ولا يفتنونكم". ١
ثم ساق بإسناده أيضاً إلى مجاهد قال: "جاء بشير بن كعب العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدِّث ويقول: قال رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن ٢ لحديثه ولا ينظر إليه، فقال يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدِّثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه". ٣
٢- عن ابن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وعنه أيضاً قال: "لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". ٤
٣- وعن عبدان بن عثمان المروزي قال: "سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ٥
стр. 37
٤- وعن علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: "دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسبُّ السلف". ١
٥- وعن عمرو بن علي الفلاس قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: "سألت سفيان الثورى، وشعبة، ومالكاً، وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتاً في الحديث فيأتيني الرجل فيسألني عنه؟ قالوا: أخبر عنه أنه ليس بثبت". ٢
٦- قال عبد الله بن المبارك: "قلت لسفيان الثوريِّ: إن عباد ابن كثير مَن تعرف حاله، وإذا حدَّث جاء بأمرٍ عظيمٍ فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى".
قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلسٍ ذُكر فيه عباداً أثنيت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه ٣
٧- عن الحميدي عن ابن عيينة قال: "كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يُظهِر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتَّهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس، فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة. ٤
٨- وعن زكريا بن عدي قال: "قال لي أبو إسحاق الفزاري:
стр. 38
أكتب عن بقية ما روى عن المعروفين، ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين، ولا تكتب عن إسماعيل بن عيَّاش ما روى عن المعروفين ولا عن غيرهم". ١
٩- وعن ابن المبارك قال: "لو خُيِّرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرَّر ٢ لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إليَّ منه". ٣
١٠- قال عبيد الله بن عمرو: قال زيد بن أبي أُنيسة: "لا تأخذوا عن أخي"، وقال عبد الله بن عمرو: "كان أخوه يحيى بن أبى أُنيسة كذاباً. ٤٥
стр. 39
ثالثاً: الرحلة في طلب الحديث:
سبق القول عند الكلام عن مكانة السُّنَّة في الإسلام بأن السُّنَّة
стр. 40
وحي من الله وأنها المبيِّنة لما أشكل من كتاب الله، فلما كانت للسنَّة هذه المكانة أولاها السلف غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل جمع الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة على بعد الشُّقَّة وعِظَم المشَقَّة طلباً للحديث وبحثاً عن أسانيده وذلك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مُنْهُمْ طَائِفَةً لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . ١
وقوله ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة". ٢
وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي، قال الحافظ ابن الصلاح: "وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره".
رُوِّينا عن يحيى بن معين أنه قال: أربعة لا تؤنس منهم رشداً: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدِّث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث.
وَرُوِّينا عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه قيل له: أيرحل الرجل في طلب العلو فقال: بلى والله شديداً، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر ﵁ فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه.
وعن إبراهيم بن أدهم ﵁ قال: إن الله تعالى
стр. 41
يدفع البلاء عن هذه الأمَّة برحلة أصحاب الحديث. ١
تاريخ نشأة الرحلة في طلب العلم:
الأصل في ذلك رحلة نبي الله وكليمه موسى ﵊ إلى الخضر وقد قصَّها الله علينا في سورة الكهف.
وبدأت الرحلة في الإسلام برحلة تلك الوفود من القبائل العربية إلى كانت تَفِدُ على رسول الله ﷺ من أنحاء الجزيرة العربية تبايعه على الإسلام، وتتعلم منه ما جاء به من الوحي كتاباً وسنَّة
ثم اهتمَّ بها الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ عندما تفرق الصحابة في الأمصار بعد الفتوحات، فرحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أُنيس في الشام واستغرق شهراً ليسمع منه حديثاً واحداً لم يبق أحدٌ يحفظه غير ابن أنيس. ٢
ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر بمصر، فلما لقيه قال: حدِّثنا ما سمعته من رسول الله ﷺ في ستر المسلم لم يبق أحدٌ سمعه غيري وغيرك، فلما حدَّثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائداً إلى المدينة ولم يحل رحله. ٣
وقد استمرت الرحلة في جيل التابعين حيث تفرق الصحابة في
стр. 42
الأمصار بعد الفتوحات يحملون معهم ميراث النبوة، وما كان يتيسر للرجل أن يحيط علماً بحديث رسول الله ﷺ دون الرحلة إلى الأمصار وملاحقة الصحابة المتفرقين فيها.
قال الإمام سعيد بن المسيب سيد التابعين: "إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام". ١
وقال بسر بن عبد الله الحضرمي: "إن كنت لأركب إلى مصرٍ من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه"، وقال عامر الشعبي: "لم يكن أحد من أصحاب عبد الله بن مسعود أطلب للعلم في أفقٍ من الآفاق من مسروق". ٢
وحدث الشعبي رجلاً بحديث ثم قال له: "أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركَب فيما دونها إلى المدينة". ٣
وعن أبى العالية الرياحي قال: "كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم". ٤
أسباب الرحلة:
للرحلة في طلب العلم أسباب كثيرة من أهمها:
стр. 43
١- في جيل الصحابة كانت لسماع حديثٍ لم يسمعه الصحابي من رسول الله ﷺ ، أو للتثبُّت من حديثٍ يحفظه الصحابى وليس في بلده من يحفظه، فيشد الرحال إلى من يحفظه ولو كان على مسيرة شهر.
٢- أما في التابعين فذلك بسبب تفرق الصحابة في الأمصار وكلٌّ منهم يحمل علماً من ميراث النبوة، فاحتيج إلى علمهم فرُحِل إليهم.
٣- ظهرت أسباب أخرى فيما بعد هذين الجيلين من تلك الأسباب:
ظهور الوضع في الحديث حيث كَثر أصحاب الأهواء الذين انتحلوا أحاديث تؤيد أهواءهم ونسبوها إلى الرسول ﷺ ، فنشط العلماء في الرحلة للتحقُّق من تلك الأحاديث ومعرفة مصادرها ومخارجها.
طلب الإسناد العالي فيُرحَل لأجله كما قال الإمام أحمد: "طلب الإسناد العالي سُّنَّة عمن سلف". ١
ومن أمثلة هذين السببين النموذجان التاليان:
الأول: عن المؤمل بن إسماعيل قال: "حدثني ثقةٌ بفضائل سور القرآن الذي يُروى عن أُبيِّ بن كعب فقلت للشيخ: من حدثك فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه فقلت: من حدثك فقال: شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة
стр. 44
فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدى فأدخلني بيتاً فإذا قومٌ من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك، فقال: لم يحدثني أحد، ولكنَّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم إلى القرآن. ١
الثاني: أخرج الحافظ ابن حبان بإسناده إلى أبي نصر بن حماد الورَّاق البجلى قال: "كنا بباب شعبة بن الحجاج ومعي جماعة نتذاكر السُّنَّة فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبى اسحاق، عن
عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء". ٢
فخرج شعبة وأنا أحدث بهذا الحديث، فصفعني ثم قال: يا مجنون، سمعت أبا اسحاق يحدِّث عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر فقلت: يا أبا اسحاق سمعتَ عبد الله بن عطاء يحدِّث عن عقبة ابن عامر قال: سمعت عبد الله بن عطاء، قلت: عبد الله بن عطاء سمع عقبة بن عامر فقال: أسكت، فقلت: لا أسكت، فالتفت إليَّ مِسعر بن كِدَام فقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حيٌّ بمكة، فخرجت إلى
стр. 45
مكة فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديث الوضوء، فقال: عقبة بن عامر فقلت: يرحمك الله سمعتَ منه قال: لا، حدثني سعد بن ابراهيم، فأتيت مالك بن أنس - وهو حاج - فسألته عن سعد بن ابراهيم، فقال لي: ما حج العام، فلما قضيتُ نسكي مضيت إلى المدينة فلقيت سعد بن ابراهيم فقلت: حديث الوضوء، فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد ابن مخراق، فانحدرت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق وأنا شاحب اللون وسخ الثياب كثير الشعر، فقال: من أين فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما بد، قال: لا، حتى تذهب تدخل الحمام وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به، قال: فدخلت الحمام وغسلت ثيابى، ثم أتيته، فقال: حدثني شهر بن حوشب عن أبى ريحانة، فقلت: هذا حديث صعد ثم نزل، دمِّروا عليه، ليس له أصل. ١
أهمية هذه الرحلة وأهدافها:
كان للرحلة أثرٌ في شيوع الأحاديث وتكثير طرقها، كما كان لها أثرٌ في معرفة الرجال بصورة دقيقة، لأن المحدِّث يذهب إلى البلدة فيتعرف على علمائها ويخاطبهم ويسألهم، ولذلك اتسع نطاق الرحلة
стр. 46
في طلب العلم في القرنين الثاني والثالث.
وقد ذكر الحافظ الرامهرمزي في "المحدِّث الفاصل" قائمة بأسماء المحدثين الذين رحلوا في الأقطار ورتَّبهم على طبقات، فذكر أولاً من رحلوا إلى عدة أقطار، ثم ذكر من رحل إلى ناحية واحدة للقاء مَن بها من العلماء. ١
ومن أهم الأقطار التي كان يرحل إليها طلاب العلم: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، واليمامة، ومصر، ومرو، والري، وبخارى وذلك لأنها مراكز العلم ويكثر فيها العلماء.
سُئل الإمام أحمد عن طالب العلم: هل يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه، أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم فقال: "يرحل ويكتب عن الكوفيين، والبصريين، وأهل المدينة، ومكة، ويشام الناس يسمع منهم".
وقد تقدم قول ابراهيم بن أدهم: "إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمَّة برحلة أصحاب الحديث".
وقال الخطيب البغدادي: "المقصود بالرحلة في الحديث أمران:
أحدهما: تحصيل علو الاسناد وقدم السماع.
والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم.
فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره، فلا فائدة في الرحلة، فاقتصاره على ما في البلد أولى.
стр. 47
الفصل الثالث: أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السنة
تمهيد
...
الفصل الثالث: أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السُّنَّة:
إن أعداء الإسلام من الطوائف والأمم التي قضى عليها الإسلام ونسخ دياناتهم، لم يهدأ لهم بال ولم يقر لهم قرارٌ منذ رأوا ذلك الانتشار السريع للإسلام، وذلك الإقبال الشديد عليه من أبناء شعوبهم، لذلك شرعوا في الكيد والمكر لهذا الدين وأهله.
ولما كانت المجابهة المكشوفة لهذا الدين وكتابه الكريم غير ممكنة لجأ هؤلاء الأعداء إلى حيلة التظاهر بالإسلام وإبطان خلافه ثم أخذوا يثيرون الشبهات ويبثُّون الشُّكوك بين المسلمين، وقد وجَّهوا رماح شكوكهم وسهام شبهاتهم إلى السُّنَّة المطهرة ورواتها، والسُّنَّة هي الموضِّحة والمفسِّرة والشارحة للقرآن، فالطعن فيها طعنٌ في القرآن، والطعن فيهما تحريف لدين الإسلام وهذا ما رامه وقصده أولئك الأعداء مما ألقوه من الشكوك والشبهات، وهو الهدف من تظاهرهم بالإسلام.
وكان من بين أولئك الذين تظاهروا بالإسلام وكان لهم أثرٌ كبيرٌ في إثارة الشكوك والشبهات حول السُّنَّة المطهَّرة ورواتها:
стр. 48
١- عبد الله بن سبأ اليهودي: وأمره معروف مشهور. ١
٢- سوسن النصراني: الذي تلقى عنه معبد الجهني بدعة القدر. ٢
٣- إبراهيم النظَّام المعتزلي: ذكر الإمام الذهبي عن بعض علماء الإسلام أنه كان يخفي بَرْهَمِيَّتَه بالاعتزال ليفسد دين الإسلام. ٣
٤- بشر المريسي: ذكر الخطيب البغدادي في ترجمته أنه ابن يهودي كان يصنع الكوافي في الكوفة، وكان يخفي زندقته بالاعتزال. ٤
٥- الجهم بن صفوان: الذي أخذ أراءه عن السمنية والهنود، وقد أفسد هذا الرجل في دين الاسلام ما لم تفسده أمم غيره. ٥
وغير هؤلاء كثير من أولئك الذين كانوا يخفون زندقتهم ففضح الله أمرهم على أيدي جهابذة علماء الحديث من أهل السُّنَّة والجماعة. ٦
стр. 49
وقد تركزت جهود هؤلاء الأعداء في محاربة السُّنَّة في النقاط التالية:
١- ردّ السُّنَّة بمجرد عقولهم.
٢- الطعن في رواتها بالهوى.
٣- وضع أحاديث على رسول الله ﷺ وإلصاقها بالسُّنَّة، وهذه الأحاديث إما تناقض السُّنَّة نفسها، أو تناقض المعقول أو المعلوم بالضرورة، وذلك ليُعَادَ باللائمة على السُّنَّة أو رواتها وهما بَرَاءٌ من ذلك. وقد تنوع رفض السُّنَّة بمجرد العقل إلى:
١- الرد المطلق.
٢- رد خبر الآحاد.
٣- ويمكن أن يلحق برد خبر الآحاد، رد الزيادة على النص باعتبار أن السبب في ردَّها لكونها خبر آحاد.
وسأوجز القول فيما يلي عن كل نقطة من هذه النقاط
стр. 50
أولاً: رد السُّنَّة مطلقاً:
وخلاصة قول أهل هذا الرأي: أن القرآن وحده يكفي وهو الإسلام وحده، ولا حاجة إلى السُّنَّة، إلا أن بعض القائلين بهذا يستثنون السُّنَّة العملية كتفاصيل الصلاة والزكاة ونحوهما.
وقد بدأت بذور هذا الرأي في أواخر عصر الصحابة وذلك
стр. 51
من خلال مواقف بعض الأفراد كما تدل على ذلك النصوص التالية:
١- عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالساً ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: أدن فدنا، فقال: "أرأيت لو وُكِلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تَجِدُ فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً والمغرب ثلاثاً تقرأ في اثنتين". ١
٢- وعن أيوب السختياني: أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله ابن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: "إنَّا والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". ٢
٣- وعن أبي عمرو الأوزاعى قال: "قال أيوب السختيانى: إذا حدثت الرجل بالسُّنَّة، فقال: دعنا من هذا، وحدثنا بالقرآن فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ". ٣
ويبدو أن هذه حالات فردية، ولم تتخذ طابعاً جماعياً إلا أواخر القرن الثاني، لكننا لم نقف على معلومات كافية عن هذه الطائفة إلا ما ورد في كتاب "جماع العلم" من كتاب "الأم" للإمام الشافعي حيث قال: "باب حكاية قول الطائفة التي ردَّت الأخبار كلها". ٤ ثم شرع في الردِّ عليهم رحمه الله تعالى.
стр. 52
وتعتبر الرافضة ممن ردَّ السُّنَّة مطلقاً لأن من معتقدهم الحكم بالردَّة على الصحابة ﵃ إلا نفر يسير، وعلى ذلك فكل ما جاء من طريقهم من السُّنَّة فهو مردود لاسيما وهم يتَّهمونهم أيضاً بالكذب والخيانة في تبليغ الرسالة، وأنهم كتموا تسعة أعشار القرآن، وأما ما يعملون به مما يسمونه حديثاً أو سُّنَّة فهو في الحقيقة دين جديد اختلقه عبد الله بن سبأ اليهودي، ولفَّقه من اليهودية والاسلام، ثم وضعوا له فيما بعد أسانيد من طريق آل البيت وهى كذب وزور، وآل البيت منهم ومن دينهم برآء برآءة الذئب من دم يوسف.
والإسلام كله - كتاباً وسنَّة - ليس للأمَّة طريق لمعرفته عن رسول الله ﷺ إلا الصحابة، فمن ردَّ ما جاء من طريقهم فمن أين له طريق آخر يعرف به ما جاء عن رسول الله ﷺ ولمزيد تفصيلٍ عن موقف الرافضة من السُّنَّة المطهَّرة فليراجع "منهاج السُّنَّة النبويَّة" للإمام شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية، أو "مختصره" للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، وما كتبه الحافظ السيوطي في كتابه "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّنَّة" و "الروض الباسم في الذب عن سُّنَّة أبي القاسم" للحافظ ابن الوزير اليمني المتوفى سنة (٨٤٠ هـ) .
هذا بالنسبة للعصور الماضية، أما في العصر الحاضر فإن الاستعمار الغربى لم يكد ينتهي من إتمام وإحكام سيطرته على بلاد المسلمين حتى شرع – وذلك عبر طلائعه من المبشرين والمستشرقين -
стр. 53
في إحياء ما اندثر من البدع والآراء المنحرفة والفرق والطوائف المعادية للإسلام والتي كان قد غرسها من قَبْلَهم أسلافهم من أعداء الإسلام من يهود ونصارى ومجوس وصابئة.
وكان من تلك البدع والآراء المنحرفة التي أحياها الاستعمار - عن طريق من باعوا ذممهم من جهلة المسلمين للاستعمار نظير حفنة من الجنيهات - تلك المقولة التي تنادى برفض السُّنَّة والاكتفاء بالقرآن وحده، فهو كاف بزعمهم، وهم في الحقيقة يقصدون ردَّ الدين كلِّه كتاباً وسنة.
ففي شبه القارة الهندية استطاع الإنجليز أن يشتروا مجموعة ممن يزعمون أنفسهم من علماء المسلمين ثم اتخذوهم مطية لإنكار الجهاد بالسيف وإقناع المسلمين بذلك، وكان ذلك بعد أن عانى الانجليز الأمرَّين على يد الحركات الجهادية التي كانت تخرج ضدهم في أنحاء الهند.
وكان من أبرز المنادين بإبطال الجهاد "جراغ على" و "ميرزا غلام أحمد القاديانى".
ثم تطور الأمر إلى إيجاد مجموعة أخرى تنادي برد السُّنَّة مطلقاً والاقتصار على القرآن، وكان على رأس هذه المدرسة "سيد أحمد خان" و "عبد الله جكرألوي" و "أحمد الدين الآمرتسري" وآخرين، ثم جاء "غلام أحمد برويز" فأسس جمعية باسم أهل القرآن، كما أصدر مجلة شهرية،
стр. 54
ونشر عدة كتب في هذا الصدد. ١
أما في بلاد العرب فقد تولَّى كِبر الدعوة إلى رد السُّنَّة والاقتصار على القرآن وحده طائفتان:
الطائفة الأولى:
من يزعمون أنفسهم من اتباع المدرسة الاصلاحية التي نشأت وترعرعت في أرض الكنانة مصر على يد كل من: محمد عبده وشيخه المتسمي بالأفغاني، وقد نشرت آراء هذه المدرسة من خلال وسيلتين:
الوسيلة الأولى: مجلة المنار التي كان يرأس تحريرها ومؤسسها الشيخ محمد رشيد رضا أحد أقطاب المدرسة الإصلاحية، فقد نشرت هذه المجلة سلسلة من المقالات بعنوان: الإسلام هو القرآن وحده ٢ بقلم الدكتور توفيق صدقى، وقد أيَّد الشيخ رشيد رضا هذه المقالات إلا أنه زاد الطين بلة حين قسَّم السُّنَّة إلى دين عام - السُّنَّة العملية - يجب قبوله، ودين خاص - وهو ماعدا ذلك - لسنا ملزمين بالأخذ به. ٣
стр. 55
الوسيلة الثانية: كتاب "أضواء على السُّنَّة المحمدية" لأبي ريَّة ١
الطائفة الثانية:
بعض الكتاب والأدباء وهم من أبناء الكنانة أيضاً - ممن نشأ وترعرع على أيدي أعداء الإسلام من يهود ونصارى من المستشرقين في جامعات فرنسا وألمانيا وبريطانيا، فتغذَّت عقولهم، وران على قلوبهم شبهات وشكوك مشايخهم من المستشرقين، فعادوا إلى بلاد المسلمين ليكونوا رسلاً لأعداء الله ورسوله، فيبثوا تلك الشبهات ويثيروا تلك الشكوك بين المسلمين، وعلى رأس هؤلاء الأدباء الذين كانت كتبهم تنضح بالطعن على السُّنَّة ورواتها وينادون بردِّها كل من: طه حسين، وأحمد أمين وغيرهما.
стр. 56
ثانياً: رد خبر الآحاد:
لم يكن هناك خلاف بين أحد من السلف في القرون الثلاثة المفضلة في وجوب العمل بالسُّنَّة دون تفريق بين ما سمِّي فيما بعد بخبر الآحاد وما سمِّي بالمتواتر، ولا ما يسمَّى بأصول الدين وفروعه - وكلها تقسيمات محدثة مبتدعة ٢ - بل لما بزغت بعض رؤوس الفتنة في عصور السلف الأولى وردت السُّنَّة أو بعضها هبوا جميعاً في وجوههم، وحذَّروا منهم، فهذا أيوب السختيانى - كما مرَّ سابقاً - يقول: "إذا حدَّثت الرجل بالسُّنَّة فقال: دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن،
стр. 57
فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌّ".
وهذا الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يعقد فصلين في الردِّ على هؤلاء المبتدعة الذين أحدثوا القول برد السُّنَّة أو بعضها، الفصل الأول في الرد على الطائفة التي ردت السُّنَّة مطلقاً، وذلك في كتاب "جماع العلم" المطبوع ضمن كتاب "الأم" له، والآخر في الرد على من ردَّ خبر الخاصة – الآحاد - وذلك في كتابه "الرسالة".وهكذا بقية السلف كانوا يحاصرون هؤلاء في معاقلهم ويحذرون المسلمين منهم ومن بدعهم، والمتتبع لتاريخ ظهور بدعة القول برد خبر الآحاد يجد الأمور التالية:
أولاً: أن هذا القول لم يظهر إلا على يد المبتدعة وأصحاب الأهواء والمتَّهمين في دينهم من جهمية أو معتزلة أو متكلمين، وأغلب رؤساء هذه الطوائف إمَّا متَّهمٌ بالزندقة أو بأخذ آرائه وعقيدته من أعداء الاسلام، أو على الأقل متَّهمٌ برقَّة دينه، كما قال الإمام الذهبي عن الجاحظ: "كان ماجناً قليل الدين" ١
وذكر الخطيب بإسناده إلى ابن أبى الذيال أن الجاحظ كان لا يصلى. ٢
ثانياً: أن حقيقة هذا القول هو رد السُّنَّة بمجرد العقل أو الهوى، إذْ ردهم لخبر الآحاد لتجويزهم عقلاً أن يكذب راويه أو يغلط، ثم
стр. 58
إنهم يؤوِّلون المتواتر أو يفوضونه لمجرد مخالفته لعقولهم التي هي مختلفة ومتناقضة وقاصرة. ١
ثالثاً: أن هذا القول طوال القرون الثلاثة بل الأربعة الأولى لم يكتب له الانتشار والظهور - كما حصل فيما بعد - وهذا بفضل الله، ثم بفضل جهود السلف الذين هيأهم الله لحفظ السُّنَّة وتبليغها للأمَّة، فكانوا يجاهدون لإحياء السنن وقمع البدع في مهدها ﵏ وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولم يكتب لهذا القول - فيما أعلم - الانتشار والظهور إلا في عصور الضعف، وظهور البدع، وتسلط أصحاب الأهواء وأهل البدع على رقاب المسلمين، وذلك من أوائل القرن الخامس الهجري فما بعده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في معرض الردَّ على أهل هذا الرأى من معاصريه: "وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي، وإلى ابن الخطيب الرازي، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني ٢، وإلا فالسلف مجمعون على قبول خبر الآحاد والعمل به دون تفريق بينه وبين غيره". ٣
стр. 59
رابعاً: انتشار القول برد خبر الآحاد في القرن الخامس وما بعده وهي الفترة الزمنية التي سيطر فيها علم الكلام ومنطق اليونان على العلوم الاسلامية وعلى كثير من علماء الأمَّة في تلك الفترة من الزمن، فأفسد ذلك المنطق وعلم الكلام أغلب العلوم الإسلامية، ولا أدلَّ على ذلك من أن الوقت الذي سيطر فيه علم المنطق، وعلم الكلام على الأمَّة والذي يبدأ من بداية القرن الخامس إلى نهاية القرن السابع تقريباً هو وقت جمود الأمَّة الإسلامية فكرياً وعلمياً، وهو وقت انتشار البدع وانتفاش الباطل وأهله من باطنية ومتفلسفة ومتصوفة، وهذا الوقت هو الذي استغله أعداء الأمَّة من الصليبيين والمغول فهجموا عليها وأطاحوا بخلافتها.
ولم تستيقظ الأمَّة من ذلك الركود والجمود، وتنفض غبار المنطق وعلم الكلام إلا على يد تلك المدرسة السلفيَّة السائرة على منهج أهل السُّنَّة والجماعة - أهل القرون المفضلة - تلك هي مدرسة شيخ الاسلام ابن تيمية وتلاميذه، وذلك في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن من الهجرة.
وقد كان من أكثر العلوم الإسلامية تأثراً بعلم الكلام: علم أصول الفقه، ثم أصول الحديث بعد القرن الخامس.
خامساً: بعد انتشار هذا القول بين علماء الأمَّة تلخصت أقوالهم في ثلاثة مذاهب:
стр. 60
الأول: أنه لا يفيد إلا الظن، وهؤلاء فريقان:
١- المعتزلة ومن نهج نهجهم يقولون: إنه ظنٌ فلا يفيد علماً ولا يوجب عملاً، ولذلك ردُّوه في العقائد والأحكام.
٢- متكلموا الأشاعرة يقولون: نعم إنه ظن ولكن يجوز العمل بالظن الراجح في الأحكام دون العقائد.
وحجة هذا المذهب أنك لو سئلت عن أعدل رواة الآحاد أيجوز في حقِّه الكذب والغلط لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له. ١
الثاني: أنه يفيد العلم ويوجب العمل إن كان الرواة عدولاً ضابطين.
قال أبو محمد بن حزم: قال أبو سليمان الخطابي والحسين بن علي الكرابيسى والحارث المحاسبي وغيرهم: "إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معاً، وبهذا نقول، وقد ذكر هذا القول أحمد ابن اسحاق المعروف بابن خويذ منداد عن مالك بن أنس. ٢
ثم شرع بعد ذلك في ذكر البراهين على قبول السلف لخبر الواحد من الصحابة ومن بعدهم. ٣
стр. 61
وأغلب ما ذكر من الأدلة والبراهين - وهي مهمة ومفيدة - قد ذكرها الإمام الشافعي ﵀ في "الرسالة". ١
الثالث: التفصيل بأنه إذا احتفَّت بخبر الواحد قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين وإلا أفاد الظن.
ومن أمثلة ما احتفت به القرائن أحاديث الصحيحين لأن القرائن دالَّة على صدقها لجلالتهما في هذا الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق كما قاله غير واحد، واختار هذا القول ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وأبو العباس ابن تيمية ﵏، وحمل بعضهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره. ٢
تنبيهان:
التنبيه الأول: قال شيخ الاسلام ابن تيمية: "وأما قول السائل: إذا صح الحديث هل يكون صدقاً فجوابه أن الصحيح أنواع:
١- فمن الصحيح ما تواتر لفظه كحديث: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
٢- ومنه ما تواتر معناه، كأحاديث الشفاعة، وأحاديث الرؤية،
стр. 62
وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك.
فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق لأنه متواترٌ إما لفظاً وإما معنى.
٣- ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به، كما عملوا بحديث الغرة في الجنين، وكما عملوا بأحاديث الشفعة، وأحاديث سجود السهو ونحو ذلك، فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق، لأن الأمَّة تلقته بالقبول تصديقاً وعملاً بموجبه، والأمَّة لا تجتمع على ضلالة، فلو كان في نفس الأمركذباً لكانت الأمَّة قد اتفقت على تصديق أهل الكذب والعمل به، وهذا لا يجوز عليها.
٤- ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث الصحيحين، جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبعاً لهم في معرفة الحديث، وإذا أجمع أهل العلم على شيءٍ فسائر الأمَّة تبعٌ لهم فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ.
٥- ومنه ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماء من الأحكام، وهذا لا يكون إلا صدقاً وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب، وعامة هذه المتون تكون مروية عن النبي ﷺ من عدة وجوه، رواها هذا الصاحب وهذا الصاحب من غير أن يتواطآ، ومثل هذا يوجب العلم القطعي.
стр. 63
٦- ومما قد يسمى صحيحاً ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفون في تصحيحه فيقولون: هو ضعيف وليس بصحيح، مثل ألفاظٍ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم، إما مثله أو دونه أو فوقه، فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل".اه ملخصاً ١
التنبيه الثاني: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطى ﵀: "اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي ﷺ بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب اثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أنَّ أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطلٌ لا يعول عليه، ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم ردَّ الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل.
والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي - وهو القياس
стр. 64
المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه - مقدَّمٌ على الوحي، وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن انتاجه للمطلوب قطعي، هو جهلٌ وتخبطٌ في الظلمات.
ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلاً: إنَّ العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحى بناء على ذلك، فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه؛ بل العقل يوجبه، وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه كذبتم فيه؛ بل هو يمنعه، وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة كاختلافهم في أفعال العبد، وجواز رؤية الله بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك. فيجب على المسلم أن يتقبل كل شىءٍ عن النبي ﷺ بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتِّباع ما ثبت عنه ﷺ فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل، وعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه أوامر الله ونواهيه كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه، وكذلك تثبت بها صفاته، وقد بيَّنَّا أنها من إحدى الجهتين قطعية". ١
стр. 65
ثالثاً: رد الزيادة على النص:
قال الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀: "فلم أعلم من أهل العلم مخالفاً في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين:
أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبيَّن رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب. ١
والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيَّن عن الله معنى ما أراد ٢، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سن رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب". ٣
وهذا الأخير هو المراد بالزيادة على النص في اصطلاح الأصوليين. ٤
стр. 66
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
"للزيادة على النص مرتبتان:
الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه على وجهٍ لا يكون فيه شرطاً فيه، كزيادة تغريب البِكر على جلده مائة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط.
والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحد، فالأولى زيادة جزء، والثانية زيادة شرط وحكم زيادتهما واحد، لأن التغريب جزء من الحدِّ، فزيادته على الجلد زيادة من الحد كما هو واضح.
ومذهب الجمهور - وهو الظاهر - أن هذا النوع من الزيادات لا يكون ناسخاً لأنه لم يرفع حكماً شرعياً، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهى استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليلٌ صارفٌ عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيءٍ سكت عنه النص الأول، فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة ﵀ فمنع كون التغريب جزءاً من الحدِّ وإن جاء بذلك الحديث الصحيح قائلأ: "إن الجلد كان مجزءاً وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده بل لا بد من التغريب، وهذا نسخٌ لاستقلال الجّلْد بتمام الحدِّ"، وهذا بناءً على أن المتواتر لا يُنسخ بالآحاد؛ لأن آية الجَلْدِ متواترة وأحاديث التغريب آحاد، والغرض عنده أن الزيادة نسخٌ والمتواتر
стр. 67
لا يُنسخ بالآحاد.
وكذلك قال الجمهور: "إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخاً"، فيلزم القول به حملاً للمطلق - وهو رقبة كفارة اليمين والظهار - على المقيد بالإيمان وهو كفارة الخطأ، ومنع ذلك أبو حنيفة بأنَّ الزيادة على النص نسخ.
والجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر ولا يمكن الجمع بينهما". ١
стр. 68
الباب الثاني: تدوين السنة في القرنين الأول والثاني الهجريين
الفصل الأول: التدوين في القرن الأول
أولا: تدوين السنة بدأ في حياة النبى ﷺ
...
الفصل الأول: التدوين في القرن الأول
أولاً: تدوين السُّنَّة بدأ في حياة النبى ﷺ
اشتهر بين عامة الناس من غير ذوي التتبع والاستقصاء أن الحديث أو ما يطلق عليه علماء الحديث لفظ العلم ظلَّ أكثر من مائة سنة يتناقله العلماء حفظاً دون أن يكتبوه، واستمرَّ هذا الظن قرابة خمسة قرون متتابعة وهو يزيد توسعاً ويطَّرد قوةً، حتى جاء الخطيب فتتبع مسائل هذا الموضوع وجمع شتاته، وألَّف في ذلك "تقييد العلم".
أما سبب هذا الظن فهو خطأ في تأويل ما ورد عن المحِّدثين في تدوين الحديث وتصنيفه، فقد ذكر هؤلاء أنَّ أوَّل من دوَّن العلم ابن شهاب الزهري المتوفى سنة (١٢٤ أو١٢٥ هـ) ، وذكروا أوَّل من صنَّف الكتب فإذا هم جميعاً ممن عاش حتى بعد سنة (١٤٣ هـ) تقريباً.
ولم يعط العلماء قبل الخطيب هذه الأقوال حقَّها من التَّأويل العميق والفهم الدقيق، بل رووا هذه الأقوال بشكلٍ يوهم بأنه فعلاً أوَّل من كتب الحديث ودوَّنه ابن شهاب الزهري، وأوَّل من صنَّفه في
стр. 69
الكتب أتى بعده.
وغلبت هذه الفكرة على أصحاب الكتب الجامعة: كأبي طالب المكي، والامام الذهبي، والحافظ ابن حجر، والمقريزي، وصاحب "أبجد العلوم" وغيرهم فكانوا يؤيدونها رغم أنهم كانوا يجدون لها نقيضاً، وذلك أنهم يذكرون أن مَنْ بعد الصحابة والتابعين كانوا يروون العلم من صحفٍ صحيحةٍ غير مرتبة كتبت في عصر الصحابة والتابعين.
إذن حصل هناك تدوينٌ قبل عصر الإمام الزهري الذي يُعدُّ من طبقة صغار التابعين.
وقد حاول الخطيب أن يثبت أن تقييد العلم كان موجوداً في حياته ﷺ وفي عصر الصحابة والتابعين كذلك، فقاده ذلك إلى البحث في تاريخ تقييد العلم، فجمع الأحاديث والأخبار التي لها صلة بنشأة تقييد العلم، وهي أكثر مما جمعه سلفه، ووجدها تنتظم في حلقتين مختلفتين متضادتين، فبعضها يشير إلى جواز كتابة الحديث والإقبال عليه، والآخر يظهر خلاف ذلك، وهذا ما قد كان وجده متقدموه، غير أنَّه ألفى شيئاً جديداً فيها، وهو أن بعضها يتضمن الإشارة إلى سبب كراهة الكتابة، فبدا له أن يفرد هذه النصوص بباب خاص علَّها تنطق من نفسها عما يزيل الخلاف ويرفع التناقض.
وقد خصص - رحمه الله تعالى - الفصل الأول من القسم الأول من كتابه للأحاديث المرفوعة التي تنهى عن كتابة الحديث، وقد
стр. 70
حاول استيعابها بكافة طرقها الصحيحة والضعيفة.
ولكن هذه الروايات كلها على اختلاف طرقها لم يصح منها شىءٌ سوى حديث أبي سعيد الخدري: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" الحديث الذي أخرجه مسلم مرفوعاً ١، وقد أعلَّه أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد. ٢
وفي الفصلين الثانى والثالث من هذا القسم أورد ما رُوِي من الآثار والأخبار عن الصحابة والتابعين في كراهة كتابة الحديث والنهي عنها. ٣
وعمد ﵀ في الفصل الأول من القسم الثاني إلى
стр. 71
ذكر الروايات عن الصحابة التي تنصُّ على علة كراهتهم لكتابة ما سوى القرآن، ويلخِّص تلك العلة بقوله: "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه ونُهي عن كتب العلم في صدر الاسلام وجِدَّتِه لقلِّة الفقهاء - في ذلك الوقت - والمميِّز بين الوحي وغيره؛ لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلا يؤمَن أن يُلحِقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنَّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن". ١
ويضيف في مطلع الفصل الثانى من القسم الثانى أسباباً أخرى للنهى أو الامتناع عن الكتابة فيقول: "وأمر الناس بحفظ السنن، إذْ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونُهي عن الإتكال على الكتاب لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عُدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان ولهذا قال سفيان الثوري: (بئس مستودع العلم القراطيس".
وكان سفيان يكتب؛ أفلا ترى أن سفيان ذم الإتكال على الكتاب وأمر بالحفظ وكان مع ذلك يكتب احتياطاً واستيثاقاً، وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفاً من أن يتكل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ. ٢
стр. 72
وأما القسم الثالث فقد أفرد منه ثلاثة فصول في الأحاديث والآثار الواردة في الإذن بكتابة العلم: -
الأول: فيما ورد مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ : وقد أورد فيه روايات كثيرة منها الصحيح مثل:
١- حديث أبي هريرة: "ما من الصحابة أحدٌ أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب وأنا لا أكتب". ١
٢- وعنه أيضاً قال: خطب رسول الله ﷺ في فتح مكة إلى أن قال: "اكتبوا لأبى شاة". ٢
٣- حديث ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "ائتوني بكتابٍ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده". ٣
٤- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله ﷺ إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق". ٤
стр. 73
ومنها الضعيف وهي كثيرة وبعضها قد يعتضد. ١
والفصل الثاني: عَنْوَنه بقوله: باب ذكر من رُوي عنه من الصحابة ﵃ أنه كتب العلم أو أمر بكتابته.
وقد أورد في هذا الفصل روايات كثيرة عنهم وأكثرها صحيحة إذ منها ما هو في الصحاح، ومنها ما هو في السنن وغير ها.
ولم يخلها من تعليقاته واستنباطاته ﵀ من ذلك مثلاً: ما جاء في تعقيبه على ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: "ما كنا نكتب شيئاً غير القرآن والتشهد" حيث قال: "وأبو سعيد الخدري هو الذي رُوي عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه".
ثم هو يخبر أنهم كانوا يكتبون القرآن والتشهد، وفي ذلك دليل أن النهي عن كَتْبِ ما سوى القرآن إنما كان على الوجه الذي بيَّنَّاه: من أن يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، وأن يشتغل عن القرآن بسواه، فلما أُمِنَ ذلك ودَعَتْ الحاجة إلى كتب العلم لم يكره كتبه، كما لم تكره الصحابة كَتْبَ التشهد، ولا فرق بين التشهد وبين غيره من العلوم في أن الجميع ليس بقرآن، ولن يكون كتب الصحابة ماكتبوه من العلم وأمروا بكتبه إلا احتياطاً كما كان كراهتهم لكتبه
стр. 74
احتياطاً والله أعلم". ١
أما الفصل الثالث من هذا القسم فقد خصصه لذكر الروايات عن التابعين في ذلك: حيث ساق بأسانيده إلى أئمةٍ وكبار التابعين تلك الروايات عنهم في كتابتهم للحديث وإذنهم لتلاميذهم بل وحثِّهم على كتابة الحديث. ٢
أما عن سبب اتساع الناس في كَتْب العلم في عصر ما بعد التابعين واتِّكالهم على الكتاب فيقول الخطيب ﵀: "إنما اتسع الناس في كَتْب العلم، وعوَّلوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك؛ لأن الروايات انتشرت والمسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ مع رخصة رسول الله ﷺ لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك". ٣
وبعد: فقد اكتفيت في هذه الفقرة بالاقتصار على تحليل ما ورد في الأقسام الثلاثة الأولى من كتاب "تقييد العلم" للحافظ أبى بكر الخطيب (ت ٤٦٣ هـ) مستفيداً مما كتبه الأستاذ يوسف العش في تصديره
стр. 75
للكتاب وتعليقه على حواشيه، وذلك لأمور منها:
١- أن هذا الكتاب أقدم وأوسع وأشمل كتاب في هذا الباب إذ لم يسبق مؤلفه إلى جمع مثله ولم أقف على كتاب مثله لمن جاء بعده، إلا أن معاصره الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) حاول نفس المحاولة في "جامع بيان العلم" لكن لم يكن بسعة كتاب الخطيب وشموله فضلاً عن تفوق كتاب الخطيب على كتابه في جودة الترتيب وحسن التنسيق.
٢- أن النتائج التي توصل إليها الخطيب ﵀ من خلال جمعه ودراسته لما رُوي في هذا الموضوع نتائج هامة، ووجدت فيها بلسماً شافياً وجواباً كافياً على تلك التساؤلات حول تدوين السُّنَّة المطهرة، متى بدأ وكيف بدأ كما أنني ألفيت الكتاب ونتائجه التي توصل إليها جواباً دامغاً - لما تضمنه من الحقائق - على تلك الشكوك والشبهات التي يثيرها المستشرقون وأذنابهم من أبناء جلدتنا المندسُّون في صفوفنا حول تدوين السُّنَّة النبوية، مستغلين ظاهر حديث أبي سعيدٍ في النهي عن كتابة الحديث، وما رُوي من أن التدوين لم يبدأ إلا في عصر الإمام الزهري. ١