عناية العلماء بهذا الكتاب:
١- اختصره الحافظ الفقيه القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٧٤ هـ) الأندلسي اختصاراً بديعاً ضمَّ كل ما فيه إلى نوعه، وألحق كل شكل منه بشكله، ورتبه ترتيباً حسناً، حذف الأسانيد واختصر الطرق واختصر بعض ألفاظ المصنِّف التي عقب بها على الأحاديث من غير أن يخلَّ بشيءٍ من معانيه وفقهه ليسهل على طالب العلم حفظه وييسر عليه فهمه وفقهه.
٢- وقد اختصر هذا المختصر القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي وسمَّاه: "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار". ١
стр. 177
٥- المعجم الكبير للطبراني: ١
المؤلف:
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، المولود سنة (٢٦٠ هـ) والمتوفى سنة (٣٦٠ هـ) صاحب المصنفات الكثيرة المشهورة. ٢
موضوع الكتاب:
جمع عدد ما انتهى إلى المؤلف ﵀ ممن روى عن رسول الله ﷺ من الرجال والنساء مع التخريج عن كل واحد منهم حديثاً أو حديثين أو ثلاثة أو أكثر حسب كثرة رواياتهم وقلَّتها ومن كان من المقلِّين خرج جميع حديثه. ٣
منهج الإمام الطبراني في المعجم الكبير:
رتبه المؤلف ﵀ على مسانيد الصحابة مرتباً أسماءهم على حروف المعجم (أب ت ث) إلا أنه بدأه بالعشرة المبشَّرين بالجنة، وعلَّل ذلك بقوله: "لئلا يتقدمهم أحدٌ غيرهم" ثم قال: "وسنخرج مسندهم بالاستقصاء على ترتيب القبائل بعون الله وقوته".
ويرتب أبناء كل قبيلة على حروف المعجم (أب ت ث) . ٤
стр. 178
ثم يخرج عن كل واحد حديثاً أو حديثين أو ثلاثة أو أكثر من
ذلك على حسب كثرة روايتهم وقلَّتها، ومن كان من المقلِّين خرج جميع حديثه.
عدد أحاديث المعجم الكبير:
ذكر حاجى خليفة أن أحاديث "المعجم الكبير" للطبرانى يبلغ عددها خمسة وعشرين ألف حديث. ١
والمطبوع من "المعجم" بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي بلغ عدد أحاديثه (٢١٥٤٧ حديثاً) حسب ترقيم المحقق وهو ناقص حيث سقط من أصل مخطوطته الأجزاء من ١٣ إلى ١٦ وكذلك الجزء الحادي والعشرين، والله تعالى أعلم.
ونص الامامان أبو عبد الله الذهبي وأبو الفداء ابن كثير على أن الطبراني لم يخرج مسند أبي هريرة في "المعجم الكبير" ولعله أفرده بمصنفٍ مستقلٍ والعلم عند الله. ٢
عناية العلماء بالمعجم الكبير:
جمع الحافظ أبو بكر الهيثمي - بإشارة من شيخه العراقي - زوائد "المعجم" على الكتب الستة في كتاب سمَّاه: "البدر المنير في زواثد المعجم الكبير"، ثم حذف أسانيده وضمه إلى زوائد المعجمين الصغير
стр. 179
والأوسط ومسانيد أحمد، والبزار، والموصلي، وجمعها في كتابه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"، وذلك بإشارة أيضاً من شيخه العراقي.
٦- كتاب السنن للإمام الدارقطني:
المؤلف:
هو أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الشهير بالدارقطني، الإمام الحافظ الناقد، صاحب العلل والتصانيف الغزيرة، ولد سنة (٣٠٦ هـ) وتوفي سنة (هـ٣٨ هـ) . ١
موضوع كتاب السنن للدارقطنى:
جمع أحاديث السنن والأحكام مرتبة على أبواب الفقه مع بيان
حالها من الصحة والضعف.
وقد أثنى على موضوعه الخطيب البغدادي فقال: "وكتابه "السنن" يدل على معرفته التامة بمذاهب الفقهاء وعنايته بالفقه، لأنه لا يقدر على جمع ما تضمنه ذلك الكتاب إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام". ٢ منهج الدارقطني في كتاب السنن:
١- رتبه على أبواب الفقه حيث بدأه بكتاب الطهارة ثم
стр. 180
الصلاة وهكذا على منوال كتب السنن.
٢- أورد حديث كل باب بأسانيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلموغالباً يورد الحديث بأكثر من طريق.
٣- يعقب على كل حديث يورده – غالباً - ببيان ما فيه من العلل سنداً ومتناً ولذلك امتلأ كتابه بآرائه في جرح وتعديل الرجال.
٤- اشتمل كتابه على الصحيح والحسن والضعيف، وقَلَّ أن
يورد فيه الموضوع.
٥- كثيراً ما يورد الأحاديث أو الروايات التي ظاهرها التعارض ثم يرجح بينهما. ١
عناية العلماء بسنن الدارقطنى:
أ- ترجم لرجاله الحافظ سراج الدين ابن الملقن ضمن كتابه "إكمال تهذيب الكمال".
ب- رتبه الحافظ ابن حجر على الأطراف ضمن كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكروة من أطراف العشرة".
ج- شرحه وعلق عليه الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق
стр. 181
العظيم آبادى في كتابه "التعليق المغني على سنن الدارقطني".
٧- السنن الكبرى للحافظ البيهقي: ١
المؤلف:
الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، المولود سنة (٣٨٤ هـ) والمتوفى سنة (٤٥٨ هـ) ، صاحب المؤلفات الكثيرة. ٢
موضوع كتاب السنن الكبرى:
جمع أحاديث السنن والأحكام مرتبة على أبواب الفقه مع بيان درجتها من الصحة والضعف، ويعتبر هذا الكتاب من أهم كتب البيهقي التي تشهد ببراعته وعظيم قدره عند العلماء.
منهج البيهقي في السنن الكبرى:
١- رتبه على الأبواب الفقهية.
٢- يورد الأحاديث مسندة منه إلى رسول الله ﷺ ، وغالبها على طريقة الاستخراج على الكتب السابقة ك "الصحيحين" و "سنن أبي داود" وغيرها.
٣- يعقب على الروايات بالكلام عليها تصحيحاً وتضعيفاً مع بيان الراجح عند الاختلاف.
стр. 182
وقد قال ﵀ في مقدمة "دلائل النبوة":
"وعادتى في كتبي المصنَّفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح ليكون الناظر فيها من أهل السُّنَّة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، ولا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزاً فيما اعتمد عليه أهل السُّنَّة من الآثار". ١
عناية العلماء بالسنن الكبرى للبيهقي:
١- اختصره أبو عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في كتاب سمَّاه "المهذب" حيث حذف أسانيد الأحاديث واقتصر على ذكر من خرج الحديث، وبيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف، طبع منه مجلدان.
٢- اختصره أيضاً عبد الوهاب الشعرانى (ت ٩٧٣ هـ) وسمَّاه "المنهج المبين في بيان أدلة المجتهدين". ٢
٣- ترجم رجاله الحافظ ابن الملقن في كتابه "إكمال تهذيب الكمال".
٤- تعقبه علي بن عثمان المعروف بابن التركماني الحنفي (ت ٧٤٧ هـ) في كتابه "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" المطبوع بهامش "السنن الكبرى" للبيهقي.
стр. 183
ثانياً: كتب المستخرجات
تعريف المستخرجات:
المستخرجات جمع مستخرج، والمستخرج هو: أن يأتي المصنِّف إلى كتابٍ كالبخاري أو مسلم مثلاً، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق المؤلف فيجتمع إسناد المستخرِج - بكسر الراء - مع المؤلف في شيخه أو من فوقه. ١
قال الحافظ ابن حجر: "وشرطه ألا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سنداً يوصله إلى الأقرب إلا لعذرٍ من علوٍ أو زيادةٍ مهمةٍ". ٢
فوائد المستخرجات:
١- علو الإسناد.
٢- الزيادة في قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظ زائدة وتتمات في بعض الأحاديث. ٣
٣- كثرة طرق الحديث ليرجَّح بها عند المعارضة. ٤
٤- الحكم بعدالة من أخرج له فيه لأن المخرِّج على شرط الصحيح يلزمه ان لا يخرِّج إلا عن ثقةٍ عنده.
стр. 184
٥- بيان سماع المدلس.
٦- بيان زمن السماع من المختلط.
٧- تعيين المبهم من الرجال في الإسناد.
٨- تقييد المهمل من رجال الإسناد.
٩- تمييز المتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك في كتاب
الإمام مسلم كثيرٌ جداً.
١٠- فصل الكلام المدرج في الحديث مما ليس من الحديث.
١١- بيان ما يقع في الكتاب المستخرج عليه من الأحاديث المصرَّح برفعها وتكون في الأصل موقوفة أو كصورة الموقوف.
من أهم المستخرجات على الصحيحين مايلي ١:
١- مستخرج أبي بكر الإسماعيلي (ت ٣٧١ هـ) على صحيح البخاري.
٢- مستخرج الحافظ أبي أحمد محمد بن أحمد بن الحسن الغطريفى (ت ٣٧٧هـ) على البخاري.
стр. 185
٣- مستخرج الحافظ أبي عبد الله محمد بن العباس بن أحمد بن
محمد المعروف بابن أبي ذهل (ت ٣٧٨ هـ) على البخاري.
٤- مستخرج الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني (ت ٤١٦ هـ) على صحيح البخاري.
٥- مستخرج الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني (ت ٣١٦ هـ) على صحيح مسلم، طبع بعض أجزاء منه.
٦- مستخرج الحافظ أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ والبصرة (ت ٢٨٦ هـ) على صحيح مسلم.
٧- مستخرج أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي الحيري النيسابوري (ت ٣١١ هـ) على مسلم.
٨- مستخرج الحافظ أبي بكر محمد بن محمد بن رجاء النيسابوري –وهو يشارك مسلماً في أكثر شيوخه– (ت ٢٨٦ هـ) على مسلم.
٩- مستخرج الحافظ أبي نصر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي (ت ٣٤٤ هـ) على صحيح مسلم.
وممن له مستخرج على كل من الصحيحين على حدة في كتاب مستقل:
١- الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) .
стр. 186
٢- أبو عبد الله محمد بن يعقوب المعروف بابن الأخرم (ت ٣٤٤ هـ) .
٣- أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي الحافظ (ت ٤٣٤ هـ) .
٤- الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال (ت ٤٣٩ هـ) .
قال الخطيب: "خرج مسند أحمد على الصحيحين". ١
٥- الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن محمد الأصبهاني المعروف
بابن منجويه (ت ٤٢٨ هـ) .
ومن المستخرجات على الصحيحين كلاهما في كتاب واحد:
مستخرج أبي بكر أحمد بن عبدان بن محمد الفرج الشيرازي (ت ٣٨٨ هـ) .
стр. 187
الفصل الثاني: التدوين في القرن الخامس الهجري
أولاً: أهم المؤلفات في الجمع بين الكتب الستة جميعها أو بعضها:
سبقت الإشارة إلى أن علماء هذا القرن ابتكروا طريقة جديدة للمساهمة في خدمة السُّنَّة المطهرة في مجال تدوينها وحفظها، فكانت تلك الطريقة هى النواة الأولى للموسوعات الحديثية، وهذا الإبتكار الجديد هو الجمع بين كتب الحديث المؤلفة سابقاً مثل: الصحاح والسنن وغيرهما، ومن أهم المصنفات في هذا الموضوع ما يلي:
أولاً: الجمع بين الصحيحين:
١- الجمع بين الصحيحين للحافظ أبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقى (ت ٤٠١ هـ) ، رتَّبه على المسانيد كما ذكر ذلك الحافظ ابن الأثير. ١
٢- الجمع بين الصحيحين لإسماعيل بن أحمد المعروف بابن الفرات (ت ٤١٤ هـ) .
٣- الجمع بين الصحيحين لأبي بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقانى (ت ٥ ٤٢ هـ) .
стр. 188
٤- الجمع بين الصحيحين للإمام أبي عبد الله محمد بن نصر الحميدي الأندلسي (ت ٤٨٨هـ) ، وله زيادات عليهما في المتون والأسانيد وغيرها من الفوائد المهمة. ١
٥- الجمع بين الصحيحين للحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) .
٦- الجمع بين الصحيحين لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن ابن عبد الله الأشبيلى (ت ٥٨١ هـ) .
٧- الجمع بين الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن حسين المري الأنصاري (ت ٥٨٢ هـ) .
٨- الجمع بين الصحيحين لأبى حفص عمر بن بدر بن سعيد الموصلي (ت ٦٢٢ هـ) .
٩- الجمع بين الصحيحين تأليف أبي محمد الحسن بن محمد بن
الحسن الصغاني (ت ٦٥٠ هـ) ، وهو مطبوع باسم: "مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية".
ثانياً: الجمع بين الكتب الخمسة أو الستة:
١- التجريد للصحاح والسنن - الصحيحان والموطأ والترمذي وأبو داود والنسائي - للحافظ أبي الحسن رزين بن معاوية السرقسطي (ت ٥٣٥ هـ) .
٢- الجمع بين الكتب الستة – الصحيحان والموطأ والسنن ما
стр. 189
عدا ابن ماجه – لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأشبيلي (ت ٥٨١ هـ) .
٣- جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ لمجد الدين المبارك ابن محمد بن الأثير الجزري (ت ٦٠٦ هـ) . ١
٤- أنوار المصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح لأبي عبد الله بن عتيق بن علي التجيبي الغرناطي (ت ٦٤٦ هـ) .
стр. 190
ثانياً: دراسة موجزة لنماذج مما أُلِّف في هذا القرن
أ- شرح السُّنَّة للحافظ البغوي:
المؤلِّف:
الإمام المحدث المفسر الفقيه، محيي السُّنَّة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي المولود سنة (٤٣٦ هـ) والمتوفى سنة (٥١٦ هـ) رحمه الله تعالى.
موضوع الكتاب:
أفصح عن ذلك مؤلفه في مقدمته فقال: "أما بعد فهذا كتاب في شرح السُّنَّة يتضمن إن شاء الله كثيراً من علوم الأحاديث، وفوائد الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ من حلِّ مشكلها وتفسير غريبها، وبيان أحكامها، يترتَّب عليه من الفقه واختلاف العلماء جملٌ لا يستغني عن معرفتها المرجوع إليه في الأحكام، والمعول عليه في دين الإسلام.
ولم أودع هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما اعتمده أئمة السلف الذين هم أهل الصنعة، المسلَّم لهم الأمر من أهل عصرهم، وما أودعوه كتبهم.
فأما ما أعرضوا عنه من المقلوب والموضوع والمجهول واتفقوا على تركه فقد صُنْت الكتاب عنها، وما لم أذكر أسانيدها من
стр. 191
الأحاديث فأكثرها مسموعة، وعامتها في كتب الأئمة غير أني تركت أسانيدها حذراً من الإطالة واعتماداً على نقل الأئمة". ١
سبب تأليفه لهذا الكتاب:
أوضح ذلك - رحمه الله تعالى - في المقدمة فقال: "والمقصود
بهذا الجمع - مع وقوع الكفاية بما عملوه وحصول الغنية فيما فعلوه - الاقتداء بأفعالهم والإنتظام في سلكٍ أحد طرفيه متصلٌ بصدر النبوَّة، والدخول في غمار قومٍ جدُّوا في إقامة الدين، واجتهدوا في إحياء السُّنَّة، شغفاً بهم، وحباً لطريقتهم - وإن قصرت في العمل عن مبلغ سعيهم - طمعاً في موعود الله على لسان رسوله ﷺ أن: المرء مع من أحب ٢.
ولأني رأيت أعلام الدين عادت إلى الدروس، وغلب على أهل الزمان هوى النفوس، فلم يبق من الدين إلا الرسم، ولا من العلم إلا الاسم، حتى تصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق، والجهل بصورة العلم ٣، وظهر فيهم تحقيق قول الرسول صلى الله
стр. 192
عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذوا رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا" ١ ولما كان الأمر على ما وصفته لك، أردت أن أجدد لأمر العلم
стр. 193
ذكراً لعلَّه ينشط فيه راغب متنبِّه، أو ينبعث له واقف متثبط". ١
منهج البغوي في كتابه شرح السُّنَّة ٢:
١- رتَّب كتابه على الموضوعات على طريقة أصحاب المصنَّفات من المحدِّثين، فجمع الأحاديث المتعلقة بكل موضوع في مكان واحد.
٢- أطلق لفظة "كتاب" على العنوان العام الجامع لأبواب كثيرة من جنس واحد مثل: كتاب الصلاة، ولفظة "باب" على الأحاديث التي تدل على مسألة خاصة بعينها، وقد توخَّى الدقة في ذلك أكثر من كل من تقدمه ممن ألَّف في موضوعه، وكثيراً ما يقتبس من الإمام البخاري عنوان الباب بلفظه ونصه الوارد في "الجامع الصحيح"، انظر مثلاً: كتاب العلم: الأبواب التالية - نفس العنوان عند كل منهما -: باب فضل العلم، باب كتابة العلم، باب أثم من كذب على النبي ﷺ . وكتاب الجهاد والسير: الأبواب: باب الجهاد بإذن الأبوين، باب من احتبس فرساً في سبيل الله ، بل أنه سلك طريقة البخاري في البدء بكتاب الإيمان ثم العلم قبل غيرهما. وكثير من عناوين كتبه مقتبسة من البخاري مثل: الجهاد والسير، الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة. وغيرهما.
٣- درج المؤلف على أن يفتتح كل كتاب، وأحياناً بعض
стр. 194
الأبواب بآيات تناسب موضوعه، مذيلة بما أثر عن الصحابة والتابعين من تفسيرٍ لها وتوضيحٍ لمعانيها.
٤- ثم يسوق الأحاديث المتعلقة بالباب الذي ترجم له من دواوين السُّنَّة المعتمدة التي تلقَّاها بالسند المتصل إلى مؤلفيها، وقد التزم غالباً أن يذكر السند إلى النبي ﷺ ، ثم يذكر مخرجه إن كان في الصحيحين، أو في أحدهما فيقول: "متفق عليه" أو "أخرجه البخارى - أو - مسلم"، ومراده بذلك أنهما أخرجا أصله أو بعض لفظه، أو معناه وفي ذلك تساهل غير ضارٍّ عند أهل الفن.
٥- وإذا لم يكن الحديث عند واحد من الشيخين فكثيراً ما يتقلد قول الإمام الترمذي في التصحيح أو التضعيف، وينقل كلامه في تعليل الخبر وما قيل في سنده، وربما استقل بالحكم على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً.
٦- لا يخرج الأحاديث الضعيفة في كتابه إلا ما كان منها في باب الشواهد والمتابعات، أو لبيان معنى حديث صحيح، أو إذا لم يكن في الباب ما يغني عنه من الصحاح ولم يكن ضعفه شديداً.
٧- ثم يذكر ما يستفاد من أحاديث الباب من الفقه، وما يتعلق بعلوم الحديث، وضبط أسماء الرواة وأنسابهم، وربما ترجم لبعضهم والتوفيق بين بعض الأحاديث التي تبدو مختلفة، كذلك اعتنى بشرح الغريب.
٨- ثم يذكر اجتهادات الصحابة والتابعين، وأقوال الأئمة المجتهدين، ويحكي أدلَّة كلٍّ منهم، ويرجِّح من تلك الأقوال ما استبان
стр. 195
له صوابه، متبعاً منهج المحدثين في التعويل على الحديث الصحيح والأخذ به.
ب- مصابيح السُّنَّة للحافظ البغوي:
المؤلف: محيي السُّنَّة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي (ت سنة ٥١٦ هـ) .
موضوعه وسبب تأليفه:
قال ﵀ في المقدمة: "أما بعد، فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين، هنَّ مصابيح الدُّجى، خرجت عن مشكاة التقوى، مما أوردها الأئمة في كتبهم، جمعتها للمنقطعين إلى العبادة لتكون لهم بعد كتاب الله تعالى حظاً من السنن، وعوناً على ما فيه من الطاعة". ١
منهج البغوي في كتابه "المصابيح":
قال في مقدمته: "وتركت ذكر أسانيدها حذراً من الإطالة، واعتماداً على نقل الأئمة، وربما سمَّيت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنى دعا إليه، وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان.
أعني ب الصحاح ما أخرجه الشيخان: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن حجاج النيسابوري
стр. 196
رحمهما الله في جامعيهما أو أحدهما.
وأعني ب الحسان ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى الترمذي محمد بن عيسى، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم – ﵏ – وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة من صحة الاسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيفٍ أو غريبٍ أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكراً أو موضوعاً"١
آراء العلماء في منهج البغوي في كتاب "المصابيح":
قال أبو عمرو ابن الصلاح: "وما صار إليه صاحب المصابيح ﵀ من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصحاح والحسان فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، وهذه الكتب - يعني السنن - تشمل على حسن وغير حسن، والله أعلم". ٢
وقد تابع ابن الصلاح على انتقاده الإمام النووي في تقريبه ٣.
٢- استخرج أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني – ﵀ – (ت.٧٥ هـ) ثمانية عشر حديثاً من كتاب المصابيح وقال: "إنها
стр. 197
موضوعة". ١
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذه الانتقادات:
أ- قال في "النكت" ٢: "في الجواب عن انتقاد ابن الصلاح وقد تعقب العلامة تاج الدين التبريزي في "مختصره" هذا الكلام فقال: "ليس من العادة المشاحة في الاصطلاح والتخطئة عليه مع نص الجمهور على أن من اصطلح في أول الكتاب فليس ببعيد عن الصواب، والبغوي قد نصَّ في ابتداء كتابه "المصابيح" بهذه العبارة: "وأعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان" إلى آخر كلامه، ثم قال: "وما كان من ضعيف أو غريب أشرت إليه" إلى آخره، ولم يذكر قط أن مراد الأئمة بالصحاح كذا وبالحسان كذا، قال: "ومع هذا فلا يعرف لتخطئة الشيخين – يعني ابن الصلاح والنووي - إياه وجهٌ".قلت - ابن حجر -: "ومما يشهد لصحة كونه أراد بقوله: الحسان اصطلاحاً خاصاً له أنه يقول في مواضع من قسم الحسان: "هذا صحيح" تارة، و "هذا ضعيف" تارة بحسب ما يظهر له من ذلك".
ب- وتولى أيضاً الحافظ ابن حجر الرد على الأحاديث التي انتقدها أبو حفص القزويني على كتاب "المصابيح"، وأجاب عنها حديثاً حديثاً، وقد أجاد وأفاد ﵀. ٣
стр. 198
عناية العلماء بمصابيح السُّنَّة:
تقبل الناس هذا الكتاب بالقبول الحسن، فعكفوا عليه رواية ونسخاً وقراءةً وحفظاً، ثم ألَّفوا حوله الشروح والمختصرات والتخريجات، وقد ذكر حاجى خليفة وبروكلمان أكثر من اثنين وأربعين شرحاً ومختصراً وتخريجاً لهذا الكتاب ١، إلا أن "مشكاة المصابيح" لأبى عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي (ت بعد سنة ٧٤٠ هـ) ٢ فاق جميع الشروح والتخريجات الأخرى، ولذلك عكف الناس عليه، وشرحوه واختصروه وخدموه، إذ أُلِّف عليه تسعة شروح ومختصرات.
ج - جامع الأصول في أحاديث الرسول للحافظ ابن الأثير ٣
المؤلف:
هو الإمام الحافظ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري المولود سنة (٥٤٤ هـ) والمتوفى (٦٠٦ هـ) صاحب التصانيف المشهورة. ٤
موضوع الكتاب:
جمع المؤلف ﵀ في هذا الكتاب أحاديث الكتب الستة -
стр. 199
الصحيحين والموطأ وسنن أبي داود والترمذى والنسائي - وأعاد ترتيبها وفق المعاني التي تضمنتها تلك الأحاديث ليسهل على طالب العلم الوقوف على الحديث الذي يريده، والمعنى الذي يدل عليه.
قال ﵀ في الفصل الرابع من الباب الأول: "ورأيت كتاب رزين بن معاوية السرقسطي هو أكبرها - كتب الجمع بين الكتب الستة - وأعمها حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث. فحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح، واعتني بأمره ولو بقراءته ونسخه فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبوابٍ غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة وترك أكثر منها فناجتني نفسي أن أهذِّب كتابه، وأرتِّب أبوابه، وأوطىء مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى وغير ذلك مما يزيده إيضاحاً وبياناً".
منهجه وطريقة ترتيبه:
بين ذلك مفصلاً ﵀ في الباب الثاني من مقدمة كتابه ١، ويمكن إيجازه في النقاط التالية:
١- حذف الأسانيد ولم يثبت إلا اسم الصحابي إن كان الحديث مرفوعاً، أو اسم الراوى عن الصحابي إن كان الحديث موقوفاً، وقد أفرد لأسماء هؤلاء وتراجمهم باباً في آخر الكتاب ورتبهم على حروف المعجم.
стр. 200
أما المتون فإنه لم يثبت منها إلا ما كان حديثاً عن رسول الله ﷺ ، أو أثراً عن الصحابى، وما كان من أقوال التابعين ومن بعدهم فلم يذكره إلا نادراً.
وقد أثبت أيضاً ما وجد من الزيادات من المتون في كتابي الحميدي "الجمع بين الصحيحين"، ورزين بن معاوية "الجمع بين الكتب الستة".
٢- بنى ترتيب الأبواب على المعاني التي دلت عليها الأحاديث فكل حديث انفرد بمعنى أثبته في باب يخصه، فإن اشتمل الحديث على أكثر من معنى واحد فلا يخلو: أن يكون اشتماله على ذلك اشتمالاً واحداً، أو أحد المعاني فيه أغلب من الآخر، فإن كان اشتماله عليه اشتمالاً واحداً أورده في آخر الكتاب في كتاب سماه: "كتاب اللواحق" وقسمه إلى أبواب عدة، يتضمن كل باب منها أحاديث تشتمل على معاني من جنس واحد، أما ما كان مشتملاً على أكثر من معنى واحد إلا أنه بأحدها أخص وهو فيه أغلب، فإنه يثبته في الباب الذي هو أخص به وأغلب عليه، وقد قصد فيه غالباً أن يكون في باب المعنى الذي هو في أول الحديث.
٣- ثم قسم كل كتاب إلى أبواب وفصول وأنواع، وأحياناً إلى فروع وأقسام – أيضاً - بحسب ما اقتضته القسمة التي أوردها في كتابه، وكان الموجب لهذا التقسيم اختلاف معاني الأحاديث التي تختص بكل كتاب، فإن منها ما يتعلق بوجوبه، ومنها ما يتعلق بأركانه وحقيقته، ومنها ما يتعلق بالحث عليه والترغيب فيه، ومنها ما يتعلق
стр. 201
بفضله وشرفه.
٤- جمع ما جاء من الأحاديث في فضائل جميع الكتب المودعة في كتابه، وما جاء في فضائل الأنبياء والصحابة وغيرهم فجعله كتاباً واحداً سمَّاه: "كتاب الفضائل والمناقب" وأودعه أيضاً كل حديث يتضمن فضل شيءٍ من الأعمال والأقوال والأحوال والرجال.
٥- قال ﵀: " ... فخرجت أسماء الكتب المودعة في الكتاب وجعلتها مرتبة على حروف أب ت ث طلباً لتسهيل كلفة الطلب، وتقريباً على المريد بلوغ الأرب، ولم أضبط في وضعها الحرف الأصلي من الكلمة فحسب، وإنما لزمت الحرف الذي هو أول الكلمة، سواء كان أصلياً أو زائداً، ولم أحذف من الكلمة إلا الألف واللام التي للتعريف حسب، فأودعت كتاب: الإيمان، والإسلام، وكتاب الإيلاء، وكتاب الآنية في حرف الهمزة، وهذا حرف أصلي ووضعت فيه كتاب الإعتصام، وكتاب إحياء الموات، وهذا حرف زائد؛ فإن الإعتصام حقه أن يكون في حرف العين، وإحياء الموات في حرف الحاء، وكذلك جميع الكتب على هذا الوضع، ولم أقصد به إلا طلب الأسهل، فإن كتب الحديث يشتغل بها الخاص والعام، والعالم بتصريف اللفظ والجاهل به.
ثم وجدت في الأبواب أبواباً عدة، هى من جملة الكتب التي انقسم الكتاب إليها، وإذا ذكرتها في الحرف الذي يختص بها أكون قد أفردت أحد أحكام ذلك الكتاب عنه، وفرقتها ووضعته في غير
стр. 202
موضعه الأولى به مثال ذلك: أن كتاب الجهاد هو في حرف الجيم، وفي جملة أحكام الجهاد أبواب عدة لا يجوز أن تنفرد عنه، مثل: الغنائم، الغلول، والنفل، والخمس، والشهادة، وكل وا حد منها يختص بحرف غير حرف الجيم فإن ذكرته في حرفه تقسم كتاب الجهاد، وعدلت في واجب الوضع فذكرت هذه الأبواب في جملة كتاب الجهاد في حرف الجيم، ثم عمدت إلى آخر كل حرف من تلك الحروف التي تختص بهذه الأبواب فذكرت فيه فصلاً ليستدل به على مواضع هذه الأبواب من الكتاب، فذكرت في آخر حرف الغين أن الغنائم والغلول في كتاب الجهاد من حرف الجيم، وفي آخر حرف الفاء أن الفىء في كتاب الجهاد من حرف الجيم، وكذلك تتبعت جميع الحروف وفعلت بها هذا الفعل".
٦- أثبت المؤلف اسم راوي كل حديثٍ أو أثرٍ على هامش الكتاب حذاء أول الحديث وذلك لفائدتين:
أحداهما: أن يكون الاسم مفرداً يدركه الناظر في أول نظرة، ويعرف بها أول الحديث.
والثانية: لأجل إثبات العلايم التي رقمها المؤلف بالهمزة على الاسم. وذلك أنه رقَّم على اسم كل راوي علامة من أخرج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الستة التي علم لها ب "خ" البخاري، "م" لمسلم، "ط" لموطأ مالك، "ت" للترمذي، "د" لأبي داود،
стр. 203
"س" للنسائي، فإذا كان الحديث قد أخرجه جماعتهم أثبت – ﵀ – قبل اسم الراوي العلايم الست، وإن كان قد أخرجه بعضهم أثبت عليه علامة من أخرجه.
والأحاديث التي وجدها في كتاب رزين بن معاوية وليست في الأصول الستة أثبتها ولم يثبت عليها علامة.
٧- اعتنى ﵀ بشرح غريب كل حديث، لكنه خوفاً من الإطالة بالتكرار أو كثرة الإحالات إن هو جعل غريب كل حديث أو فصل أو باب عقيبه، خوفاً من ذلك جمع غريب كتب كل حرف في آخر ذلك الحرف، فمثلاً غريب أحاديث الكتب المذكورة في حرف الألف جمعه في آخر حرف الألف وهكذا ١، ولم ير المؤلف أن ينفرد الغريب في كتاب مستقل كما فعل الحميدي، خشية أن يهمل عند الاستنساخ فلا يستفاد منه، وقد عول ﵀ على كتب أئمة اللغة ك "تهذيب اللغة" للأزهري و "الصحاح" للجوهري، وكتب غريب الحديث ك "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام وغيره.
٨- بعد أن استقر وضع الحديث في الأبواب، والكتب والحروف رأى المؤلف أن هناك أحاديث قد تختلف الأنظار في المكان المناسب لوضعها فيه، وإن كان الموضع الذي وضعها فيه يرى هو أنه أولى بها من غيره، وخوفاً من التباس مكانها لنوع اشتباه في معانيها،
стр. 204
واختلاف وجهات النظر في المكان الأولى بها، وخوفاً من الكلفة على الطالب والمشقة في البحث عن مكانها، خرج المؤلف – ﵀ – منها كلمات ومعاني تعرف بها تلك الأحاديث وأفرد لها باباً في آخر الكتاب أثبت فيه تلك الكلمات مرتبة على حروف المعجم (أب ت ث) ، ويضع الكلمة أو المعنى بالهامش وبإزائها ذكر موضعها من أبواب الكتاب، فإذا طلب الباحث حديثاً فيه نوع اشتباه وغاب عنه موضعه؛ فما عليه إلا أن يختار لفظة أو معنى مشهوراً في ذلك الحديث ثم يعمد إلى ذلك الباب في آخر الكتاب ليطلبها فيه. ١
стр. 205
الباب الخامس: اتجاه تدوين السنة بعد القرن الخامس إلى نهاية القرن التاسع
تعريف موجز بأحوال المسلمين في تلك القرون الأربعة
...
الباب الخامس: اتجاه تدوين السُّنَّة بعد القرن الخامس إلى نهاية القرن التاسع.
في هذا الوقت الممتد عبر أربعة قرون تقريباً، مرت على المسلمين فيه محن وبلايا يشيب لهولها الولدان، ومن هذه المحن:
١- استمرار الانحطاط العلمي والجمود الفكري الذي بدأ - كما أشرت سابقاً - من أوائل القرن الخامس الهجري تقريباً.
٢- استمرار الحملات الصليبية على ديار المسلمين، إذ بعد هزيمتهم في معركة حطين سنة (٥٨٣ هـ) وطردهم من بيت المقدس على يد القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي – مؤسس الدولة الأيوبية في مصر والشام – ﵀ – استمر لهؤلاء الصليبين وجود – أيضاً – في بعض مدن الشام قرابة قرن من الزمن بعد هزيمتهم في حطين، حيث كانت آخر معركة مع الصليبين في آخر معقل لفلولهم، معركة عكا سنة (٦٩٠ هـ) كما ذكر ذلك الحافظ الذهبي في حوادث تلك السنة من كتابه "تاريخ الاسلام"، وذكر ﵀ أنه حضرها بنفسه وسنه يومئذ سبع عشرة سنة، وأنها كانت على أيدي العلماء من الفقهاء والمحدثين والمطوِّعة، حيث كانوا يجرون المنجنيق بأيديهم وهم يرتلون آيات الجهاد ويضرعون بالدعاء.
٣- ومنها تلك المحنة العظيمة والرَّزيَّة الأليمة التي نزلت بالمسلمين
стр. 206
على أيدي التتار الوثنيين حيث بلغت ذروتها بسقوط بغداد على أيديهم سنة (٦٥٦ هـ) ١، واستمرت معاركهم الضارية ضد المسلمين حتى كسرهم الله على يد المسلمين مرتين: الأولى على يد الملك المظفر قطز في معركة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) ٢، والثانية على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته في موقعة شقحب قرب مدينة دمشق سنة (٧٠٢هـ) ٣، وبعد هذه الموقعة لم يعد للتتار ذكر - فيما أعلم - حيث تفرقوا ودخل كثير منهم الإسلام.
٤- ومنها استمرار تسلط أصحاب البدع والأهواء على رقاب المسلمين وتحكمهم فيها، وقد بدأ ذلك من منتصف القرن الرابع الهجرى تقريباً بتسلط البويهيين الروافض على الخلافة في بغداد واستيلاء العبيديين الباطنيين على شمال أفريقيا ومصر والشام، وقبل ذلك تسلط على المسلمين القرامطة الملحدون في البحرين وبعض أجزاء من العراق والشام.
وانتهى باستحواذ الوزير الرافضي ابن العلقمي وصاحبه نصير الكفر الطوسي على الخليفة العباسي في بغداد، ولم يزل ابن العلقمي يزين للخليفة تسريح أفراد الجيش النظامي الذى كان عدده يزيد على ثلاثمائة ألف فأصبح لا يزيد عن عشرة آلاف شخص عند هجوم التتار
стр. 207
على بغداد ١.
٥- ومنها تلك الفتن والقلاقل الداخلية بين بعض ولاة المسلمين وأمرائهم، حيث كان كل أمير مدينة أو ناحية يغير على من حوله من الولايات أو الإمارات الصغيرة وقد كثرت في ديار المسلمين هذه الولايات الصغيرة المتناحرة وخاصة في بلاد الشام وشمال العراق فضلاً عما اشتهر في الأندلس من دويلات الطوائف وما بعدها من الدويلات الصغيرة والمتناحرة.
هذه من أشهر المحن والرزايا التي ابتلي بها المسلمون خلال هذه القرون المتأخرة، إلا أنه كان مما يخفف من حدتها ظهور تلك المصاولة والمجاولة من فينة لأخرى بين المسلمين وأعدائهم وذلك على أيدي الأئمة والعلماء من أهل السُّنَّة والجماعة ومن الأمثلة على ذلك:
أولاً: ما قام به العلماء من أهل السُّنَّة والجماعة من جهود لمقاومة ذلك الانحطاط العلمي والجمود الفكري من أمثال: الحافظ أبو بكر البيهقي، والخطيب البغدادي، ومحمد بن طاهر المعروف بابن القيسرانى، ومحي السُّنَّة البغوي، ثم أبو بكر الحازمي، وأبو موسى المديني، ومحمد بن طاهر السِّلفي، والحافظ ابن الجوزي وغيرهم من علماء المشرق، ومن أمثال الحافظ: ابن عبد البر، وأبو محمد بن حزم، وأبو الوليد الباجي، وأبو عبد الله الحميدي، ثم عبد الحق الأشبيلي، وأبو العباس القرطبي، والقاضي عياض، ورزين بن معاوية وغيرهم من علماء المغرب.
ثم أشرقت أنوار نهضة علمية جديدة مع بدايات القرن السابع
стр. 208
الهجري على أيدي علماء السُّنَّة من المحدثين والفقهاء من أمثال: الحافظ عبد الغني المقدسي (ت ٦٠٠هـ) ، وابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) ، والضياء المقدسى (ت ٦٤٣ هـ) ، والحافظ المنذري (ت ٦٥٦ هـ) ، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت.٦٦ هـ) وغيرهم.
ثم تُوجَت هذه النهضة العلمية بصلب عودها وبلوغ ذروتها على يد شيخ الإسلام الحافظ أبي العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) وتلامذته مثل: المزي (ت ٧٤٢ هـ) ، وابن القيم (ت ٧٥١ هـ) ، وعلم الدين البرزالي (ت ٧٣٩ هـ) ، وشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ، ثم الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ، والحافظ ابن رجب الحنبلي (ت هـ٧٩ هـ) ، ثم حمل الراية من بعدهم الحافظ العراقي (ت ٨٠٦ هـ) ومدرسته من أمثال: أبو بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) ، ثم البوصيري (ت ٨٤٠ هـ) ، والحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) وغيرهم.
فقد أحيا هؤلاء الأعلام – كل في عصره وبحسب إمكاناته – السُّنَّة، ونشروا العلم، وبصروا الأمة بواقعها الذي تعيشه، وجددوا لها ما اندرس من أمر دينها في تلك العصور التي أحلكت فيها الظلمة على الأمة، وابتعد كثير من الناس عن نور النبوة، فاحتاجوا إلى من يضيء لهم الطريق وينير السبيل.
وقد سلك العلماء بعد هذا القرن الخامس الهجري - في مجال خدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها - مسالك شتى في مصنفاتهم ويبرز
стр. 209
ذلك من خلال الأعمال التالية:-
١- العناية التامة بكتب السلف، رواية ودراسة وشرحاً وترجمة لرجالها.
٢- العناية بعلوم الحديث تأليفاً وترتيباً وتهذيباً، وفي هذا القرن كثرت كتب المصطلح المرتبة المهذبة شرحاً ونظماً.
٣- الابتكار في التصنيف والعناية بالترتيب، حيث ظهرت أنواع جديدة من المصنفات منها:
أ- إعادة ترتيب كتب السابقين سواء في المتون أو في الرجال ليسهل الانتفاع بها.
ب- كتب اعتنت بجمع أحاديث موضوعات معينة محدودة مثل: كتب الموضوعات وكتب الأحكام وغيرها.
ج- كتب اعتنت بخدمة كتب أخرى أو حوت موضوعات عامة وشاملة مثل: كتب التخريج، وكتب الزوائد وغيرها.
ثانياً: ما قام به بعض الولاة والحكام من إحياء السُّنَّة وقمع البدعة وإحياء فريضة الجهاد ضد أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين الباطنين ومن هولاء:
كمشتكين بن دانشمند (ت ٤٩٩هـ) بطل الإنتصارات الأولى على الصليبين، ثم عماد الدين زنكي (ت ٥٤٠ هـ) ، وابنه نور الدين محمود الشهيد بن زنكي (ت ٥٦٩ هـ) ، وقد كان لنور الدين هذا
стр. 210
جهود كبيرة في إحياء السُّنَّة ونشر العدل بين الناس وتقريب العلماء وتكريم الصالحين.
وكان من آثار جهوده بروز القائد صلاح الدين الأيوبي (ت ٥٨٩ هـ) الذي كسر الله على يده شوكة الصليبين في حطين وفتح على يديه بيت المقدس، كما أزال على يديه دولة الباطنيين العبيديين، ومحا مذهبهم الرافضي الباطني الذي حاولوا نشره بين المسلمين عن طريق الأزهر الذي أسسوه لهذا الغرض بعد دخولهم مصر بعد منتصف القرن الرابع الهجري.
وكذلك الملك المظفر قطز بن عبد الله (ت ٦٥٨ هـ) الذي قهر التتار في عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) وغيرهم من سلاطين الدولتين الأيوبية والمملوكية.
ثالثاً: ما كان بين أهل الحل والعقد من أهل السُّنَّة - علماء وأمراء - من تلاحم وتناصح وتواصٍ بالحق والصبر، فقد عرف الأمراء والولاة الذين كانوا ينتهجون منهج أهل السُّنَّة في تلك العصور للعلماء حقهم وحفظوا لهم مكانتهم، ومكنوهم من أداء رسالتهم إلى الأمَّة وتعليمها الهدى والخير. ١
وهذا بعكس ما يفعله الولاة والأمراء من أصحاب الأهواء والبدع من محاربة العلماء والتضييق عليهم، ومنعهم من أداء رسالتهم؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يمكن أن ينفذوا مآربهم ومآرب أسيادهم من
стр. 211
أعداء المسلمين إلا بنشر الجهل في الأمة، وتفشي الأمِّيَّة في المجتمع، وبذلك تنشأ الأمة جاهلة بدينها وبرسالتها في هذه الحياة، وغارقة في شهواتها وطلب معاشها، فتنشغل بذلك عما يدبره لها حكامها وأسيادهم.
كما عرف العلماء – أيضاً - للولاة والأمراء – بِرَّهم وفاجرهم - حقهم من السمع والطاعة والنصيحة لهم، وتبيين الحق لهم، وجمع الكلمة عليهم، وعدم جواز الخروج عليهم ما لم يفعلوا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله برهان. ١
стр. 212
الفصل الأول: كتب في موضوعات خاصة ومحدودة
أولاً:- كتب الموضوعات:
تعريفها: هي الكتب التي تجمع الأحاديث الموضوعة المكذوبة مع بيان وضعها، ومن وضعها غالباً وهي في الغالب مرتبة على الكتب والأبواب. ١
اعتنى السلف فيما اعتنوا به بيان الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله ﷺ والنهي عن روايتها وكشف أحوال الكذابين، والتحذير من الاستماع إليهم، أو الرواية عنهم، لكن هذا كله كان فيما قبل القرن الخامس منثوراً ومفرقاً في كتب الرجال والعلل وغيرها مثل:
١-العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) .
٢- التاريخ للحافظ ابن معين (ت ٢٣٣ هـ) .
٣- الكامل للحافظ ابن عدي (ت هـ ٥ ٣٦ هـ) .
стр. 213
٤- الضعفاء للعقيلي (ت ٣٢٢ هـ) وغيرها.
ثم قام العلماء من بعد القرن الخامس بجمع ما تفرق وتأليف ما تناثر من ذلك في كتاب واحد.
ومن أهم المؤلفات في هذا المجال:
١- الموضوعات لأبي سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش الأصبهاني (ت ٤١٤ هـ) لم يطبع فيما أعلم.
٢- تذكرة الموضوعات لأبي الفضل محمد بن طاهر المعروف بابن القيسراني (ت ٥٠٧ هـ) وهو مطبوع.
٣- الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للحسين بن إبراهيم الجورقاني (ت ٥٤٣ هـ) وهو مطبوع.
٤- الموضوعات للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) وهو مطبوع.
هـ- العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة لأبي حفص عمر ابن بدر الموصلي (ت ٦٢٢ هـ) لم يطبع فيما أعلم.
٦- الموضوعات لأبى الفضل الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني (ت ٦٥٠) مطبوع.
٧- أحاديث القُصَّاص لشيخ الاسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) مطبوع.
٨- اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة لجلال الدين
стр. 214
السيوطى (ت ٩١١ هـ) مطبوع.
٩- النكت البديعات في الأحاديث الموضوعات للسيوطى – أيضاً – وهو تعقبات على ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات"، طبع في الهند قديماً.
١٠- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة لمحمد بن يوسف بن علي الشامى صاحب السيرة الحلبية (ت ٩٤٢ هـ) لم يطبع فيما أعلم، والله أعلم.
١١- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الآخبار الشنيعة الموضوعة لابن عراق على بن محمد الكنانى (ت ٩٦٣ هـ) مطبوع.
١٢- تذكرة الموضوعات لمحمد بن طاهر الفتني (ت ٩٨٦) ، وهو مطبوع.
١٣- الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة تأليف ملا علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) وهو مطبوع.
١٤- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع وهو أيضاً من تأليف ملا علي قاري، مطبوع.
١٥- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة تأليف محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٥ هـ) ، مطبوع. ١
دراسة موجزة لأحد كتب الموضوعات:
стр. 215
وهو كتاب: الموضوعات للحافظ ابن الجوزي.
المؤلف:
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى المولود سنة (٥١٠ هـ) والمتوفى سنة (٥٩٧ هـ) . ١
موضوع الكتاب:
جمع الأحاديث المكذوبة المصنوعة مع بيان حالها وحال من اتُّهم بوضعها، مرتباً على الكتب والأبواب.
قال المؤلف ﵀ في المقدمة: "أما بعد، فإن بعض طلاب الحديث ألحَّ عليَّ أن أجمع له الأحاديث الموضوعة، وأعرفه من أيِّ طريق يعلم أنها موضوعة، فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصاً عند قلة طلاب العلم، لا سيما علم النقل، فإنه قد أعرض عنه بالكلية، وكثير من القصاص يروون الموضوعات، وخلقاً من الزهاد يتعبدون بها وهأنا أقدم قبل الشروع في المطلوب فصولاً تكون لذلك أصولاً والله الموفق". ٢
منهج ابن الجوزي في كتاب الموضوعات:
قدم لكتابه ﵀ بمقدمة نفيسة وقد اشتمل على:
١- فصول هامة هي:
أ) فضل هذه الأمة ومنزلتها.