وهذه الأوصاف الأربعة مأخوذة من كلام النبي ﷺ في حديث العرباض ابن سارية ﵁:""فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ١.
ففي هذا الحديث إشارة إلى صلاح العلم والعمل وأنَّهم قدوة في هذين الأمرين؛ فالراشد: من ليس عنده غواية، بل عنده بصيرة وعلم وفهم ودراية بدين الله جل وعلا. والمهدي من ليس عنده ضلال، بل عنده عبادة وطاعة وتقرب إلى الله ﵎. ومن كان كذلك فهو إمام وقدوة في الخير. وهذا نظير وصف الله ﵎ لنبيه ﷺ بقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٢، فنفي الضلال فيه إثبات كمال ضده وهو الهداية، ونفي الغواية فيه إثبات كمال ضدها وهو الرشاد.
وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف ﵀ للخلفاء هو من عقيدة أهل السنة والجماعة ولم يخالف فيه أحد، وإنما عُرِفَ عن بعض أهل السنة تفضيل علي على عثمان. أما ترتيبهم في الخلافة فلا خلاف في أنَّ أحقهم بها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ثم استقرت كلمة أهل السنة والجماعة فيما بعد على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
وهذا الترتيب كان معروفاً عند الصحابة، كما جاء في صحيح الإمام البخاري ٣ عن عبد الله بن عمر ﵄ قوله:""كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ ، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان
стр. 352
رضي الله عنه ". زاد الطبراني ١:""فيسمع رسول الله ﷺ ذلك، فلا ينكر ".
وجاء في هذا المعنى آثار عديدة عن الصحابة والسلف، منهم علي ﵁، فقد سأله ابنه محمد بن الحنفية، فقال:""أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال ما أنا إلا رجل من المسلمين ""٢.
لما أنهى المصنف ﵀ الكلام عن الخلفاء الراشدين انتقل للكلام على بقية الستة المبشرين بالجنة فقال:
" ثم الستة الباقون من العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله عليهم. فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة "
وهؤلاء يعرفون بالعشرة المبشرين بالجنة؛ لأنَّ النبي ﷺ بشَّرهم بالجنة في مجلس واحد، كما ورد ذلك في عدة أحاديث، منها: حديث سعيد بن زيد ٣، وحديث عبد الرحمن بن عوف ٤، قال النبي ﷺ :""أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة،
стр. 353
والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ".
وقد نظم غير واحد هؤلاء العشرة في أبيات، منها هذان البيتان:
للمصطفى خير صحب نص أنهم ... "في جنة الخلد نصاً زادهم شرفاً
هم طلحة وابن عوف والزبير مع ... أبي عبيدة والسعدان والخلفاء١
وقد أفرد بعض أهل العلم فضائل هؤلاء العشرة بمصنفات خاصة، منهم المحب الطبري ﵀ في كتابه " الرياض النضرة في مناقب العشرة ".
" فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها؛ اتباعاً لقوله وامتثالاً لأمره "
وفي هذا إشارة إلى طريقة أهل السنة والجماعة في التعامل مع أحاديث النبي ﷺ في كلِّ شيء، ومن ذلك: الشهادة بالجنة والتفضيل بين الصحابة رضوان الله عليهم.
" وقد شهد رسول الله ﷺ بالجنة لثابت بن قيس، وعبد الله بن سلام، ولبلال بن رباح، ولجماعة من الرجال والنساء من أصحابه "
شهادة النبي ﷺ لثابت بن قيس ﵁ بالجنة ثابتة في الصحيحين ٢ من حديث أنس ﵁:""أنَّه لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ﴾ ٣ جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ . فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟ قال سعد: إنَّه لجاري، وما علمت له بشكوى. فأتاه سعد فذكر له قول النبي ﷺ . فقال ثابت: أنزلت
стр. 354
هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال: بل هو من أهل الجنة ".
وأما عبد الله بن سلاَم ١ ﵁، فثبت أيضاً في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنَّه قال:""ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنَّه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام " ٢.
وأما بلال ﵁ فثبت في الصحيحين ٣ من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال:""يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ".
" وبشَّر خديجة ببيت من قصب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب "
وهذا الحديث في الصحيحين ٤، وقيل: إنَّ القصب هو اللؤلؤ المجوف، أي: ليس فيه أصوات مزعجة، ولا شدة فيه ولا عنت ولا تعب.
" وأخبر أنَّه رأى الرميصاء بنت ملحان في الجنة "
الرميصاء هي زوجة أبي طلحة، أم أنس بن مالك، وقد بشرها النبي ﷺ بالجنة هي وبلال في حديث واحد، قال النبي ﷺ :""أريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة، ثم سمعت خشخشة أمامي، فإذا بلال " ٥.
لما أشار المصنف ﵀ إلى بعض من شهد لهم النبي ﷺ بالجنة قال:
стр. 355
" فكلُّ من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم " أي: لا نشهد لأحد معين غير من شهد لهم رسول الله ﷺ بذلك.
" بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء "
هذه طريقة أهل السنة في الشهادة، لا يشهدون لمعين بجنة أو نار، إذا رأوا أحداً على خير وإحسان وطاعة وعبادة وإقبال على الله قالوا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، أو نحسبه من أهل الجنة، أو إن شاء الله من أهل الجنة. ومن أساء خافوا عليه النار، بدون جزم بها.
" ونكل علم الخلق إلى خالقهم "
أي: نفوض العلم بحالهم وخاتمتهم وصدق إيمانهم وما يستحقونه من جنة أو نار وسعادة أو شقاء إلى الله
" فالزم ـ رحمك الله ـ ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم ولا تحد عنه "
هذا الكلام عائد لكلِّ ما سبق، فالعقيدة التي أوردها المصنف في هذا الكتاب كلُّها مبنية على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وقد أشار إلى هذا المعنى في مقدمة الكتاب وفي ثناياه غير مرة، وأعاده هنا في تمامه. فأهل السنة يبنون كلَّ صغير وكبير، وكلَّ أمور المعتقد والدين على كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ . ولهذا يقول المصنف: خذ كلَّ ما ذكرته لك في هذا الكتاب، وهو ليس مني، ولم آت به من عند نفسي، فهذه العقيدة لم أنشئها من قبل نفسي، ولم أبتكرها من بنات عقلي، بل جمعت فيها ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ومن أخذ من المنهل الأول وجد بقية الموارد كدرة، لكن هذا أمر لا يدركه أهل الأهواء. فكلُّ من اشتغل بالعقول أو اشتغل بالمنامات أو اشتغل بالأذواق والمواجيد لا يدرك ما يدركه أهل السنة من حلاوة في المعتقد ولذة في الإيمان
стр. 356
لكونه مأخوذاً من هذا المنبع الصافي والمنهل العذب كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
" ولا تبتغ الهدى في غيره " لأنَّ من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة ضل، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ١، وقال النبي ﷺ :""تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض " ٢، فالذي يتبع الهدى وهو ما في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ لن يضل.
ثم حذَّر قارئ هذا المعتقد من أباطيل أهل الأهواء فقال:
" ولا تغتر بزخارف المبطلين " فسمَّى ما عند المبطلين زخارف، وذلك لأنَّه باطل مردود يأباه كلُّ مسلم، لكنَّ أهل الباطل لا ينفِّقون باطلهم إلا بإلباسه لباس الحق وزخرفته وتزيينه وتنميقه؛ فينفق على جهال الناس وعوامهم، ويغترون به. فكلُّ حق لا يريدونه يسمونه باسم مستشنع، وكلُّ باطل يريدون تقريره يلقبونه بألقاب جميلة، كما سمى المعطلة تعطيلهم للصفات تنزيهاً، وإثبات الصفات تجسيماً، وكما سمَّوا تعطيلهم للصفات توحيداً، وإنكارهم للقدر عدلاً، ونحو ذلك.ولهذا لا ينبغي لمسلم أن يغتر بزخرفة القول.
قال الأوزاعي ﵀:""عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول " ٣.
" وآراء المتكلفين " وهذا فيه إشارة إلى أنَّ ما عند أهل الباطل إنَّما هو مجرد آراء، هي من نتاج عقولهم وبنات أفكارهم، ولهذا عندما يقرأ المسلم في كتاب لأهل السنة وكتاب لأهل الأهواء في المعتقد يجد صاحب السنة ينطلق فيه
стр. 357
من آيات وأحاديث. ويجد صاحب البدعة والهوى ينطلق من آراء، ثم يتكلف ليستدل لها، فترى الواحد منهم يعتقد ثم يستدل، فيلوي الآيات والأحاديث ويأطرها لتكون دليلاً له على معتقده، أو يوردها ليردها، حتى إنَّ قارئ كتبهم والمطلع عليها ليلمس فيهم عند إيرادهم لنصوص الشرع أنَّهم إنَّما أوردوها ليشرعوا في ردها وتأويلها شروع من قصد ذلك أصلاً وابتداء بأيِّ طريقة كانت. فمثلاً يقرر بعضهم بشواهد عقلية فاسدة نفي العلو ثم يقول: فإن قيل: ما قولكم في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، ثم يشرع في تأويلها وصرفها عن ظاهرها، فهو لم يأت بالآية أصلاً إلا ليردها.
" فإنَّ الرشد والهدى " عندما يجتمع الرشد مع الهدى، فالرشد: في العلم، وضده الغواية. والهدى: في العمل، وضده الضلال. وإذا ذكر كلُّ واحد منهما مفرداً تناول الآخر.
" والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله " وهنا ينبه المصنف على شيء سبق أن نبه عليه ألا وهو أنَّ المسلم ينبغي أن يعوِّد نفسه على تلقي كلِّ ما يأتي في الكتاب والسنة بالرضى والقبول والتسليم. وإن استوحش من بعض الأمور لضعف بصيرته، وقلة علمه فليتهم رأيه في الدين، وليرض بما جاء عن الله ورسوله ﷺ ، كما قال الزهري:""من الله الرسالة، وعلى رسول الله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم " ٢، فإنَّ في ذلك الفوز والفلاح.
" لا فيما أحدثه المحدثون " المحدثون من الإحداث وهو الابتداع أي إنشاء شيء في الدين ليس منه، وفي هذا يقول النبي ﷺ :""من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ٣.
стр. 358
" وأتى به المتنطعون " التنطع: التكلف، أي الذين لم يسعهم ما في الكتاب والسنة وما عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فأخذوا يتكلفون أشياء ويستحسنون أموراً يأتون بها من قبل أنفسهم يلصقونها بالدين.
" من آرائهم المضمحلة " الاضمحلال هو التلاشي والتصاغر، فهي آراء حقيرة واهية، لا تقوم على عقول راجحة ولا أفهام سوية، بل على عقول فاسدة وأفهام ردية.
" ونتائج عقولهم الفاسدة " وهؤلاء إنَّما أتوا من فساد العقول؛ فسدت عقولهم فبنوا عليها الدين، وإلا لو صحت العقول لتلقوا ما جاء به الرسول ﷺ بالرضا والتسليم.
ثم عاد ﵀ ناصحاً فقال:
" وارض بكتاب الله وسنة رسوله " وبهذا الرضا ينال العبد حلاوة الإيمان وطعمه كما قال ﷺ :""ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً " ١.
" عوضاً من قول كلِّ قائل وزخرف وباطل " يعني لا تغتر بكلام الناس ولا زخارفهم ولا باطلهم، بل عليك بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والرضا بما جاء فيهما.
ونظير كلام المصنف قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:""العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، فالشأن في أن نقول علماً، وهو النقل المصدق والبحث المحقق. فإنَّ ما سوى ذلك ـ وإن زخرف مثله بعض الناس ـ خزف مزوق، وإلا فباطل مطلق " ٢.
стр. 359
فأهل الباطل ليس عندهم إلا هذيان وآراء فاسدة وتقريرات باطلة لكنَّهم زخرفوها وزوقوها ونمقوها وألبسوها قوالب الحق فنفَّقوها بذلك بين الناس وروجوها فيهم.
وقد ختم المصنف ﵀ بهذه الخاتمة التي فيها التأكيد على التمسك بالكتاب والسنة والتعويل على ما جاء فيهما، والحذر من الباطل وأهله، والبراءة من الأهواء وأهلها.
ونظراً لعظم هذا المقام وأهميته وحاجة الناس لمزيد التأكيد عليه وبيان بعض أدلته، لم يكتف بذلك، بل أفرد له فصلاً خاصاً فقال:
стр. 360
" فصل في فضل الاتباع "
يجب على كلِّ مسلم أن يدرك فضل اتباع النبي ﷺ ، وأنَّ السعادة إنَّما تنال باتباعه والسير على نهجه ﷺ ، فلم يبعث الله الرسل إلا ليُتَّبعوا ولتقتفى آثارهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١.
وفضل اتباع النبي ﷺ من الأمور المتقررة والأصول المتأكدة، فلا دين إلا بالاتباع، ولا سعادة ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا به. وما كان الناس بحاجة إلى أن تعقد الفصول وتؤلف المؤلفات في بيان فضل اتباعه، ولكن لمَّا عمت في الناس الأهواء وكثرت البدع والآراء وفشت الضلالات احتاج أهل العلم إلى تأليف الكتب وعقد الفصول وكتابة الرسائل وجمع الأدلة في بيان فضل اتباع النبي ﷺ ، والتحذير من الأهواء وأهلها حتى تستبين الجادة وتتضح الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢.
فالباطل إذا وُجد في الناس وانتشر يجب أن يحذر منه، وأيضاً إذا ضعف الحق والتمسك به ينبغي أن ينشر بين الناس فضله. وإذا نظرت في كثير من مجتمعاتنا اليوم ترى أنَّهم يحتاجون إلى هذه الأصول، يحتاجون إلى أن تذكر لهم الأحاديث والأدلة الدالة على فضل اتباع النبي ﷺ . فإذا عرفوا فضل ذلك، بُين لهم كيف يكون الإنسان متبعاً للنبي ﷺ سائراً على نهجه مقتفياً لآثاره.
وإذا قيل: ما علاقة الاتباع بالاعتقاد؟ يقال: لا صحة للاعتقاد إلا إذا كان مبنياً على الاتباع، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٣ أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر. فلا يقبل من الناس أي اعتقاد أو عمل إلا إذا كان مبنياً على الاتباع. ولهذا فالاتباع
стр. 361
هو أصل أصول الإيمان، وإنما تبنى أصول الإيمان على الاتباع وعلى العلم الصحيح المتلقى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كثيراً ما يقول:""من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول" ﷺ " ١.
ويقول ابن أبي العز الحنفي:""كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير ما جاء به الرسول ﷺ " ٢.
ولهذا ترى عامة المصنفين من أهل السنة أول ما يبدءون المعتقد يبدءونه بالحث على الاتباع والتمسك بالكتاب والسنة؛ لأنَّ هذا هو الركيزة والأساس الذي يبنى عليه المعتقد، فإن لم يبن على هذه الركيزة لا يكون صحيحاً ولا مقبولاً. وهذا تأصيل مبارك ينبغي أن يغرس في قلب كلِّ مسلم.
وقد أورد ﵀ تحت هذا الفصل أحاديث بدأها بحديث جابر ابن عبد الله فقال:
" روى جابر بن عبد الله ﵄ قال:""كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: نحمد الله تعالى ونثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، إنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار. ثم يقول: بُعثت أنا والساعة كهاتين. وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه كأنَّه منذر جيش، صبَّحكم ومسَّاكم. ثم قال: من ترك مالاً فلأهله، ومن
стр. 362
ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ وعليَّ، وأنا ولي المؤمنين " رواه مسلم والنسائي. ولم يذكر مسلم:""وكلُّ ضلالة في النار "
" أحسن الهَدي هَدي محمد " وتروى أيضاً بلفظ: " الهُدى: هُدى محمد " والهَدي: هو الطريق، والهُدى: هو الدلالة والإرشاد، فأحسن الطرق طريق النبي ﷺ ، وأحسن الدلالة والإرشاد هو ما جاء عنه ﷺ .
وفي هذا الحديث بيان أساس ذلك التأصيل المبارك والمنهج الطيب الذي سار عليه أهل السنة في افتتاح عقائدهم بالإرشاد والتنبيه على أهمية الاتباع، فهذا نبينا ﷺ في كلِّ خطبة يقرر للناس هذا الأصل: " إنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد " تأكيداً على أنَّ العقيدة والعبادة والأخلاق مبناها على لزوم الكتاب والسنة. وتكرار ذلك في كلِّ جمعة فيه تنويه بهذا الأصل العظيم والأساس المتين، وأنَّه أصل ينبغي أن يفهم في كلِّ مقام، وهو أنَّ العمدة على أصدق الكلام وهو كلام الله، وخير الهدي وهو هدي رسول الله ﷺ .
" وشر الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار " وهذا فيه التحذير من البدع، وبيان شدة خطورتها وعظم ضررها، وأنَّها مفضية إلى الضلال، وأنَّ الضلال مفض إلى النار.
" ثم يقول: بُعثت أنا والساعةَُ كهاتين " يقول النووي ﵀:""روي بنصبها ورفعها. والمشهور: نصبها على المفعول معه " ١. وزاد في صحيح مسلم ٢: " ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى " وهذا فيه إشارة إلى قرب
стр. 363
الساعة، وأنَّ بعثته ﷺ من علاماتها.
" وكان إذا ذكر الساعة " أي القيامة، وإنما سميت الساعة لأنَّها تجيء بسرعة، وقيل: لأنَّها تقوم في ساعة.
" احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه كأنَّه منذر جيش، صبَّحكم مسَّاكم " كان ﷺ لمَّا يذكر الساعة وأمرها وأحوالها يكون على هذه الصفة، كأنَّه منذر جيش، وهو الرجل الذي خرج من بلده فوجد جيشاً قادماً لمداهمة البلد وإهلاك من فيها، فرجع فزعاً خائفاً يصيح بالناس، يقول: صبَّحكم أو مسَّاكم أي: الجيش.
وفعل النبي ﷺ هذا ليس متكلفاً، وإنما هو تأثرٌ ونصحٌ وقيامٌ ببيان هذا الأمر العظيم والمقام الخطير، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وهذا يدل على أنَّ الواعظ والخطيب إذا كان متأثراً بما يقول أثر في الناس غاية التأثير، وانتفعوا بمواعظه وخطبه.
" من ترك مالاً فلأهله " أي: يرثونه عنه.
" ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ وعليَّ " أي: من ترك ديناً أو أولاداً ليس لهم من يعولهم فهو يقوم بهم ويتولاهم. وهذا إنَّما قاله ﷺ لما حصلت الفتوحات وتيسر المال والحال؛ لأنَّه كان في أول الأمر إذا جيء إليه بمن عليه دين لم يصل عليه حتى يُقضى عنه دينه.
" وأنا ولي المؤمنين " وجاء في صحيح مسلم ٢: " أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسه "، وفي معناه قول الله ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
стр. 364
أَنْفُسِهِمْ﴾ ١، وله معان كثيرة، منها: أنَّه أحرص عليهم وأنصح لهم من أنفسهم. ومنها: أنَّ محبته مقدمة على محبة المؤمن لنفسه، يقول رسول الله ﷺ :""لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " ٢، وقال النبي ﷺ في حديث عمر بن الخطاب ﵁ لما قال: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كلِّ شيء إلا من نفسي ـ:""لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنَّه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر " ٣.
" وروى زيد بن أرقم قال:""قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أمَّا بعد، أيها الناس، فإنَّما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه، وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن تركه وأخطأه كان على الضلالة. وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاث مرات " رواه مسلم "
" قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً " هذه الخطبة كما ثبت في الصحيح قالها النبي ﷺ بماء أو غدير يقال له: خم، أو قم، بين مكة والمدينة، فخطب الناس في ذلك المكان خطبة.
" فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر " أي: ذكَّر الناس بطاعة الله والتزام أمره والبعد عن معصيته.
" ثم قال: أمَّا بعد، أيها الناس، فإنَّما أنا بشر مثلكم " فبيَّن ﷺ أنَّه بشر
стр. 365
من بني آدم، وأنَّ شأنه شأن البشر في الأكل والشرب واللباس وكلِّ ما هو من أوصاف البشر، ولكن فضَّله الله جل وعلا بكمال العبودية وبأن جعله رسولاً للعالمين، فلا يُعبد ولا يعطى شيئاً من خصائص الإله، وهذا البيان منه ﷺ امتثال لأمر الله ﵎ له بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١.
ففي قوله ﷺ : " إنما أنا بشر مثلكم " تحذير من الغلو فيه، وأنَّه أمر باطل محرم. ومع هذا التحذير البين في القرآن والسنة إلا أنَّ الغلو فيه عند بعض الطوائف ـ لا سيما المتصوفة ـ يصل إلى درجة إعطائه ما هو من خصائص الرب العظيم ويخرجه عن خصائص البشر. كقول البوصيري في بردته:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فإنَّ من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا غلو في النبي ﷺ ، وإعطاءٌ له من خصائص الله في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ففيما يتعلق بالألوهية قال: ما لي من ألوذ به سواك. وهذا التجاء إلى النبي ﷺ واستنجاد به وطلب منه. وفيما يتعلق بالربوبية قال: وإن من جودك الدنيا وضرتها. وفيما يتعلق بالأسماء والصفات قال: ومن علومك علم اللوح والقلم. وجميع ذلك من خصائص الرب، فلو أنه قال: يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به سواك.. الخ لأصاب الحق ولسلم من الضلال.
وافتتح آخر أبياتاً له يمدح فيها النبي ﷺ بقوله:
هو الأول والآخر محمد ... هو الظاهر والباطن محمد
стр. 366
فلو عقل هؤلاء قول النبي ﷺ : " إنما أنا بشر مثلكم " لما غلو فيه مثل هذا الغلو، ولما أعطوه من خصائص الرب جل وعلا.
وقد أنكر النبي ﷺ أشياء دون هذا في زمانه، ففي صحيح البخاري ١ أنَّ النبي ﷺ سمع جارية من الأنصار قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال:""دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين "، زاد ابن ماجه ٢: "ما يعلم ما في غد إلا الله ".
ولما سمع النبي ﷺ رجلاً قال: ما شاء الله وشئت قال:""أجعلتني لله عِدلاً؟ قل: ما شاء الله وحده " ٣.
وسد ﷺ ذرائع الشرك، وقال:""لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله " ٤. وعبد الله: تبطل الغلو، ورسوله: تبطل الجفاء، والحق هو التوسط بين الغلو والجفاء، فلا يرفع فيعطى خصائص الرب، ولا يجفى فلا يمتثل أمره ولا تتبع سنته.
" يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه " أي: ملك الموت، وهذا أيضاً من خصائص البشرية، فهو ﷺ يلحقه ما يلحق البشر من الموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٥، فمن كان بشراً، ويلحقه ما
стр. 367
يلحق البشر لا يستحق أن يعبد، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ١، وقال أبو بكر ﵁ في خطبته لما مات النبي ﷺ :""أمَّا بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإنَّ محمداً ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت " ٢. فالعبادة والذل والخضوع حق لله لا يصرف لأيِّ أحد من البشر كائناً من كان، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣.
لكن بسبب انتشار الضلال وكثرة الجهل، ودروس الدين وعدم فهمه، تمادى أقوام في الغلو والإطراء حتى صرفوا العبادة لغير الله من الأنبياء والصالحين وغيرهم.
" وأنا تارك فيكم الثقلين " فنصح النبي ﷺ أمته حياً وميتاً، في حياته بذل وسعه وجاهد في الله حق جهاده وبلَّغ البلاغ المبين، ولما شعر بدنو أجله نصح أمته هذه النصيحة البالغة.
" أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور " ولهذا من ابتغى الهدى ومعرفة الخير وإصابته والوقوف عليه فهو في كتاب الله، كما قال ﵎: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٤، ومن أراد النور والضياء وإبصار الطريق ومعرفة الحق، فهو في كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥، ومن التمس الهدى والنور في غير كتاب الله جل وعلا ضل.
" من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن تركه وأخطأه كان على
стр. 368
الضلالة " ومن التمسك بكتاب الله: التمسك بسنة نبيه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١، فالوصية بالكتاب: وصية بالسنة، ومن لم يتمسك بسنة النبي ﷺ لم يتمسك بالكتاب. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر:""تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ما إن تمسكتم به لن تضلوا " ٢.
" وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " وهذه وصية منه ﷺ بأهل بيته المؤمنين؛ بأن يعرف الناس قدرهم، وأن تحفظ مكانتهم، وألا يبغض أحد منهم، وأن يقابلوا بالحب والدعاء والثناء. ولم يحفظ أحد هذه الوصية المباركة إلا أهل السنة والجماعة، فهم الذين توسطوا فيهم بين الغلو والجفاء: بين غلو الرافضة الذين أعطوهم أموراً كثيرة من خصائص الله فادعوا فيهم أنَّهم يعلمون الغيب وأنَّهم يعلمون متى يموتون، وأنَّهم لا يموتون إلا بإذنهم وأنَّهم يتصرفون في الكون إلى غير ذلك من الغلو العجيب الذي امتلأت به كتبهم، وجفاء النواصب الذين وقعوا في أهل البيت وطعنوا فيهم، وأخذوا يتكلمون فيهم ويلعنونهم. ولم يحفظ وصية النبي ﷺ فيهم إلا أهل السنة، فعرفوا لهم قدرهم، وحفظوا مكانتهم، وأحبوهم، وتولوهم، ودعوا لهم، وترضوا عنهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:""ويحبون ـ يعني أهل السنة ـ آل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: " أذكركم الله في أهل بيتي " " ٣
وهذه عادة أهل السنة: وسط عدول في كلِّ الأمور، وسط بين الإفراط
стр. 369
والتفريط. أمَّا من سواهم ففي أحد طرفي النقيض، إما الجفاء أو الغلو.
وللرافضة في يوم غدير خم انحراف متزايد مبني على هذا الغلو، ولهذا يتخذون هذا اليوم عيداً، ويجتمعون فيه على الضلال والانحراف والزيغ والغلو في أهل البيت ورفعهم فوق مكانتهم، وفي هذا اليوم أيضاً يقعون في بقية الصحابة رضوان الله عليهم، بل يقعون في أفضل الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم، وينسبون إلى النبي ﷺ أموراً يدَّعون أنَّه قالها في هذا اليوم. ومن ادعاءاتهم في هذا اليوم أنَّ النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁، وادَّعوا أنَّ الصحابة كتموا ذلك، ولهذا يجتمعون في هذا اليوم ويلعنون الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم بزعمهم كتموا وصية النبي ﷺ . فيجتمعون على لعن بعض الصحابة والغلو في بعضهم الآخر. ثم يتباكون على أهل البيت تباكياً يخدعون به جهال الناس١.
فأين حفظهم للوصية؟! فهل حفظ الوصية بالكذب والافتراء عليه ﷺ وتقويله ما لم يقل؟! أم بالطعن في أصحابه وإضاعة سنته والغلو في آل بيته والتمادي في البدع؟! ومع ذلك يدَّعون أنَّ أهل السنة لم يحفظوا وصية النبي ﷺ في أهل بيته. وهذا كما قال القائل: رمتني بدائها وانسلت.
" ثلاث مرات " وهذا مما يبين عظم قدر أهل البيت ورفعة مكانتهم، وقد صدر للوالد ـ حفظه الله ـ رسالةٌ في هذا الباب بعنوان: " فضل أهل البيت ومكانتهم عند أهل السنة والجماعة " ساق فيها فضائل أهل البيت في القرآن، وفي السنة، وعند الصحابة، وعند أئمة السلف، وأخذ يسوق فضائل أهل البيت عبر التاريخ، إلى أن وصل إلى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
стр. 370
رحمه الله، وبيَّن ثناء الشيخ محمد على أهل البيت، وأنَّه من شدة حبه لآل البيت ﵀ سمَّى أكثر أبنائه ـ كلهم إلا واحداً ـ بأسماء آل البيت، فسمى الحسن والحسين وعلياً وفاطمة وإبراهيم وعبد الله، بل أسماء آل البيت مازالت باقية في ذريته إلى وقتنا هذا. وأهل الضلال يدَّعون أنَّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكرهون آل البيت، وأشار الوالد ـ حفظه الله ـ أيضاً أنَّه قد سمَّى عدداً من أبنائه بأسماء آل البيت. فمكانة آل البيت محفوظة وقدرهم معروف عند أهل السنة في القديم والحديث، لكن الغلاة لا يرضيهم إلا الغلو، ولا يعجبهم إلا الإطراء الزائد عن الحد، وقد سلَّم الله أهل السنة ووقاهم من ذلك كلِّه، فله الحمد والمنة.
والشاهد من الحديث: وصية النبي ﷺ بكتاب الله وأنَّه فيه الهدى والنور، وهذا متضمن للوصية بسنته ﷺ .
" وروى العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال:""وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنَّ هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال أوصيكم بتقوى الله تعالى، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح. ورواه ابن ماجه، وفيه قال:""وقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " "
في هذا الحديث وصية من النبي ﷺ على إثر موعظة وصفها العرباض
стр. 371
رضي الله عنه بأنها: " موعظة بليغة، ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب " وهذا يبين لنا حال الصحابة مع مواعظ النبي ﷺ ، ترق القلوب وتدمع العيون ويتأثر الجميع.
فلما وعظهم هذه الموعظة وتأثروا هذا التأثر قالوا: " كأنَّ هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ " أرادوا وصية مودع، وعادةً وصيةُ المودعِ تكون جامعة.
" قال أوصيكم بتقوى الله تعالى " وهذه أعظم الوصايا، وهي وصية الله ﵎ للأولين والآخرين من خلقه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ١، وهي وصية الرسول ﷺ لأمته، فقد كان ﷺ ""إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً " ٢. وهنا لما طلب منه الصحابة وصية بدأها بتقوى الله.
وتقوى الله: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من سخط الله وعقابه وقاية تقيه. وهذا إنَّما يكون بفعل الأوامر وترك النواهي. ولهذا فإنَّ من أحسن ما عرفت به التقوى: قول طلق بن حبيب ﵀:""تقوى الله العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافة عقاب الله " ٣. وقد وقفت لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم والذهبي وابن رجب على ثناء على هذا التعريف وأنَّه من أحسن ما عرفت به التقوى.
стр. 372
العلم والاتباع. ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله " ١. وقال ابن القيم:""وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى " ٢.
" والسمع والطاعة " أي: لمن تأَمَّر على الناس، أوكان أميراً عليهم.
" وإن كان عبداً حبشياً " إن استتب له الأمر، وصارت له الإمارة فلا يجوز للمسلم أن يفتات عليه، وما ثم إلا السمع والطاعة. وقد دلت النصوص على أنَّ الطاعة في المعروف، وأن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
" فإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً " وهذا من دلائل نبوته ﷺ ، يخبر عن أمور مغيبة وتقع كما أخبر ﷺ . وهذا نظير قوله ﷺ في الحديث الآخر:""وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلا واحدة " ٣.
لما أخبر ﷺ بالاختلاف الذي سيقع أرشد إلى المخرج منه دون أن يُسأل، فكلُّ من يسمع قول الرسول ﷺ : " إنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً " لابد ـ إن كان ناصحاً لنفسه ـ أن يرد في ذهنه هذا السؤال، ولهذا فمن تمام نصح النبي ﷺ وكمال بيانه: أجاب دون أن يُسأل، فقال: " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور " هذا هو المخرج، وهو يتلخص في أمرين: لزوم السنة، وهذا في قوله ﷺ : " عليكم بسنتي.. ". ومجانبة البدعة، وهو في قوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور ... ". فالمخرج من الاختلاف الكثير والفرقة التي تنشأ
стр. 373
والشقاق الذي ينشب بين الناس يكون بهذين الأمرين: لزوم سنة النبي ﷺ ، ومجانبة البدع.
والشاهد من الحديث: أنَّ فيه وصية بالاتباع، ولا يكون العبد متبعاً إلا بهذين الأمرين: لزوم السنة ومجانبة البدعة.
" فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة " وهذا عام في كل البدع بدون استثناء، والبدعة هي الأمر الذي أحدث في الدين، كما قال النبي ﷺ :""من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١. فكلُّ ما كان هذا شأنه فهو محدث مردود ليس مقبولاً من صاحبه.
ومن قال إنَّ في البدع شيئاً حسناً، فإنَّ معنى ذلك أنَّ في الدين أموراً حسنة لم يبينها النبي ﷺ ، ولهذا قال الإمام مالك ﵀:""من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أنَّ محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٢ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " ٣. فالبدع كلُّها ضلال، والدين كلُّه تام عقيدة وعبادة وأخلاقاً، ولم يبق إلا الاتباع، ولهذا كان شأن الصحابة الاتباع، وستأتي بعض أقوالهم في ذلك.
ولو نظرت في حال من يستحسنون كثيراً من البدع ترى أنَّ عشرات بل مئات من السنن الثابتة بالأحاديث الصحيحة الصريحة مهجورة عندهم ومتروكة ولا يعملون بها. فإن لم يكونوا مفضلين لبدعهم على سنة المصطفى ﷺ فلم يهجرون سنته وينهمكون في هذه البدع؟!
стр. 374
بل إنَّ بعضهم يترك بعض الفرائض ولا يفوت بعض البدع، وخاصة البدع الموسمية والتي فيها استرواح للنفس بالباطل ومتع من متع الدنيا كالطبول وغيرها، ومن يتركها ولا يحضرها يعد عند بعضهم غير محب للنبي ﷺ ولو كان محافظاً على الفرائض والسنن، وإنما المحب من يحضر هذه البدع وإن فعل ما فعل، فصار المعيار في صدق المحبة البدعة لا السنة، وهذا من قلب الحقائق. قال ابن القيم ﵀ شارحاً قول النبي ﷺ :""تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيُّ قلب أُشربها نُكت فيه نكتة سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض. والآخر أسود مُربادَّاً كالكوز مُجَخِّياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه " ١ ـ قال:""فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقاً. الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول ﷺ وانقياده للهوى واتباعه له " ٢. نسأل الله العافية والسلامة.
" وقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها " تركنا على السنة الواضحة والجادة المستقيمة التي لا خفاء فيها ولا لبس."
" لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " أي إلا من كتب الله عليه الهلاك.
стр. 375
ثم أورد المصنف حديث أبي الدرداء وهو بمعنى الحديث السابق، فقال:
" وروى أبو الدرداء قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال:""الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتُصَبَّنَّ الدنيا عليكم حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هِيَهْ، وأيم الله قد تركتكم على البيضاء ليلها ونهارها سواء ". قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ﷺ ، تركنا على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. رواه ابن ماجه "
" الفقر تخافون؟ " أي: هل تخافون من الفقر؟
" والذي نفسي بيده لتُصَبَّنَّ الدنيا عليكم " أي: يوسع عليكم في الرزق، وهذا أيضاً كسابقه من دلائل نبوته ﷺ ، فلم يمض بعد كلامه إلا وقت يسير حتى جاءت كنوز الدنيا إلى الصحابة.
" حتى لا يُزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هِيَهْ " أي: الدنيا والركون إليها، والتكالب عليها وشغل الأوقات بها. فمن أسباب الزيغ: الافتتان بالدنيا، فتكون أكبر هم الإنسان، حتى يبلغ الحال ببعضهم أن يكون عبداً للدينار وللدرهم، كما قال ﷺ : ""تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض "
ثم نبه النبي ﷺ إلى ما ينبغي أن يهتم به فقال: " وأيم الله قد تركتكم على البيضاء ليلها ونهارها سواء " أي أنَّه ﷺ أبان الدين وأوضح الطريق وأقام الحجة وأزال المعذرة ونصح للأمة، وما ترك خيراً إلا دل الأمة عليه، ولا شراً إلا حذرها منه، وبهذا الذي أبانه تكون النجاة.
стр. 376
" قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ﷺ ، تركنا على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء " فدين هذا شأنه في الوضوح، ما الذي يحوج أتباعه إلى الرغبة عنه والاشتغال بغيره، كما يفعل أهل البدع، يهجرون هذا الواضح البين ويشتغلون بالشبهات والأهواء.
فالحديث شاهد على أهمية الاتباع وفضله وعظم شأنه، وأن النبي ﷺ بيَّن دين الله أتم البيان، ولم يمت حتى أتم الله به الدين وأكمله، وأنزل الله ﵎ في ذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ١.
" وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :""إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما، أو عملتم بهما: كتاب الله وسنتي. ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض " رواه أبو القاسم الطبري الحافظ في السنن " وإسناد هذا الحديث عند اللالكائي ضعيف، لكن له شواهد يتقوى بها ٢ وهو بمعنى ما سبق.
" ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض " وفي هذا دلالة على التلازم بين الكتاب والسنة والارتباط الوثيق بينهما، وأنَّ المسلم مأمور بأن يعمل بالكتاب والسنة؛ إذ هما متلازمان لا يتفرقان حتى يردا على الحوض. قال ابن القيم ﵀ تعليقاً على هذا الحديث ـ:""فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما، ويرد أحدهما بالآخر " ٣ أي: الكتاب والسنة.
ثم أخذ المصنف ﵀ يورد جملة من الآثار عن السلف الصالح ـ
стр. 377
رحمهم الله ـ في فضل الاتباع والبعد عن الابتداع، وذكرنا فيما سبق أنَّ النجاة إنما تكون بلزوم السنة والتمسك بها ومجانبة البدع والبعد عنها.
" وقال أبو بكر الصديق ﵁ في خطبته:""إنما أنا متبع، ولست بمبتدع " "أي: متبع لسنة النبي الكريم ﷺ ، أتقيد بها وأتمسك بما جاء فيها، ولا أتجاوزها. ولا أبتدع في الدين شيئاً من عندي. وإذا كان الصديق ﵁ وهو من هو في الإمامة والفضل ومعرفة هدي النبي ﷺ يقول: " ولست بمبتدع " فكيف يتجرأ على الابتداع أناس لا شأن لهم في العلم ولا دراية؟!
" وقال عمر بن الخطاب ﵁:""قد فُرضت لكم الفرائض، وسُنت لكم السنن، وتُركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً " "
لهذا الأثر قصة، ألا وهي:""أنَّ عمر ﵁ لما صدر من منى أناخ بالأبطح، ثم كوَّم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي، فاقبضني غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً ... قال سعيد بن المسيب ـ الراوي عن عمر ﵁: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر ﵀ " ١. ولهذا فإنَّ هذه الوصية تُعد من أواخر وصايا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، وهي في مجملها وصية باتباع سنة النبي ﷺ ، فقد بين ﵁ أنَّ الدين قد بُيِّن ـ الفرائض والسنن ـ، وأنَّه لا نقص فيه بأيِّ وجه من الوجوه، وما مات
стр. 378
صلى الله عليه وسلم حتى أتم الله به الدين وأكمله، ولم يبق شيء من الدين لم يوضَّح. وهذا من أعظم الأصول التي يبطل بها الابتداع والإحداث؛ لأنَّه إذا سُلِّم بهذا الأصل العظيم: كمال الدين، لم يبق أمام الناس إلا الامتثال والاتباع والاقتفاء لآثار الرسول ﷺ ، فما هو الموجب للابتداع؟ إذا أراد العبد أن يتقرب إلى الله فليتقرب إليه بدينه الذي شرعه وأتمه.
" إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً " يعني تفترق بكم الأهواء والسبل عن الصراط المستقيم والجادة السوية. ومصداق هذا فيما رواه ابن مسعود رضي الله قال:""خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل متفرقة، على كلِّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١ " ٢.
" وقال عبد الله بن مسعود ﵁:""إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر " "
" إنا " أي: الصحابة عموماً، فهو يبين النهج والمسلك الذي كانوا عليه.
" نقتدي " أي: بالنبي الكريم ﷺ ، ونترسم خطاه، ونلزم غرزه، ونتمسك بسنته.
" ولا نبتدي " أي: لا نبتدئ شيئاً من الدين من قبل أنفسنا، ولا نأتي بشيء من الدين ابتداء من عند أنفسنا، وإنما حالنا: الاقتداء بما كان عليه الرسول الكريم ﷺ .
стр. 379
" ونتبع ولا نبتدع " وهذا نظير قول الصديق ﵁، أي: نتبع النبي ﷺ ، ولا نبتدع شيئاً في الدين من قبل أنفسنا.
" ولن نضل ما تمسكنا بالأثر " أي: مادام هذا هو مسلكنا فلا سبيل للضلال إلينا؛ لأنَّ السالك في هذا الطريق على الجادة القويمة التي لا يضل من سلكها وسار عليها، والذي يضل إنَّما هو الذي يحيد وينحرف عنها، وهو الذي يدخل في متاهات الأهواء ودروب الباطل.
كما قال محمد بن سيرين ﵀:""مادام على الأثر فهو على الطريق " ١، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ آثار كثيرة ونقول عديدة في ذم البدع والتحذير منها، وذلك لأنَّه وقف على بدايات ظهور البدع والمبتدعة ونشأتهم ٣.
" وروى الأوزاعي عن الزهري أنَّه روى أنَّ النبي ﷺ قال:""لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن " فسألت الزهري ما هذا؟ فقال: من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. أمِرُّوا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وفي رواية: فإنَّ أصحاب رسول الله ﷺ أمروها "
هذا يبين المنهج الذي كان عليه السلف ﵏ فيما ثبت وصح عن النبي الكريم ﷺ ، فطريقتهم في جميع ما صح عنه ﷺ من أمور الإيمان المغيبة ـ مثل ما يتعلق بصفات الرب جل وعلا، أو الجنة والنار، أو أحاديث الوعيد
стр. 380
وغيرها ـ أن يُمر النص كما جاء، ويثبت كما ورد، دون أن يقابل بشيء من الانتقاد أو الاعتراض أو التساؤل الذي فيه شيء من الإنكار.
" من الله العلم " أي: بيان الدين وأمور الشريعة، فالحكم لله والتشريع لله، يحكم بما يشاء ويشرع ما يريد سبحانه.
" وعلى الرسول البلاغ " أي أنَّ مهمة الرسول إبلاغ كلام مرسله، لا أن ينشئ كلاماً من عنده ينسبه إلى من أرسله، كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ ١.
فالذي من الله تحقق، فشرع لعباده ما يريد. والذي على الرسول حصل على التمام والكمال، فبلغ البلاغ المبين، ووضح الدين، وأبان الحجة. وبقي الذي على الناس فقال:
" وعلينا التسليم " أي: نسلِّم لكلِّ ما جاء به رسول الله ﷺ ،: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢، فليس أمام المسلم تجاه أحاديث رسول الله ﷺ إلا أن يتلقاها بالقبول والرضا والتسليم.
ثم بين المنهج الذي كان عليه الصحابة والسلف الكرام فقال: " أمِرُّوا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وفي رواية: فإن أصحاب رسول الله ﷺ أمروها " هذا هو المنهج، وقد جاء عن غير واحد من السلف ـ منهم مالك والأوزاعي والثوري ـ أنهم سئلوا عن بعض أحاديث الصفات فقالوا: أمروها بلا كيف ٣.
ولا يعني هذا أنَّهم لا يعرفون معاني هذه النصوص، فهم أجلُّ مكانة
стр. 381
وأنبل قدراً من ذلك؛ فإنَّ الأحاديث مفهومة المعنى واضحة الدلالة. بل المراد بقولهم: " أمروها كما جاءت " أي مع إثبات المعنى، فليس مرادهم تفويض المعنى وعدم العلم به، وإنما وُجِد هذا عند طائفة من المتأخرين ممن عُرِفوا بالمفوضة: مفوضة المعاني، ولم يكن أحد من السلف مطلقاً على هذه الطريقة. ومن تعلق من المفوضة بمثل هذه المقالة عن السلف فقد تعلق بشيء لا حجة له فيه، بل هو حجة عليه؛ لأنَّ السلف لما قالوا: " أمروها " قيدوا هذا الإمرار بأن يكون " كما جاءت "، والنصوص جاءت محملة بمعاني ودلالات، فإمرارها كما جاءت يكون بإثبات معانيها التي جاءت محملة بها.
ومما يؤكد هذا: قولهم عقب هذه الكلمة: " بلا كيف " فإنَّ نفي الكيفية لا يكون إلا ممن يثبت المعنى، لأنَّ من لا يثبت المعنى، لا يحتاج أن يقول: " بلا كيف ".
وأيضاً لهم مقصود آخر من هذه الكلمة، وهو أن أحاديث الوعيد تترك بدون تفسير، حتى تبقى هيبتها وزجرها وردعها للعوام، وهذا ملحظ يلحظه بعض السلف في نصوص الوعيد حتى تكون أبلغ في الزجر وأقوى في الردع.
وعندما نتأمل في حديث النبي ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " نجد أنَّه نفى الإيمان عن الزاني، فهل هو نفي لأصل الإيمان بمعنى أن من فعل هذا الأمر الذي هو الزنا أو السرقة ـ كما في بقية الحديث ـ ينتقل من الملة ويخرج من الدين، أم أنَّه نفيٌ لكمال الإيمان الواجب؟
والجواب عن هذا السؤال يتضح بمقارنة الحديث ببقية الأحاديث، فهذا حديث من أحاديث الوعيد، وهناك أحاديث وعد، وعندما يأخذ العبد في هذا المقام أحاديث الوعيد مجردة عن أحاديث الوعد يشتط وينحرف به الفهم
стр. 382
كما هو حال الخوارج والمعتزلة. وإذا أخذ أحاديث الوعد وأهمل أحاديث الوعيد يشتط وينحرف كما هو حال المرجئة.
فالخوارج والمعتزلة يتكئون على مثل حديث أبي هريرة هذا:""لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ١، والمرجئة يتكئون على مثل حديث أبي ذر:""ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال النبي ﷺ : وإن زنى وإن سرق " ٢، والطريقة السليمة القويمة أن يجمع بين أحاديث الوعد وأحاديث الوعيد وعلى ضوء ذلك يخرج الإنسان بالحكم.
فكيف نجمع بين حديث أبي هريرة النافي للإيمان عن الزاني والسارق، وحديث أبي ذر الذي أثبت لهما الإيمان؟
إذا تأملنا نصوص الشريعة في هذا الباب نجد أنَّ النفي في حديث أبي هريرة ليس هو نفياً لأصل الإيمان، وإنما المنفي كماله الواجب، الذي إذا نفي بقيت دونه رتبة الإسلام. فمعنى الحديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان الكمال الواجب، فقد انتقص إيمانه الواجب بقدر كبيرته. وهذا الأسلوب في النفي يرد في لغة العرب كثيراً، فتقول العرب: " لا رجل إلا زيد " ومرادهم كمال الرجولة. وقال النبي ﷺ :""اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة " ٣، ومراده ﷺ نفي الكمال، فإنَّ الدنيا فيها عيش، كما قال النبي ﷺ :""وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي " ٤.
стр. 383
فعقيدة السلف في عصاة الموحدين أو من يسمى بالفاسق المِلِّي أنَّه مؤمن ناقص الإيمان. أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يقال: خرج من الإيمان كما قالت الخوارج والمعتزلة، ولا يقال: هو كامل الإيمان كما قالت المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، وأنَّ إيمان العاصي وإيمان الصديق ﵁ سواء.
ومن الطرائف التي تُذكر في هذا الباب:""أن أحد المرجئة مرَّ على رجل سكران، فقال له: يا مرجئ وآذاه، فقال له: صدقت، الذنب مني جئت سميتك مؤمناً مستكمل الإيمان " ١.
" وقال عمر بن عبد العزيز ﵁:""سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً " "
جاءت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ آثار كثيرة في الترغيب في السنة والحث على اتباعها والتحذير من البدع، وله نصوص عديدة في العقيدة جمعها أحد الباحثين في رسالة علمية بعنوان " الآثار المروية عن عمر ابن عبد العزيز في العقيدة " وهي آثار قوية ومتينة في تقرير السنة وبيان المعتقد والتحذير من البدع والأهواء.
" سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً " سبق أن ذكر المصنف ﵀ آثاراً عن الصحابة تبين أنَّهم يقتدون ولا يبتدئون ويتبعون ولا يبتدعون،
стр. 384
ولهذا فإنَّ السنن التي جاء بها من بعد الرسول ليس المراد بها أنَّهم أتوا بشيء في الدين لم يأت به الرسول ﷺ ، وإنَّما هي سنن للنبي ﷺ أحيوها ونشروها ومكنوا لها وأشاعوها في الأمة. وهذا كقول عمر ﵁ عند جمعه الناس للتراويح:""نعم البدعة هذه " ١؛ لأنَّه لم يحدث التروايح من قبل نفسه، وإنَّما أحيا سنة الاجتماع لها. وهكذا قول النبي ﷺ :""من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده " ٢ وقد قاله النبي ﷺ في قصة الرجل الذي تصدق فتتابع الناس على إثر صدقته يتصدقون، وهذه السنة الحسنة ليست أمراً في الدين جاء به من قبل نفسه؛ فإنَّ الصدقة مشروعة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ٣.
وفي هذا المقام يغلط بعض أهل الأهواء فيتخذون مثل هذا متكأً للإحداث في الدين.
" الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله " هذا يصلح شاهداً لما سبق تقريره من أنَّ الإيمان يزيد وينقص، وأنَّ الدين يستكمل بالطاعة التي هي المتابعة والاقتداء بالرسول الكريم ﷺ ، وقد ذكر بعض أهل العلم هذا الأثر شاهداً على زيادة الإيمان ونقصانه.
" ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها " فهذا هو الشأن الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم تجاه السنن: لا يغير ولا يبدل، ولا ينظر في آراء المخالفين لها، وإنَّما يتمسك بها وينهج نهجها، ويلزم هذه السنن والآثار الثابتة عن الرسول الكريم ﷺ .
стр. 385
" فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً " ويشهد لهذا قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١.
" وقال الأوزاعي:""اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل في ما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنَّه يسعك ما وسعهم " "
" اصبر على السنة " ولابد عموماً من الصبر على طاعة الله، كما قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٢، وهذا يتناول الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأنَّ حكم الله نوعان:
١ـ حكم ديني شرعي، وهذا يتناول الأوامر والنواهي.
٢ـ حكم كوني قدري، وهذا يتناول المصائب.
وقد يبتلى العبد بصوارف عن السنة وصواد عن التمسك بهدي النبي الكريم ﷺ ، فليصبر على السنة، وليحبس نفسه عليها، وليلزم بها نفسه إلى أن يتوفاه الله .
ويسمي ابن القيم هذه الصوارف عوائق، فقال:""أما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنَّها تعوق القلب عن سيره إلى الله، وتقطع عليه طريقه، وهي ثلاثة أمور: شرك وبدعة ومعصية. فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد، وعائق البدعة بتحقيق السنة، وعائق المعصية بتصحيح التوبة " ٣.
стр. 386
" وقف حيث وقف القوم " المراد بالقوم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، وهم الذين لا يشقى من سلك سبيلهم. فقف حيث وقفوا، ولا تتجاوز خطاهم ومسارهم، تنظر ماذا فعلوا فتفعل، ولا تتجاوز ذلك؛ فإنَّهم لم يقفوا حيث وقفوا عن عجز أو عدم قدرة، بل لتمسكهم بالسنة ولزومهم لها وحرصهم عليها، كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀:""قف حيث وقف القوم، فإنَّهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصَّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنَّهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم " ١.
" وقل في ما قالوا " أي: إذا أردت أن تقول قولاً فقل فيما قال السلف ولا تزد. كما قال الإمام أحمد ﵀:""إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام من السلف " ٢؛ لأنَّهم أهل هدى وحق وبصيرة في دين الله تعالى.
" وكف عما كفوا " أي: الشيء الذي كف عنه السلف كف عنه، واعلم أنَّ الخوض فيه مما لا خير فيه؛ لأنَّه لو كان خيراً لسبقونا إليه.
" واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنَّه يسعك ما وسعهم " وقد قال بعض السلف:""من لم يسعه ما وسع النبي ﷺ وأصحابه فلا وسَّع الله عليه " ٣،
стр. 387
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀":""ومن لم تسعه طريقة الرسول ﷺ وطريقة المؤمنين السابقين؛ فلا وسَّع الله عليه " ١. ولهذا فإنَّ السلف وسعتهم السنة وعاشوا عليها، ودافعوا عنها، وماتوا عليها، وهم في رفيع درجات الخير والسبق والفضل والنبل، فمن لم يسعه هذا الذي وسعهم فلا وسَّع الله عليه.
" وقال نعيم بن حماد:""من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً " "
هذا أيضاً يتعلق بالاتباع والتمسك بما كان عليه السلف ﵏ ولا سيما في باب الصفات، وما من مسألة من مسائل الدين إلا والناس فيها طرفان ووسط: غلو وجفاء. وأهل السنة والجماعة دائماً يتوسطون، والتوسط إنما يكون بلزوم السنة، وههنا يبين نعيم ﵀ الوسطية التي عليها السلف في صفات الله، فهم وسط بين المشبهة الذين يقولون في صفات الله إنَّها كصفات خلقه. والمعطلة الذين يعطلون صفات الله ويجحدونها ولا يؤمنون بها، وفي هذا أيضاً تقرير للقول الحق: قول أهل السنة والجماعة القائم على الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل.
" من شبه الله بخلقه فقد كفر " وأيُّ كفر أشنع من أن يقال في حق الرب العظيم: إنَّ صفاته تماثل صفات المخلوقين، تعالى الله عما يقولون، وسبحان الله عما يصفون.
" ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر " ومن أدلة كفر من يجحد شيئاً من صفات الله: قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٢.
стр. 388
" وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً " وهذا فيه إشارة إلى أنَّ إثبات الصفات على الوجه الذي يليق بالله لا يستلزم التشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فأثبت لنفسه سبحانه السمع والبصر بعد نفيه للمثلية، فدلَّ ذلك على أنَّ إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه.
ومما ينبه عليه في هذا المقام أنَّ كلَّ من وقع في التعطيل فقد وقع في التمثيل، وكلَّ من وقع في التمثيل فقد وقع في التعطيل، ولهذا يقول العلماء: كلُّ معطل ممثل، وكلُّ ممثل معطل.
فالمعطل مثَّل مرتين: مرة قبل تعطيله؛ لأنَّه لم يعطل إلا لتشبيه قام في نفسه، ومرة بعد تعطيله؛ لأنَّ تعطيله جره إلى تشبيه الله إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيله.
والممثل عطَّل ثلاث مرات؛ لأنَّه عطل الرب ﵎ عن صفة كماله، وعطل الآيات التي أثبتت هذه الصفات، وعطل الآيات التي فيها نفي التمثيل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . ولم يسلم من هذه الأدواء والشرور إلا صاحب السنة، فهو برئ ـ كما يعبر ابن القيم ـ من فرث التعطيل ومن دم التمثيل ٢. وشأن السني كاللبن الذي يخرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. قال ابن القيم:""فكان مذهبهم مذهباً بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين " ٣.
стр. 389
" وقال سفيان بن عيينة:""كلُّ شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل " "
" فقراءته تفسيره " أي: لا يجوز أن يصرف عن معناه، أو يبعد عن دلالته، أو أن يتكلف تأويله، بل يمر كما جاء، ويؤمن به كما ورد، ويفهم معناه على ضوء لغة العرب. فعندما نقرأ قوله سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١ نثبت لله يدين، وعندما نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ نثبت لله الاستواء، وعندما نقرأ: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ نثبت الغضب. فقراءتها تفسيرها: أي نثبت ظاهرها على الوجه اللائق بجلال الله وكماله سبحانه. قال الذهبي:""يعني أنَّها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى لها مضايق التأويل والتحريف " ٤.
" لا كيف ولا مثل " أي لا يجوز أن نقول في شيء من هذه الصفات بالتمثيل أو التكييف، فكلاهما باطل في الصفات وضلال.
والتكييف هو إثبات الصفات على كيفية مقدرة في الذهن. والتمثيل إثبات الصفة على كيفية مماثلة لكيفية صفات المخلوقين. ولهذا كلُّ ممثل مكيف، وليس كلُّ مكيف ممثلاً؛ لأنَّ المكيف قد يكون في بعض حالاته قد اخترع صورة قدَّرها في ذهنه وليس عن قياس على أشياء يراها في المخلوقات. بينما الممثل فهو في كلِّ تمثيله مكيف؛ لأنَّه جعل بتمثيله كيفية صفة الله ككيفية صفة المخلوق.
" وقال أبو بكر المروذي: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححه أبو عبد
стр. 390
الله، وقال: تلقتها العلماء بالقبول، تُمر الأخبار كما جاءت "
" سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش " من المعلوم أنَّ طريقة الجهمية في التعامل مع أحاديث الصفات أنَّهم"لا يثبتونها ولا يؤمنون بها، بل يجحدونها، فأيُّ حديث يثبت الصفات يردونه ويكذبون به. وهي بعينها طريقة المعتزلة، فهم أول من أنشأ القول بأنَّ أحاديث الآحاد لا يحتج بها في الاعتقاد، والقوم ليسوا أهل حديث، ولا يدرون ما المتواتر وما هو الآحاد، ولكن جعلوها قاعدة ومتكأً للرد، ولهذا ردوا أحاديث متواترة كثيرة جداً بقولهم: أحاديث آحاد لا يحتج بها في الاعتقاد. فهم أنشأوا هذه القاعدة ليردوا بها كلَّ حديث فيه عقيدة لا يؤمنون بها ولو كان متواتراً. وإذا كان الحديث يوافق عقيدتهم أثبتوه واحتجوا به ولو كان موضوعاً مكذوباً على النبي ﷺ . وهذا من أبرز العلامات على أنَّ القوم أهل أهواء وضلال.
" فصححه أبو عبد الله " أي صحَّح الأحاديث الواردة في ذلك، ثم بين منهج السلف في التعامل معها، فقال:
" تلقتها العلماء بالقبول، تُمر الأخبار كما جاءت " وقد سبق أن عرفنا مراد السلف ﵏ ومقصودهم بقولهم: تمر كما جاءت.
" وقال محمد بن الحسن الشيباني ـ صاحب أبي حنيفة ـ:""اتفق الفقهاء كلُّهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ، من غير تفسير ولا تشبيه. فمن فسر اليوم من ذلك شيئاً فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فإنَّهم لم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول