدع وانتفش أصحابها على أهل السُّنَّة في الأعصار المتأخرة. ٥- كان لكل من الشيخ أحمد بن محمد بن شاكر- ﵀ والشيخ محمد ناصر الدين الألباني – حفظه الله - جهود طيبة ومفيدة في هذا القرن في خدمة السُّنَّة وعلومها تحقيقاً وتخريجاً وغير ذلك.

стр. 11

٦- أن من كَتَبَ في التدوين وما يتعلق به قبلي اقتصروا على الكلام عن ذلك في القرن الأول وبعضهم توسع قليلاً إلى القرن الثالث مع الاختصار في ذلك، وأكثر من توسع في هذا فيما اطلعت عليه: الشيخ أبو زهو في كتابه "الحديث والمحدثون"، لكنني سلكت منهجاً غير الذي سلك في كتابه، وذلك أنني راعيت المنهج المقرَّر في الكُلِّيَّة قدر الإمكان، وأسال الله التوفيق والسَّداد لما يحبه ويرضاه. وكتبه محمّد بن مطر الزهراني في المدينة النَّبويَّة حرسها الله في الخامس عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة واثني عشر من هجرة المصطفى ﷺ .

стр. 12

تمهيد قبل أن أشرع في بيان أبواب وفصول هذا الكتاب أحب أن أمهِّد بين يدي أبحاثه وموضوعاته بشرح عنوانه: فالتدوين في اللغة: تقييد المتفرق وجمع المتشتت في ديوان؛ ومنه جمع الصحف في كتاب، وهو فارسي معرَّب. ١ وفي الاصطلاح: يستعمل التدوين بمعنى التصنيف والتأليف. أما السُّنَّة في اللغة: فهي السيرة والطريقة حسنة كانت أو قبيحة. ومنه قوله ﷺ : "من سنَّ في الاسلام سُنِّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئأ، ومن سنَّ في الإسلام سُّنَّة سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً". ٢ ومنه قول خالد بن زهير الهذلي: فلا تجزعن من سُّنَّةٍ أنت سرتها ... فأول راضٍ سُّنَّةً من يسيرها

стр. 13

ومن معانيها في اللغة أيضاً: حسن الرعاية والقيام على الشيء، وذلك من قول العرب: "سنَّ الرجل إبله إذا أحسن رعايتها والقيام عليها". ١ وفي الاصطلاح: تطلق السُّنَّة ويراد بها عدة اصطلاحات: - ١- قال ابن منظور: "وقد تكرر في الحديث ذكر السُّنَّة وما تصرف منها والأصل فيه: الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسُّنَّة، أي القرآن والحديث". ٢ ٢- وقال الإمام الشاطبي: "ويطلق لفظ السُّنَّة أيضاً في مقابلة البدعة، فيقال: فلان على سُّنَّةٍ، إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ ، ويقال: فلان على بدعةٍ، إذا عمل على خلاف ذلك". ٣ ثم قال أيضاً: "ويطلق لفظ السُّنَّة على ما عمل عليه الصحابة، وُجد ذلك في الكتاب أو لم يوجد، لكونه اتِّباعاً لسُنَّةٍ ثبتت عندهم لم تُنقل إلينا أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من

стр. 14

خلفائهم لقوله ﷺ : "عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين". ١ وبعد أن استقرت المصطلحات، وقعدت العلوم الاسلامية، أصبح للفظ السُّنَّة مفهومات ومصطلحات جديدة منها: ١- ما يذكره المحدثون في كتبهم: "كل ما أُثِر عن النَّبيِّ ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ". ٢ ٢- ما يذكره علماء أصول الفقه: "كل ما صدر عن النَّبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ مما يصلح أن يكون دليلاً لحكمٍ شرعى". ٣ ٣- ما يذكره الفقهاء في كتبهم: "ما في فعله ثوابٌ وفي تركه ملامةٌ وعتابٌ لا عقاب". ٤

стр. 15

أو: "ما أمر به أمراً غير جازم" ١ وجملة تدوين السُّنَّة من باب الإضافة المعنوية الحقيقية المحضة، وذلك لأن الإضافة فيه بمعنى اللام وإنها مؤثرة في المضاف تعريفاً حيث أضيف إلى معرفة فاكتسب التعريف من إضافته إليها ٢، والله أعلم. أما جملة: نشأته وتطوره فتقدم الكلام على ذلك في المقدمة.

стр. 16

الباب الأول: مكانة السنة في الإسلام وعناية السلف بها الفصل الأول: ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سُّنَّة ... الفصل الأول: ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سُّنَّة رسول الله ﷺ ١ السُّنَّة بالمعنى الذي مرَّ ذكره في التمهيد "ما أضيف إلى النَّبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ " هى أحد قسمي الوحي الإلهي الذي أُنزل على رسول الله ﷺ والقسم الآخر من الوحي هو القرآن الكريم الذي

стр. 17

هو كلام الله ربِّ العالمين، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وقد جاءت النصوص من القرآن والسُّنَّة وإجماع السلف مصرحة بذلك. فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ٢ وقوله سبحانه: ﴿وَمَاآتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَابِ﴾ . ٣ وقوله سبحانه: ﴿قلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوُنَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ٤ وقوله ﵎: ﴿فلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيْمَاً﴾ . ٥

стр. 18

وقوله : ﴿فليحذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ﴾ . ١ وهناك آياتٌ كثيرة في الحثِّ على اتباع السُّنَّة ووجوب لزومها وتحريم مخالفتها، ولا يتسع المقام لسردها كلها هنا. ومن السُّنَّة: ١- عن أبي رافعٍ مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمرٌ مما أَمرتُ به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". ٢ ٢- وعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ كما حرَّم الله". ٣ ٣- وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلَّ أحدكم يأتيه حديثٌ من حديثي وهو متكئٌ على أريكته

стр. 19

فيقول: دعونا من هذا، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبعناه". ١ ٤- وعن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة". ٢ والنصوص من السُّنَّة كثيرة في الحثِّ على الالتزام بالسُّنَّة وتبليغها، وأكتفي هنا بما ذكرت. ٣ ومن أقوال السلف: ١- عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالساً ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدن فدنا، فقال: "أرأيت لو وُكِلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تَجِدُ فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً والمغرب ثلاثاً تقرأ في اثنتين أرأيت لو وُكِلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تَجد الطواف سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟

стр. 20

ثم قال: أي قوم خذوا عنَّا، فإنَّكم والله إن لا تفعلوا لتضُلُّن". ١ ٢- عن محمد بن كثير، عن الأوزاعى، عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على النَّبي ﷺ بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن". ٢ ٣- وعن أيوب السختياني: أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله ابن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: "إنَّا والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". ٣ ٤- وعن الأوزاعي قال: قال أيوب السختيانى: "إذا حدثت الرجل بالسُّنَّة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ". ٤ ٥- قال الأوزاعي، ومكحول، ويحي بن أبى كثير وغيرهم: "القرآن أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى الكتاب، والسُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتاب قاضياً على السُّنَّة". ٥

стр. 21

٦- وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل - وسئل عن الحديث الذي روي أن السُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب فقال -: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السُّنَّةَ تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب وتبيِّنُه". ١ ٧- ذكر الإمام الشافعي الآيات التي ذكر فيها الكتاب والحكمة كقوله تعالى: ﴿لقدَ مَنَّ اللهُ عَلَى المؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيْهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيْهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . ٢ ثم قال: "ذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سُّنَّة رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ القرآن ذِكرٌ واتَّبعته الحكمة، وذكر الله منَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز- والله أعلم – أن يقال: الحكمة ها هنا إلا سُّنَّة رسول الله ﷺ ، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله وحتَّم على الناس اتِّباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقولٍ: فرض إلا لكتاب الله، ثم سُّنَّة رسول الله ﷺ . ٣ ٨- قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: "البيان منه ﷺ على ضربين:

стр. 22

الأول: بيان المجمل في الكتاب العزيز كالصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه للزكاة وحدِّها ووقتها وما الذي تؤخذ منه الأموال، وبيان مناسك الحج، قال رسول الله ﷺ إذ حج الناس: "خذوا عني مناسككم" ١. الثاني: زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحُمُر الأهلية، وكل ذي نابٍ من السباع إلى أشياء يطول ذكرها. وقد أمر الله بطاعته واتباعه أمراً مطلقاً مجملاً لم يُقيَّد بشيءٍ كما أمرنا باتِّباع كتاب الله، ولم يقل ما وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ". ٢ ٩- قال ابن القيم: "وقد صنَّف الإمام أحمد ﵁ كتاباً في طاعة الرسول ﷺ ردَّ فيه على من احتجَّ بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله ﷺ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن الله جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدَّال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصِّه وعامِّه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله ﷺ هو

стр. 23

المعبِّر عن كتاب الله، الدَّال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم، وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبِّرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به". ثم ساق الآيات الدَّالة على طاعة الرسول ﷺ . ١

стр. 24

الفصل الثاني: عناية السلف بالسنة أولا: العناية بالسنة في عصر الصحابة ... الفصل الثاني: عناية السلف بالسُّنَّة تنوعت عناية السلف - رحمهم الله تعالى - بالسُّنَّة المطهرة، وذلك حسب الإمكانات والوسائل المتاحة في كل عصر، ولذلك نلاحظ أنهم يبذلون غاية الجهد وكافة الإمكانات ومختلف الوسائل في العناية بالسُّنَّة علماً وعملاً، حفظاً وكتابة، ودراسة ونشراً بين الأمة كما سأبيِّنه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وسأذكر نماذج من تلك العناية مراعياً ترتيب العصور تاريخياً ومقتصراً على القرون المفضلة التي تنتهي بنهاية القرن الثالث الهجري عصر ازدهار تدوين السُّنَّة وعلومها. أولاً: العناية بالسُّنَّة في عصر الصحابة: كان الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الرسول الله ﷺ يستفيدون أحكام الشريعة من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول ﷺ . وكثيراً ما كانت تنزل آيات من القرآن الكريم مجملة غير مفصلة، أو مطلقة غير مقيدة كالأمر بالصلاة جاء مجملاً لم يبيّن في القرآن عدد ركعاتها ولا هيئتها ولا أوقاتها، وكالأمر بالزكاة جاء مطلقاً لم يقدر بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة ولم يبين مقاديرها ولا شروطها. وكذلك كثيرٌ من الأحكام التي لا يمكن العمل بها دون الوقوف

стр. 25

على شرح ما يتصل بها من شروط وأركان، فكان لا بد لهم من الرجوع إلى رسول الله ﷺ لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية ورسول الله ﷺ هو المبلِّغ عن ربِّه وأدرى الخلق بمقاصد شريعة الله وحدودها ومراميها. وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول ﷺ بالنسبة للقرآن أنه مبيِّنٌ له، وموضحٌ لمراميه وآياته حيث يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ١ وكان الصحابة ﵃ يلتزمون حدود أمره ونهيه، ويقتدون به ﷺ في كل أعماله وعباداته ومعاملاته - إلا ما علموا منه أنه خاص به - فكانوا يتعلمون منه أحكام الصلاة وأركانها وهيئتها أخذاً بقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". ٢ ويأخذون عنه مناسك الحج وشعائره امتثالاً لأمره ﷺ : "خذوا عني مناسككم". ٣ وقد بَلَغَ من اقتدائهم به أنْ كانوا يفعلون ما يفعل، ويتركون ما

стр. 26

يترك دون أن يعلموا لذلك سبباً، أو يسألوه عن علَّته أو حكمته. أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي ﷺ وقال: إني لن ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتيمهم". ١ وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذْ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوأ نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً، أو قال: أذى". ٢ ولقد بلغ حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يوماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب رضي اله عنه يقول - فيما أخرجه عنه البخاري -: "كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يوماً

стр. 27

وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك". ١ كما كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه ﷺ بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ﷺ ثم يرجعون إليه معلمين ومرشدين، بل كان الصحابي يقطع المسافات الشاسعة ليسأل رسول الله ﷺ عن مسألةٍ نازلةٍ أو حكمٍ شرعيٍ، ثم يرجع لا يلوي على شيء. أخرج البخاري في صحيحه عن عقبة بن الحارث "أن امرأة أخبرته بأنها أرضعته وزوجته فركب من فوره – وكان بمكة - قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأةً لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال النبي ﷺ : "كيف وقد قيل". ٢ وكذلك كان من عادتهم ﵃ أن يسألوا زوجات النَّبي ﷺ فيما يتعلق بشئون الرجل مع زوجته لعلمهن بذلك. كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النَّبي ﷺ ليسألنهن عن أمور دينهن، وأحيانأ يسألن رسول الله صلى الله

стр. 28

عليه وسلم ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هنالك ما يمنع النبي ﷺ من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه كما في حديث عائشة ﵂ في كيفية التطهُّر من الحيض. ١ هكذا كانت عناية خير القرون - رضوان الله عليهم - بالسُّنَّة المطهَّرة في حياته ﷺ اقتداءاً تاماً به ووقوفاً عند حدود أمره ونهيه، وتسليماً كاملاً لحكمه، والتزاماً دقيقاً بهديه، وحرصاً شديداً على تعلم سنَّتِه ﷺ . أما بعد وفاته ﷺ فإننا نجدهم ﵃ إضافة إلى ما سبق ذكره - يسلكون مجالات أخرى للعناية بسُنَّة المصطفى ﷺ والحفاظ عليها، من ذلك حفظها والتثبت من ذلك حتى كان أحدهم يرحل في الحديث الواحد مسافة شهر ليتثبَّت من حفظه، وكذلك كتابتها في الصحف والأجزاء، ثم نشرها بين الناس وغير ذلك من المجالات. كل ذلك وفق منهج عملي وعلمي يمكن الإشارة إلى أهم ملامحه فيما يلي: استشعر الصحابة الكرام ﵃ عظم المسؤلية الملقاة على عواتقهم لحفظ الشريعة - كتاباً وسنةً - وتطبيقها، ثم تبليغها إلى الأمة أداءاً للأمانة التي اختيروا لها كما أدَّاها رسول الله ﷺ إليهم. وقد

стр. 29

كانوا ﵃ خير من حمل هذه الأمانة وخير من أدَّاها بعد نبي الله ﷺ ، وكان هذا الاستشعار لعظم المسؤلية منطلقاً مما وعوه عن رسول الله ﷺ في مثل قوله: "بلغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". ١ وقوله: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي ووعاها فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ مُبلغٍ أوعى من سامع". ٢ وكذلك في مثل قوله ﵊: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". ٣ وقوله: "كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكلِّ ما سمع". ٤ وقوله: "من حدث عني بحديثٍ يرى أنه كذبٌ فهو أحد الكذابين". ٥ وغير ذلك من الأحاديث لذلك كله كان الصحابة رضوان الله عليهم مع حرصهم على تبليغ دين الله للأمة شديدي التحرِّي والتثبُّت فيما يروونه عن رسول الله ﷺ ، فكانوا لا يحدِّثون بشيءٍ إلا وَهُم واثقون من صحته عن رسول الله ﷺ ، ولا يقبلون من

стр. 30

الأخبار إلا ما عرفوا صحته وثبوته. وهذه نماذج من أقوالهم ومواقفهم في ذلك: ١- عن أنس ﵁ قال: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ ، أو قالها رسول الله ﷺ وذلك أني سمعته يقول: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار". ١ ٢- وعن ابن سيرين قال: "كان أنس قليل الحديث عن رسول الله ﷺ ، وكان إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ قال: أو كما قال رسول الله ﷺ ". ٢ ٣- وعن الشعبي وابن سيرين: "أن ابن مسعود كان إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ في الأيام تربد وجهه، وقال: وهكذا أو نحوه، وهكذا أو نحو٥". ٣ ٤- عن الشعبي قال: "جالست ابن عمر سنة فلم أسمعه يذكر حديثاً عن رسول الله ﷺ ". ٤ ٥- وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من

стр. 31

الأنصار من أصحاب محمد ﷺ ما منهم أحدٌ يحدث بحديثٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه إياه" ١. وفي رواية: "يسأل أحدهم المسألة فيردَّها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول". ٢ ٦- وعن السائب بن يزيد قال: "خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثاً عن رسول الله ﷺ حتى رجعنا إلى المدينة". ٣ ٧- وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "قلنا لزيد بن أرقم حدثنا عن رسول الله ﷺ ، فقال: كَبِرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديدٌ". ٤

стр. 32

ثانياً: العناية بالسُّنَّة المطهَّرة في عصر التابعين فمن بعدهم ما كاد عصر الصحابة ينقضي ليبدأ عصر التابعين حتى بدأ بزوغ شمس الفتن والأهواء والبدع، وذلك أن أعداء الاسلام من يهودٍ ونصارى ومجوس وصابئة وفلاسفة شرقوا بهذا الدين الذي حمله هؤلاء الصحابة الكرام إلى الناس كافة، كما ضاق هولاء الأعداء ذرعاً بتلك الإنتصارات العظيمة التي حققها الإسلام وذلك الانتشار السريع في

стр. 33

أنحاء الأرض، ولما لم تُجْدِهم المقاومة العسكرية لهذا المد الإسلامى شيئاً رام هؤلاء الأعداء: المكر والكيد لهذا الدين وأهله، فأخذوا يثيرون الفتن والشكوك والشبهات بين المسلمين وخاصة حديثي العهد بالكفر، وكانت بداية تلك الفتن بكسر ذلك الباب الذي أخبر عنه حذيفة ﵁ فيما رواه عنه الإمام مسلم في صحيحه عندما سأله أمير المؤمنين عمر ﵁ عن الفتنة التي أخبر عنها المصطفى ﷺ أنها تموج كموج البحر، فقال له حذيفة: "مالك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها باباً مغلقاً، فقال عمر: وهل يفتح الباب أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال: فإنه حري ألا يغلق مرة أخرى".وأخبر حذيفة في الحديث أن عمر كان يعلم أنه هو الباب كما يعلم أن دون غدٍ الليلة. ١ وكان كسر ذلك الباب بقتل عمر - رضى الله عنه وأرضاه – وذلك بمؤامرة مجوسية صليبية، وبذلك انفتح باب الفتن التي كان عمر - رضى الله تعالى عنه - باباً موصداً في وجوه أصحابها، والمتتبِّع لسيرة عمر يجد ذلك واضحاً جلياً حيث كان عمر ﵁ متيقظاً فما تكاد تبزغ فتنةٌ أو بدعةٌ هنا أو هناك إلا ويقضي عليها في مهدها، وما قصة صَبيغ بن عِسل ٢، وصاحب دانيال ٣ الذي كان

стр. 34

ينسخ صحفه وينشرها بين الناس إلا نماذج من الأدلة على ذلك التيقظ والصرامة من عمر في وجوه أصحاب الفتن والبدع والأهواء، فقد حسم عمر أمرهما باستدعائهما إليه في المدينة وحَبَسَهما وضَرَبَهُما حتى تابا وأعلنا توبتهما عند ذلك ردَّهما إلى أهلهما ثم منع عمر ﵁ المسلمين من تكليمهما أو الجلوس إليهما وذلك لمدة شهر من الزمان حتى قال الراوي: "ولقد رأيت صبيغ يمشي في البصرة كالناقة الجرباء لايقربه أحد وذلك عزمة أمير المومنين". هكذا تكون حماية الأمَّة ودينها ومعتقدها من المرجفين وأصحاب البدع والأهواء، وهكذا يكون الحاكم المسلم الحارس الأمين على دين الأمَّة وعقائدها وأخلاقها، رحم الله شهيد المحراب عمر ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا معه يوم القيامة وذلك بحبِّنا له. ثم انضم إلى ذلك التآمر المجوسي النصراني: المكر اليهودي على يد ابن سبأ الذي أصبح بعد ذلك أساس كل فتنة في الاسلام، ثم تتابعت الفتن والبدع، فظهرت بدعة القول بالقدر، ثم التجهُّم والرفض فالاعتزال وغيرها. وعند انتشار هذه الفتن والبدع والأهواء سلكت الأجيال التالية لجيل الصحابة الأخيار من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم من أهل القرون المفضَّلة طرقاً ومجالات أخرى لحفظ السُّنَّة والعناية بها حسب الإمكانات والوسائل المتوفرة لهم في تلك العصور.

стр. 35

وقد تمثلت تلك المجالات في: ١- العناية بحفظها. ٢- السؤال عن الإسناد. ٣ - البحث في أحوال الرجال ونقلة الأخبار الذي نتج عنه علم الرجال الذى أصبح ميزة هذه الأمَّة المسلمة عن غيرها من الأمم. ٤- تدوين السُّنَّة الذي بدأ بصحفٍ وأجزاء ثم تطور إلى مصنَّفات مبوَّبة ومرتَّبة إما على الأبواب كالكتب الستة والموطأ وغيرها، وإما على المسانيد كمسند أحمد وغيره، وغير ذلك من المجالات مما سيأتى تفصيله في موضعه من هذا البحث بإذن الله وفيما يلى نماذج من أقوال أئمة السلف في التثبُّت والتَّحرِّى في أحوال الرجال ونقلة الأخبار، وعدم الأخذ عن غير الثقات: ١- قال الإمام مسلم بن الحجاج: "واعلم وفَّقك الله تعالى أن الواجب على كل أحدٍ عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتَّهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والسِّتَارَة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التُّهم والمعاندين من أهل البدع". ١ ثم ساق بإسناده عن أبي هريرةرضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم، لايضلونكم

стр. 36

ولا يفتنونكم". ١ ثم ساق بإسناده أيضاً إلى مجاهد قال: "جاء بشير بن كعب العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدِّث ويقول: قال رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن ٢ لحديثه ولا ينظر إليه، فقال يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدِّثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه". ٣ ٢- عن ابن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". وعنه أيضاً قال: "لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". ٤ ٣- وعن عبدان بن عثمان المروزي قال: "سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ٥

стр. 37

٤- وعن علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: "دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسبُّ السلف". ١ ٥- وعن عمرو بن علي الفلاس قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: "سألت سفيان الثورى، وشعبة، ومالكاً، وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتاً في الحديث فيأتيني الرجل فيسألني عنه؟ قالوا: أخبر عنه أنه ليس بثبت". ٢ ٦- قال عبد الله بن المبارك: "قلت لسفيان الثوريِّ: إن عباد ابن كثير مَن تعرف حاله، وإذا حدَّث جاء بأمرٍ عظيمٍ فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى". قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلسٍ ذُكر فيه عباداً أثنيت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه ٣ ٧- عن الحميدي عن ابن عيينة قال: "كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يُظهِر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتَّهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس، فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة. ٤ ٨- وعن زكريا بن عدي قال: "قال لي أبو إسحاق الفزاري:

стр. 38

أكتب عن بقية ما روى عن المعروفين، ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين، ولا تكتب عن إسماعيل بن عيَّاش ما روى عن المعروفين ولا عن غيرهم". ١ ٩- وعن ابن المبارك قال: "لو خُيِّرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرَّر ٢ لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إليَّ منه". ٣ ١٠- قال عبيد الله بن عمرو: قال زيد بن أبي أُنيسة: "لا تأخذوا عن أخي"، وقال عبد الله بن عمرو: "كان أخوه يحيى بن أبى أُنيسة كذاباً. ٤٥

стр. 39

ثالثاً: الرحلة في طلب الحديث: سبق القول عند الكلام عن مكانة السُّنَّة في الإسلام بأن السُّنَّة

стр. 40

وحي من الله وأنها المبيِّنة لما أشكل من كتاب الله، فلما كانت للسنَّة هذه المكانة أولاها السلف غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل جمع الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة على بعد الشُّقَّة وعِظَم المشَقَّة طلباً للحديث وبحثاً عن أسانيده وذلك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مُنْهُمْ طَائِفَةً لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . ١ وقوله ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة". ٢ وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي، قال الحافظ ابن الصلاح: "وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره". رُوِّينا عن يحيى بن معين أنه قال: أربعة لا تؤنس منهم رشداً: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدِّث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث. وَرُوِّينا عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه قيل له: أيرحل الرجل في طلب العلو فقال: بلى والله شديداً، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر ﵁ فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه. وعن إبراهيم بن أدهم ﵁ قال: إن الله تعالى
следующие страницы →