← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11091

تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (261 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صحيحاً، ويجوز أن يكون حسناً عند من يرى الحسن رتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، ولم ينقل لنا عن أبي داود هل يقول بذلك، أيرى ما ليس بضعيف صحيحاً، فكان الأولى بل الصواب أن لا يرتفع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يعلم أنَّ رأيه هو الثانى ويحتاج إلى نقل. ١ وقال الحافظ ابن حجر: "ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحى بل هو على أقسام: ١- منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة. ٢- ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته. ٣- ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان كثيرٌ في كتابه جداً. ٤- ومنه ما هو ضعيف ولكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً، وكل هذه الأقسام عنده تصلح للإحتجاج بها. ٢ وقال الحافظ محي الدين النووي: "والحق أن ما وجدناه في سننه مالم يبيِّنه ولم ينص على صحته أو حسنه أحدٌ ممن يعتمد فهو حسن، وإن نصَّ على ضعفه من يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له حكم بضعفه، ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود".

стр. 142

قال ابن حجر - معقباً - على هذا الكلام: "وهذا هو التحقيق". ١ ٦- عناية العلماء بسنن أبي داود: اعتنى العلماء بهذا الكتاب كما اعتنوا بغيره من الكتب الستة وغيرها إلا أننا نجد أن عنايتهم به فاقت غيره من السنن، فجاء بعد مرتبة الصحيحين في العناية خاصة عند المشتغلين بالفقه لما حواه هذا الكتاب من السنن والأحاديث الصحيحة والحسنة، واختصروه وعلَّقوا عليه، كما ترجموا لرجاله ضمن رجال الكتب الستة. هذا ومن أهم شروحه: ١- شرح معالم السنن لأبي سليمان حَمْد بن محمد بن ابراهيم الخطابى (ت ٣٨٨ هـ) . ٢- مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للحافظ السيوطي (ت ٩١١ هـ) . ٣- فتح الودود على سنن أبي داود لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي (ت ١٣٩ هـ) . ٤- عون المعبود شرح سنن أبي داود للشيخ شمس الحق العظيم أبادي (ت ٣٢٩ هـ) . ٥- بذل المجهود في حلِّ أبي داود للشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت ١٣٤٦ هـ) .

стр. 143

رابعاً: جامع أبي عيسى الترمذي ١- المؤلِّف: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ العلم البارع صاحب التصانيف الكثيرة، قال أبو عبد الله الذهبي: "الصواب أنه أضرَّ في كبره بعد رحلته وكتابته العلم" ١ المولود في سنة (٢٠٩ هـ) والمتوفى سنة (٢٧٩ هـ) . ٢- اسم كتاب الترمذي: قال في مقدمة تحفة الأحوذي: "قال صاحب كشف الظنون: "قد اشتهر جامع الترمذي بالنسبة إلى مؤلِّفه، فيقال: جامع الترمذي"، وقال – أيضاً -: "لقد أطلق الحاكم والخطيب عليه الجامع الصحيح، ويقال له أيضاً: سنن الترمذي". ٢ ٣- رتبة جامع الترمذي بين الكتب الستة: قال أبو عيسى: "صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خرسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في

стр. 144

بيته نبي يتكلم". ١ وقال صاحب كشف الظنون: "الجامع الصحيح لأبي عيسى الترمذي، هو ثالث الكتب الستة". ٢ وقال الذهبي: "انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائى لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما". ٣ وقال صاحب التحفة: "ويفهم من رمز تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب والتقريب وتذكرة الحفاظ أن رتبة جامع الترمذي بعد سنن أبي داود وقبل النسائي". ٤ وذهب صاحب "التحفة" إلى ما ذهب إليه صاحب "كشف الظنون" من جعله ثالث الكتب الستة. ٤- منهج أبي عيسى الترمذي في جامعه: رتب أبو عيسى الترمذي كتابه على الأبواب على طريقة الجوامع الشاملة للأحكام وغيرها، وكل باب من أبواب الترمذي يحمل عنوان المسألة أو الحكم الذى روى الترمذي الحديث من أجله، ويورد في الباب حديثاً أو أكثر ثم يتبع ذلك بآراء الفقهاء في المسألة وعملهم بذلك الحديث تصحيحاً وتحسيناً وتضعيفاً؛ ويتكلم على درجة الإسناد ورجاله وما اشتمل عليه من العلل، ويذكر ما للحديث من الطرق،

стр. 145

ثم إن كان هناك أحاديث أخرى تناسب الترجمة فإنه يشير إليها بقوله: "وفي الباب عن فلان، وفلان" من الصحابة. ١ ٥- شرط أبي عيسى الترمذي في كتابه: تقدم الكلام على طرف من ذلك في الكلام على شرط البخاري، وعند الكلام على شرط أبي داود، ونضيف هنا قول أبي الفضل ابن طاهر: "وأما أبو عيسى الترمذي - رحمه الله تعالى - فكتابه على أربعة أقسام: ١- قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلم. ٢- قسم على شرط الثلاثة كما بيَّنا - أبو داود والترمذي والنسائي. ٣- وقسم أخرجه للضدِّيَّة وأبان عن علته، ولم يغفله. ٤- وقسم رابع أبان هو عنه فقال: ... ما أخرجت في كتابي إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء وهذا شرط واسع". ٢

стр. 146

٦- عناية العلماء بجامع الترمذي: قال في تحفة الأحوذي: "اعلم أن لجامع الترمذي شروحاً وتعليقات ومختصرات وعليه مستخرجات". وقد اعتنى به العلماء رواية وإسماعاً ونسخاً، كما عنوا باختلاف نسخه منذ وقت مبكر، أما رجاله فقد اعتنى بهم ضمن الكتب التي ترجمت لرجال الكتب الستة. ومن أهم شروحه: ١- عارضة الأحوذي لأبي بكر بن العربي المالكي. ٢- شرح ابن سيد الناس ولم يتمه، وأكمله الحافظ العراقي المتوفى سنة (٨٠٦ هـ) إلا أنه لم يتمَّه أيضاً، فأتمه ابنه أبو زرعة المتوفى سنة (٨٢٦ هـ) . ١ ٣- شرح الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد المعروف بابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) . ٤- تحفة الأحوذي لعبد الرحمن المباركفوري وغير ذلك من الشروح.

стр. 147

خامساً: كتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي ١- المؤلِّف: الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي، ولد سنة (٢١٥ هـ) ، وتوفي سنة (٣٠٣ هـ) . قال الذهبي: "هو الحافظ شيخ الإسلام، ناقد الحديث، صاحب السنن وغيره". ١ ٢- اسم كتابه: ألَّف الحافظ النسائي كتاب "السنن الكبرى" فلما عاد من رحلته إلى مصر مرَّ بفلسطين، فنزل الرملة، فسأله أميرها: "أكلُّ ما في سننه صحيح؟ فقال: لا. فقال: جَرِّد الصحيح منه".فاختصره مقتصراً على ما يراه صحيحاً وسماه "المجتبى" بالباء الموحدة، أو "المجتنى" بالنون ويعرف أيضاً ب "السنن الصغرى". ٢ ٣- منهج النسائي في سننه وآراء العلماء في ذلك: قال أحمد بن محبوب الرملي: "سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع "السنن" استخرت الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب

стр. 148

منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فتركت جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم". ١ وقال أبو الحسن المعافري: "إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائى أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره". ٢ وقال الحافظ ابن رُشيد: "كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً، وكان كتابه جامعاً بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل. وعلى الجملة فكتاب النسائي أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً ورجلاً مجروحاً، ويقاربه كتاب أبي داود والترمذي ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب. وقال محمد بن معاوية الأحمر - الراوي عن النسائي -: كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول إلا أنه لم يبيِّن علته، والمنتخب المسمى بالمجتبي صحيح كله". ٣ ٤- شرطه وعناية العلماء بكتابه: تقدم الكلام على شرطه عند الكلام على شرط البخاري وكذلك أبي داود، ونقلت هناك كلام ابن طاهر والحازمي في "شروط الأئمة".

стр. 149

وأما العناية به: فقد اعتنى به العلماء كغيره من الكتب الستة، رواية وإسماعاً ونسخاً، وترجموا لرجاله ضمن رجال الكتب الستة. أما شروحه فلم أقف على شرح له سوى "شرح السيوطي" و "حاشية السندي" وهما مطبوعان. ١

стр. 150

سادساً: السنن للحافظ أبي عبد الله ابن ماجه ١- المؤلف: هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الحافظ الكبير الحجة المفسر، مصنف السنن والتاريخ والتفسير وغيرها، حافظ قزوين في عصره، ولد سنة (٢٠٩ هـ) ، وتوفي سنة (٢٧٢ هـ) . ١ ٢- اسم الكتاب: اشتهر بين الناس باسم السنن منسوباً إلى صاحبه: سنن ابن ماجه. ٣- منهجه وأراء العلماء فيه: أول من ألحقه بالكتب الخمسة أبو الفضل محمد بن طاهر (ت ٥٠٧ هـ) ، صاحب "شروط الأئمة الستة"، وغيره جعل مكانه "الموطأ" للإمام مالك. وقد رتب ابن ماجه كتابه على الأبواب مشتملاً على السنن والأحكام كباقي الكتب الستة، وأخرج فيها الحديث الصحيح والحسن والضعيف، وفيه بعض المناكير والموضوعات، لكنها قليلة من أجل هذا انحطت رتبته عن الكتب الخمسة.

стр. 151

قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: "وقعت جملة أحاديث السنن لابن ماجه في (٤٣٤١) حديثاً، منها (٣٠٠٢) حديثاً أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، وباقي الأحاديث وعددها (١٣٣٩) حديثاً زائدة على ما جاء في الكتب الخمسة، وتنقسم إلى (٤٢٨) حديثاً صحيحة الإسناد، و (١٩٩) حديثاً حسنة الإسناد، و (٦١٣) حديثاً ضعيفة الإسناد، و (٩٩) حديثاً واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة" ١ ٤- شرطه والعناية به: تقدمت الإشارة إلى طرف من ذلك في الكلام على شرط البخاري وكذلك في الكلام على شرط أبي داود، ومن المعروف أن "سنن ابن ماجه" انحطت رتبته عن الخمسة لتساهله في أحاديث قوم من المجاهيل والمتهمين، بل وفيهم بعض الكذابين. أما عناية العلماء به: فقد اعتنوا به رواية وإسماعاً ونسخاً كغيره، وترجموا لرجاله ضمن رجال الكتب الستة أما الشروح فلم أقف على شيء منها سوى "حاشية السندي" و "تعليقات السيوطى"،

стр. 152

الباب الرابع: التدوين في القرنين الرابع والخامس تمهيد في بيان جهود علماء السنة إجمالا ... الباب الرابع: التدوين في القرنين الرابع والخامس سبق القول بأن القرن الثالث الهجرى يُعَدُّ العصر الذهبي لتدوين العلوم الإسلامية عامة، وعلوم السُّنَّة النبوية خاصة وقد فُصِّل الكلام في ذلك في الباب الثالث. وتابع علماء السُّنَّة في القرن الرابع من سبقهم في خدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها، فكان منهم من نسج على منوال الصحيحين في تخريج الأحاديث الصحيحة من ذلك مثلاً: ١- صحيح ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) . ٢- صحيح ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) . ٣- صحيح ابن السكن (ت ٣٥٣ هـ) . ٤- مستدرك الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) وغيرها. ومنهم من نهج منهج أصحاب السنن في الاقتصار على أحاديث السنن والأحكام، مع اشتمالها على الصحيح وغيره، وذلك مثل: ١- منتقى ابن الجارود (ت ٣٠٧ هـ) . ٢- سنن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) .

стр. 153

٣- سنن البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) وهو متأخر وفاةً لكن يمكن عده في القرن الرابع تجوزاً لتقارب كتب السنن، كذلك نجد من اعتنى في هذا القرن بالتأليف في مختلف الحديث ومشكله، كما في كتابي الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) : ١- شرح معاني الآثار. ٢- ومشكل الآثار، وغيرهما. وذلك تتميماً – وتكميلاً - لما بدأه الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) في كتابه "اختلاف الحديث"، والحافظ ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في كتابه "تأويل مختلف الحديث" وغيرهما مما ألف في ذلك النوع في القرن الثالث. كما ظهر - ولأول مرة - نوعان من المصنفات في هذا القرن، وهذا يُعَدُّ من التجديد في مجال خدمة السُّنَّة، وهذه ميزة أخرى لأهل السُّنَّة، أنهم في كل عصرٍ يُعمِلون تفكيرهم ويبذلون جهدهم في ابتكار طرق ووسائل جديدة لخدمة سُّنَّة المصطفى ﷺ ، فلم يجمدوا كما جمد غيرهم من أهل العلوم الإسلامية الأخرى. وهذان النوعان من المصنفات هما: أولاً: كتب المصطلح - علوم الحديث - التي جمعت تلك القواعد التي كانت متفرقة في كتب من سبقهم من علماء القرنين الثاني والثالث مثل: "الرسالة" للشافعي، ومقدمة "صحيح مسلم" وكتابه "التمييز"، وكتب الرجال والعلل، فقيض الله من

стр. 154

جمعها وسهلها على طلبة العلم. ويعد المحدث الفاصل لأبى محمد الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ) أول مؤلَّف في ذلك، ثم تبعه أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) بتأليف كتابه "معرفة علوم الحديث"، ثم استخرج عليه تلميذه أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ثم تتابع التأليف في المصطلح بعد ذلك. ثانياً: كتب المستخرجات، وسيأتي الكلام عنها قريباً بإذن الله. وهناك أنواع أخرى من المصنفات في مجال تدوين السُّنَّة في هذا القرن مثل معاجم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) و "العلل" للدارقطني الذي رتبه على مسانيد الصحابة، وغيرها. أما في القرن الخامس الهجري، فقد سلك علماء السُّنَّة طرقاً أخرى ومجالات جديدة لتدوين السُّنَّة وحفظها وجمعها، حيث ظهرت في هذا القرن النواة الأولى للموسوعات الحديثة ومن ذلك: ١- كتب الجمع بين الصحيحين. ٢- وكتب الجمع بين الستة وغير ذلك، وسيأتي لذلك مزيد تفصيل بإذن الله.

стр. 155

الفصل الأول: التدوين في القرن الرابع الهجري أولا: دراسة موجزة لنماذج مختارة من كتب السنة المدونة في القرن الرابع ... الفصل الأول: التدوين في القرن الرابع الهجري أولاً: هذه دراسة موجزة لنماذج مختارة من كتب السُّنَّة المدونة في القرن الرابع: ١- صحيح الإمام ابن خربمة: المؤلِّف: أبو بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة النيسابورى الحافظ إمام الأئمة، شيخ الاسلام صاحب المصنفات الكثيرة، ولد سنة (٢٢٣ هـ) ، وتوفي سنة (ت ٣١١ هـ) . ١ تسمية كتابه: اشتهر بين الناس باسم: صحيح ابن خزيمة، وقد ذكر الدكتور محمد مصطفى الأعظمي- محقق الجزء الموجود من ابن خزيمة - أن اسمه كما وضعه مؤلفه: مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ ، وأنه مختصر من كتابه "المسند الصحيح". ٢ وقال الحافظ ابن حجر: وسمَّى ابن خزيمة كتابه: "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطعٍ في السند، ولا جرحٍ في النقلة". ٣

стр. 156

شرطه في كتابه: اشترط ابن خزيمة ﵀ في هذا الكتاب ألا يُخرِّج إلا الحديث الصحيح، وقد نص على ذلك في عنوان كتابه حيث قال: "مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه ﷺ من غير قطعٍ في أثناء الإسناد، ولا جرحٍ في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". ١ منهجه في الصحيح: أ- رتبه على الكتب والأبواب فبدأه بكتاب الوضوء ثم كتاب الصلاة. وهكذا. ثم يورد تحت كل كتاب مجموعة من الأبواب، يقول: باب كذا ... وتارة يقول: أبواب كذا. ب- يورد الأحاديث مسندة منه إلى رسول الله ﷺ ، وإذا كان للحديث أكثر من طريق يذكرها. ٢ ج- يعقب على الحديث – غالباً - بالكلام على سنده ومتنه، ويعتني بضبط الألفاظ ومخالفة كل راوٍ للآخر في لفظه، وغالباً ما يبدأ كلامه بقوله: قال أبو بكر: ٣

стр. 157

د- كثيراً ما يذكر الراجح عنده في المسألة في تراجم الأبواب على طريقة فقهاء المحدثين كالبخاري وأبى داود وغيرهما. ١ مكانة صحيح ابن خزيمة من كتب السُّنَّة: قال الحافظ ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الصحيحين يتلقَّاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة ... ويكفى كونه موجوداً في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه، ككتاب ابن خزيمة.... ٢ وقال الحافظ السيوطى: "صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحرِّيه، حيث إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول مثلا: باب كراهة كذا إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا". ٣ وقال الإمام الذهي: "وقد كان هذا الإمام جهبذاً بصيراً بالرجال"، ثم ذكر عنه أنه قال: "لست أحتج بشهر بن حوشب، ولا بحُرَيز بن عثمان، ولا بعبد الله بن عمرو، ولا ببقية، ولا بمقاتل بن حيان"، ثم سمَّى خلقاً من الرواة الذين حصل في الاحتجاج بروايتهم خلافٌ بين الأئمة مما يدل على شدة تحري ابن خزيمة وتوقيه في الرواية

стр. 158

في صحيحه ﵀. ١ عناية العلماء بصحيح ابن خربمة: اعتنى العلماء بصحيح ابن خزيمة روايةً وإسماعاً ونسخاً، وممن اعتنى به من المتأخرين: ١- الحافظ سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث اختصر "تهذيب الكمال" للمزي مع التذييل عليه برجال ستة كتب هى: المسند للإمام أحمد، صحيح ابن خزيمة، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، السنن للدارقطني، السنن الكبرى للبيهقي، وسمَّاه: "إكمال تهذيب الكمال". ٢- والحافظ ابن حجر العسقلانى (ت ٨٥٢ هـ) حيث صنف كتاب "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" ٢، وهي: موطأ الإمام مالك، ومسند الشافعي، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمى، وصحيح ابن خزيمة، والمنتقى لابن الجارود، وصحيح ابن حبان، والمستخرج لأبى عوانة، والمستدرك للحاكم، وشرح معانى الآثار للطحاوي، والسنن للدار قطني. قال الحافظ: "وإنما زاد العدد واحداً لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه". ٣

стр. 159

٢- صحيح ابن حبان ١: المؤلف: الإمام العلامة الحافظ شيخ خراسان أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ بن معبد التميمي الدارمي البستي صاحب الكتب الشضهورة والمصنفات الغزيرة، ولد سنة بضع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة (٣٥٤ هـ) . ٢ تسمية صحيح ابن حبان: اشتهر بين العلماء باسم صحيح ابن حبان، واسمه كما ذكره المؤلِّف في مقدمته: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطْعٍ في سندها، ولا ثبوت جرحٍ قي ناقليها". ٣ شرط ابن حبان في صحيحه: قال ﵀ في مقدمته: "وأما شرطنا في نقلة ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجّ فيه إلا بحديثٍ اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء: ١- العدالة في الدين بالستر الجميل. ٢- الصدق في الحديث بالشهرة فيه. ٣- العقل بما يحدِّث من الحديث. ٤- العلم بما يحيل من معاني ما يروي.

стр. 160

٥- المتعري خبره عن التدليس. فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به". ١ سبب تأليف ابن حبان لصحيحه: قال في مقدمته: ١- وإنى لما رأيت الأخبار طرقها كثرت، ومعرفة الناس بالصحيح منها قَلَّتْ لاشتغالهم بكتب الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوبات، حتى صار الخبر الصحيح مهجوراً لا يكتب، والمنكر المقلوب عزيزاً يُستغرب. ٢- وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين وتكلم عليها من أهل الفقه والدين أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار قصداً منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفَّاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب. ٢ ثم قال ﵀: "فتدبرت الصحاح لأسهِّل حفظها على المتعلِّمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين". منهج ابن حبان في صحيحه: وقال ﵀ في بيان منهجه: "..فتد برت الصحاح لأسهل حفظها على المتعلمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية:

стр. 161

فأولها: الأوامر التي أمر الله عباده بها (وهي تدور على مائة نوع وعشرة أنواع) . والثاني: النواهى التي نهى الله عباده عنها (وهي تدور على مائة نوع وعشرة أنواع) . والثالث: إخباره عما احتيج إلى معرفتها (وتدور على ثمانين نوعاً) . والرابع: الإباحات التي أبيح ارتكابها (وتدور على خمسين نوعاً) . والخامس: أفعال النبي ﷺ التي انفرد بفعلها (وتدور على خمسين نوعاً) . ثم قال: "فجميع أنواع السنن أربع مائة نوع على حسب ما ذكر ناها".اه ملخَّصاً ١ وقال في آخر الكتاب: "فهذا آخر أنواع السنن، قد فصلناها على حسب ما أصَّلنا الكتاب عليه من تقاسيمها، وليس في الأنواع التي ذكرناها من أول الكتاب إلى آخره نوع يستقصى، لأنَّا لو ذكرنا كل نوع بما فيه من السنن، لصار الكتاب أكثره معاداً"، إلى أن قال: "وكشفنا عما أُشكل من ألفاظها، وفصلنا عما يجب أن يوقف

стр. 162

على معانيها على حسب ما سهل الله ويسره وله الحمد على ذلك". ١ أما طريقة ترتيبه فقد وصفها السيوطي بقوله: "صحيح ابن حبان ترتيبه مَخْتَرَعٌ ليس على الأبواب، وليس على المسانيد، ولهذا سمَّاه: التقاسيم والأنواع". ٢ ويعتبر صحيح ابن حبان موسوعة كبيرة في الفقه على طريقة أهل الحديث، حيث توَّج كل حديثٍ بعنوانٍ يتضمن المعنى الذي استنبطه من نص الحديث الذي يدرجه تحته، ثم يعقب على كثير من الأحاديث بتعليقات نفيسة، بعضها في الكلام على الرجال وبعضها تفسير دقيق للمعنى، وبعضها في رفع الإشكال المتوهم في الخبر، أو التعارض بين خبر وآخر، وغير ذلك من النفائس والطرائف. ثناء العلماء على صحيح ابن حبان: ١- قال الأمير علاء الدين الفارسي (ت ٧٣٩ هـ) الذي رتب صحيح ابن حبان على أبواب الفقه: "إنه من أجمع المصنفات في الأخبار النبوية، وأنفع المؤلفات في الآثار المحمدية". ٣ ٢- وقال السخاوي: "قال الحازمى: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وقال ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة، وهما خيرٌ من "المستدرك" بكثير وأنظف أسانيداً ومتوناً". ٤

стр. 163

٣- وقال الشيخ أحمد بن محمد بن شاكر - في مقدمة الجزء الذي حققه من صحيح ابن حبان -: "صحيح ابن حبان كتاب نفيس جليل القدر، وعظيم الفائدة، حرره مؤلفه أدق تحرير، وجوَّده أحسن تجويد، وحقق أسانيده ورجاله، وعلل ما احتاج إلى تعليل من نصوص الأحاديث وأسانيدها، وتوثق من صحة كل حديث اختاره على شرطه، وما أظنه أخلَّ بشيء مما التزم إلا ما يخطيء فيه البشر وما لا يخلو منه محقق". آراء العلماء في منهج ابن حبان في الصحيح: ١- قال أبو عمرو بن الصلاح - عن مستدرك الحاكم -: "وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به، ويقاربه في حكمه صحيح ابن حبان البستي رحمهما الله جميعاً. ١ ٢- وقال الحافظ السخاوي: "قوله – أي العراقي -: "يدانى الحاكم أي يقاربه في التساهل، وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضاً لأنه غير متقيد بالمعدَّلين، بل ربما يخرج للمجهولين، لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح مع أن شيخنا - ابن حجر - قد نازع في نسبته للتساهل إلا من هذه الحيثية". ٢ ٣- وقال الحافظ ابن حجر: "حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علةٌ قادحةٌ". ٣ ٤- وقال السيوطي: "قيل: وما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح، فإن غايته أنه يسمى الحسن صحيحاً، فإن كانت نسبته إلى

стр. 164

التساهل باعتبار وجدان الحسن في كتابه، فهى مشاحَّة في الإصطلاح، وإن كانت في اعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس، سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرحٌ ولا تعديلٌ وكان كلٌّ من شيخه والراوي عنه ثقة. وفي كتابه "الثقات" كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف حاله، ولا اعتراض عليه فإنه لا مشاحَّة في ذلك". ١ عناية العلماء بصحيح ابن حبان: لم أقف على من اعتنى بصحيح ابن حبان قبل القرن الثامن فيما أعلم، ولعل عسر ترتيب الكتاب وصعوبة الكشف فيه كان سبباً رئيساً في هجر العلماء له، والله تعالى أعلم. ١- وأول من علمته أنه اعتنى بابن حبان هو الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت ٧٣٩ هـ) – ﵀ – حيث قام بترتيبه على الكتب والأبواب، ليسهل على طلبة العلم الانتفاع به، فجزاه الله عن العلم وأهله خيراً. ٢- ترجم لرجال ابن حبان في صحيحه الحافظ أبو يعلى سراج الدين عمر بن على بن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه "إكمال تهذيب الكمال" حيث ذيل على كتاب المزِّيِّ برجال ستة كتب منها "صحيح ابن حبان"، وقد سبق ذكر هذه الستة في الكلام عن "صحيح ابن

стр. 165

خزيمة" فراجعه هناك. ٣- قام الحافظ أبو بكر نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) بإخراج زوائد "صحيح ابن حبان" على الصحيحين في كتاب سمَّاه "موارد الظمآن إلى زوائد صحيح ابن حبان" وهو مطبوع. ٤- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" الذي مر ذكره عند الكلام عن عناية العلماء ب "صحيح ابن خزيمة".

стр. 166

٣- المستدرك لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري: المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الحافظ الناقد، المعروف بابن البيع الحاكم النيسابوري صاحب التصانيف، ولد سنة (٣٢١ هـ) ، وتوفي سنة (٤٠٥ هـ) . تسمية كتابه: المستدرك على الصحيحين. شرط المؤلف ومنهجه في كتابه: قال ﵀ في مقدمته: "وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن حجاج بمثلها - إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له - فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما"، ثم قال: "وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان رضى الله عنهما، أو أحدهما". ١ وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: "واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين، وقد أخرجا عن رواته في كتابيهما أو على شرط البخاري وحده، أو شرط مسلم وحده، أو ما أدى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرط واحد منهما". ٢

стр. 167

آراء العلماء في المستدرك ومنهج الحاكم فيه: قال ابن الصلاح: "وهو – أي الحاكم - متساهل في التصحيح، واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهلٌ في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول: ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علَّة توجب ضعفه". ١ وقال الحافظ زين الدين العراقى - تعليقاً على كلام ابن الصلاح -: "قوله: وقد اعتنى الحاكم..إلى آخره فيه أمران: أحدهما: أن قوله: أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين ليس كذلك، فقد أودعه أحاديث في الصحيح وهماً منه في ذلك، وهى كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: لا تكتبوا عني سوى القرآن الحديث، رواه الحاكم في مناقب أبي سعيد الخدري، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب الزهد وقد بيَّن الحافظ الذهبي في "مختصر المستدرك" كثيراً من الأحاديث التي أخرجها في "المستدرك" وهي في الصحيح. الثاني: أن قوله: مما رواه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، فيه بيان أن ما هو على شرطهما هو ما أخرجا عن رواته في كتابيهما، ولم يرد الحاكم ذلك فقوله بمثلها أي بمثل رواتها لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وفيه نظر". ٢

стр. 168

قال الحافظ ابن حجر - معلقاً على شيخه العراقي -: "لكن تصرف الحاكم يقوي أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما شيخنا - رحمه الله تعالى - فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا - أو أحدهما - لرواته قال: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الاسناد حسب، يوضح ذلك قوله - في باب التوبة - لما أورد حديث أبي عثمان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي، ولو كان هو النهدي لحكمت بالحديث على شرط الشيخين. فدل هذا على أنه إذا لم يُخْرِّجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما وإن كان الحاكم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان فيصحِّح على شرطهما بعض مالم يخرجا لبعض رواته، فيحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض، والله أعلم". ١ آراء العلماء في أحاديث المستدرك: ١- قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: "عن المظفر بن حمزة قال: سمعت أبا سعد الماليني يقول: طالعت كتاب "المستدرك" على الشيخين الذي صنَّفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أر فيه حديثاً على شرطهما". ٢

стр. 169

٢- قال الذهبي - تعليقاً على كلام الماليني: "هذه مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في "المستدرك" شيءٌ كثير على شرطهما، وشيءٌ كثيرٌ على شرط أحدهما، بل لعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها عللٌ خفيَّةٌ مؤثِّرةٌ، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيِّد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب كنت قد أفردت منها جزءاً، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته، ويعوزه عملاً وتحريراً". ١ ٣- وقال الحافظ ابن حجر - تعقيباً على كلام الذهبي -: "وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين، فنقول: ينقسم المستدرك أقساماً، كل قسم منها يمكن تقسيمه: القسم الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجاً برواته في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع سالماً من العلل. واحترزنا بقولنا: على صورة الإجتماع، عما احتجا برواته على صورة الإنفراد، كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما على الإنفراد، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهرى؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه. وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج

стр. 170

بآخر منه، كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلاً عن سماك ابن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ فإن مسلماً احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما، حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره. واحترزتُ بقولي: أن يكون سالما من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا أن فيه من وُصِف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذلك لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط، فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه، أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه بأنه على شرطهما وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه، إلا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو شرط أحدهما. ولا يوجد حديث في "المستدرك" بهذه الشروط لم يخرجا له نظيراً أو أصلاً إلا القليل كما قدمناه، نعم فيه جملة مستكثرة بهذه الشروط لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما، استدركها الحاكم واهماً في

стр. 171

ذلك ظاناً أنهما لم يخرجاها. ١ القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعليق أو مقروناً بغيره، ويلتحق بذلك ما إذا أخرجا لرجلٍ وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مالم يتفرد به، فلا يحسن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرَّج بعضها إلا بعد أن تبيَّن أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما. وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" باباً مستقلاً ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم أنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك" زاعماً أنها على شرطهما، ولا شك في نزول أحاديثهم عن درجة الصحيح بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن. والحاكم وإن كان لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحاً تبعاً لمشايخه كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان، فإنما يناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما، وهذا القسم هو عمدة الكتاب.

стр. 172

القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرحا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خَلْقٍ ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما، ربما ادعى ذلك على سبيل الوهم، وكثير منها يعلق القول بصحَّتها على سلامتها من بعض رواتها، كالحديث الذى أخرجه من طريق الليث، عن إسحاق بن بزرج - بالموحدة بعدها زاي ثم راء فجيم - عن الحسن بن علي (في التزين للعيد) قال في إثره: لولا جهالة إسحاق لحكمت بصحته، وكثيراً منها لا يتعرض للكلام عليه أصلاً، من هنا دخلت الآفة كثيراً فيما صححه، وقلَّ أن تجد في هذا القسم حديثاً يلتحق بدرجة الصحيح فضلاً عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين، والله أعلم". ١ اعتذار العلماء عن الحاكم في تساهله وغفلته: قال الحافظ ابن حجر: "إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سوَّد الكتاب لينقِّحه، فعاجلته المنيَّة ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه"، قال: "وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من "المستدرك": إلى هنا انتهى إملاء الحاكم"، قال: "وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة، والتساهل في القدر المملى

стр. 173

قليلٌ بالنسبة لما بعده". ١ وقال طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي: "ويقال: إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد اعترته غفلة، وكان ميلاده في سنة (٣٢١ هـ) ووفاته في سنة (٤٠٥ هـ) فيكون عمره أربعاً وثمانين سنة". ٢ عناية العلماء بمستدرك الحاكم: ١- اعتنى به العلماء رواية وسماعاً كغيره من كتب الحديث المسندة، كذلك اعتنو بدراسة منهجه فيه. ٢- لخصه الإمام أبوعبد الله الذهبي في كتابه "تلخيص المستدرك" مع تعقبه في أحكامه على الأحاديث. ٣- ألَّف أبو عبد الله الذهبي أيضاً جزءاً في الأحاديث المناكير والواهيات والموضوعات التي في "المستدرك". ٤- ترجم لرجاله الحافظ سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن ضمن كتابه "إكمال تهذيب الكمال". ٥- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة". ٦- وللحافظ ابن الملقن تلخيصٌ للمستدرك، طبع في سبع مجلدات.

стр. 174

٤- شرح مشكل الآثار ١ لأبي جعفر الطحاوي: المؤلف: الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة ابن سلمة الأزدى المصري الطحاوي، صاحب التصانيف الكثيرة، ولد سنة (٢٣٩ هـ) وتوفي ﵀ سنة (٣٢١ هـ) . ٢ موضوع الكتاب وسبب تأليفه: أوضح ذلك المؤلف في مقدمته ﵀ فقال: "وإني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها والعلم بها عن أكثر الناس فمال قلبي إلى تأملها وتبيين ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبواباً أذكر في كل باب منها ما يهب الله لي من ذلك، حتى أبيِّن ما قدرت عليه منها، كذلك ملتمساً ثواب الله عليها، والله أسأله التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم، وهو حسبي ونعم الوكيل". ٣

стр. 175

منهج الطحاوي في كتابه: لم يرتِّب المؤلف ﵀ كتابه على طريقة معينة، بل يورد الأبواب كما اتفقت له، فنجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الكتاب إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام. والطريقة التي اتبعها المؤلف في كتابه هذا هي أنه يدرج تحت كل باب حديثين ظاهرهما التعارض مما يتضمنهما العنوان الذي وضعه لهما، فيورد أسانيدهما ويسرد طرقهما وألفاظهما، ثم يبسط القول في مواضع الخلاف فيهما، ثم يتناولهما بالشرح والبيان والتحليل حتى تأتلف معانيهما وينتفى عنهما الاختلاف ويزول التعارض، وقد اشترط في التوفيق بين الحدثين المتعارضين أن يكون كل منهما في مرتبة واحدة من الصحة والسلامة، فإذا كان أحدهما ضعيفاً اطَّرحه وأخذ بالقوي، لأن القوي لا يؤثر فيه معارضة الضعيف. أما إذا كانا في مرتبة واحدة من الصحة والسلامة، فهو لا يألوا جهداً في البحث عن معنى يوفق بينهما ويزيل تعارضهما، وإذا تضادَّا ولا سبيل إلى الجمع بينهما؛ فإن علم تاريخ كل واحد منهما حكم على المتقدم بالنسخ وصار إلى الناسخ المتأخر، وإذا جهل تاريخهما، فإنه يلجأ إلى ترجيح أحدهما بما يٌعتَدُّ به من وجوه الترجيح وهي كثيرة، بسطها المؤلف في أكثر من موضع في كتابه هذا. ١

стр. 176

عناية العلماء بهذا الكتاب: ١- اختصره الحافظ الفقيه القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٧٤ هـ) الأندلسي اختصاراً بديعاً ضمَّ كل ما فيه إلى نوعه، وألحق كل شكل منه بشكله، ورتبه ترتيباً حسناً، حذف الأسانيد واختصر الطرق واختصر بعض ألفاظ المصنِّف التي عقب بها على الأحاديث من غير أن يخلَّ بشيءٍ من معانيه وفقهه ليسهل على طالب العلم حفظه وييسر عليه فهمه وفقهه. ٢- وقد اختصر هذا المختصر القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي وسمَّاه: "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار". ١

стр. 177

٥- المعجم الكبير للطبراني: ١ المؤلف: أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، المولود سنة (٢٦٠ هـ) والمتوفى سنة (٣٦٠ هـ) صاحب المصنفات الكثيرة المشهورة. ٢ موضوع الكتاب: جمع عدد ما انتهى إلى المؤلف ﵀ ممن روى عن رسول الله ﷺ من الرجال والنساء مع التخريج عن كل واحد منهم حديثاً أو حديثين أو ثلاثة أو أكثر حسب كثرة رواياتهم وقلَّتها ومن كان من المقلِّين خرج جميع حديثه. ٣ منهج الإمام الطبراني في المعجم الكبير: رتبه المؤلف ﵀ على مسانيد الصحابة مرتباً أسماءهم على حروف المعجم (أب ت ث) إلا أنه بدأه بالعشرة المبشَّرين بالجنة، وعلَّل ذلك بقوله: "لئلا يتقدمهم أحدٌ غيرهم" ثم قال: "وسنخرج مسندهم بالاستقصاء على ترتيب القبائل بعون الله وقوته". ويرتب أبناء كل قبيلة على حروف المعجم (أب ت ث) . ٤

стр. 178

ثم يخرج عن كل واحد حديثاً أو حديثين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك على حسب كثرة روايتهم وقلَّتها، ومن كان من المقلِّين خرج جميع حديثه. عدد أحاديث المعجم الكبير: ذكر حاجى خليفة أن أحاديث "المعجم الكبير" للطبرانى يبلغ عددها خمسة وعشرين ألف حديث. ١ والمطبوع من "المعجم" بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي بلغ عدد أحاديثه (٢١٥٤٧ حديثاً) حسب ترقيم المحقق وهو ناقص حيث سقط من أصل مخطوطته الأجزاء من ١٣ إلى ١٦ وكذلك الجزء الحادي والعشرين، والله تعالى أعلم. ونص الامامان أبو عبد الله الذهبي وأبو الفداء ابن كثير على أن الطبراني لم يخرج مسند أبي هريرة في "المعجم الكبير" ولعله أفرده بمصنفٍ مستقلٍ والعلم عند الله. ٢ عناية العلماء بالمعجم الكبير: جمع الحافظ أبو بكر الهيثمي - بإشارة من شيخه العراقي - زوائد "المعجم" على الكتب الستة في كتاب سمَّاه: "البدر المنير في زواثد المعجم الكبير"، ثم حذف أسانيده وضمه إلى زوائد المعجمين الصغير

стр. 179

والأوسط ومسانيد أحمد، والبزار، والموصلي، وجمعها في كتابه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"، وذلك بإشارة أيضاً من شيخه العراقي. ٦- كتاب السنن للإمام الدارقطني: المؤلف: هو أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الشهير بالدارقطني، الإمام الحافظ الناقد، صاحب العلل والتصانيف الغزيرة، ولد سنة (٣٠٦ هـ) وتوفي سنة (هـ٣٨ هـ) . ١ موضوع كتاب السنن للدارقطنى: جمع أحاديث السنن والأحكام مرتبة على أبواب الفقه مع بيان حالها من الصحة والضعف. وقد أثنى على موضوعه الخطيب البغدادي فقال: "وكتابه "السنن" يدل على معرفته التامة بمذاهب الفقهاء وعنايته بالفقه، لأنه لا يقدر على جمع ما تضمنه ذلك الكتاب إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام". ٢ منهج الدارقطني في كتاب السنن: ١- رتبه على أبواب الفقه حيث بدأه بكتاب الطهارة ثم

стр. 180

الصلاة وهكذا على منوال كتب السنن. ٢- أورد حديث كل باب بأسانيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلموغالباً يورد الحديث بأكثر من طريق. ٣- يعقب على كل حديث يورده – غالباً - ببيان ما فيه من العلل سنداً ومتناً ولذلك امتلأ كتابه بآرائه في جرح وتعديل الرجال. ٤- اشتمل كتابه على الصحيح والحسن والضعيف، وقَلَّ أن يورد فيه الموضوع. ٥- كثيراً ما يورد الأحاديث أو الروايات التي ظاهرها التعارض ثم يرجح بينهما. ١ عناية العلماء بسنن الدارقطنى: أ- ترجم لرجاله الحافظ سراج الدين ابن الملقن ضمن كتابه "إكمال تهذيب الكمال". ب- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكروة من أطراف العشرة". ج- شرحه وعلق عليه الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق
следующие страницы →