← Акыда

Акыда · id 11093

تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (399 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم بدأ بذكر ما يتعلق بصفات النفي، فقال:"لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه له ولا نظير، ولا عَِدل ولا مثل": وهذه كلها صفات منفية، ينزه الله ﵎ عنها، فكما أن المسلم مطالب بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، فهو كذلك مطالب بأن ينزه الله تعالى عما نزه عنه نفسه. فقد نزَّه الله نفسه عن هذه الأمور كلها: الشريك والوزير والشبيه والنظير والعدل والمثل. والشريك: هو المساوي، والشرك هو التسوية، وسُمِّي الشرك شركاً لأن فيه تسوية لغير الله به. قال تعالى عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. هذا هو الشرك: أي جعلوا غير الله مساوياً له، سواء في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته. ولهذا فإن الشرك أنواع ثلاثة: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات. كما أن التوحيد ثلاثة أقسام، فالشرك ثلاثة أقسام، كل نوع من أنواع التوحيد يقابله نوع من أنواع الشرك. ولا وزير"الوزير: هو المعين والمساعد، وفي دعوة موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي﴾ ٢ أي معيناً ومساعداً، يعاونني ويساعدني في أمري. فالله منزه عن الوزير، فليس له سبحانه معين ولا مساعد. قال الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٣، ظهير: أي معين ووزير ومساعد. ولا شبيه"وفي أكثر النسخ:"ولا شبه"وهما بمعنى واحد. والشبه أو الشبيه: هو المماثل والنظير. فالله لا شبيه له في شيء من خصائصه وصفاته.

стр. 37

ولا نظير له"النظير ـ أيضاً ـ المماثل، فالله ليس له نظير، أي: ليس له مماثل أو مساوي في شيء من صفاته . ولا عَِدل"ـ بفتح العين وبكسرها ـ، كلاهما صحيح، يقول الزجَّاج: " العَدل والعِدل واحد في معنى المثل " ١. فالعَدل والعِدل هما سواء في المعنى وهو المساوي والمماثل. مثل الشيء، يقال: عِدله وعَدله. فالله لا عَدل له، ولا عِدل له أي: لا مماثل ولا مساوي له ﵎. ولا مثل"أي: ليس له مثيل في شيء من صفاته، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا﴾ ٣، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٤، فالله لا مثل له هذه الأمور التي نفاها: الشريك والوزير والشبيه والنظير والعَِدل والمثل، كثير منها متقارب في المعنى والدلالة، وبعضها يدل على بعض، لكن المؤلف أتى بهذه الألفاظ المتقاربة في النفي ليؤكد على أهمية تنزيه الله ﵎ عن ذلك. " وأنه موصوف بصفاته القديمة " أي: من الأمور التي تطابقت عليها كلمة السلف، واتفق فيها قولهم أنه موصوف بصفاته القديمة، أي الموصوف بها في الأزل، فالله الأول الذي ليس قبله شيء بصفاته ﵎، فصفاته أزلية. ومن ذلك: قول النبي ﷺ في دعائه عند دخول المسجد: " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه

стр. 38

القديم، من الشيطان الرجيم " ١، ففي هذا الحديث وصفٌ لسلطان الله بالقدم، وهو من أوصافه سبحانه؛ لأن السلطان مصدر، والمصدر إذا أضيف إلى الله يراد به تارة الصفة، وتارة يقصد به أثر الصفة، وهنا السلطان الموصوف بالقدم ليس أثر الصفة وإنما هو صفة الله . فسلطانه موصوف بالقدم، والمراد بالقدم: الأولية التي ليس قبلها شيء، كما قال الله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ ٢ وقد فسره النبي" ﷺ "في دعائه فقال: " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء " ٣، فهذا هو مراد المصنف ﵀ بقوله:"بصفاته القديمة".

стр. 39

[مصدر التلقي] التي نطق بها كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر" هنا يتكلم المصنف ﵀ عن مصدر الاستدلال لهذه العقيدة، وهذا الأمر في غاية الأهمية، ولو طالعت عامة كتب السلف المؤلفة في الاعتقاد سواء المطول منها أو المختصر لوجدت أنها تبدأ بهذه البداية: بذكر مصدر الاستدلال، الذي هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . وفي هذا إرشاد إلى أن المعتقد الذي ضُمِّن هذا الكتاب هذا مصدره، وهذا منبعه: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . وإذا سلِم للإنسان مصدره سلِم له ـ تبعاً لذلك ـ إيمانه ومعتقده، فمن كان مصدره في الاعتقاد: الكتاب والسنة سلم له اعتقاده. ومن اتخذ لنفسه مصدراً سواهما ضل وانحرف. يقول ابن القيم ﵀: " كثيراً ما كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول ﷺ " ١. ولابن أبي العز الحنفي كلمة جميلة، يقول فيها: " كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير ما جاء به الرسول ﷺ " ٢، أي أن هذا محال، فلا يمكن للعبد أن يصل إلى الأصول التي هي العقيدة الصحيحة السليمة إلا من طريق الرسول ﷺ ؛ بأن يأخذ عقيدته من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ولهذا اعتنى السلف ﵏ بافتتاح مؤلفاتهم في المعتقد بالإرشاد

стр. 40

إلى هذا المصدر؛ تنبيهاً للمسلم وطالب العلم إلى أهمية إقامة المعتقد على هذا المصدر؛ ليسلم له معتقده. فليس المعتقد للرجال، ولا لآرائهم وأقوالهم"، ولا لأذواقهم ومواجيدهم وأهوائهم، وإنما المعتقد يؤخذ عن الله . يقول الوالد ـ حفظه الله ـ: " إنَّ عقيدة أهل السنة والجماعة نزلت من السماء، ولم تخرج من الأرض " نزلت من السماء لأنها وحي من الله، فليس ثمة مجال لأن يخترع إنسان، أو ينشئ، أو يبتدع، أو يتصور، أو يتكلف؛ لأن العقيدة وحي من الله . ومهمة الرسول ﷺ في الاعتقاد البلاغ، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ ١، فهو مبلغ عن الله ﵎، فالرسول مهمته إبلاغ كلام مرسله، ومهمة أتباعه والواجب عليهم سلوك نهجه، وترسم خطاه، فهذا شأن عقيدة أهل السنة، أما عقائد أهل الأهواء فقد خرجت من الأرض ونبتت فيها؛ لأنها من نتاج عقولهم ونسج أفكارهم وحصاد أوهامهم. بدأ المؤلف هذه العقيدة بهذه البداية المهمة، لينبه طالب العلم على أهمية إصلاح مصدر التلقي وتصحيحه؛ بأن يقيم دينه على الكتاب والسنة. كما قال الأوزاعي ﵀: " ندور مع السنة حيث دارت " ٢ أي نفياً وإثباتاً، ما ثبت في الكتاب والسنة أثبتناه، وما نفي في الكتاب والسنة نفيناه. ويقول الإمام أحمد ﵀: " لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، لا نتجاوز القرآن والحديث " ٣، وأقوالهم في هذا

стр. 41

المعنى كثيرة جداً. فالسلف هذه طريقتهم: يبنون المعتقد، ويؤسسون الديانة على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ومن أظهر الأمثلة على حرص السلف على تأصيل هذا المبدأ، والتأكيد عليه: أنهم يذكرونه حتى في كتبهم الصغيرة. فهذا مثلاً ابن أبي داود ﵀ بدأ قصيدته"الحائية"بقوله: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلح ... ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح هذه البداية لتصحيح مصدر الاستدلال، فإذا صُحِحَ المصدر أُعطِي الطالب أمثلة من أمور الاعتقاد التي جاءت في الكتاب والسنة، وبهذا يسير المؤمن مطمئناً، سوياً على صراط مستقيم. بينما أصحاب الأهواء يتأرجحون في مصادر الاستدلال، تارة العقل، وتارة الوجد، وتارة المنطق، وتارة الرأي، وتارة الهوى، فأنى لهم أن يستقيم لهم اعتقاد، أو يصح لهم إيمان، أو يسلم لهم طريق؟! ولهذا كان من أهم ما ينبغي أن يهتم به المسلم وطالب العلم في الإيمان والاعتقاد أن يصحح المصدر الذي يقيم عليه دينه واعتقاده. ولأجل هذا قال المصنف:"التي نطق بها كتابه العزيز". لاحظ مقارنة بين هذه الطريقة وطريقة المتكلمين، فصفات الله الثبوتية عند المتكلمين لا مجال لمعرفتها إلا بالعقل. فمثلاً الصفات السبعة التي يثبتها الأشاعرة، إنما يثبتونها لدلالة العقل عليها، أما الصفات الأخرى التي جاءت

стр. 42

في القرآن يقولون: لم يدل عليها العقل فلا نثبتها. إذاً مصدر التلقي اختلف، فصاحب السنة يقول: التي نطق بها الكتاب. بينما يقول الأشعري والمتكلم عموماً: التي نطق بها عقلي وتوصل إليها فكري، أما ما سوى ذلك فلا أثبته. فشتان بين الطريقتين، وفرقٌ بين المسلكين. لما ذكر المصنف ﵀ مصدر التلقي عند أهل السنة، وصف هذا المصدر فقال:"كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد"وأراد بذلك أن ينبه طالب العلم إلى أن هذا المصدر هو كلام الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كل ما فيه حق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ ١، وقال ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ " ٢، وقال سبحانه ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ ٣، وقال: ﴿و َتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٤ أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي. فكلماته حق وصدق، ولا يأتيه الباطل. فلو كان هذا من كلام الناس لأخذت منه وأنت خائف، فربما يكون خطأً، أو يكون فيه انحراف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ٥. أما وهو كلام رب العالمين، فخذ وأنت مطمئن؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. إذا مرت عليك آيات الصفات في القرآن الكريم، هل يجوز لك أن تقلق أو تتردد في قبولها؟ عندما يمر عليك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦، أو قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٧ أو قوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ

стр. 43

عَلَيْهِمْ﴾ ١ أو نحوها، عندما تمر عليك مثل هذه الآيات، هل لك أن تقلق؟! أو تستوحش منها؟! أم أنك تأخذها بغاية الاطمئنان؟! "لا شك أنك تأخذها بغاية الاطمئنان؛ لأنها تنزيل من حكيم حميد. أمَّا المبتدع فطريقته في التعامل مع هذه الصفات التي في القرآن طريقة أخرى، بل وضع المبتدعة لطلابهم قواعد يحذرونهم بها من نصوص القرآن الكريم، فيقرأ المبتدع القرآن الكريم وهو خائف أن يفسد عليه عقيدته؛ لأنَّ ظواهر القرآن ـ عندهم ـ فيها تشبيه وتجسيم، وفيها أمور لا تليق بالله ـ بزعمهم ـ. ولهذا يقولون لطلابهم: اقرأوا القرآن مجرد قراءة، إياكم أن تحاولوا أن تفهموا شيئاً من القرآن. ووضعوا قواعد كثيرة في هذا الصدد، ولهم كلام في غاية السوء والخبث في هذا المجال. ومن ضمن هذه القواعد التي وضعوها في الصد عن تدبر القرآن: أن القرآن لا يتدبره إلا مجتهد. وأنه لا يوجد مجتهدون في زماننا. والنتيجة: أن القرآن لا يؤخذ منه ولا يُتدبر، وإنما يقرأ قراءة عابرة لمجرد التعبد. وعندما يمرون بنصوص الصفات يقرأونها مجرد قراءة، بدون أي فهْم، فهم يستوحشون من كلام الله ومن المعتقد الذي ذكره الله في كتابه وتعبَّد عبادَه بتفهمه وتدبره غاية الاستيحاش، وينفرون منه أشد النفور. وصح بها النقل عن نبيه": هذا تنبيه للعناية بالصحيح الثابت، وأن المسلم لا يأخذ كلَّ ما يقال فيه قال رسول الله ﷺ ، بل لابد أن يصح به السند إليه ﷺ . أما الأحاديث الضعيفة، والأحاديث الواهية والموضوعة فلا تقام عليها عقيدة، ولا يؤسس عليها إيمان. إنما تؤسس العقيدة والإيمان على الأحاديث الثابتة عن المصطفى ﷺ .

стр. 44

وخيرته من خلقه"، في بعض النسخ"من جميع خلقه"والمؤدى واحد. محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع لملحد مجالاً، ولا لقائل مقالاً تحت هذه الكلمة كلام قد يطول، لكن المصنف ﵀ لمَّا وصف كتاب الله بتلك الصفات التي توجب على المسلم الإقبال عليه وتدبره والأخذ عنه، ثنَّى بذكر هذه الصفات للنبي المختارصلى الله عليه وسلم؛ ليقبل المسلم وطالب العلم على الأحاديث التي صحت عنه، ويأخذ منها عقيدته بغاية الاطمئنان؛ لأنَّه رسول مبلغ عن الله، بلَّغ البلاغ المبين، ونصح لعباد الله، وأرشدهم لدينه، وبيَّن المحجة، وأقام الملة، ولم يدع لقائل مقالاً ولا لمتكلم مجالاً. وإذا كان الأمر بهذه المثابة وبهذه المكانة، فلماذا يُترك قولُه ويصار إلى قول غيره في المعتقد؟! لماذا لا يسع الناس ما جاء عنه. الذي بلغ رسالة ربه"بلغ" ﷺ رسالة الله وافية كاملة، بلا نقص ولا زيادة. ونصح لأمته"فكان" ﷺ في غاية النصح، إذ هو أنصح للإنسان من نفسه، وهذا من المعاني التي قيلت في قوله ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ أي أنه أنصح لك من نفسك، فينصح لنفسك أكثر من نصحك لنفسك، وأحرص على نفسك منك ﷺ . وجاهد في الله حق جهاده وأقام الملة الملة هي دين الله : الإسلام، فأقامه ﷺ بالبيان والإيضاح والدلالة والإرشاد والمجاهدة في الله حق جهاده.

стр. 45

وأوضح المحجة: المحجة: هي الطريق السوية المستقيمة، فالنبي ﷺ أوضح المحجة، كما قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ١. وأكمل الدين"أي أن الله أكمل به الدين، فلم يبق منه شيء إلا بينه ﷺ ، ولم يمتةصلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله في ذلك ـ تنصيصاً وتبييناً ـ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢. وقمع الكافرين"القمع: هو الضرب على الرأس والدفع، فقمعهم أي دفعهم ورد باطلهم، وأزهق شبهاتهم. ولم يدع لملحد مجالاً، ولا لقائل مقالاً"من تمام بيانه أنَّه لا مجال فيه لملحد، ولا لقائل أو متكلم. وهذا فيه أن الكتاب والسنة فيهما الوفاء والغنية والكفاية، وهذا كلُّه ـ كما أشرت ـ تأكيد على أهمية الاطمئنان والوثوق بالمعتقد الذي يؤخذ من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وأنَّه ينبغي على طالب العلم أن يقبل على الكتاب والسنة تمام الإقبال، وأن يتلقى دينه عنهما، ويأخذه منهما، ويعتصم بحبل الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. فروى طارق بن شهاب قال: " جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب"﵁ "فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر يهود نزلت، نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ

стр. 46

دِيناً﴾ . فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله ﷺ ونحن بعرفة عشية جمعة "". بعد أن ذكر المصنف ﵀ مصدر الاستدلال والتلقي عند أهل السنة والجماعة، وبين أنهم يعتمدون في دينهم وإيمانهم بربهم وأسمائه وصفاته على ما نطق به الكتاب وصحت به سنة النبي ﷺ ، وأشار إلى أن الله أكمل بنبيه ﷺ دينه، وأتم به نعمته، وأقام به حجته، وقمع به الكافرين، وأنه لم يدع لقائل مقالاً ولا لمتكلم مجالاً، لما ذكر ذلك أورد دليلاً على ذلك، وهو قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ وقد نزلت في حجة الوداع، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام فالآية دالة على أن دين الله الذي جاء به الرسول ﷺ كامل، وأنه ﷺ بينه غاية البيان، وأوضحه غاية الإيضاح، فلم يبق شيء من الدين لم يبين، لا في الأصول ولا في الفروع، فلا مجال لإنشاء العقائد من خلال أفكار الناس وآرائهم، ولا لإحداث العبادات وأنواع التقربات إلى الله من خلال مواجيد الناس وأذواقهم. وقول الله تعالى:"دينكم" شامل للأصول والفروع، الدين كله أُكْمل وبُين في الأصول والفروع: بُين فيه ما يتعلق بالاعتقاد والإيمان، وما يتعلق بالأعمال والتقربات إلى الله ، وما يتعلق بالآداب والأخلاق، كلها بينت بالكتاب والسنة غاية البيان. فإن جئت إلى العقائد التي جاءت في الكتاب والسنة فهي أصح العقائد وأقومها وأسلمها، وإن جئت إلى العبادات التي بينت في الكتاب والسنة فهي أكمل العبادات وأتمها، وإن جئت

стр. 47

إلى الأخلاق التي بينت في الكتاب والسنة فهي أزكى الأخلاق وأطيبها. فدين هذا شأنه ـ وصفه الباري سبحانه بأنَّه كامل ـ لم يبق على أهله إلا أن يُقبلوا عليه ويتعلموه ويفهموه ويقوموا به على التمام والكمال، فما عليهم إلا أن يتمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، فيأخذوا عنهما دينهم، ويتلقوا منهما إيمانهم، ويعبدوا من خلالهما ربهم ﵎. كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. يقول ابن القيم ﵀: " فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقدم بين يديه، فأيُّ تقدم أبلغ من تقديم عقله على ما جاء به. قال غيرُ واحد من السلف:"لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر". ومعلوم قطعاً أنَّ من قدم عقله أو عقل غيره على ما جاء به فهو أعصى الناس لهذا النبي، وأشدهم تقدماً بين يديه " ٢. فقول السلف:"لا تقولوا حتى يقول"هذا يتعلق بالاعتقاد. وقولهم:"لا تفعلوا حتى يأمر"هذا يتعلق بالعبادة والعمل. بينما حال المبتدع على خلاف ذلك، فتجده مفرطاً في جوانب كثيرة من الدين، مخلاً بواجباته التي دل عليها الكتاب والسنة، متشبثاً ببدع اخترعها هو، أو اخترعها له بعض شيوخه. فأين عقول المبتدعة؟! أين تذهب أفهامهم عن مثل هذه الآية الكريمة الدالة على كمال هذا الدين وتمامه؟! ولهذا من أتى بعقيدة أو عبادة ليست في القرآن والسنة فهو في حقيقة الأمر كالمستدرك على الشارع، بل إنَّ فعله هذا يتضمن اتهاماً للنبي ﷺ أنَّه ترك جوانب من دين الله ﵎ دون بيان. ولأجل هذا قال الإمام مالك بن أنس ﵀ كلمته العظيمة، واستشهد لها بهذه

стр. 48

الآية الكريمة قال: " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أنَّ محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً فلن يكون اليوم ديناً، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " ١. ولما كانت هذه الآية بهذه المكانة،كان على المسلم أن يعرف لها شأنها، ويقدر لها حقها. ولهذا لم يكتف المصنف ﵀ بإيرادها فقط، وإنما أوردها وأورد معها ما يبين عظم شأنها وجلالة قدرها في قلوب أهل الإيمان. فأورد حديث طارق بن شهاب المتفق عليه: " قال جاء يهودي إلى عمر ابن الخطاب"﵁"فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها " أدرك هذا اليهودي قيمة هذه الآية ومكانتها، وعرف أنَّ شأنها عظيم، ومكانتها عالية، فأتى عمر"﵁"، وقال:"لو علينا معشر اليهود نزلت، نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيداً"يعني لعظمنا اليوم الذي نزلت فيه، ولكان له عندنا شأن من أجلها، ولأجل مكانتها وعظم شأنها. فقال عمر"﵁":"أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ فذكر عمر" ﵁"كلاماً مفاده أنَّ هذه الآية لها مكانتها في نفوس المؤمنين، وأنَّ لها قدرها ومنزلتها عندهم، وأنهم يعرفون لها شأنها، فقال"﵁":"إني لأعلم اليوم الذي نزلت ـ وفي بعض النسخ: فيه ـ والمكان"فيعلم اليوم أي الوقت الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، ويعلم المكان الذي نزلت فيه هذه الآية. ثم بين ذلك فقال:

стр. 49

نزلت على رسول الله ﷺ ونحن بعرفة، عشية جمعةنزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة، في ذلك اليوم العظيم، الذي هو سيد أيام السنة وأفضلها، على خلاف بين أهل العلم في أيهما أفضل: يوم عرفة أو يوم النحر الذي بعده. والأقوى أنه يوم عرفة لما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله " ١. فكان ﷺ يكثر من أفضل الذكر في أفضل الأيام؛ لأن سيد الأيام يوم عرفة، وسيد الأذكار هو لا إله إلا الله. فالإكثار من سيد الأذكار في سيد الأيام هو في غاية المناسبة والتوافق فنزلت في يوم عظيم، أعظم أيام السنة: يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة ـ وهو أفضل أيام الأسبوع ـ، وفي هذه الموافقة مزيد فضل لاجتماع فضل الوقتين ٢، ولا سيما عشية يوم الجمعة وعشية يوم عرفة، فكل منهما جاءت فيه نصوص خاصة. والشاهد من هذا الحديث أنَّ لهذه الآية مكانتها في قلوب أهل الإيمان، فينبغي لكلِّ مسلم أن يقدر لها قدرها، وأن يرعى لها حقها، وأن يحمد الله على هذه النعمة. لما ذكر المصنف ﵀ هذه الآية الكريمة، بنى عليها بيان طريقة السلف ﵏ في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، ولا سيما في هذا الباب الذي ألف هذا المصنف لأجله، ألا وهو باب الإيمان والاعتقاد ١ أخرجه مالك في الموطأ ١/٤٢٢ ـ ٤٢٣، والترمذي رقم ٣٥٨٥، وصححه الألباني في الصحيحة رقم ١٥٠٣.

стр. 50

فقال : فآمنوا": أي أهل الحق والسنة والاستقامة على هدي خير الأمة محمد ابن عبد الله ﷺ . بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه"يعني كل ما جاء في الكتاب والسنة من أمور الإيمان تلقوه بالقبول والتسليم والإيمان والتصديق، وعدم الاعتراض أو التردد، كما قال الإمام الزهري ﵀: " من الله الرسالة، وعلى رسول الله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم " ١ . وأمرُّوه كما ورد"يعني أمرُّوا هذه الأخبار ـ وفي مقدمتها الأخبار المتعلقة بالأسماء والصفات ـ كما جاءت. وقول المصنف هذا هو نظير المقولة المشهورة عن السلف، والمنقولة عن غير واحد، منهم: الإمام مالك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، أنهم يقولون في نصوص الصفات: " أمروها كما جاءت بلا كيف " ٢. ومما ينبغي التنبه له: أن السلف في مقالتهم هذه لم يطلقوا إمرار النصوص، بل قيدوا ذلك بأن يكون كما جاءت أو كما وردَت. ونصوص الصفات لم تأت ألفاظاً جوفاء لا معنى لها ولا مدلول، وإنما جاءت محملة بمعاني، فمثلاً قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ " ٣ جاء محملاً بمعنى، وهو إثبات استواء الله على العرش. وقوله سبحانه: ﴿بَلْ

стр. 51

يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١ جاء محملاً بمعنى، وهو إثبات اليدين لله ووصفهما بالبسط، إلى غير ذلك من نصوص الصفات. فلا يستقيم لأحد إمرارها كما جاءت إلا بإثبات المعنى الذي دلت عليه، فإن عطَّل المعنى، أو فوضه، أو لم يؤمن به لم يكن ممن أمرها كما جاءت. وبهذا يُعلم فساد قول من يقول من الخلف، ولا سيما مَنْ هم على مسلك التفويض، عندما يقولون: إن تفويض المعنى هو طريقة السلف؛ بدليل قولهم:"أمروها كما جاءت"، أي اقرءوها قراءة مجردة بدون أن تفهموا منها أي معنى. وهذا فهم بعيد ومنحرف. ومما يؤكد هذا الانحراف في الفهم: أن السلف يعقبون قولهم: أمروها كما جاءت بقولهم:"بلا كيف": أي بلا علم منا بالكيفية. وقولهم هذا دال على إثباتهم للمعنى؛ فإنَّ الذي لا يثبت المعنى أصلاً لا يحتاج أن ينفي الكيفية. ولهذا لو كان مراد السلف بقولهم:"أمروها كما جاءت": مجرد التلاوة بدون فهم لما احتاجوا أن يقولوا: بلا كيف، فإنَّ الذي يحتاج أن يقول: بلا كيف هو من يثبت المعنى. قال الذهبي: " المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة، ما علمت أحداً سبقهم بها. قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يُعنى به أمران: أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم. وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها. يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى لها مضايق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف، مع

стр. 52

اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له، لا في ذاته ولا في صفاته. الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد؛ فإنَّ الله تعالى فرد صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير، فمن ذا الذي عاينه ونعته لنا؟! ومن ذا الذي يستطيع أن ينعت لنا كيف سمع كلامه؟ والله إنا لعاجزون كالُّون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا، وكيف تعرج كلَّ ليلة إذا توفاها بارئها وكيف يرسلها، وكيف تستقل بعد الموت؟ وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله؟ وكيف حياة النبيين الآن؟ وكيف شاهد النبي ﷺ أخاه موسى يصلي في قبره قائماً؟ ثم رآه في السماء السادسة وحاوره، وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته؟ وكيف ناظر موسى أباه آدم، وحجه آدم بالقدر السابق، وبأنَّ اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟ وكذلك نعجز عن وصف هيئاتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها، وأنَّ بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني، فالله أعلم وأعظم، وله المثل الأعلى والكمال المطلق، ولا مثل له أصلاً: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١ " ٢. من غير تعرض لكيفية"هنا يأتي التفويض عند السلف ﵏ وهو تفويض علم الكيفية إلى الله ، فالمعنى لا يفوض بل يثبت. لكن الكيف لا يجوز لأحد ـ كائناً من كان ـ أن يخوض فيه، أو أن

стр. 53

يتعرض له، أو أن يقحم فهمه القاصر في معرفته، فإنَّ هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل. ومما يقطع طمع العبد عن إدراك كيفية صفة الرب ﵎: علمه بعجزه وقصوره عن إدراك كيفية صفة كثير من المخلوقات، فإنَّه إن عجز عن إدراك كيفية صفة المخلوق، فهو عن معرفة كيفية صفة الخالق ﵎ أعجز. وفي هذا الباب قصة لطيفة حصلت لعبد الرحمن بن مهدي ﵀ مع غلام كان يحاول معرفة كيفية صفة الرب جل وعلا، فقال له ابن مهدي: " بلغني أنك تتكلم في الرب وتصفه وتشبهه. قال: نعم، نظرنا فلم نر من خلق الله شيئاً أحسن من الإنسان. فأخذ يتكلم في الصفة والقامة، فقال له: رويدك يا بني، حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإن عجزنا عنه فنحن عن الخالق أعجز. أخبرني عمَّا حدثني شعبة عن سعيد بن جبير عن عبد الله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ١ قال: رأى جبريل له ستمائة جناح. فبقي الغلام ينظر. فقال: أنا أهون عليك، صف لي خلقاً له ثلاثة أجنحة، ورَكِّب الجناح الثالث منه موضعاً حتى أعلم. قال: يا أبا سعيد عجزنا عن صفة المخلوق، فأشهدك أني قد عجزت ورجعت " ٢ . ومما يقطع الطمع في إدراك كيفية صفات الله: قول المسلمين: الله أكبر أي: أكبر من كلِّ شيء، كما قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم عندما دعاه إلى الإسلام، قال: " ما يفرك أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى

стр. 54

الله؟ قال: قلت: لا. قال ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تفر أن تقول: الله أكبر، وتعلم أن شيئاً أكبر من الله؟ " ١. فالله أكبر من كلِّ كبير، ومهما يخطر في بال الإنسان، ويدور في خياله من كبر في الوصف والجمال والجلال والحسن والكمال فالله أكبر من ذلك، لا يبلغ كنه صفاته الواصفون، ولا يدرك كيفية ذاته الناعتون، الله أكبر وأعظم وأجل من أن تدرك كماله وجلاله وجماله وعظمة صفاته عقول الناس القاصرة. والسلف ﵏ يعدون الخائض في هذا الباب، وهو معرفة كيفية صفة الله من المبتدعة أهل الأهواء، ويعدون مسلكه مسلكاً محدثاً مبتدعاً، كما فعل الإمام مالك ﵀ عندما سأله السائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فغضب حتى علاه الرحضاء، أي: العرق وقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء، أخرجوه عني " ٢. فأمر بإخراجه من مجلسه، لأنَّ طريقته طريقة محدثة وباطلة، إذ سأل عن الكيفية، والسؤال عنها أمر باطل، لا يجوز لأحد أن يتعرض له أو يخوض فيه. إذاً من المحاذير التي ينبغي للمسلم أن يحترز منها عندما يثبت لله ﵎ صفاته الواردة في الكتاب والسنة: التكييف. ولهذا درج أهل السنة في العقائد التي يكتبونها على التنصيص على التحذير من الوقوع في هذا

стр. 55

المحذور، فيقولون: نثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير تعطيل ولا تحريف، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فلما ذكر المصنف ﵀ الإثبات ذكر المحذور الأول، وهو عدم التعرض للكيفية، ثم ذكر المحذور الثاني فقال: أو اعتقاد شُبهَةٍ أو مِثليةٍ"، وفي بعض النسخ:"اعتقاد شِبْهِه أو مِثليةٍ"، وفي بعضها:"شِبْهِه أو مَثِيلِه"والمقصود هنا عدم اعتقاد التشبيه أو التمثيل، يعني أن يحترز المؤمن من الخوض في صفات الله ﵎ بالتشبيه أو التمثيل، ومعناهما متقارب، وبينهما فروق. والفرق بين التكييف والتمثيل: أن التكييف: أن يتصور الإنسان للصفة كيفية في ذهنه يقدرها، سواء كان هذا على سبيل القياس على صفة المخلوق ـ وهذا هو التمثيل ـ أو على سبيل تقدير أمر في الذهن يتوصل إليه بتصوره وفهمه. فالتكييف قد يكون تمثيلاً، وقد لا يكون كذلك والتمثيل: إثبات الصفة لله ﵎ على وجه يماثل صفة المخلوق، فيقيس صفة الخالق ﵎ على صفة المخلوق. ولهذا يقول الإمام إسحاق بن راهويه ﵀: " إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يدي، أو سمع كسمعي. فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر، فلا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع. فهذا لا يكون تشبيهاً عنده، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ " ٢. وعلى هذا فكلُّ ممثل مكيف؛ لأنه جعل لصفة الله ﵎ كيفية،

стр. 56

وهي ككيفية صفة المخلوق. وليس كلُّ مكيف ممثلاً؛ لأنَّه في بعض أحواله لا يقيس صفة الخالق ﵎ على صفة المخلوق؛ وذلك إذا قدَّر لصفة الله صفة في ذهنه يخترعها، وليست على ضوء ما يراه ويشاهده من المخلوقات. ومما يدل على بطلان التكييف، والتحذير منه قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ١، وقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٢. وأما الأدلة على بطلان التشبيه، فالنصوص في إبطاله كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٤، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي، أي: لا سمي له. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٦. فالسلف ﵏ يقولون في الله : " لا يقاس بخلقه "، ومرادهم بذلك إبطال التمثيل؛ لأنَّ التمثيل قياس للربِّ الكامل العظيم بالمخلوق الناقص الضعيف. " أو تأويل يؤدي إلى التعطيل"وهذا هو المحذور الثالث من المحاذير التي ينبغي أن يجتنبها المسلم عند إثباته الصفات لله ﵎: التأويل. والتأويل منه ما هو ممدوح، ومنه ما هو مذموم، ولهذا قيد المصنف ﵀ التأويل بقوله:"الذي يؤدي إلى التعطيل". فالتأويل الممدوح هو: تفسير النص، وفهم معناه ومدلوله على ضوء مراد الله ﵎ ومراد رسوله ﷺ . فهذا حق ومطلوب، وهو الذي

стр. 57

يسميه السلف تأويلاً، كما قال النبي ﷺ في دعائه لابن عباس: " اللهم علمه التأويل " ١. ومنه قول ابن جرير الطبري ﵀:"تأويل هذه"الآية كذا"أي: تفسيرها. وكذا قوله:"قال أهل التأويل"أي: أهل التفسير. والتأويل الذي يُحذر ويجتنب ويذم هو: الذي يؤدي إلى التعطيل، ويفضي إلى الإنكار، وهو صرف اللفظ عن ظاهره بغير قرينة تدل عليه. والمبتدعة معطلة الصفات عندهم قرينة واحدة مبنية على التوهم الفاسد اتكأوا عليها في تأويل النصوص وصرفها عن ظواهرها، ألا وهي دفع التشبيه، فزعموا أنَّ ظواهر نصوص الأسماء والصفات في الكتاب والسنة موهمة للتشبيه، ولهذا خاضوا فيها بالتأويل تنزيهاً لله ﵎ بزعمهم ـ، فنزهوا الله بتعطيل صفاته، وصرفها عن ظواهرها إلى معان ليست مرادة له ﵎، ولا لرسوله" ﷺ ." كما قال صاحب الجوهرة: وكلُّ نص أوهم التشبيه ... أوِّلْه أو فوض ورُمْ تنزيهاً فقوله:"أوِّله"مبني على توهم التشبيه، فهؤلاء الذين تأولوا النصوص عن ظواهرها وصرفوها عن مرادها سبب ذلك فيهم أنهم تلوثوا بالتشبيه أولاً، فأرادوا أن ينزهوا الله عن هذا الذي وقع في نفوسهم، فأولوا النص وصرفوه

стр. 58

عن مراده، فعطَّلوا بذلك الرب ﵎ عن صفة كماله. وكما قيل: البدع يولد بعضها بعضاً. فكلُّ تأويلات المبتدعة لنصوص الصفات مبنية على هذا التوهم . وفي مثل هذا يقول أبو حيان التوحيدي: " أناس مضوا تحت التوهم، وظنوا أنَّ الحق معهم، ولكنَّ الحق وراءهم " فهم سائرون تحت التوهم، يتوهمون شيئاً فيبنون عليه أشياء، يظنون أنَّ الحق معهم، ولكنَّ الحق وراءهم. قال الذهبي ـ معلقاً على هذه الكلمة ـ: " قلت: أنت حامل لوائهم " ١؛ لأنَّه متكلم وفيلسوف. فهؤلاء ماضون تحت توهم التشبيه، يظنون في النص أنَّه موهم للتشبيه. ولهذا قال قائلهم: وكلُّ نص أوهم التشبيه. والنص لا يوهم التشبيه إلا عند المريض الذي فيه لوثة. يقولون: لا نعقل من هذه النصوص إلا ما نراه في الشاهد. أي ما ثمة إلا المشابهة، ثم إنهم أرادوا الفرار من التشبيه الذي تلوثوا به فصاروا إلى التأويل والتعطيل، ظلمات بعضها فوق بعض. أما صاحب السنة فلا يتوهم في كلام الله تشبيهاً، وحاشاه سبحانه"أن يوهم كلامه أو كلام رسوله ﷺ تشبيهاً. ولهذا لما سمع الصحابة رضوان الله عليهم آيات الصفات وأحاديثها لم يدر في خواطرهم الصفات التي يرونها في المخلوقين، بل عرفوا أنَّ هذا وصف يليق بالرب العظيم وجلاله وكماله. وقول المصنف:"يؤدي إلى التعطيل"هذا فيه إشارة إلى المحذور الرابع الذي يجب على المسلم اجتنابه عند إثباته لله الصفات، وهو التعطيل.

стр. 59

والتعطيل: هو النفي وعدم الإثبات، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ١ أي: متروكة ومهجورة. فتعطيل الصفات: نفيها وعدم إثباتها لله ﵎، والمؤول الذي هو في الحقيقة محرف للنص معطل لصفة الله ﵎؛ لأنَّه لا يستقيم التحريف إلا بتعطيل الصفة الثابتة بالنص، ولهذا يقول العلماء:"كلُّ محرف معطل، وليس كلُّ معطل محرفاً. فكلُّ محرف معطل؛ لأنَّ من يحرف الصفة، مثل من يقول: رحمة الله هي إرادة الإنعام. هذا محرف، وفي الوقت نفسه معطل؛ لأنَّه عطل صفة الرحمة لله ﵎ ولم يثبتها. وكذلك من يقول عن الغضب إنَّه إرادة الانتقام فهو محرف، وفي الوقت نفسه معطل. وليس كلُّ معطل محرفاً؛ لأنَّ المعطل قد يكتفي بالتعطيل دون أن يخوض في ذكر معنى آخر للنص، كأن يقول في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ لم يستو على العرش. أو يقول في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ليست لله يدان. فهذا تعطيل، لكن ليس فيه تحريف للنص، إذ لم"يذكر له معنى آخر. وعلى كلٍّ فهذا تلخيص جميل بدأ به المصنف ﵀ بيَّن من خلاله منهج أهل السنة والجماعة في الصفات، وأنَّ منهجهم قائم على الإثبات، وهو واضح في قوله:"وأمروه كما ورد". مع الاحتراز من المحاذير الأربعة التي ذكرها: التكييف، والتمثيل، والتحريف الذي هو التأويل، والتعطيل. فهذه هي طريقة أهل السنة الجماعة: يثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف،

стр. 60

ولا تمثيل. ولو قارنت بين هذا وبين ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ١، وما يذكره أئمة السلف في كتب العقيدة، تجده كله على نسق واحد؛ لأنَّه كلَّه مأخوذ من مشكاة واحدة. " ووسعتهم السنة المحمدية" وسعتهم: أي كفتهم السنة، يعني وجدوا فيها الكفاية والغنية والشفاء، فلم يحتاجوا إلى غيرها، ولم يتجاوزوها إلى ما سواها. كان أحد السلف في مناظرة مع أحد المتكلمين، في شيء يتعلق بالصفات، فقال: هذا الذي تقوله، هل علمه النبي ﷺ ؟ وهل علمه الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ أم هو شيء علمته أنت ولم يعلمه هؤلاء وادُّخِرَ لك دونهم؟ إنْ قال: علمه النبي ﷺ ، وعلمه الصحابة فيطالب بالبيان، أين ما يدل على ذلك في الأحاديث، وأين ما يدل على ذلك في كلام الصحابة. وإن قال: لم يعلموه، فيكون ادعى لنفسه شيئاً ادُّخِر له لم يعلمه النبي ﷺ ولا أصحابه. وفي أثناء المناظرة قال له: ألا يسعك ما وسع النبي ﷺ ، وما وسع أصحابه. فالصحابة رضوان الله عليهم وسعهم القرآن، ووسعتهم السنة، ووجدوا فيهما الكفاية والغنية. ومما يدل على هذا المعنى في القرآن: قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) ٢، فالقرآن فيه الكفاية والغنية.

стр. 61

"المحمدية"أي: سنة النبي الكريم محمدصلى الله عليه وسلم. والطريقة المرضية التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه"رضوان الله عليهم". والمرضية: أي التي رضيها الله كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ ٢، فهذا طريق رضيه الله لعباده، وطريقة مرضية كان عليها النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. ولم يتعدوها إلى البدعة أي لم يتجاوزوا السنة المحمدية والطريقة المرضية إلى البدعة، وإنما اكتفوا بالسنة، واقتصروا عليها، ولم يتجاوزوها . ثم وصف البدعة بصفتين فقال: "المردية"أي: المهلكة لصاحبها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، أرداكم: أي أهلككم، فالبدعة مهلكة لصاحبها. " الردية"أي: الفاسدة في نفسها. فهاتان صفتان للبدع عموماً، فهي كلها فاسدة في نفسها ومهلكة لصاحبها. والمصنف ﵀ وصف أهل الحق بصفتين، الأولى: تمسكهم بالسنة. والثانية: بعدهم عن البدعة. وهذان الأمران هما اللذان تكون بهما النجاة والسلامة عند حدوث الافتراق والاختلاف، كما قال" ﷺ : " إنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار " "٤. وقد عبَّر

стр. 62

عنهما بقوله:"وسعتهم السنة المحمدية والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المردية الردية". " فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية"يعني بتمسكهم بالسنة ومجانبتهم"للبدعة حازوا أي: نالوا وحصَّلوا بذلك الرتبة السنية ."والرتبة السنية": الدرجة الرفيعة، من السناء وهو العلو والرفعة. و"المنزلة العلية": أي العالية الرفيعة. وبهذا يُعلم أن نيل المراتب العالية والمنازل الرفيعة في الدنيا والآخرة لا يكون إلا بهذين الأمرين: التمسك بالسنة، ومجانبة البدعة، وبالله وحده التوفيق.

стр. 63

[صفة العلو] "فمن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه: أنَّه مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه" بعد أن ذكر المؤلف ﵀ تأصيلاً عاماً لمنهج أهل السنة والجماعة، وبيَّن طريقتهم في الصفات، وأنهم يثبتون لله تعالى صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه الذي يليق به، بلا تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل، بدأ يسوق بشيء من التفصيل بعض صفات الله الثابتة في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وبعض أدلتها على سبيل المثال لا الحصر، شأنه في ذلك شأن أهل العلم في مثل هذه المختصرات. وهو بما يذكره يرشد إلى ما لم يذكره من صفات الله ﵎ العظيمة ونعوته الكريمة التي دل عليها كتابه وسنة نبيه ﷺ . وبدأ ﵀ بهذه الصفة العظيمة: علو الله ﵎ على خلقه، وذلك فيما يظهر لي ـ والله تعالى أعلم ـ لسببين: الأول: كثرة الأدلة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ الدالة على هذه الصفة. ومن أهل العلم من عد أدلة علو الله في الكتاب والسنة بالآلاف، كما قال ابن القيم في كافيته الشافية: يا قومنا والله إنَّ لقولنا ... ألفاً تدل عليه بل ألفان فيقسم ﵀ بالله أنَّ أدلة علو الله ﵎ ألف أو ألفان. وهي كما بين أهل العلم تدخل تحت أنواع، عدَّ ابن القيم منها عشرين نوعاً، سأذكر بعضها؛ لأنَّ المصنف ﵀ أشار إلى جملة منها. فمنها: تصريحه سبحانه باستوائه على العرش.

стр. 64

ومنها: إخباره سبحانه بأنَّه في السماء. ومنها: إخباره سبحانه بصعود بعض المخلوقات وعروجها إليه ومنها: إخباره سبحانه بنزول كلامه منه، والنزول لا يكون إلا من علو. ومنها: تصريحه سبحانه بعلوه. ومنها: تصريحه سبحانه بالفوقية: فوقيته على خلقه. وتحت كلِّ نوع من هذه الأنواع عشرات الأدلة. أما السبب الثاني فهو: أنَّ علو الله على كثرة أدلته ووضوح براهينه ودلائله فإنَّ غلط أهل الأهواء والباطل وضلالهم فيه كثير، وكلامهم في إنكار العلو وعدم إثباته كثير جداً، فشككوا الناس في عقائدهم وأديانهم وإيمانهم، وترتب على قولهم الباطل هذا؛ إنكار العلو: الخلوص إلى أحد مذهبين فاسدين: الأول: أنَّ الله لا فوق ولا تحت، ولا عن يمين العالم ولا عن شماله، ولا داخله ولا خارجه. وهذا وصف لله ﵎ بالعدم كما قال بعض السلف في وصف هؤلاء المعطلة: " المعطل يعبد عدماً " ١. وقال آخر: " تأملت قول الجهمية، فوجدت مؤداه أنه ليس فوق العرش إله يُعبد، ولا رب يُصلى له ويُسجد " ٢؛ لأنهم إذا قيل لهم: صفوا لنا ربكم الذي تعبدون يقولون: لا فوق ولا تحت، ولا عن يمين العالم ولا عن شماله، ولا داخله ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه. وهذا هو العدم، بل لو طُلِب من أحد أن يصف العدم بصفة بليغة لما وجد أكمل ولا أحسن من هذه

стр. 65

الصفة التي يصف بها الجهمية ربهم ١. الثاني:"أنَّ الله ـ تعالى عما يقول الظالمون ـ في كلِّ مكان، لا يخلو منه مكان، فهو في السماء وفي الأرض وفي الهواء، وفي كلِّ مكان. وترتب على هذا القول ظهور العقائد التي كثرت في أهل الباطل، مثل: الاتحاد، والحلول، ووحدة الوجود، وغير ذلك من العقائد المنحرفة الفاسدة. فليس أمام من ينكر علو الله إلا إحدى هاتين العقيدتين، وكتب أهل الباطل والأهواء ـ الذين حادوا عن طريقة الكتاب والسنة وكثر كلامهم وضلالهم ـ مليئة بهذا الباطل بنوعيه، مشحونة بالشبه في تقريره. فلأجل هذين السببين ـ والله تعالى أعلم ـ بدأ المصنف بذكر صفة العلو. ولما شرع ﵀ في بيان هذه الصفة، سلك مسلك غير واحد من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في ذكر أنواع أدلة العلو مكتفياً بذكر أمثلة من أفراد أدلتها؛ ليرشد بها إلى نوع الدليل، لأنَّه ـ كما ذكرت ـ ليس الاتجاه في مثل هذه المختصرات إلى الاستقصاء، وإنما ذكر شيء يدل"على غيره. فبدأ بالاستواء، واستواء الله سبحانه على عرشه أحد أدلة علوه ﵎ على خلقه؛ لأنَّ الاستواء في لغة العرب هو: العلو والارتفاع، فمعنى:" استوى على العرش"أي ـ بإجماع السلف ـ: علا وارتفع عليه؛ لأننا خوطبنا بلغة العرب، ومدلول هذه الكلمة في لغة العرب هو هذا، ليس لها مدلول إلا العلو والارتفاع. فالاستواء إذاً علو وارتفاع، لكن بين صفتي العلو والاستواء بعض

стр. 66

الفروق، منها: أنَّ العلو صفة ذاتية لله تعالى. أما الاستواء فهو صفة فعلية اختيارية تتعلق بالمشيئة. ومنها: أنَّ الاستواء صفة خبرية: دل عليها الخبر، ولولا الخبر والأدلة التي جاءت في الكتاب والسنة لما عرف الناس هذه الصفة. أما العلو فهو صفة دل عليها العقل مع دلالة الخبر، فالعقل يدل على علو الله، ومن الأدلة التي ذكرها أهل العلم على علو الله: العقل والفطرة بالإضافة إلى النقل. ولهذا فإنَّ الله خاطب المشركين ـ مخوفاً لهم بهذا الذي يؤمنون به ـ فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أ﴾ ١ أي أأمنتم مَنْ تعلمون أنَّه في السماء. وكذلك يأتي في أشعار الجاهليين الإقرار بأنَّ الله في السماء، مما يؤكد استقرار ذلك في فطرهم، كما قال أحدهم: يا عبل أين من المنية مهربُ ... إن كان ربي في السماء قضاها وعن عمران بن حصين"﵁"قال: قال النبي ﷺ لأبي: "يا حصين، كم تعبد إلهاً؟ قال أبي: سبعة، ستاً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك " ٢ فعرف حصين"﵁" أنَّ ربه في السماء وهو مشرك. والاستواء دليل على علو الله ﵎ على خلقه، فعرش الرحمن هو سقف المخلوقات وأعلاها، والله مستو على عرشه. قال رسول

стр. 67

الله ﷺ : " فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنَّه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة " ١. ومعنى العرش في لغة العرب: سرير الملك، قال الأزهري: " العرش في كلام العرب: سرير الملك، يدلك على ذلك سرير ملكة سبأ، سماه الله عرشاً فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ٢ " ٣. وقد ورد للعرش في الكتاب والسنة صفات عديدة. ـ منها: أنَّه سقف المخلوقات وأعلاها وأكبرها وأوسعها، قال رسول الله" ﷺ : " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " ٤. فإذا كان الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في صحراء، فماذا تساوي السماوات والأرض بالنسبة للعرش؟! أو ماذا تساوي الأرض التي نحن عليها بالنسبة للعرش؟! ـ ومن أوصافه الواردة في السنة: أن له قوائم، قال الرسول ﷺ : " لا تخيروا بين الأنبياء، فإنَّ الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش " ٥.

стр. 68

ـ ومنها: أنَّه أثقل المخلوقات وزناً، كما قال ﷺ : " سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته " ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فهذا يبين أنَّ زنة العرش أثقل الأوزان " ٢. ـ ومنها: أنَّه مجيد، كما قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٣. قال ابن كثير: " المجيد فيه قراءتان: الرفع على أنَّه صفة للرب ، والجر على أنَّه صفة للعرش. وكلاهما معنى صحيح " ٤. والمجد في لغة العرب يعطي معنى السعة، تقول العرب: أمجد الناقة علفاً أي أوسع لها وأكثر لها العلف. ويقولون: استمجد المرخ والعفار ـ وهما نوعان من الشجر ـ أي كثر وجودهما بشكل واسع وكبير.فهذا الوصف: المجيد يدل على السعة، وهو في حق الله تعالى دال على سعة صفاته وعظمتها وكمالها وجلالها. وقد نبه ابن القيم ﵀ على قاعدة مفيدة فيما يتعلق بأسماء الله، وهي أنَّ منها ما يدل على صفة واحدة، مثل السميع فهو دال على صفة السمع. والبصير دال على صفة البصر. والرحيم دال على صفة الرحمة. ومنها ما يدل على أكثر من صفة، مثل السيد والعظيم والمجيد، فالمجيد هذا يدل على صفات كثيرة ٥.

стр. 69

ـ ومنها: أنَّ له حملةً من الملائكة، قال ﵎: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١. ـ ومنها: الكرم والعظمة، قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وهذه الصفات كلُّها تدل على أنَّه مخلوق عظيم موجود، والله ﵎ مستو عليه استواءً يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه، لا يشبه استواء المخلوقين. فالمؤلف بدأ بهذا الدليل، وهو ذكر الآيات الدالة على استواء الله ﵎ على عرشه، وذكر ﵀ أنَّ الله سبحانه صرح باستوائه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه الكريم، ثم ساقها فقال : فقال عز من قائل في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال في سورة يونس ﵇ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، وقال في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ، وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فهذه سبعة مواضع أخبر الله فيها سبحانه أنه على العرش"

стр. 70

فهذه سبعة مواضع في القرآن ورد فيها التصريح بالاستواء، ولم يرد في أيِّ موطن من القرآن بلفظ آخر كـ"استولى على العرش"، وكأن المصنف ﵀ يشير بتنصيصه على هذه المواضع السبعة إلى إبطال تأويل من تأول الاستواء على غير معناه، إذ لو كان المراد الاستيلاء عليه لجاء ولو في موضع من هذه المواضع السبعة"ثم استولى على العرش"حتى يمكن القول بحمل هذا على هذا، أمَا وقد اتفق اللفظ في هذه المواضع السبعة فلا يمكن ذلك. وقد نبَّه أهل العلم على فائدة مهمة فيها رد على أهل الأهواء الذين يتأولون الاستواء، ألا وهي أنَّ السياق في جميع هذه المواضع السبعة في بيان عظمة الله وجلاله وكماله بذكر صفاته ونعوته ، فهو سبحانه يثني على نفسه ويمجدها ويعظمها بذكر صفاته، ومن بين هذه الصفات التي أثنى بها على نفسه: استواؤه على العرش: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . ومع ذلك يأتي المبتدعة إلى هذه الآيات فيقولون: الاستواء على العرش لا يليق به سبحانه، ونحن ننزهه عن ذلك، فينزهون الله عما مدح به نفسه، وأثنى عليها به. ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ١ كما أنَّ الاستواء على العرش جاء في أكثر هذه المواضع معطوفاً بالحرف" ثم"ـ الذي يفيد الترتيب والمهلة ـ بعد ذكره خلق السماوات والأرض: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهذا ـ أيضاً ـ فيه إبطال لمن يتأول الاستواء بغير معناه، كمن يقول: الاستواء على العرش هو الاستيلاء عليه، يعني مُلْكَه للعرش وغلبته

стр. 71

عليه، إذ لو كان استواء الله على عرشه ـ الذي هو المُلك كما يزعمون ـ للزم منه أنه لم يحصل ملك الله للعرش إلا بعد خلق السماوات والأرض!! فحاول هؤلاء المعطلة التخلص من هذا اللازم فقالوا:"ثم"ليست على بابها، فهي في هذه المواضع لا تفيد الترتيب والمهلة. إذاً فـ"ثم"محمولة عندهم على غير بابها، واستوى محمولة على غير بابها، والعرش"محمول على غير بابه؛ لأنه ـ بزعمهم ـ كناية عن العظمة، والرحمن"أيضاً محمول على غير بابه؛ لأنه كناية عن إرادة الإنعام. إذاً فليس في الآية شيء على بابه!! فركبوا مجازات بعضها فوق بعض وتحريفات بعضها فوق بعض، وكلُّ ذلك إمعان منهم في إنكار استواء الله ﵎ على عرشه. ثم إنَّ استواءه ﵎ على عرشه ليس عن حاجة، بل عن غنى تام، فهو ﵎ الممسك للعرش والسماوات والأرض بقدرته، وهو الغني عن العرش وما دونه، والعرش وما دونه فقراء محتاجون إلى الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١، وقال ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٢ فهو الممسك للسماوات والأرض والعرش وكل المخلوقات بقدرته ﵎. أما المخلوق فإذا استوى على شيء، فإنما يستوي عليه عن حاجة، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ٣ أي الفلك والأنعام. فاستواء المخلوق على الفلك والأنعام هو عن حاجة منه إليها، بحيث لو غرقت الفلك لغرق، ولو سقطت الدابة لسقط.

стр. 72

وهنا قاعدة يقررها أهل العلم في هذا الباب مهمة للغاية، وهي أنَّ لازم الصفة عند إضافتها إلى الله ﵎ لا يكون لازماً للصفة عند إضافتها إلى المخلوق، وكذلك العكس. فمثلاً: من لوازم إضافة الاستواء إلى المخلوق: احتياجه لما هو مستو عليه، وهذا اللازم خاص بمن أضيف إليه وهو المخلوق. فإذا أضيف الاستواء إلى الله ﵎ لا يصح بأيِّ وجه من الوجوه أن نضيف إليه لازم الصفة حال إضافتها إلى المخلوق. وبهذا يُعلم فساد أقوى شبهة عند هؤلاء لإنكار الاستواء، وهي قولهم: لو أثبتنا أن الله ﵎ مستو على عرشه حقيقة للزم من ذلك أن الله محتاج إلى العرش. وقد جاءتهم هذه الشبهة من جعلهم لازم الصفة حال إضافتها للمخلوق لازماً للصفة حال إضافتها للخالق، وهذا سبب الفساد وأساسه في هذه الصفة، بل وفي كلِّ صفة خاض فيها هؤلاء بالباطل. وأهل العلم يقولون: الصفة لها ثلاثة اعتبارات ١: الاعتبار الأول: من حيث الإطلاق، أي بدون أن تضاف لا إلى خالق ولا إلى مخلوق. فعندما نقول الاستواء، ولا نضيفه لا إلى الله، ولا إلى الخلق. فهو في هذه الحال أمر في الذهن، لا حقيقة له في الخارج. الاعتبار الثاني: اعتبار الصفة من حيث إضافتها إلى الله ، مثل استواء الله على العرش: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فهنا الصفة مضافة إلى الله، والإضافة تقتضي التخصيص، فالصفة المضافة إلى الله تخصه وتليق بجلاله وكماله، ولازمها: الكمال اللائق

стр. 73

بجلاله وعظمته. وهذا اللازم لا يجوز أن يجعل لازماً للصفة عندما تضاف للمخلوق. الاعتبار الثالث: اعتبار الصفة من حيث إضافتها إلى المخلوق، ولازم الصفة في هذه الحال: النقص والضعف، وهي تليق بالمخلوق وبضعفه ونقصه وكونه مخلوقاً. وهذا اللازم الذي يلزم الصفة باعتبار إضافتها إلى المخلوق ليس لازماً للصفة باعتبار إضافتها إلى الخالق. فإذا جعل لازم الصفة باعتبار إضافتها إلى المخلوق لازماً لها باعتبار إضافتها إلى الخالق يكون بذلك تشبيه للخالق بالمخلوق، وإذا جعل لازم الصفة باعتبار إضافتها للخالق لازماً للصفة باعتبار إضافتها للمخلوق يكون بذلك تشبيه للمخلوق بالخالق، والله لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد من خلقه، فكلا التشبيهين باطل: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. يقول الإمام أبو حنيفة ﵀:" لا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه " ١. والوجوه التي ذكرها أهل العلم في إبطال هذا التحريف لعلو الله واستوائه على عرشه كثيرة جداً، وهي مبسوطة في الصواعق المرسلة لابن القيم ﵀ ٢. وروى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إنَّ رحمتي سبقت غضبي. فهو عنده فوق العرش "

стр. 74

بعد أن فرغ المصنف ﵀ من ذكر النوع الأول من الأدلة على علو الله، وهو: التصريح بالاستواء على العرش شرع بذكر النوع الثاني: وهو التصريح بالفوقية. وقد جاء هذا النوع من الأدلة في القرآن والسنة، كما قال الله ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٢. وحديث أبي هريرة الذي أورده المصنف فيه التصريح بفوقية الله ﵎ على عرشه، والشاهد فيه قوله: وهو" عنده فوق العرش " عنده أي عند الله فوق العرش. والحديث مشتمل ـ إضافة إلى دلالته على فوقية الله ﵎ على خلقه ـ على ذكر صفتين، وهما الرحمة والغضب، في قوله:"إن رحمتي سبقت ـ وفي رواية غلبت ـ غضبي". كما أنه أحد الأدلة التي استدل بها أهل العلم على التفاضل بين صفات الله ﵎، فقد بيَّن سبحانه أنَّ رحمته سبقت غضبه وغلبته، وهو دليل على أن الرحمة أفضل. ومن الأدلة ـ أيضاً ـ على التفاضل: قول النبي ﷺ في دعائه في سجوده: " اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " ٣ والمستعاذ به أفضل من المستعاذ منه، والكلُّ صفة لله ﵎ ٤. وروى العباس بن عبد المطلب "﵁" أنَّ النبي ﷺ ذكر

стр. 75

سبع سماوات وما بينها، ثم قال: " وفوق ذلك بحر: بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش، ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه القزويني" هذا الحديث مشهور عند أهل العلم بحديث الأوعال، وهو دال على ما دل عليه الحديث السابق من فوقية الله ﵎ على خلقه. والشاهد منه قول النبي ﷺ في آخره:"والله فوق ذلك"، والمؤلف ﵀ ساق الحديث لهذا الشاهد، وقد عرفنا أن فوقية الله دلت عليها نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . لكن هذا الحديث الذي ساقه المصنف ﵀ ضعيف الإسناد، قال الذهبي: " تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة " ١، وقال الألباني: " إسناده ضعيف " ٢. فالحديث فيه كلام، ولا يثبت عن النبي ﷺ ، لكن عدم ثبوته لا يضر هنا، لأنَّ الصفة التي ساق المصنف لأجلها هذا الحديث ثابتة في الحديث الذي قبله، وفي القرآن الكريم، فلعله ذكره هنا استئناساً لا اعتماداً ـ إن كان غير ثابت عنده ٣ ـ فإنَّ من أهل العلم من حسَّن هذا الحديث ٤، وهذا ربما للشواهد
следующие страницы →