← Акыда

Акыда · id 11093

تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (399 стр.). Показаны 386–399 · переход к 391.

стр. 386

" وقف حيث وقف القوم " المراد بالقوم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، وهم الذين لا يشقى من سلك سبيلهم. فقف حيث وقفوا، ولا تتجاوز خطاهم ومسارهم، تنظر ماذا فعلوا فتفعل، ولا تتجاوز ذلك؛ فإنَّهم لم يقفوا حيث وقفوا عن عجز أو عدم قدرة، بل لتمسكهم بالسنة ولزومهم لها وحرصهم عليها، كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀:""قف حيث وقف القوم، فإنَّهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصَّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنَّهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم " ١. " وقل في ما قالوا " أي: إذا أردت أن تقول قولاً فقل فيما قال السلف ولا تزد. كما قال الإمام أحمد ﵀:""إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام من السلف " ٢؛ لأنَّهم أهل هدى وحق وبصيرة في دين الله تعالى. " وكف عما كفوا " أي: الشيء الذي كف عنه السلف كف عنه، واعلم أنَّ الخوض فيه مما لا خير فيه؛ لأنَّه لو كان خيراً لسبقونا إليه. " واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنَّه يسعك ما وسعهم " وقد قال بعض السلف:""من لم يسعه ما وسع النبي ﷺ وأصحابه فلا وسَّع الله عليه " ٣،

стр. 387

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀":""ومن لم تسعه طريقة الرسول ﷺ وطريقة المؤمنين السابقين؛ فلا وسَّع الله عليه " ١. ولهذا فإنَّ السلف وسعتهم السنة وعاشوا عليها، ودافعوا عنها، وماتوا عليها، وهم في رفيع درجات الخير والسبق والفضل والنبل، فمن لم يسعه هذا الذي وسعهم فلا وسَّع الله عليه. " وقال نعيم بن حماد:""من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً " " هذا أيضاً يتعلق بالاتباع والتمسك بما كان عليه السلف ﵏ ولا سيما في باب الصفات، وما من مسألة من مسائل الدين إلا والناس فيها طرفان ووسط: غلو وجفاء. وأهل السنة والجماعة دائماً يتوسطون، والتوسط إنما يكون بلزوم السنة، وههنا يبين نعيم ﵀ الوسطية التي عليها السلف في صفات الله، فهم وسط بين المشبهة الذين يقولون في صفات الله إنَّها كصفات خلقه. والمعطلة الذين يعطلون صفات الله ويجحدونها ولا يؤمنون بها، وفي هذا أيضاً تقرير للقول الحق: قول أهل السنة والجماعة القائم على الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل. " من شبه الله بخلقه فقد كفر " وأيُّ كفر أشنع من أن يقال في حق الرب العظيم: إنَّ صفاته تماثل صفات المخلوقين، تعالى الله عما يقولون، وسبحان الله عما يصفون. " ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر " ومن أدلة كفر من يجحد شيئاً من صفات الله: قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٢.

стр. 388

" وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً " وهذا فيه إشارة إلى أنَّ إثبات الصفات على الوجه الذي يليق بالله لا يستلزم التشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فأثبت لنفسه سبحانه السمع والبصر بعد نفيه للمثلية، فدلَّ ذلك على أنَّ إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه. ومما ينبه عليه في هذا المقام أنَّ كلَّ من وقع في التعطيل فقد وقع في التمثيل، وكلَّ من وقع في التمثيل فقد وقع في التعطيل، ولهذا يقول العلماء: كلُّ معطل ممثل، وكلُّ ممثل معطل. فالمعطل مثَّل مرتين: مرة قبل تعطيله؛ لأنَّه لم يعطل إلا لتشبيه قام في نفسه، ومرة بعد تعطيله؛ لأنَّ تعطيله جره إلى تشبيه الله إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيله. والممثل عطَّل ثلاث مرات؛ لأنَّه عطل الرب ﵎ عن صفة كماله، وعطل الآيات التي أثبتت هذه الصفات، وعطل الآيات التي فيها نفي التمثيل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . ولم يسلم من هذه الأدواء والشرور إلا صاحب السنة، فهو برئ ـ كما يعبر ابن القيم ـ من فرث التعطيل ومن دم التمثيل ٢. وشأن السني كاللبن الذي يخرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. قال ابن القيم:""فكان مذهبهم مذهباً بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين " ٣.

стр. 389

" وقال سفيان بن عيينة:""كلُّ شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل " " " فقراءته تفسيره " أي: لا يجوز أن يصرف عن معناه، أو يبعد عن دلالته، أو أن يتكلف تأويله، بل يمر كما جاء، ويؤمن به كما ورد، ويفهم معناه على ضوء لغة العرب. فعندما نقرأ قوله سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١ نثبت لله يدين، وعندما نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ نثبت لله الاستواء، وعندما نقرأ: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ نثبت الغضب. فقراءتها تفسيرها: أي نثبت ظاهرها على الوجه اللائق بجلال الله وكماله سبحانه. قال الذهبي:""يعني أنَّها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى لها مضايق التأويل والتحريف " ٤. " لا كيف ولا مثل " أي لا يجوز أن نقول في شيء من هذه الصفات بالتمثيل أو التكييف، فكلاهما باطل في الصفات وضلال. والتكييف هو إثبات الصفات على كيفية مقدرة في الذهن. والتمثيل إثبات الصفة على كيفية مماثلة لكيفية صفات المخلوقين. ولهذا كلُّ ممثل مكيف، وليس كلُّ مكيف ممثلاً؛ لأنَّ المكيف قد يكون في بعض حالاته قد اخترع صورة قدَّرها في ذهنه وليس عن قياس على أشياء يراها في المخلوقات. بينما الممثل فهو في كلِّ تمثيله مكيف؛ لأنَّه جعل بتمثيله كيفية صفة الله ككيفية صفة المخلوق. " وقال أبو بكر المروذي: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححه أبو عبد

стр. 390

الله، وقال: تلقتها العلماء بالقبول، تُمر الأخبار كما جاءت " " سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش " من المعلوم أنَّ طريقة الجهمية في التعامل مع أحاديث الصفات أنَّهم"لا يثبتونها ولا يؤمنون بها، بل يجحدونها، فأيُّ حديث يثبت الصفات يردونه ويكذبون به. وهي بعينها طريقة المعتزلة، فهم أول من أنشأ القول بأنَّ أحاديث الآحاد لا يحتج بها في الاعتقاد، والقوم ليسوا أهل حديث، ولا يدرون ما المتواتر وما هو الآحاد، ولكن جعلوها قاعدة ومتكأً للرد، ولهذا ردوا أحاديث متواترة كثيرة جداً بقولهم: أحاديث آحاد لا يحتج بها في الاعتقاد. فهم أنشأوا هذه القاعدة ليردوا بها كلَّ حديث فيه عقيدة لا يؤمنون بها ولو كان متواتراً. وإذا كان الحديث يوافق عقيدتهم أثبتوه واحتجوا به ولو كان موضوعاً مكذوباً على النبي ﷺ . وهذا من أبرز العلامات على أنَّ القوم أهل أهواء وضلال. " فصححه أبو عبد الله " أي صحَّح الأحاديث الواردة في ذلك، ثم بين منهج السلف في التعامل معها، فقال: " تلقتها العلماء بالقبول، تُمر الأخبار كما جاءت " وقد سبق أن عرفنا مراد السلف ﵏ ومقصودهم بقولهم: تمر كما جاءت. " وقال محمد بن الحسن الشيباني ـ صاحب أبي حنيفة ـ:""اتفق الفقهاء كلُّهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ، من غير تفسير ولا تشبيه. فمن فسر اليوم من ذلك شيئاً فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فإنَّهم لم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول

стр. 391

جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنَّه وصفه بصفة لا شيء " " " اتفق الفقهاء كلُّهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب " اتفقوا على الإيمان بها وإثباتها، وعدم إنكار شيءٍ منها. وطريقتهم في هذه الأحاديث أنَّهم يمرونها كما جاءت " من غير تفسير ولا تشبيه، فمن فسر اليوم من ذلك شيئاً فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؛ فإنهم لم يفسروا " وليس المراد بالتفسير في قوله: " لم يفسروا " أنهم فوضوا المعنى، حاشاهم، بل مرادهم التفسيرات المحدثة التي وُجدت عند الجهمية ومن سار مسارهم التي هي التحريف والتغيير والتبديل وصرف النص عن دلالته. قال مجاهد:""عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات أقفه على كلِّ آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت " ١. فقد فسر ابن عباس لمجاهد آيات الصفات. وعندما تقرأ الآثار المروية عن الصحابة والسلف الصالح تجد فيها تفسيراً لمعاني الآيات وفقاً لدلالة اللغة، مثل قولهم: الاستواء: العلو والارتفاع، وهذا منقول عن بعض الصحابة وعن عدد من التابعين ٢، وهكذا في صفات الله ﵎ الأخرى يفسرونها بمعناها الذي دلت عليه اللغة. ولهذا لما أورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأثر عن محمد بن الحسن وأثراً آخر نظيره عن أبي عبيد القاسم بن سلام علق عليها بقوله:""فقد أخبر ـ يعني أبا عبيد ـ أنه ما أدرك أحداً من العلماء يفسرها تفسير الجهمية " ٣.

стр. 392

" ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة " وهذا صريح في أنَّ التفسير الذي نفاه وحذر منه إنما هو تفسيرات الجهمية المحدثة الباطلة. ثم ذكر نتيجة قول جهم في الصفات، وتفسيرها تلك التفسيرات الباطلة فقال: " لأنَّه وصفه بصفة لا شيء " أي: وصفَ الرب العظيم بصفة العدم. قال حماد بن زيد ﵀:""الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء"" ١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ تعليقاً على كلام حماد هذا ـ:""وهذا الذي كانت الجهمية يحاولونه قد صرح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السنة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يحول بينهم وبين التصريح به، فلما بعد العهد وخفيت السنة وانقرضت الأئمة صرحت الجهمية النفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره " ٢ وعلى كلٍّ فإنَّ صفات الله جل وعلا عندما تعطل وتجحد ولا تثبت يكون نتيجة هذا وصف الرب بالعدم. " وقال عباد بن العوام: قدم علينا شريك بن عبد الله فقلنا: إنَّ قوماً ينكرون هذه الأحاديث: " إنَّ الله ينزل إلى سماء الدنيا " والرؤية وما أشبه هذه الأحاديث فقال:""إنَّما جاء بهذه الأحاديث من جاء بالسنن في الصلاة والزكاة والحج، وإنَّما عرفنا الله بهذه الأحاديث " " " إنَّ قوماً ينكرون هذه الأحاديث: " إنَّ الله ينزل إلى سماء الدنيا " والرؤية وما أشبه هذه الأحاديث " يعني أحاديث الصفات. " إنَّما جاء بهذه الأحاديث من جاء بالسنن في الصلاة والزكاة والحج " أي:

стр. 393

إنَّ جحد أحاديث الصفات يقتضي جحد الدين؛ لأنَّ الذين نقلوا أحاديث الصفات هم الذين نقلوا بقية الدين من صلاة وزكاة وحج وغيرها، وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان. " وإنَّما عرفنا الله بهذه الأحاديث " فمن جحد هذه الأحاديث أو شكك فيها فقد قطع على نفسه الطريق إلى معرفة الله سبحانه وعبادته؛ لأنَّ هذه الأحاديث هي التي علمت من خلالها صفات الرب، وعلم من خلالها الدين كلُّه. وعلى ضوء هذه القاعدة التي ذكرها شريك، يمكننا أن نسأل من جحد أحاديث الصفات، فنقول: ما رأيك في الأحاديث التي رواها الصحابة ومن تبعهم بإحسان، في الصلاة والصيام والحج وبقية الأحكام هل تقبلها أم تردها؟ فإن قال: ليست مقبولة فقد جحد الدين كلَّه. وإن قال: مقبولة. يقال: الذين نقلوا هذه الأحاديث هم الذين نقلوا أحاديث الصفات أنفسهم، فعليك أن تقبل أحاديثهم في الصفات كما قبلت أحاديثهم في الأحكام. [خاتمة] " فهذه جملة مختصرة من القرآن والسنة وآثار من سلف، فالزمها وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله وصالح سلف الأمة ممن حصل الاتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من كان عندهم محقوراً مهجوراً، مبعداً مدحوراً ومذموماً ملوماً، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم، وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنَّه قال:""بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء " رواه مسلم وغيره " " فهذه جملة مختصرة من القرآن والسنة وآثار من سلف " أي: النصوص التي أوردها في هذا الفصل.

стр. 394

" فالزمها وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله وصالح سلف الأمة ممن حصل الاتفاق عليه من خيار الأمة " يشير بهذا إلى أنَّه لم يذكر إلا نبذاً يسيرة من النصوص تتناسب مع هذه الرسالة المختصرة. ثم لما أكَّد على التمسك بالكتاب والسنة ولزوم ما كان عليه السلف ﵏، أتبعه بالتحذير من أقاويل أهل الباطل فقال: " ودع أقوال من كان عندهم محقوراً " أي: حقيراً. " مهجوراً " أي: مهجور في كلامه وأقواله وشخصه. " مبعداً " أي: مطروداً من المجالس؛ لأنَّ السلف ﵏ كانوا يخرجون دعاة البدع ورؤوس الباطل من مجالسهم، مثل ما فعل الإمام مالك مع ذاك السائل الذي سأل عن كيفية الاستواء. " مدحوراً ومذموماً ملوماً " كلُّ هذه صفات لأهل البدع. ثم أكدَّ تحذيره بقوله ﵀: " وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم، وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل " ولا تستوحش من الحق لقلة أهله وسالكيه، فالحق أحق أن يتبع ولو كان أهله قلة. ثم استدل على ما قال بقوله: " فقد روي عن رسول الله ﷺ أنَّه قال:""بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء " وعليه فإنَّ أمور الدين لا تقاس بالكثرة والقلة، بل الدين ما كان عليه الرسول ﷺ . وليست الجماعة الكثرة على أيِّ شيء كانوا، ولكن الجماعة ما كان عليه النبي الكريم ﷺ . والحق لا يعرف بالكثرة، وإنما يعرف بموافقة الكتاب والسنة. والإنسان إذا كان متبعاً للسنة هو الجماعة ولو كان وحده.

стр. 395

" وروي عن رسول الله ﷺ أنَّه قال:""ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة " وفي رواية:""قيل: فمن الناجية؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي " رواه جماعة من الأئمة " هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الافتراق، وهو من علامات نبوة النبي ﷺ ، وقد وقع الأمر طبقاً لما أخبر، فوُجدت الفرق وكثرت وتعددت وتشعبت. " كلُّها في النار " هذا حكم عام مطلق في حق كلِّ من كان من هذه الفرق أو على قول من أقوالها، لكن إلحاق هذا الوعيد بمعيَّنٍ ممن ارتكب هذا الأمر المتوعد به متوقف على وجود شروط وانتفاء موانع، فالقول في هذا الحديث كالقول في بقية أحاديث الوعيد." " إلا واحدة. ـ وفي رواية ـ قيل: فمن الناجية؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي " وهذا فيه أنَّ الحق لا يتعدد، وأنَّه ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. " واعلم ـ رحمك الله ـ أنَّ الإسلام وأهله أُتوا من طوائف ثلاث، فطائفة ردت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار. وأخرى قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها، فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى. والثالثة: جانبوا القولين الأولين، وأخذوا بزعمهم ينزهون وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين " " واعلم " أي: يا صاحب السنة، ويا من يريد لنفسه العقيدة الصحيحة الصافية النقية المتلقاة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . " رحمك الله " وهذا دعاء من المصنف ﵀ لمن يطَّلِع على كتابه

стр. 396

بالرحمة. " أنَّ الإسلام وأهله أُتوا من طوائف ثلاث " أي أنَّ الخلل والانحراف الذي وُجد في باب الصفات إنما وُجِد بسبب طوائف ثلاث، بيَّن مذاهبها فقال: ١ـ " فطائفة ردت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار " ونتيجة قول هؤلاء: تعطيل الرب ونفي وجوده؛ لأنَّه إذا عطلت الصفات بقي الموصوف عدماً؛ لأنَّ نفي الصفات عن الله ﵎ وصف له بالعدم. وضررهم على الإسلام من هذه الجهة ومن جهة أنَّ أقاويلهم تُنشر على أنَّها من الإسلام، أما الكفار فالمفاصلة بينهم وبين أهل الإسلام موجودة، وكراهية ما عندهم والحذر منهم قائم في نفوس المسلمين. ٢ـ " وأخرى قالوا بصحتها وقبولها " أي: صححوا هذه الأحاديث، وقالوا: نثبتها ولا نكذب بها. " ثم تأولوها " أي: صرفوها عن معناها ودلالتها. فالمراد بالتأويل هنا تحريف نصوص الصفات بصرفها وإمالتها عن مقصودها والمراد منها. والتحريف تعطيل؛ لأنَّ من حرف الصفة وصرفها عن معناها عطل صفة الرب التي دلت عليها تلك النصوص. " فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأولى " فإنَّ تكذيب أولئك بالأحاديث يعطي من يستمع إليهم من الناس توقفاً وحذراً منهم. أمَّا هؤلاء فلم يكذِّبوا بها، بل قالوا: نؤمن بها ولا نجحدها. لكنَّهم تأولوها وصرفوها عن دلالتها فالتقوا مع أولئك في النتيجة وهي التعطيل. ٣ـ " والثالثة: جانبوا القولين الأولين " أي جانبوا قول المكذبين بالأحاديث، وقول المحرفين لها.

стр. 397

" وأخذوا بزعمهم ينزهون وهم يَكْذبون " فزعموا أنَّهم ينزهون الله سبحانه، ويكذبون بزعمهم أنَّ هذه الأحاديث ظاهرها التشبيه، فلم يكذِّبوا بالأحاديث ولم يؤولوها، بل فوضوا معانيها، فقالوا: هذه نصوص مجهولة المعاني وظاهرها غير مراد، ونحن نقرأ هذه الأحاديث ونصدق أنَّها جاءت عن الرسول الكريم ﷺ ونفوض معناها إلى الله، فآيات الصفات وأحاديثها ـ عندهم ـ تماماً كقوله تعالى: ﴿الم﴾ ،: ﴿حم﴾ وغيرها من الحروف المقطعة، مجهولة وغير معروفة المعاني. " فأدَّاهم ذلك إلى القولين الأولين " لأنَّ حقيقة قولهم تعطيل الرب ﵎ عن صفات كماله الثابتة له في كتابه وسنة نبيه ﷺ . وقد وُجِد في المفوضة التحريف؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّها مصروفة عن ظاهرها، وأنَّ ظاهرها غير مراد، وإن لم يعينوا المعنى، فهذا تأويل إجمالي، ووُجِد فيهم التكذيب أيضاً. " وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين " لأنَّ ظاهر التفويض عند من يجهل حقيقة الأمر السلامة، ولهذا هم يدَّعون أنَّ السلف أهل تفويض، ويقولون: مذهب السلف أسلم. وفي الحقيقة أنَّ ظاهره وباطنه فيه الضرر والتلف. " فمن السنة اللازمة: السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله ورسوله، أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات. فكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي " " فمن السنة اللازمة " أي: التي يلزم كلَّ مسلم أن يعضَّ عليها بالنواجذ وأن يتمسك بها. " السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله ورسوله أو يتفق المسلمون على

стр. 398

إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات " سبق للمصنف ﵀ أن بيَّن طريقة السلف في الصفات، وهي أنَّهم يثبتون ما ثبت في الكتاب والسنة، وينفون ما نُفي فيهما، ولا يتجاوزون القرآن والسنة، كما قال الإمام أحمد ﵀:""لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، لا نتجاوز القرآن والحديث " ١، وكما قال الإمام الأوزاعي:""ندور مع السنة حيث دارت " ٢ أي: نفياً وإثباتاً. فهذا منهجهم فيما ثبت في الكتاب والسنة إما نفياً أو إثباتاً. أما ما سُكِت عنه فلم يذكر في الكتاب والسنة، فبيَّن المصنف هنا أنَّه لا يُثبت ولا يُنفى، ولا يتعرض له بنفي أو إثبات. وعلَّل ذلك بقوله: " فكما لا يثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي " يعني كما أنَّ صفات الله توقيفية لا تثبت إلا بنص شرعي ودليل من الكتاب والسنة، كذلك لا يُنفى إلا بدليل سمعي؛ فإنَّ النفي علم، والعلم يحتاج إلى دليل يستند عليه، بل إنَّ أمر النفي أشد؛ فإنَّه يحتاج إلى استقراء تام وتتبع كامل ودراية واسعة بالنصوص. ثم ختم ﵀ بهذه الدعوة التي بدأ بها في أول هذه العقيدة، وهي منطلقة من المعاني التي قررها في هذا الكتاب، فقال: " نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأن يحيينا على الطريقة التي يرضاها " وهي السنة، واتباع هدي النبي ﷺ . " ويتوفانا عليها " وأن يرزقنا الوفاة عليها. " وأن يلحقنا بنبيه وخيرته من خلقه محمد المصطفى وآله وصحبه،

стр. 399

ويجمعنا معهم في دار كرامته، إنَّه سميع قريب مجيب " وهذه الدعوة مباركة وعظيمة، ولا تتحقق للعبد إلا بسلوكه المعتقد الحق وبلزومه القول والعمل والنية على الطريقة التي كان عليها النبي ﷺ ، فلا تنال مرافقة المصطفى ﷺ في دار كرامته: الجنة إلا بالعمل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ١، وكما قال النبي ﷺ لربيعة بن كعب الأسلمي لما قال له: أسألك مرافقتك في الجنة ـ قال:""فأعني على نفسك بكثرة السجود " ٢. فلابد من اعتقاد صحيح وعمل جاد وسعي حثيث مع سؤال الله ﵎ والاستعانة به وطلب الثبات والعون منه ﵎، فالتوفيق منه وحده. " وكلُّ حديث لم نضفه إلى من أخرجه فهو متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما " هذه قاعدة المصنف في تخريج النصوص الواردة في هذا الكتاب، وقد سبق وأن أشرت إليها، وهي أنَّ كلَّ حديث تركه غفلاً بدون أن يذكر من خرجه فهو في الصحيحين، وهذا منه مراعاة للاختصار. " آخره والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً " والله تعالى أعلم، وكان الفراغ من هذا الشرح مراجعة وتصحيحاً في منتصف شهر شعبان من عام ثلاثة وعشرين وأربعمائة وألف، فلله الحمد وحده لا شريك له، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.