ذكر الروايات عن الصحابة التي تنصُّ على علة كراهتهم لكتابة ما سوى القرآن، ويلخِّص تلك العلة بقوله: "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه ونُهي عن كتب العلم في صدر الاسلام وجِدَّتِه لقلِّة الفقهاء - في ذلك الوقت - والمميِّز بين الوحي وغيره؛ لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلا يؤمَن أن يُلحِقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنَّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن". ١
ويضيف في مطلع الفصل الثانى من القسم الثانى أسباباً أخرى للنهى أو الامتناع عن الكتابة فيقول: "وأمر الناس بحفظ السنن، إذْ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونُهي عن الإتكال على الكتاب لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عُدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان ولهذا قال سفيان الثوري: (بئس مستودع العلم القراطيس".
وكان سفيان يكتب؛ أفلا ترى أن سفيان ذم الإتكال على الكتاب وأمر بالحفظ وكان مع ذلك يكتب احتياطاً واستيثاقاً، وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفاً من أن يتكل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ. ٢
стр. 72
وأما القسم الثالث فقد أفرد منه ثلاثة فصول في الأحاديث والآثار الواردة في الإذن بكتابة العلم: -
الأول: فيما ورد مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ : وقد أورد فيه روايات كثيرة منها الصحيح مثل:
١- حديث أبي هريرة: "ما من الصحابة أحدٌ أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب وأنا لا أكتب". ١
٢- وعنه أيضاً قال: خطب رسول الله ﷺ في فتح مكة إلى أن قال: "اكتبوا لأبى شاة". ٢
٣- حديث ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "ائتوني بكتابٍ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده". ٣
٤- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله ﷺ إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق". ٤
стр. 73
ومنها الضعيف وهي كثيرة وبعضها قد يعتضد. ١
والفصل الثاني: عَنْوَنه بقوله: باب ذكر من رُوي عنه من الصحابة ﵃ أنه كتب العلم أو أمر بكتابته.
وقد أورد في هذا الفصل روايات كثيرة عنهم وأكثرها صحيحة إذ منها ما هو في الصحاح، ومنها ما هو في السنن وغير ها.
ولم يخلها من تعليقاته واستنباطاته ﵀ من ذلك مثلاً: ما جاء في تعقيبه على ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: "ما كنا نكتب شيئاً غير القرآن والتشهد" حيث قال: "وأبو سعيد الخدري هو الذي رُوي عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه".
ثم هو يخبر أنهم كانوا يكتبون القرآن والتشهد، وفي ذلك دليل أن النهي عن كَتْبِ ما سوى القرآن إنما كان على الوجه الذي بيَّنَّاه: من أن يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، وأن يشتغل عن القرآن بسواه، فلما أُمِنَ ذلك ودَعَتْ الحاجة إلى كتب العلم لم يكره كتبه، كما لم تكره الصحابة كَتْبَ التشهد، ولا فرق بين التشهد وبين غيره من العلوم في أن الجميع ليس بقرآن، ولن يكون كتب الصحابة ماكتبوه من العلم وأمروا بكتبه إلا احتياطاً كما كان كراهتهم لكتبه
стр. 74
احتياطاً والله أعلم". ١
أما الفصل الثالث من هذا القسم فقد خصصه لذكر الروايات عن التابعين في ذلك: حيث ساق بأسانيده إلى أئمةٍ وكبار التابعين تلك الروايات عنهم في كتابتهم للحديث وإذنهم لتلاميذهم بل وحثِّهم على كتابة الحديث. ٢
أما عن سبب اتساع الناس في كَتْب العلم في عصر ما بعد التابعين واتِّكالهم على الكتاب فيقول الخطيب ﵀: "إنما اتسع الناس في كَتْب العلم، وعوَّلوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك؛ لأن الروايات انتشرت والمسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ مع رخصة رسول الله ﷺ لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك". ٣
وبعد: فقد اكتفيت في هذه الفقرة بالاقتصار على تحليل ما ورد في الأقسام الثلاثة الأولى من كتاب "تقييد العلم" للحافظ أبى بكر الخطيب (ت ٤٦٣ هـ) مستفيداً مما كتبه الأستاذ يوسف العش في تصديره
стр. 75
للكتاب وتعليقه على حواشيه، وذلك لأمور منها:
١- أن هذا الكتاب أقدم وأوسع وأشمل كتاب في هذا الباب إذ لم يسبق مؤلفه إلى جمع مثله ولم أقف على كتاب مثله لمن جاء بعده، إلا أن معاصره الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) حاول نفس المحاولة في "جامع بيان العلم" لكن لم يكن بسعة كتاب الخطيب وشموله فضلاً عن تفوق كتاب الخطيب على كتابه في جودة الترتيب وحسن التنسيق.
٢- أن النتائج التي توصل إليها الخطيب ﵀ من خلال جمعه ودراسته لما رُوي في هذا الموضوع نتائج هامة، ووجدت فيها بلسماً شافياً وجواباً كافياً على تلك التساؤلات حول تدوين السُّنَّة المطهرة، متى بدأ وكيف بدأ كما أنني ألفيت الكتاب ونتائجه التي توصل إليها جواباً دامغاً - لما تضمنه من الحقائق - على تلك الشكوك والشبهات التي يثيرها المستشرقون وأذنابهم من أبناء جلدتنا المندسُّون في صفوفنا حول تدوين السُّنَّة النبوية، مستغلين ظاهر حديث أبي سعيدٍ في النهي عن كتابة الحديث، وما رُوي من أن التدوين لم يبدأ إلا في عصر الإمام الزهري. ١
стр. 76
وهذه أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من الكتاب:
أولاً: أنه لم يصح حديث في النهي عن كتابة الحديث سوى حديث أبى سعيد الخدري الذي رواه مسلم، مع اختلاف بين البخاري ومسلم في رفعه ووقفه.
ثانياً: أن الأمر استقر في حياته ﷺ على إباحة الكتابة، وقد قدَّم المؤلف عدة أدلة على ذلك، بل ذكر أدلة من الكتاب والسُّنَّة على الحث على الكتابة.
ثالثاً: أن التدوين بمعناه الواسع - وهو الجمع - قد بدأ في زمن النبي ﷺ .
رابعاً: أن امتناع من امتنع من الصحابة والتابعين عن كتابة الحديث ليس للنهي الوارد في حديث أبي سعيد الخدري، ولكن هذا الامتناع معلَّلٌ بأسبابٍ أخرى منها: -
الخوف من انكباب الناس على الكتب وانشغالهم بها عن القرآن، وقد أورد الخطيب عن السلف النصوص الكثيرة المصرحة بذلك.
ومنها الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين إذ الاتكال على الكتاب يضعفها، ولذلك كان بعضهم يكتب ثم يمحو ما كتب، ولو كان النهي عن الكتابة مستقراً عندهم لما كتبوا ابتداءً. ١
стр. 77
وقبل أن أُنهي الكلام عن هذه الفقرة أنقل هنا كلام أهل اللغة في التفريق بين معنى التدوين ومعنى التصنيف، إذ بمعرفة ذلك يزول كثير من اللبس:
فالتدوين: هو تقييد المتفرق المشتت، وجمعه في ديوان أو كتاب تجمع فيه الصحف، قال في "القاموس": "التدوين مجتمع الصحف". ١
وقال في "تاج العروس": "وقد دوَّنه تدويناً جمعه" ٢، فهو بهذا المعنى أوسع من التقييد بمعناه المحدود.
أما التصنيف: فهو أدق من التدوين إذ هو ترتيب ما دُوِّنَ في فصول محدودة وأبواب مميزة. قال في "التاج": "وصنفه تصنيفاً جعله أصنافاً وميز بعضها عن بعض، وقال الزمخشري في "الفائق": "ومنه تصنيف الكتب". ٣
стр. 78
ثانياً: جهود الصحابة ﵃ في تدوين السُّنَّة المطهَّرة ونقلها إلى الأمَّة .
لقد كانت جهود هذا الجيل المبارك هي الأساس الأول في تدوين السُّنَّة وحفظها ونقلها إلى الأمة، كما كانت جهودهم - رضوان الله عليهم - هى الأساس في نشر الدين وترسيخ العقيدة وحماية السُّنَّة من كل مايشوبها.
وفيما يلي نماذج من تلك الجهود، وأكتفي بالنماذج هنا مشيراً إلى المصادر التي استوعبت أو حاولت الاستيعاب ١ وذلك لأن المقام هنا لا يتسع لأكثر من هذه النماذج:
١- الحث على حفظ الحديث وثثبيت ذلك الحفظ، حتى كان كثير منهم يأمر تلاميذه بالكتابة لتثبيت حفظهم ثم محو ما كتبوه حتى لا يتكل على الكتاب.
قال الخطيب البغدادي: "وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه، ويدرسه من كتابه، فإذا اتقنه محا الكتاب، خوفاً من أن يتَّكل القلب عليه فيؤدي إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ". ٢
стр. 79
٢- الكتابة بالسُّنَّة بعضهم إلى بعض، ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١
أ- كتب أسيد بن حضير الأنصاري ﵁ بعض الأحاديث النبوية، وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم. ٢
ب- وكتب جابر بن سمرة ﵁ بعض أحاديث رسول الله ﷺ وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبى وقاص بناء على طلبه ذلك منه. ٣
ج- وكتب زيد بن أرقم ﵁ بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك ﵁. ٤
د- وكتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب ﵁ وذلك بناء على طلب عمر نفسه. ٥
هـ- جمع سمرة بن جندب ما عنده من حديث رسول الله ﷺ وبعث به إلى ابنه سليمان، وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: "في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ
стр. 80
كثير". ١
و كتب عبد الله بن أبي أوفى بأحاديث رسول الله ﷺ إلى عمر بن عبيد الله. ٢
٣- حث تلاميذهم على كتابة الحديث وتقييده، ومن أمثلة ذلك:
أ- كان أنس بن مالك الأنصاري ﵁ يحثُّ أولاده على كتابة العلم فيقول: "يابني قيدوا العلم بالكتاب"، وكان يقول ﵀ ورضي عنه -: "كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علماً" ٣
ب- روى الخطيب بسنده عن عدة من تلاميذ عبد الله بن عباس حَبر الأمَّة أنه كان يقول: "قيدوا العلم بالكتاب، خير ما قُيِّد به العلم الكتاب". ٤
ج- وروى أيضاً بأسانيده من عدة طرق إلى عمر بن الخطاب
﵁ أنه قال: "قيدوا العلم بالكتاب". ٥
د- وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "من يشتري مني علماً بدرهم"، قال أبو خيثمة: "يقول: يشتري صحيفةً
стр. 81
بدرهمٍ يكتب فيها العلم". ١
٤- تدوين الحديث في الصحف وتناقلها بين الشيوخ والتلاميذ:
ولقد كانت هذه الصحف هى النواة الأولى لما صنف في القرنين الثاني والثالث من الجوامع والمسانيد والسنن وغيرها، ومن أمثلة هذه الصحف ما يلى: ٢
أ- صحيفة أبي بكر الصديق ﵁ فيها فرائض الصدقة.
روى الخطيب بسنده إلى أنس بن مالك: "إن أبا بكر الصديق بعثه مصدِّقاً، وكتب له كتاباً فيه فرائض الصدقة، وعليه خاتم رسول الله ﷺ وفيه: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين" الحديث بطوله. ٣
ب- صحيفة علي بن أبى طالب ﵁.
أخرج الخطيب وابن عبد البر من عدة طرق عن علي بن أبى طالب أنه خطب الناس فقال: "من زعم أن عندنا شيئاً نقرأه ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة فقد كذب".
стр. 82
قال الراوي عنه: "وكانت الصحيفة معلقة في سيفه، وفيها أسنان الإبل، وشيء من الجراحات، وقوله ﷺ : "المدينة حرمٌ ما بين عيرٍ إلى ثورٍ، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" الحديث بطوله. ١
ج- صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، المعروفة بالصحيفة الصادقة.
عن مجاهد قال: "أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعي، قلت: ما كنت تمنعني شيئاً، قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد". ٢
هذه الصحف الثلاث كلها كتبت في حياته ﷺ وهناك غيرها كثير مما كتب في حياته ﷺ .
د- صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من "صحيحه" باب الصبر عند القتال. ٣
هـ- صحيفة أبي موسى الأشعري. ٤
стр. 83
و صحيفة جابر بن عبد الله. ١
ز- الصحيفة الصحيحة التي يرويها همام عن أبي هريرة من حديثه. ٢
стр. 84
ثالثاً: جهود التابعين في تدوين السُّنَّة المشرفة:
تلقى التابعون ﵏ – السُّنَّة، بل الدِّين كله عن الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم – فقاموا بمهمة تبليغ الرسالة من بعد شيوخهم إلى الناس كافة، فكانوا خير جيل بعد ذلك الجيل، وقد بذل جيل التابعين في خدمة السُّنَّة وتدوينها وحفظها جهوداً كبيرة، وفيما يلي نماذج من تلك الجهود:
١-الحث على التزام السُّنَّة وحفظها وكتابتها والتثبت في روايتها وسماعها:
سبق أن ذكرت طائفة من الأمثلة على ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول عند الكلام عن عناية التابعين ومن بعدهم بالسُّنَّة النبوية، وأضيف هنا أمثلة مما لم أمثل له هناك وهو حثُّهم على كتابة السُّنَّة:
أ- روى الخطيب بسنده من عدة طرق عن الإمام عامر الشعبي
أنه كان يقول: "إذا سمعت شيئاً فاكتبه ولو في الحائط فهو خيرٌ لك من موضعه من الصحيفة فإنك تحتاج إليه يوماً ما". ١
ب- عن الحسن البصري قال: "ما قُيِّد العلم بمثل الكتاب، إنما نكتبه لنتعاهده". ٢
стр. 85
ج- وعن سعيد بن جبير قال: "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كَفِّي". ١
د- وعن صالح بن كيسان قال: "اجتمعت أنا والزهري - ونحن نطلب العلم - فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنَّه سُّنَّة، فقلت: أنا ليس بسُنَّة فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت". ٢
هـ- وعن ابن شهاب الزهرى قال: "لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق نُنْكِرها لا نعرفها، ما كتبت حديثاً ولا أَذِنْتُ في كتابه". ٣
و روى الخطيب من عدة طرق عن معاوية بن قرة قال: "كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علماً". ٤
٢- تدوينهم للسُّنَّة في الصحف:
انتشرت كتابة الحديث في جيل التابعين على نطاق أوسع مما كان في زمن الصحابة، إذ أصبحت الكتابة ملازمة لحلقات العلم المنتشرة في الأمصار الإسلامية آنذاك.
ولعل من أسباب ذلك التوسع ما يلي:
стр. 86
أ- انتشار الروايات، وطول الأسانيد، وكثرة أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم.
ب- موت كثير من حفَّاظ السُّنَّة من الصحابة وكبار التابعين فخِيف بذهابهم أن يذهب كثير من السُّنَّة.
ج- ضعف ملكة الحفظ مع انتشار الكتابة بين الناس وكثرة العلوم المختلفة.
د- ظهور البدع والأهواء وفشوِّ الكذب، فحفاظاً على السُّنَّة وحمايةً لها من أن يدخل فيها ما ليس منها شُرِع في تدوينها.
هـ- زوال كثيرٍ من أسباب الكراهة.
وقد كتب في هذا العصر من الصحف ما يفوق الحصر، وقد ذكر الدكتور مصطفى الأعظمي عدداً كبيراً منها وذلك في كتابه: "دراسات في الحديث النبوى". ١
وأكتفي هنا بذكر نماذج من تلك الصحف التى كتبت في هذا العصر:
١- صحيفة أو صحف سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس. ٢
٢- صحيفة بشير بن نهيك كتبها عن أبى هريرة وغيره. ٣
стр. 87
٣- صحف مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس، قال أبو يحيى الكناسي: "كان مجاهد يصعد بي إلى غرفته فيخرج إليَّ كتبه فأنسخ منها". ١
٤- صحيفة أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي تلميذ جابر بن عبد الله، يروي نسخة عنه وعن غيره أيضاً. ٢
٥- صحيفة زيد بن أبي أُنيسة الرُّهَاوي. ٣
٦- صحيفة أبي قِلابة التي أوصى بها عند موته لأيوب السختياني. ٤
٧- صحيفة أيوب بن أبى تميمة السختياني. ٥
٨- صحيفة هشام بن عروة بن الزبير. ٦
وغير ذلك من الصحف الكثيرة التي رويت عن التابعين، والتي كانت هي الأساس الثاني بعد صحائف الصحابة ﵃ أجمعين - لما أُلِّف وصُنِّف في القرنين الثانى والثالث.
стр. 88
٣- جهود الإمامين عمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري في تدوين السُّنَّة:
١- جهودهما رحمهما الله تعالى ورضي الله عنهما في نشر السُّنَّة وقمع البدعة - قولاً وفعلاً - أشهر من أن تذكر في هذا المقام، ولتراجع ترجمتيهما في "سير أعلام النبلاء" وغيره.
٢- أخرج البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن دينار قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لايهلك حتى يكون سراً". ١
٣- وعن ابن شهاب الزهري قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرضٍ له عليها سلطان دفتراً". ٢
٤- روى الدارمي بسنده أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المدينة: "انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه،
стр. 89
فإنى خفت دروس العلم وذهاب أهله". ١
٥- روى الخطيب بسنده إلى الزهري أنه قال: "لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لانعرفها؛ ما كتبت حديثاً ولا أذنت في كتابه". ٢
٦- قال صالح بن كيسان: "اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سُّنَّة، فقلت أنا: ليس بسُنَّة فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت". ٣
٧- أخرج الحافظ ابن عبد البر بسنده إلى الإمام مالك قال: "أول ما دون العلم: ابن شهاب الزهري". ٤
ولعل المراد بهذا التدوين الشامل الذي بدأه فعلاً الزهري بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد سبق أن ذكرنا أن الحافظ الخطيب البغدادي قد حرَّر هذا الموضوع في كتابه "تقييد العلم"، وأثبت بالأدلة أن التدوين قد بدأ من عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة والتابعين ٥ أيضاً، لكن لم يكن ذلك بشمول واستقصاء.
стр. 90
الفصل الثاني: التدوين في القرن الثاني الهجري
نمهيد
...
الفصل الثاني: التدوين في القرن الثاني الهجري
يشمل هذا القرن عصر جيلين:
الأول: صغار التابعين إذ تأخرت وفاة بعضهم إلى ما بعد سنة (١٤٠ هـ) وقد سبق الكلام عن أثرهم وجهودهم في التدوين ضمن الكلام عن جهود جيل التابعين كله بمختلف طبقاته.
أما الجيل الثاني: فهم أتباع التابعين الحلقة الثالثة - بعد جيل الصحابة والتابعين - في سلسلة رواة السُّنَّة ونقلة الدِّين إلى الأمَّة، ولقد كان لهذا الجيل أثره الرائد في التصدي لأصحاب البدع والأهواء، ومقاومة الكذب الذى فشى في هذا العصر على أيدي الزنادقة الذين بلغوا ذروة نشاطهم ضد السُّنَّة ورواتها في منتصف هذا القرن، حتى اضطر الخليفة المهدي ﵀ إلى تكليف أحد رجاله بتتُّبع أخبارهم والتضييق عليهم في أوكارهم، فأصبح ذلك الرجل يعرف بصاحب الزنادقة. ١
وقد نشط الأئمة والعلماء من هذا الجيل في خدمة السُّنَّة
стр. 91
وعلومها وحمايتها من كل ما يشوبها وعلى أيديهم بدأ التدوين الشامل المبوَّب المرتَّب، بعد أن كان من قبلهم يجمع الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس بشكل محدود وكيفما اتفق بدون تبويب ولا ترتيب. ١
كما نشأ وتفتَّق على أيديهم علم الرجال، بعد أن كان السؤال عن الإسناد قد بدأ في أواخر عصر الصحابة وكبار التابعين.
وكما كان لهذا الجيل الريادة في ابتداء التدوين المرتَّب على الأبواب والفصول، كذلك كانت له الريادة في ابتداء التصنيف في علم الرجال، حيث أَلَّف في تاريخ الرجال كل من: الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ) ، وابن المبارك (ت ١٨١ هـ) ، وضمرة بن ربيعة (ت ٢٠٢ هـ) ، والفضل بن دكين (ت ٢١٨ هـ) وغيرهم.
ويعتبر هذا الجيل جيل التأسيس لعلوم السُّنَّة المطهَّرة ولا غروَّ، ففيه عاش جهابذة رجال السُّنَّة أمثال الأئمة: مالك، والشافعى والثوري، والأوزاعي، وشعبة، وابن المبارك، وابراهيم الفزاري، وابن عيينة، والقطان، وابن مهدي، ووكيع وغيرهم كثير. ٢
стр. 92
وسأوجز الكلام عن التدوين في هذا القرن في ثلاث فقرات هي:
أولا: تطور التدوين في هذا القرن عما سبق
ثانيا: ممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث في هذا القرن
ثالثا: دراسة موجزة عن نموذج مما دون في هذا القرن
стр. 93
أولاً: تطور التدوين في هذا القرن عما سبق:
أ- ظهور التفريق بين التدوين الذي هو مجرد الجمع وبين التصنيف الذي هو الترتيب والتبويب والتمييز في المصنفات في هذا القرن.
ب- أن هذه المصنفات المدونة في هذا العصر قد جمعت إلى جانب أحاديث الرسول ﷺ أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، بعد أن كانت تتناقل مشافهة وكانت الصحف فيما مضى تقتصر على الأحاديث النبوية فقط.
ج- طريقة التدوين في مصنفات هذا القرن هي: جمع الأحاديث المتناسبة في باب واحد ثم يجمع جملة من الأبواب أو الكتب في مصنف واحد، بينما كان التدوين في القرن الماضي مجرد جمع الأحاديث في الصحف بدون ترتيب أو تمييز. ١
د- إن مادة المصنَّفات في هذا القرن قد جمعت من الصحف والكراريس التي دونت في عصر الصحابة والتابعين، ومما نقل مشافهة من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين. ٢
стр. 94
وقد حملت مصنفات علماء القرن الثاني عناوين: موطأ – مصنف – جامع - سنن، وبعضها كان بعناوين خاصة مثل: الجهاد – الزهد - المغازي والسير.
стр. 95
ثانياً: ممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث في هذا القرن: ١
١- أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ) بمكة.
٢- محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي (ت ١٥١ هـ) بالمدينة.
٣- معمر بن راشد البصري ثم الصنعاني (ت ١٥٣ هـ) باليمن.
٤- سعيد بن أبى عروبة (ت ١٥٦ هـ) بالبصرة.
٥- أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٦ هـ) بالشام.
٦- محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (ت ١٥٨ هـ) بالمدينة.
٧- الربيع بن صُبيح البصري (ت ١٦٠ هـ) بالبصرة.
٨- شعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ) بالبصرة.
٩- أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) بالكوفة.
١٠- الليث بن سعد الفهمي (ت ١٧٥ هـ) بمصر.
١١- أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار (ت ١٧٦ هـ) بالبصرة.
١٢- الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) بالمدينة.
стр. 96
١٣- عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) بخراسان.
١٤- جرير بن عبد الحميد الضبي (ت ١٨٨ هـ) بالري.
١٥- عبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ) بمصر.
١٦- سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) بمكة.
١٧- وكيع بن الجراح الرؤاسي (ت ١٩٧ هـ) بالكوفة.
١٨- أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) بمصر.
١٩- عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) بصنعاء.
стр. 97
ثالثاً: دراسة موجزة عن نموذج مما دون في هذا القرن:
النموذج هو: موطأ الإمام مالك.
المؤلف: أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة بل إمام المسلمين في زمانه، قال الذهبي: "الإمام الحافظ فقيه الأمَّة شيخ الإسلام". ١
لماذا سمي كتابه بالموطأ
سمي بذلك لأمرين:
١- لأنه وطَّأ به الحديث أي يسره للناس.
٢- لمواطأة علماء المدينة له فيه وموافقتهم عليه.
стр. 98
قال الإمام مالك: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته: الموطأ". ١
موضوعه:
اشتمل على أحاديث الرسول ﷺ وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وقد انتقاه من مائة ألف حديث كان يرويها ٢.
عدد أحاديثه:
يبلغ عدد أحاديث "الموطأ" - رواية يحيى بن يحي الأندلسي عنه – (٨٥٣) حديثاً ٣.
ويقول أبو بكر الأبهري جملة ما في "الموطأ" من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين (١٧٢٠) حديثاً، المسند منها (٦٠٠) ، والمرسل (٢٢٢) ، والموقوف (٦١٣) ، ومن قول التابعين (٢٨٥) . ٤
وقد يختلف عددها لتباين روايات "الموطأ" عن الإمام مالك؛ ولأنه كان دائم التهذيب والتنقيح لموطأه، إذ مكث في تصنيفه وتهذيبه أربعين عاماً.
مرتبة أحاديثه:
قال الإمام الشافعي: "أصح كتاب بعد كتاب الله "موطأ الإمام
стр. 99
مالك". ١
ولا تعارض بين هذا القول وبين ما اتفق عليه العلماء من أن أصح كتاب بعد كتاب الله "صحيحا البخارى ومسلم"، وذلك لأمور:
١- أن كلام الإمام الشافعى كان قبل وجود "الصحيحين" حيث توفي ﵀ سنة (٢٠٤ هـ) وعمر الإمام البخاري آنذاك لا يتجاوز عشر سنوات، وكان مولد الإمام مسلم سنة (٢٠٤ هـ) .
٢- أن جلّ ما فيه مخرج فيهما، وما بقي منه في "السنن" الأربعة.
وقد ذهب إلى القول بأن كل ما في "الموطأ" صحيح جمعٌ من الأئمة في المشرق والمغرب، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بن الصلاح وابن ححر في آخر باب الصحيح من أنواع علوم الحديث.
لكن الراجح لدى الجمهور أن مرتبة "الموطأ" تأتي بعد "الصحيحين" والله تعالى أعلم.
وقد عده بعض العلماء سادس الكتب الستة، منهم رزين ابن معاوية السرقسطي (ت ٥٣٥ هـ) في كتابه "الجمع بين الكتب الستة"، والمجد ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) في كتابه "جامع الأصول".
стр. 100
من أهم شروح الموطأ:
١- الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار. مطبوع
٢- والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، كلاهما لابن
عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) وقد طبع في المغرب في ٢٤ مجلداً.
стр. 101
الباب الثالث: التدوين في القرن الثالث الهجري
تعريف موجز عن جهود علماء السنة في هذا القرن ومميزات التدوين فيه
...
الباب الثالث: التدوين في القرن الثالث الهجري
يعتبر هذا القرن عصر ازدهار العلوم الاسلامية عامة وعلوم السُّنَّة النبوية خاصة، بل يعد هذا القرن من أزهى عصور السُّنَّة النبوية، إذ نشطت فيه الرحلة لطلب العلم ونشط فيه التأليف في علم الرجال، وتُوسِّع في تدوين الحديث، فظهرت كتب المسانيد والكتب الستة - الصحاح والسنن - التي اعتمدتها الأمَّة واعتبرتها دواوين الإسلام.
وقد برز في هذا العصر كثير من الحفاظ والنقاد والعلماء الجهابذة من أمثال: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، ومحمد بن مسلم بن وارة، وأبو عبد الله البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعثمان بن سعيد، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميان، وغيرهم كثير ممن كان على أيديهم تأسيس كثيرٍ من علوم الحديث عموماً وعلم الجرح والتعديل خصوصاً.
كما ظهر على أيدي هؤلاء الجهابذة الأعلام نوع جديد من التأليف، وهو ما عرف بكتب العقيدة وكان التأليف في ذلك على نوعين:
الأول: ما جمع فيه مؤلفوه النصوص الواردة في العقيدة من
стр. 102
الكتاب والسُّنَّة مع بيان منهج السلف - من الصحابة والتابعين - في فهم هذه النصوص، وموقفهم من أصحاب الأهواء، وكان أغلب هذا النوع بعنوان: السُّنَّة مثل "السُّنَّة" لأحمد بن حنبل، و "السُّنَّة" لابنه عبد الله، و "السُّنَّة" لأبي نصر المروزي وغيرها.
والنوع الثاني: ما سلك فيه مؤلفوه مسلك الردِّ على المبتدعة أصحاب الأهواء وذلك لهتك أستارهم وفضح أسرارهم، وتحذير المسلمين منهم وبيان خطرهم على الأمَّة.
وحيث بلغ نشاط المعتزلة والجهمية ذروته بتبني الدولة العباسية في عصر كل من المأمون والمعتصم والواثق لآرائهم وعقائدهم، لذلك حظيت هذه الفرق بالنصيب الأكبر من هذه الردود، من ذلك "الرد على الجهمية" لأحمد بن حنبل، والدارمي أيضاً، و "الرد على بشر المريسي المعتزلي" للدارمي أيضاً، و "خلق أفعال العباد" للبخاري وغيرها كثير. ١
وكما كان لأتباع التابعين في القرن الثاني جهود رائدة وعظيمة في خدمة السُّنَّة تدويناً وذب الكذب عنها وحمايتها من كل ما يشوبها جرحاً وتعديلاً، كذلك كان لهذا الجيل - في القرن الثالث - جهود جبارة وكبيرة في سبيل خدمة السُّنَّة وقمع ما يخالفها من الأهواء والبدع.
ولقد تُوجت تلك الجهود في خدمة السُّنَّة بتلك المؤلفات المختلفة
стр. 103
من كتب المتون - مسانيد وصحاح وسنن - وكتب الرجال المتنوعة في موضوعاتها ومجالاتها، إلى كتب العقيدة التي كثرت في هذا القرن.
كما تُوِّجت تلك الجهود أيضاً في مجال قمع الأهواء والبدع ومحاربة أصحابها وكشف أسرارهم وتحذير الأمَّة من شرِّهم بتلك الوقفة الشامخة من إمام أهل السُّنَّة الصدِّيق الثاني أبي عبد الله أحمد ابن حنبل - رحمه الله تعالى - في وجوه أهل التجهم والاعتزال الذين جمعوا عليه وألبوا، فخرج ﵀ منتصراً مؤيَّداً من الله ١ - وقمعت بإذن الله البدعة، ونكص أصحابها على أعقابهم مدحورين، وما مثلهم ومثل ما أرادوه من النيل من السُّنَّة وأهلها إلا كما قال الشاعر:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهي قرنه الوعل
وقد تميز التدوين في هذا القرن بما يلي:
١- تجريد أحاديث رسول الله ﷺ وتمييزها عن غيرها، بعد أن كانت قد دونت في القرن الثانى ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
٢- الاعتناء ببيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.
٣- تنوع المصنفات في تدوين السُّنَّة، حيث ظهرت الأنواع التالية:
стр. 104
أ- كتب المسانيد التي تعنى بجمع أحاديث كل صحابيٍّ على حدة كمسند الإمام أحمد وغيره.
ب- كتب الصحاح والسنن التي تعنى بتصنيف أحاديث رسول الله ﷺ على الكتب والأبواب مع العناية ببيان الصحيح من غيره كالكتب الستة وغيرها.
ج- كتب مختلف الحديث ومشكلها مثل كتاب: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي، وكتاب "اختلاف الحديث" لعلي بن المديني، وكذلك كتاب "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة وغيرها.
وهناك الكثير من المصنفات في هذا القرن نكتفي بذكر القليل منها إشارة إلى الكثير. ١
стр. 105
الفصل الأول: كتب المسانيد
تعريفها:
المسند لغة: ما ارتفع عن الأرض وعلا عن السطح. ١
وفي الاصطلاح: أطلقه المحدِّثون على معنيين:
الأول: الحديث المسند.
قال الخطيب البغدادي: "وصفهم الحديث بأنه مسند يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي ﷺ خاصة، واتصال الإسناد فيه يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره وإن لم يبين فيه السماع بل اقتصر على العنعنة" ٢
وعلى هذا المعنى أطلق بعض المصنفين على كتابه: مسند، مثل "الجامع الصحيح المسند" لأبي عبد الله البخاري، وكذلك "مسند الدارمي" و "صحيحا ابن خزيمة وابن حبان" وغيرها.
الثاني: كتب المسانيد.
وهي التي تخرج الأحاديث على أسماء
стр. 106
الصحابة، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض ١، مثل "مسند الإمام أحمد وأبي يعلى الموصلي" وغيرهما.
٢- طريقة ترتيب كتب المسانيد:
للعلماء في ذلك ثلاث طرق:
الأولى: ترتيب أسماء الصحابة على حروف المعجم من أوائل الأسماء، فيبدأ – مثلاً - بأُبيّ بن كعب، ثم أسامة بن زيد، ثم أنس بن مالك وهكذا، إلى آخر الحروف.
الثانية: الترتيب على القبائل فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب إلى رسول الله ﷺ في النسب، ثم مَنْ يليهم.
الثالثة: الترتيب على قدر سوابق الصحابة في الإسلام ومحله في الدين، فيبدأ بالعشرة - رضوان الله عليهم -، ثم المقدمين من أهل بدر، ثم يلونهم أهل بيعة الرضوان بالحديبية ... وهكذا.
قال الخطيب البغدادي: "وهذه الطريقة – الأخيرة - أحب إلينا في تخريج المسند". ٢
٣- أهم كتب المسانيد:
١- مسند أبي داود سليمان بن داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ) وقد
стр. 107
ردَّ الحافظ السيوطي على من نسب هذا المسند إلى الطيالسي وجعله أول مصنف في المسند باعتبار تقدم وفاته، فقال: "إنما هو من جمع بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب الأصبهاني خاصة عنه، وشذَّ عنه كثير منه، ويشبه هذا "مسند الشافعي" فإنه ليس تصنيفه، وإنما لقطه بعض الحفاظ النيسابوريين من مسموع الأصم من كتاب "الأم" فإنه كان سمع "الأم" أو غالبها على الربيع عن الشافعي". ١
وقد رتب هذا "المسند" على أبواب الفقه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الساعاتي – ﵀ – وسماه "منحة المعبود بترتيب مسند أبي داود"، وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.
٢- مسند أبي بكر بن أبى شيبة (ت ٢٣٥ هـ) وهو غير "المصنف" المطبوع، ويوجد منه نسختان خطيتان، أحدهما في مكتبة أحمد الثالث بتركيا والأخرى في المكتبة الوطنية بتونس، ومصورة هذه الأخيرة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
٣- مسند إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة (٢٣٨ هـ) .
قام الدكتور عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي بتحقيق جزء منه – من مسند عائشة – لنيل درجة الدكتوراه من شعبة السُنَّة بالدراسات
стр. 108
العليا بالجامعة الإسلامية وأغلبه فيما أعلم مفقود. ١
٤- مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) - هو أكبر المسانيد الموجودة فيما أعلم، وقد طبع في ستة مجلدات كبيرة – وسيأتي الحديث عنه في الفقرة الرابعة بإذن الله.
٥- مسند أحمد بن إبراهيم الدورقى (ت٢٤٦ هـ) يوجد منه قطعة فيه مسند سعد بن أبى وقاص في الظاهرية مجموع (٣٧) .
٦- المنتخب من مسند عبد بن حميد الكشي المتوفى سنة (٢٤٩ هـ) وقد طبع في ثلاثة أجزاء بتحقيق مصطفى العدوي. ٢
٧- مسند يعقوب بن شيبة أبو يوسف السدوسي البصري المتوفى سنة (٢٦٢ هـ) .
قال الذهبي: "صاحب المسند الكبير العديم النظير المعلَّل، الذي تم في مسانيده نحو من ثلاثين مجلداً، ولو كمل لجاء في مائة مجلد". ٣ وقد طبع جزء منه يمثل الجزء العاشر من مسند عمر بن الخطاب ﵁.
٨- مسند أحمد بن إبراهيم الطرسوسي الخزاعي (ت ٢٧٣ هـ)
стр. 109
والموجود منه جزء يسير من مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وهو مطبوع.
٩- مسند ابن أبي غرزة أحمد بن حازم الغفاري الكوفي (ت ٢٥٧ هـ) ، يوجد منه مسند عابس الغفاري وجماعة من الصحابة في المكتبة الظاهرية بدمشق.
١٠- مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي (ت ٢٨٢ هـ) وهو مفقود فيما أعلم إلا بعض أوراق وجدت باسم المنتقى أو العوالي المستخرجة من مسند الحارث.
١١- مسند أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار (ت ٢٩٢ هـ) ، قام بتحقيقه الدكتور محفوظ الرحمن الهندي، وهو ناقصٌ من أوله.
١٢- مسند أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي (ت ٣٠٧ هـ) وقد طبع أكثر من طبعة وفيه نقص.
١٣- مسند أبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي (ت ٣٣٥ هـ) طبع بعضه والباقي تحت الطبع فيما أعلم.
١٤- مسند المقلِّين لدعلج بن أحمد السجستانى (ت ٣٥١ هـ) وهو مطبوع في جزء صغير. ١
وهناك مسانيد أخرى في عداد المفقودات من تراثنا العلمى منها: مسند مسدد بن مسرهد (ت ٢٢٨ هـ) ، ومسند محمد بن يحيى بن أبي
стр. 110
عمر العدني (ت ٢٤٣ هـ) ، ومسند أحمد بن منيع أبو جعفر البغوي (ت ٢٤٤ هـ) ، وكذلك المسند المصنَّف الذي لم يصنف مثله للحافظ بقي بن مخلد القرطبي (ت ٢٧٦ هـ) وقد رتبه مؤلفه ﵀ على الأبواب داخل مسند كلِّ صحابى ليسهل بذلك على طلبة العلم الوقوف على الحديث في مسنده، وقد كتب عنه الأستاذ الدكتور أكرم العمري دراسة جيدة في كتابه "بقى بن مخلد ومقدمة مسنده، دراسة وتحقيق".
تنبيه:
١- هناك كتب مرتبة على أسماء الصحابة على طريقة المسانيد، ولم يسمها أصحابها مسانيد من ذلك مثلاً:
أ) المعجم الكبير للطبرانى.
ب) العلل للدارقطني وغيرهما
٢- وهناك كتب ذكرت في عداد كتب المسانيد وهى ليست مرتبة على المسانيد ولا على الأبواب، مثل: "مسند علي بن الجعد" المطبوع في مجلدين، و "مسند يحيى بن معين"، و "مسند السرَّاج" ونحوهما.
٤- دراسة موجزة عن نموذج من كتب المسانيد:
النموذج: مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.
مؤلفه: شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة والإمام القدوة المجمع على جلالة قدره وعلو شأنه من الموافق