عليه، إذ لو كان استواء الله على عرشه ـ الذي هو المُلك كما يزعمون ـ للزم منه أنه لم يحصل ملك الله للعرش إلا بعد خلق السماوات والأرض!!
فحاول هؤلاء المعطلة التخلص من هذا اللازم فقالوا:"ثم"ليست على بابها، فهي في هذه المواضع لا تفيد الترتيب والمهلة.
إذاً فـ"ثم"محمولة عندهم على غير بابها، واستوى محمولة على غير بابها، والعرش"محمول على غير بابه؛ لأنه ـ بزعمهم ـ كناية عن العظمة، والرحمن"أيضاً محمول على غير بابه؛ لأنه كناية عن إرادة الإنعام. إذاً فليس في الآية شيء على بابه!! فركبوا مجازات بعضها فوق بعض وتحريفات بعضها فوق بعض، وكلُّ ذلك إمعان منهم في إنكار استواء الله ﵎ على عرشه.
ثم إنَّ استواءه ﵎ على عرشه ليس عن حاجة، بل عن غنى تام، فهو ﵎ الممسك للعرش والسماوات والأرض بقدرته، وهو الغني عن العرش وما دونه، والعرش وما دونه فقراء محتاجون إلى الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١، وقال ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٢ فهو الممسك للسماوات والأرض والعرش وكل المخلوقات بقدرته ﵎.
أما المخلوق فإذا استوى على شيء، فإنما يستوي عليه عن حاجة، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ٣ أي الفلك والأنعام. فاستواء المخلوق على الفلك والأنعام هو عن حاجة منه إليها، بحيث لو غرقت الفلك لغرق، ولو سقطت الدابة لسقط.
стр. 72
وهنا قاعدة يقررها أهل العلم في هذا الباب مهمة للغاية، وهي أنَّ لازم الصفة عند إضافتها إلى الله ﵎ لا يكون لازماً للصفة عند إضافتها إلى المخلوق، وكذلك العكس.
فمثلاً: من لوازم إضافة الاستواء إلى المخلوق: احتياجه لما هو مستو عليه، وهذا اللازم خاص بمن أضيف إليه وهو المخلوق. فإذا أضيف الاستواء إلى الله ﵎ لا يصح بأيِّ وجه من الوجوه أن نضيف إليه لازم الصفة حال إضافتها إلى المخلوق.
وبهذا يُعلم فساد أقوى شبهة عند هؤلاء لإنكار الاستواء، وهي قولهم: لو أثبتنا أن الله ﵎ مستو على عرشه حقيقة للزم من ذلك أن الله محتاج إلى العرش.
وقد جاءتهم هذه الشبهة من جعلهم لازم الصفة حال إضافتها للمخلوق لازماً للصفة حال إضافتها للخالق، وهذا سبب الفساد وأساسه في هذه الصفة، بل وفي كلِّ صفة خاض فيها هؤلاء بالباطل.
وأهل العلم يقولون: الصفة لها ثلاثة اعتبارات ١:
الاعتبار الأول: من حيث الإطلاق، أي بدون أن تضاف لا إلى خالق ولا إلى مخلوق. فعندما نقول الاستواء، ولا نضيفه لا إلى الله، ولا إلى الخلق. فهو في هذه الحال أمر في الذهن، لا حقيقة له في الخارج.
الاعتبار الثاني: اعتبار الصفة من حيث إضافتها إلى الله ، مثل استواء الله على العرش: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فهنا الصفة مضافة إلى الله، والإضافة تقتضي التخصيص، فالصفة المضافة إلى الله تخصه وتليق بجلاله وكماله، ولازمها: الكمال اللائق
стр. 73
بجلاله وعظمته. وهذا اللازم لا يجوز أن يجعل لازماً للصفة عندما تضاف للمخلوق.
الاعتبار الثالث: اعتبار الصفة من حيث إضافتها إلى المخلوق، ولازم الصفة في هذه الحال: النقص والضعف، وهي تليق بالمخلوق وبضعفه ونقصه وكونه مخلوقاً. وهذا اللازم الذي يلزم الصفة باعتبار إضافتها إلى المخلوق ليس لازماً للصفة باعتبار إضافتها إلى الخالق.
فإذا جعل لازم الصفة باعتبار إضافتها إلى المخلوق لازماً لها باعتبار إضافتها إلى الخالق يكون بذلك تشبيه للخالق بالمخلوق، وإذا جعل لازم الصفة باعتبار إضافتها للخالق لازماً للصفة باعتبار إضافتها للمخلوق يكون بذلك تشبيه للمخلوق بالخالق، والله لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد من خلقه، فكلا التشبيهين باطل: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق.
يقول الإمام أبو حنيفة ﵀:" لا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه " ١.
والوجوه التي ذكرها أهل العلم في إبطال هذا التحريف لعلو الله واستوائه على عرشه كثيرة جداً، وهي مبسوطة في الصواعق المرسلة لابن القيم ﵀ ٢.
وروى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إنَّ رحمتي سبقت غضبي. فهو عنده فوق العرش "
стр. 74
بعد أن فرغ المصنف ﵀ من ذكر النوع الأول من الأدلة على علو الله، وهو: التصريح بالاستواء على العرش شرع بذكر النوع الثاني: وهو التصريح بالفوقية.
وقد جاء هذا النوع من الأدلة في القرآن والسنة، كما قال الله ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٢.
وحديث أبي هريرة الذي أورده المصنف فيه التصريح بفوقية الله ﵎ على عرشه، والشاهد فيه قوله: وهو" عنده فوق العرش " عنده أي عند الله فوق العرش.
والحديث مشتمل ـ إضافة إلى دلالته على فوقية الله ﵎ على خلقه ـ على ذكر صفتين، وهما الرحمة والغضب، في قوله:"إن رحمتي سبقت ـ وفي رواية غلبت ـ غضبي".
كما أنه أحد الأدلة التي استدل بها أهل العلم على التفاضل بين صفات الله ﵎، فقد بيَّن سبحانه أنَّ رحمته سبقت غضبه وغلبته، وهو دليل على أن الرحمة أفضل.
ومن الأدلة ـ أيضاً ـ على التفاضل: قول النبي ﷺ في دعائه في سجوده: " اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " ٣ والمستعاذ به أفضل من المستعاذ منه، والكلُّ صفة لله ﵎ ٤.
وروى العباس بن عبد المطلب "﵁" أنَّ النبي ﷺ ذكر
стр. 75
سبع سماوات وما بينها، ثم قال: " وفوق ذلك بحر: بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش، ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه القزويني"
هذا الحديث مشهور عند أهل العلم بحديث الأوعال، وهو دال على ما دل عليه الحديث السابق من فوقية الله ﵎ على خلقه.
والشاهد منه قول النبي ﷺ في آخره:"والله فوق ذلك"، والمؤلف ﵀ ساق الحديث لهذا الشاهد، وقد عرفنا أن فوقية الله دلت عليها نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
لكن هذا الحديث الذي ساقه المصنف ﵀ ضعيف الإسناد، قال الذهبي: " تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة " ١، وقال الألباني: " إسناده ضعيف " ٢.
فالحديث فيه كلام، ولا يثبت عن النبي ﷺ ، لكن عدم ثبوته لا يضر هنا، لأنَّ الصفة التي ساق المصنف لأجلها هذا الحديث ثابتة في الحديث الذي قبله، وفي القرآن الكريم، فلعله ذكره هنا استئناساً لا اعتماداً ـ إن كان غير ثابت عنده ٣ ـ فإنَّ من أهل العلم من حسَّن هذا الحديث ٤، وهذا ربما للشواهد
стр. 76
العامة فيما يتعلق بالفوقية، أما فيما يتعلق بالأوعال فلا أعرف له شاهداً في سنة النبي ﷺ .
ومن الملاحظ أنَّ المصنف ﵀ أعقب هذا الحديث بذكر من خرَّجه فقال:"رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه القزويني"وقد سبقت أحاديث لم يعزها إلى من أخرجها، وذلك أنَّ له ﵀"قاعدة في كتابه هذا، نبَّه عليها في آخره، وهي أنَّ الحديث إذا كان متفقاً عليه عند الشيخين البخاري ومسلم فإنَّه يتركه بدون عزو. أما إذا كان في البخاري وحده أو في مسلم وحده أو في غيرهما من الكتب فإنَّه يذكر من خرجه ويعزوه إليه. وعليه فإذا رأيت في هذا الكتاب حديثاً لم يخرجه المصنف فاعلم أنه متفق عليه رواه البخاري ومسلم.
ثم أورد المؤلف ﵀ هذا الأثر: وقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ ، ومالك بن أنس في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر ""
أولاً: فيما يتعلق بأم سلمة، لم يصح عنها هذا القول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " رُوِي هذا الجواب عن أم سلمة"﵁"موقوفاً ومرفوعاً، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه " ١. وقال الذهبي: " فأمَّا عن أم سلمة فلا يصح " ٢.
أما عن الإمام مالك بن أنس، فقد جمعت من روى عنه هذا الأثر في رسالة ٣ فبلغوا عشرة"، وهو ثابت عنه بأسانيد صحيحة، وتناقله أهل العلم
стр. 77
عنه وتلقوه بالقبول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " قد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة من ينكره " ١.
ويعتبر هذا الأثر قاعدة متينة، تغيظ أهل الأهواء كثيراً؛ وذلك لأنَّه يقرر منهجاً متكاملاً لأهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، وليس مختصاً بالاستواء فحسب. قال ابن القيم ﵀: " وهذا الجواب من مالك"﵁"شاف، عام في جميع الصفات " ٢.
ولهذا دأب المبتدعة قديماً في محاولة تحريف معناه بأنَّ الإمام مالكاً أراد بقوله:"الاستواء معلوم"أنَّه معلوم الورود في القرآن الكريم. هكذا يقولون. وقد تصدى أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المحاولات وبينوا فسادها من وجوه كثيرة. ولم يتجرأ أحد منهم ـ فيما أعلم ـ على نقض إسناده والطعن في ثبوته، حتى جاء أحد المعاصرين فتجرأ على ما لم يتجرأ عليه أسلافه، فجمع بعض طرق هذا الأثر وأخذ ينتقدها بذكر كلام أهل العلم في جرح بعض رواته ـ مع إهمال ذكر من وثقه ـ مع غضه الطرف عن بعض الطرق الصحيحة، الواضحة الثبوت. فانتقى بعض الأسانيد وقال: جميع هذه الأسانيد لا تثبت. ثم قال: فإن قيل ألا يقوي بعضها بعضاً؟ قال: لا؛ لأنَّ ضعفها شديد. ثم قال: وعلى فرض ثبوته ـ هذا على سبيل التنزل ـ يبقى رأياً للإمام مالك، وليس قولاً ملزماً للأمة.
وهي محاولة فاشلة للإطاحة بهذا الأثر إسناداً أو متناً، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، والحق أبلج والباطل لجلج.
стр. 78
"الاستواء غير مجهول"يعني: معلوم المعنى عند من يعرف اللغة العربية؛ معناه: العلو والارتفاع، أي لا يجهل معناه أحد يعرف اللغة.
"والكيف غير معقول"أي الكيف الذي تسأل عنه مجهول. ولم يقل معدوم. وفي هذا فائدة أن صفة الله لها كيفية لكننا نجهلها. ففرق بين أن يقال: الكيف معدوم، والكيف مجهول. فالكيف مجهول يعني أنه ثابت لله، وأن صفة الله لها كيفية؛ فإن ما لا كيفية له لا وجود له، لكن النفي هنا لعلمنا بالكيفية.
"والإقرار به إيمان والجحود به كفر": لفظ الإمام مالك:"والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
الإيمان به يعني الاستواء. والسؤال عنه أي: عن كيفية الاستواء: بدعة. ثم أمر بإخراج الرجل من ذلك المكان.
هذا الذي قاله مالك ﵀ تستطيع أنَّ تقوله في كلِّ صفة. مثلاً لو قال قائل: قال" ﷺ : " ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا " ١ كيف ينزل؟ تقول: النزول: معلوم أي معلوم المعنى، وكيفيته: مجهولة، والإيمان به: واجب، والسؤال عنه: بدعة.
وكذلك لو قال قائل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ كيف يداه؟ يقال: اليدان: معلومتان، وكيفيتهما: مجهولة، والإيمان بهما: واجب، والسؤال عن كيفيتهما: بدعة.
قال ابن القيم ﵀: " وهذا الجواب من مالك ﵁ شاف، عام في جميع مسائل الصفات، فمن سأل عن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا
стр. 79
أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ١ كيف يسمع ويرى؟ أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول. وكذلك من سأل عن العلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرضى والرحمة والضحك وغير ذلك، فمعانيها كلُّها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقُّل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟!
والعصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله" ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تُثْبِتُ له الأسماء والصفات وتَنفي عنه مشابهة المخلوقات. فيكون إثباتك منزَّهاً عن التشبيه، ونفيُك منزَّهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبَّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثل، ومن قال: استواء ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزه " ٢.
" وروى أبو هريرة"﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى "
هذا هو النوع الثالث من أنواع أدلة العلو: التصريح بأنَّه سبحانه في السماء. وقد جاء في القرآن، قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٣.
و" في السماء" تحتمل أحد معنيين، إما أن يكون المراد بها المبنية كقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ ٤، أو مطلق العلو كما في قوله
стр. 80
تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ١.
فإن كان المراد بالسماء المبنية فـ"في"بمعنى على، فيكون معنى:" في السماء"أي على السماء. وإذا كان المراد بالسماء مطلق العلو فـ"في"على بابها. وهو بكلا الاعتبارين يدل على علو الله ﵎ على خلقه، العلو الذي يليق بجلاله وكماله.
"الذي في السماء"أي الله، وهذا موضع الشاهد.
وفي الحديث أيضاً إثبات صفة السخط لله جل وعلا، وهي من صفاته الفعلية.
ونظير هذا الحديث قوله ﷺ في الحديث الآخر: " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " ٢، وهو مما يوضح المراد بقوله:"في السماء"لأنك لو قابلت بين أول الحديث وآخره اتضح لك المعنى، فمثلاً إذا قال قائل من أهل الأهواء"في"هنا ظرفية، لأنهم يقولون إذا قلتم: إنَّ الله في السماء فمعنى ذلك أنَّ السماء محيطة به لأنَّ"في"تفيد الظرفية. فيقال لهؤلاء: قابلوا بين أول الحديث وآخره،"ارحموا من في الأرض"أي على الأرض. فإذا قيل: لا تستعمل"في"إلا على الظرفية، فيكون معنى الحديث ـ على هذا الفهم ـ: ارحموا الديدان والحشرات الموجودة داخل الأرض، أما الناس الذين يمشون فوق الأرض فلا يشملهم الحديث؛ لأنَّ النبي ﷺ يقول:"في الأرض"وهؤلاء فوق الأرض!!
стр. 81
والحق الذي يظهر لكلِّ متأمل: أنَّ قوله ﷺ :"ارحموا من في الأرض"أي على الأرض، فـ"في"هنا بمعنى"على". وقوله:"يرحمكم من في السماء"أي من على السماء. فإذا قابلت بين أول الحديث وآخره اتضح لك المعنى ١.
وروى أبو سعيد الخدري"﵁"أنَّ النبي ﷺ قال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً " لا يزال المصنف ﵀ يذكر الأحاديث المشتملة على التصريح بأنَّ الله في السماء، وهذا كما تقدم أحد أنواع الأدلة الدالة على علو الله ﵎ على خلقه.
" من في السماء"أي: الله جل وعلا، فقد ائتمنه على أعظم الأمور وأجلها على الإطلاق: ائتمنه على وحيه وتنزيله، فبلَّغ ﷺ رسالة ربه وافية كاملة. وهو ﷺ السفير والواسطة بين الله وبين عباده في بلاغ دينه وكلامه لهم، فائتمنه من في السماء، ومع ذلك لم يأتمنه بعض من في الأرض على قليل من المال، فلهذا قال ﷺ :"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء".
وللحديث قصة، وهي أنَّ النبي ﷺ قسم مالاً، فجاءه ذو الخويصرة فقال: إنك لم تقسم بالعدل أو بالسوية، فغضب ﷺ وقال كلمته هذه. ثم بيَّن ما هو الذي ائتمنه عليه من في السماء أي: الله ، فقال: يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءاً" أي يتنزل عليه الوحي"باستمرار في الصباح والمساء"، فهو مؤتمن على أعظم الأمور: وحي الله وتنزيله، فكيف لا يؤتمن على المال، وهو أمر دنيوي ليس بشيء في مقابل هذا الأمر الجلل العظيم.
стр. 82
الشاهد من الحديث: قوله ﷺ مرتين في الحديث:"من في السماء "في قوله: وأنا أمين من في السماء"، ثم قال:"يأتيني خبر من في السماء"، فهذا فيه التصريح بأنَّ الله في السماء، والسماء ـ كما قدمت ـ إما أن تكون المبنية، فتكون"في"بمعنى على. أو تكون بمعنى العلو، وتكون"في"على بابها.
وروى معاوية بن الحكم السلمي"﵁"أنَّ النبي ﷺ : قال لجاريته: " أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة ". رواه مسلم بن الحجاج وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي
ثم أورد المصنف ﵀ حديث معاوية بن الحكم في قصته مع جاريته التي كانت مكلفة عنده برعاية أغنامه، فعدى يوماً ذئب على شاة منها فأكلها، فغضب معاوية"﵁"وأسف على هذا الأمر وصكها صكة أي: ضربها ضربة شديدة، لكنه ندم على ضربها، فأتى النبيَّ ﷺ وعرض عليه عتقها، لعل الله أن يكفِّر عنه تلك الضربة التي ضربها. فطلب النبي ﷺ أن يؤتى بها ليَمتحن إيمانَها وليختبرها. فكان الاختبار مكوناً من سؤالين:
سؤال عن المرسِل وهو الله جل وعلا: عن توحيد الله، فسألها:"أين الله؟ "أي الذي يُعبد، ويُخضع له ويُسجد، ويُطاع أمره ويمتثل؟ فأشارت إلى السماء وقالت: في السماء.
والسؤال الثاني عن المرسَل ﷺ ، يتعلق بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ، فقال لها ﷺ : من أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ وهذه شهادة له ﷺ بالرسالة.
стр. 83
وهذه الشهادة ليست مجرد قول يقوله العبد، أو دعوى يدعيها فقط، بل هي متضمنة لأمور ثلاثة: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١.
وعندما تتأمل ما جاء به ﷺ تجده مكوناً من هذه الأمور الثلاثة: أوامر ونواهي وأخبار، فمن قال: أشهد أنَّ محمداً رسول الله عليه أن يطيع الأوامر، وأن ينتهي عن النواهي، وأن يصدق الأخبار، وبهذا تكون شهادته للنبي ﷺ بالرسالة صادقة.
فعندئذ قال ﷺ :"أعتقها فإنها مؤمنة"فحكم لها بالإيمان بناءً على هذين الجوابين: الإقرار بأنَّ الله في السماء، والشهادة بأنَّ محمداً" ﷺ رسول الله. ومن أقر بأنَّ الله في السماء، وشهد حقاً أنَّ محمداً رسول الله ﷺ فهو مؤمن؛ لأنَّه مقر بربه مؤمن به، ومؤمن بهذا الرسول المرسَلِ من الله جل وعلا، ومن كان هذا حاله فسيقبل على عبادة ربه وطاعته. فجواب هذا السؤال إذا كان جواباً صحيحاً من قلب صادق دليل على الإيمان.
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: " ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أنَّ الرجل إذا لم يعلم أنَّ الله في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبداً فأُعتِق لم يُجْزِ في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء، ألا ترى أنَّ رسول الله جعل أمارة إيمانها معرفتها أنَّ الله في السماء " ٢.
وفي هذا الحديث فوائد عظيمة: منها:"التأكيد على أهمية هذين
стр. 84
السؤالين، وأنهما أعظم المسائل وأجلها، بل إنَّ الناس ـ يوم القيامة ـ لا يُسألون إلا عنهما: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟
وفيه ـ أيضاً ـ دليل على أنَّ الإنسان يُحكم عليه بظاهره، أما الباطن فإلى الله ، فمن ذَكرَ أمور الإيمان وأقر بها حكم بإيمانه، فليس للناس إلا الظاهر، والله يتولى السرائر.
وفي قول النبي ﷺ :"أين الله": دليل على صحة هذا السؤال ومشروعيته، وجواز إلقائه على الناس للحاجة والفائدة والتعليم. وجواب هذا السؤال هو هذا الجواب الذي أجابت به الجارية، وأقرها عليه رسول الله ﷺ ، إذ لو كان جوابها غير صحيح لما أقرها على ذلك كما لا يخفى.
قال الإمام الذهبي ﵀: " ففي الخبر مسألتان: إحداهما: شرعيةُ قول المسلم: أين الله. وثانيهما: قول المسؤول: في السماء. فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ " ١.
والمبتدعة أهل الكلام كثيراً ما يقولون في عقائدهم: لا تجوز في حقه ـ أي الله ـ الأينية، أي: لا يُسأل عنه بـ"أين"، ولا يشار إليه بإصبع، بل قال بعضهم: إنَّ الإصبع التي ترفع إلى السماء مشيرة إلى الله يجب أن تقطع؛ لأنها إشارة باطلة.
فعندهم قولك:"أين الله؟ "، ومتى الله؟ في البطلان سواء. يقولون هذا مع ثبوت هذه الإشارة عن النبي الكريم ﷺ في أعظم جمع، وأكبر مشهد، وأوسع محفل: في حجة الوداع لما خطب الناس، وكان أمامه أمم لا يحصيهم إلا الله ، فيهم من هو حديث الإسلام، ومن هو
стр. 85
متقدم الإسلام، أشار أمام هؤلاء هذه الإشارة، ليس مرة واحدة، بل ثلاث مرات يشير إلى السماء، كما قال جابر بن عبد الله"﵁": " فقال ﷺ بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات " ١.
فحديث الجارية فيه التصريح بأن الله في السماء.
ثم قال المصنف ـ معلقاً على هذا الحديث ـ:
" ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله"أي كما هو حال المتكلمين أهل الأهواء، الذين يقولون: لا يسأل عنه بـ"أين".
فالمؤلف يقول: من أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يمنع طرح هذا السؤال بعد طرح النبي ﷺ له، وهو أعلم الناس بربه، كما قال ﷺ : " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " ٢،: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣، فيأتي عنه التصريح بهذا السؤال:"أين الله"في حديث صحيح ثابت، تلقته الأمة بالقبول، ثم يقول بعض هؤلاء الضلال أهل الأهواء: هذا سؤال باطل لا يجوز. فهذا ـ كما قال المصنف ﵀ دليل على جهل قائله وسخف عقله وضلاله في مسلكه وسبيله.
" بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله"إذا كان صاحب الشريعة المبلغ عن الله قال: أين الله. فلا شك أنَّ هؤلاء المتكلمين ـ الذين يقولون: لا يجوز أن يقال أين الله ـ أصحاب هوى وضلالة.
стр. 86
فصاحب الشريعة، ومن تبع سبيله وسلك نهجه وترسم خطاه ولزم غرزه يقولون: أين الله. وأما هؤلاء فأهل أهواء، ليسوا على طريقة صاحب الشريعة ﷺ ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ١.
ولهذا فأهل الأهواء مغتاظون من هذا الحديث أشد الغيظ، فما أن تقرأه على أحدهم إلا وتراه اشمأز وانكمش وانقبض. ولأجل هذا اجتهد بعضهم في تضعيفه، واجتهد بعضهم في تحريفه، وسلكوا فيه مسالك شتى، وحالهم مع هذا الحديث هو حال أسلافهم مع كلِّ حديث لا يوافق أهواءهم، فقد ذكر ابن القيم ﵀ أنَّه دارت بينه وبين بعض المتكلمين مناظرة في صفة الكلام، فقال هذا المتكلم:"نحن وسائر الأمة نقول: القرآن كلام الله لا ينازع في هذه الإضافة أحد، ولكن لا يلزم منها أن يكون الله بنفسه متكلماً ولا أنَّه يتكلم، فمن أين لكم ذلك؟ قال ابن القيم: فقال له بعض من كان معي من أصحابنا: قد قال النبي ﷺ : " إذا تكلم الله بالوحي " ٢، وقالت عائشة ﵂: " ولشأني كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى " ٣. قال: فرأيت الجهمي قد عبس وبسر وكلح وزوى وجهه عنه كالذي شم رائحة كريهة أعرض عنها بوجهه، أو ذاق طعاماً كريهاً مراً مذاقه"٤. فهذا شأن أهل الأهواء مع النصوص المخالفة لأهوائهم.
стр. 87
أما صاحب السنة وصاحب الشريعة إذا سمع هذا الحديث أو غيره من أحاديث النبي ﷺ فإنه يستبشر ويتهلل وجهه ويفرح ويتلقاه بالقبول. كيف لا، وهو كلام نبيه ﷺ .
ثم أورد المصنف أثراً عن أنس بن مالك"﵁"فقال: وروى أنس بن مالك"﵁"قال: " كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي ﷺ : تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات " رواه البخاري وفيه التصريح بالفوقية، وهو ـ كما سبق ـ أحد أنواع الأدلة الدالة على علو الله ﵎.
وزينب بنت جحش ﵂ زوَّجها الله من فوق سبع سماوات، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ١، فكانت تفخر بذلك على أزواج النبي ﷺ ، تقول: زوجكن أهاليكنَّ، أي: كلُّ واحدة منكنَّ زوجها أهلها، إما أبوها أو وليها. أما أنا فزوجني الله من فوق سبع سماوات.
الشاهد من ذلك قولها:"من فوق سبع سماوات".
وفي حديث أبي هريرة"﵁"أنَّ رسول الله ﷺ ذكر المؤمن عند موته، وأنه يعرج بروحه حتى ينتهي إلى السماء التي فيها الله . رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما" ثم أورد هذا الحديث: حديث أبي هريرة"﵁"وهو في ذكر قبض روح المؤمن عند موته والعروج بها إلى السماء، وأنها تمر بالسماء الأولى فيرحب بها من في تلك السماء من الملائكة، ويقولون: أيتها الروح الطيبة. ثم يصعد بها إلى السماء التي تليها، إلى أن قال: حتى ينتهي إلى السماء التي
стр. 88
فيها الله" أي التي عليها الله، والمراد بالسماء هنا المبنية على حسب التسلسل الذي جاء في الحديث: السماء الأولى، السماء الثانية، إلى أن قال: حتى يأتي إلى السماء التي فيها الله، يعني السماء السابعة التي عليها الله؛ لأنَّ العرش فوق السماوات، والله فوق العرش .
فالشاهد منه: التصريح بأنَّ الله في السماء، فيضم إلى الأدلة السابقة المصرحة بذلك.
وروى أبو الدرداء"﵁"قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اشتكى منكم، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة وشفاءً من شفائك على هذا الوجع فيبرأ ". رواه أبو القاسم الطبري في سننه"
هذه رقية تقال للمريض، سواء اشتكى هو، أو اشتكى أخ له، لو صح الحديث، لكنَّ الحديث لم يصح، إذ لم يثبت عن النبي ﷺ ، فلا يعمل به، وإنما يعمل بالصحيح الثابت عن النبي ﷺ .
وفي الباب رقى كثيرة ثابتة، منها ما هو في الصحيحين وفي غيرهما، فمن ذلك: قوله ﷺ : ""أذهب الباس، رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " ١.
الشاهد:"ربنا الله الذي في السماء"، وهذه اللفظة التي هي موضع الشاهد من هذا الحديث، سبق ما يدل عليها في أحاديث كثيرة جداً، بل في القرآن الكريم، كما قال ﵎: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٢،
стр. 89
والأحاديث المصرحة بأنَّ الله جل وعلا في السماء كثيرة، ولعل المؤلف ـ إن لم يثبت عنده سند هذا الحديث ـ"إنما أورده على سبيل الاستئناس، إذ الاعتماد إنما يكون على الأحاديث الصحيحة الثابتة لا على الضعيف والواهي منها كما سبق تقريره.
" رواه أبو القاسم الطبري"هو صاحب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، مشهور باللالكائي ١.
ثم لما انتهى المصنف من ذكر أمثلة من أنواع الأدلة على العلو قال:
" وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله"
أي أيها القارئ إنما سقت لك نماذج وأمثلة يسيرة على أدلة هذه الصفة: صفة العلو، وإلا فإنَّ أدلتها يطول بها الكتاب. ومن أهل العلم من بسطها بسطاً موسعاً في مجلد كبير، مثل الذهبي في كتابه"العلو"، وابن قدامة ابن خالة المؤلف في كتابه"العلو"، وابن القيم في كتابه"اجتماع الجيوش"، وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه"الحموية"٢.
فالمؤلف ﵀ ذكر طرفاً يسيراً من هذه الأدلة، وأشار إلى أنها كثيرة جداً يطول الكتاب بذكرها، وأنَّ المخالف في هذه المسألة مخالف للآيات والأحاديث الصريحة فيها.
стр. 90
" وقال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كلِّ مكان، لا يخلو من علمه مكان"
لما أنهى المصنف ﵀ ذكْرَ الآيات والأحاديث في هذا الباب، وأكد على خطورة عدم الإيمان بمدلولها، أورد بعض الآثار عن سلف الأمة في الباب نفسه، فأورد أثر الإمام مالك هذا، وفيه تصريحه بعلو الله تبارك على خلقه، وأنَّه في السماء أي: في العلو، مستو على عرشه، بائن من خلقه. ومع كونه في السماء فعلمه محيط بالخلق، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وكثيراً ما يأتي الجمع بين هاتين الصفتين: الاستواء والعلم في القرآن، نحو قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ ، وقال ﵎ في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ فذكر الاستواء ثم ذكر العلم. وفي سورة السجدة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم بعدها بآية قال: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . وفي سورة الرعد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم بعدها بخمس آيات قال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ،
стр. 91
فمع كونه سبحانه مستوياً على عرشه بائناً من خلقه، فإنَّ علمه محيط بخلقه، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، الغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية.
وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه" ﷺ "والشاهد من هذا الأثر هو قول الشافعي:"في سمائه"وهذا فيه التصريح بأن الله في السماء.
"وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائناً من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض"هذا هو الذي يعتقده أهل السنة، ويعتقده المسلمون المتمسكون بكتاب ربهم وسنة نبيه ﷺ ، ممن لم تخالط قلوبهم الأهواء، ولم تتلقفهم الشبهات، يعرفون ربهم بأنَّه فوق سبع سماواته بائن من خلقه.
ومعنى "بائن": أي: ليس في خلقه شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، ومن لا يثبت البينونية أو المباينة لم يثبت علو الله، ولم يؤمن بعلوه سبحانه.
وفي قوله:"بائناً": إبطال لقول أهل الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، وغيرهم من أهل الضلال، فإنَّ الله بائن من خلقه.
وهذه الكلمة مشهورة عن السلف، متناقلة عنهم كثيراً ١؛ إذ هي التي تمحص المحق من المبطل في هذا الباب، فقد وجد من بعض المتكلمين من
стр. 92
يقول: أن أؤمن بأنَّ الله مستو على العرش، لكن للاستواء ـ عنده ـ معنى غير الذي يدل عليه النص، فاحتيج إلى هذه الكلمة"بائن من خلقه"حتى يتبين المحق من المبطل. فمن أثبت أنَّ الله مستو على عرشه بائن من خلقه أثبت العلو الحقيقي الذي دل عليه لفظ الاستواء.
وكان أحد القضاة من أهل السنة ١ أمر بسجن أحد الجهمية؛ لأنَّه لا يثبت استواء الله على عرشه. فقيل: إنه تاب. فقال: ائتوني به أمتحنه. فجاءوا بالرجل، فقال له: أتؤمن بأنَّ الله مستو على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أنا أؤمن بأن الله مستو على عرشه، ولا أدري ما بائن. فقال: ردوه إلى السجن فإنه لم يتب.
"ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض" الجهمية يقولون: إنَّ الله في كلِّ مكان، وهذا القول عند متصوفة الجهمية؛ لأنَّ الجهمية ـ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ على قسمين: قسم متكلمون، وقسم متصوفة. فمتكلمو الجهمية يقولون: إنَّ الله لا فوق ولا تحت، ولا عن يمين العالم ولا عن شماله، ولا داخله ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه. أما متصوفتهم فإنهم يقولون: إنَّ الله في كلِّ مكان.
فالمتكلم صاحب كلام وجدل، ليس للعبادة عنده مجال. أما المتصوف فعنده تعبد، والمتعبد يريد شيئاً يتجه إليه، فلو قال: إنَّ الله لا فوق ولا تحت، ولا عن يمين العالم ولا عن شماله فهذا يعني أنَّ معبوده عدم، وما ثمة شيء يتجه إليه.
стр. 93
لذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّ بعض الجهمية نقل عنه أنَّه مرة يقول: إنَّ الله لا فوق ولا تحت، ولا عن يمين العالم ولا عن شماله. ومرة يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان. فقيل له تناقضتَ. فقال: هذا مقتضى عقلي، وذاك مقتضى ذوقي ومعرفتي !! ١
يعني لما أشتغلُ بالنظر والجدل والكلام أقول: لا فوق ولا تحت. ولما أشتغل بالوجد والتعبد أقول: في كل مكان. لأنَّه إذا قال: الله لا فوق"ولا تحت ويريد أن يتعبد، فما هناك شيء يعبده.
ولهذا قال بعض السلف عن الجهمية: قد ضيعوا معبودهم.
стр. 94
[صفة الوجه]
لما أنهى المصنف ﵀ الكلام على صفة العلو، وذكر بعض أدلتها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وذكر بعض الآثار المروية عن السلف في ذلك، انتقل إلى الكلام عن صفة أخرى من صفات الرب ، وهي: صفة الوجه.
والوجه صفة ذاتية لله جل وعلا، ثابتة في الكتاب والسنة، وأدلتها في القرآن والسنة كثيرة جداً، وقد ذُكر الوجه في القرآن وفي السنة وأضيفت إليه صفات كثيرة، مثل النور، والسبحات، والبصر، إلى غير ذلك.
وأهل السنة ﵏ منهجهم في هذه الصفة هو منهجهم في جميع الصفات: يقولون: إن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله، كما نطق بذلك كتابه، وصح عن رسوله ﷺ ، فهم يثبتونه لله على المعنى اللائق به، بلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، على حد قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
أما أهل الأهواء فلا يثبتونه لله ﵎، بل يتأولونه تأويلات مختلفة ومتنوعة، فمنهم من يقول: الوجه الذات، ومنهم من يقول: الوجه الثواب، إلى غير ذلك من تأويلاتهم الباطلة ٢.
والوجه في لغة العرب هو: مستقبل الشيء، ويضاف إلى الزمان وإلى المكان، وإلى الحيوان، وهو في كلِّ موطن بحسب ما أضيف إليه، على القاعدة المعروفة: الإضافة تقتضي التخصيص.
стр. 95
فإذا أضيف إلى المسألة مثلاً، فقيل: ما وجه هذه المسألة؟ يعني الذي يبدو منها، ووجه المسألة مسألة. وعندما يقال: وجه النهار يُعنَى أوله، ووجه النهار نهار. وعندما يقال: وجه الإنسان ووجه الحيوان، فهو في كل موطن بحسبه.
فإذا أضيف الوجه إلى من ليس كمثله شيء، كان الوجه ليس كمثله وجه، فلله وجه حقيقي، يليق بجلاله وكماله، والشأن فيه كالشأن في ذات الله، فكما أنَّ لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فله ـ كما أخبر عن نفسه، وأخبر عنه رسوله ﷺ "وجه لا يشبه الوجوه.
فبدأ المصنف الكلام عن هذه الصفة بقوله: " ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه "
وهذا على قاعدة أهل السنة السابق ذكرها: إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة. ثم أورد بعض الأدلة من القرآن ومن السنة، فيها إثبات الوجه لله ﵎، فقال:
" قال الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ "
فأضاف سبحانه الوجه إلى نفسه، وأسند هذه الصفة إلى نفسه، فقال: " وجهه ". فالآية دالة على ثبوت الوجه صفة لله ﵎ على المعنى اللائق به وبجلاله وكماله.
كما تدل على بقائه سبحانه، إذ في ذكر بقاء الوجه وعدم هلاكه دلالة على بقاء ذاته سبحانه، فهو الباقي الآخر الذي ليس بعده شيء، وكل المخلوقات تهلك ويبقى الحي الذي لا يموت، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ١.
стр. 96
رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ " وهي بمعنى الآية السابقة، أي: الكل هالك، والباقي وجه الله.
وقد شوَّش بعض المبتدعة على الناس، فقالوا: لو أثبتنا من هذه الآية الوجه، للزم من ذلك هلاك الذات ـ تعالى الله عما يقولون ـ؛ لأنه لم يُسْتَثنَ. وهذا من أسوء الفهم وأقبحه، وليس فيه توقير لله ﵎ ولا تعظيم لكلامه سبحانه، فإنَّ الآية دالة على ثبوت الوجه صفة له، وعلى بقائه سبحانه؛ لأن الإخبار عن بقاء المذوي بالجلال والإكرام دال على بقاء ذاته.
وبعضهم يقول في الوجه هنا وفي الآية التي قبله: إنه صلة أي: زائد، فيكون المعنى: كل شيء هالك إلا هو.
وقولهم هذا باطل؛ لأنك لو تأملت لوجدت أنَّ البقاء أضيف إلى الوجه، والوجه أضيف إلى الذات، ثم نعت بـ: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ، فهو صفة للوجه، إذ لو كان صفة للرب لقال ﵎: " ذي الجلال والإكرام ". فكيف يقال في شيء وصف في الآية بصفتين: الجلال والإكرام بأنه شيء زائد. فالوصف هنا: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ وصفٌ لوجه الرب ﵎، وقد وصف الله نفسه سبحانه في آيات أخرى بالجلال والإكرام. وفي الجلال معنى الكمال والعظمة، وفي الإكرام معنى الحسن والجمال والبهاء.
وقد اقتصر المصنف ﵀ على ذكر هاتين الآيتين في إثبات هذه الصفة، وإلا فالآيات الدالة على ثبوتها في القرآن كثيرة.
ثم أورد المصنف ﵀ دليلاً على إثبات صفة الوجه من السنة، فقال: " وروى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال:"جنات الفردوس
стр. 97
أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"
في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ هذا ذكر جنات الفردوس، وأنَّ درجات أهل الجنة في الجنة متفاوتة، وأنَّ منازلهم متباينة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ١ فالجنة فيها جنات، وهي متفاوتة متباينة المنازل، يقول ﷺ في حديث آخر:"إنَّ أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم" ٢. فأهل الغرف لهم منازل رفيعة في الجنة، حتى إنَّ أهل الجنة لينظرون إليهم مثل ما ننظر إلى النجم الذي في أعلى السماء؛ بحيث يحتاج الإنسان لأنَّ يرفع رأسه رفعاً شديداً حتى ينظر إلى ذاك النجم العالي.
وفي سورة الرحمن وسورة الواقعة إشارة إلى هذه الجنات التي يتحدث عنها الرسول ﷺ في هذا الحديث، ففي سورة الرحمن قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٣ ثم ذكر أوصافهما، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ٤ ثم ذكر أوصافهما. وفي سورة الواقعة ذكر جنة المقربين، ثم ذكر جنة أصحاب اليمين مع ذكر أوصاف عديدة لهاتين الجنتين.
وهنا يقول النبي ﷺ في وصف جنات الفردوس الأربع: " ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما ": هاتان الجنتان أرفع من الجنتين الآتيتين، ولعلهما ـ والله تعالى أعلم ـ للمقربين، ثم ذكر بعدهما جنتين من فضة،
стр. 98
ولعلهما ـ والله تعالى أعلم ـ لأصحاب اليمين، كما في التقسيم الوارد في سورتي الرحمن والواقعة.
وفي الحديث إثبات الرؤية، وأنَّ الله يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون عياناً بأبصارهم حقيقة، وهي أكمل وأعظم نعيم يحظون به في الجنة.
وفيه ـ أيضاً ـ: إثبات صفة الكبرياء لله ، كما في الحديث الآخر:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"١.
والشاهد منه هو قوله: " على وجهه " ففيه إثبات الوجه صفة لله .
ومن أدعية النبي ﷺ :"وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة"٢.
" وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع، فقال: إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسطَ ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره. ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ رواه مسلم "
" قام فينا رسول الله ﷺ بأربع " أي بذكر أربع كلمات.
بدأها بقوله: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام " فذكر صفة من الصفات التي ينزه الله ﵎ عنها، وهي النوم، وقد سبق بيان أن
стр. 99
منهج أهل السنة: إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة، ونفي ما نُفِي فيهما.
فقد نفى الرسول ﷺ في هذا الحديث النوم عن ربه، فقال: " لا ينام "، وهو نظير قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ١، فهو سبحانه منزه عن النوم لكمال حياته وقيوميته.
ولأهل السنة قاعدة معروفة في الصفات المنفية، مثل النوم والسِنة والولد واللغوب والظلم ونحو ذلك"، وهي: أنَّ النفي الوارد في صفات الله ليس نفياً صِِرفاً، وإنما هو نفي متضمن إثبات كمال ضد المنفي لله جل وعلا ٢، فالنفي الصِرف ـ الذي لا يتضمن معنى ثبوتياً ـ ليس مدحاً، فقد يُنفى الشيء عن الإنسان لعجزه عنه، أو لعدم قابليته له.
فقد ينفى الظلم والاعتداء ـ مثلاً ـ عن شخص لا لعدله، وإنما لعجزه وضعفه، كما قال رجل يذم قبيلته:
قُبَيِّلةٌ لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
فنفى عن قبيلته الظلم، لكن لمَّا كان هذا النفي نفياً صرفاً غير متضمن لمعنى ثبوتي كان ذماً لها، فهو أراد أن يعبر عن ضعف قبيلته، وأنها ليس عندها قدرة ولا قوة على حمل السلاح ومقاومة الناس، فقال: قُبيلة تصغيراً لهم، ونفى عنهم الظلم لعجزهم عنه، لا لكمال عدلهم. فقول النبي ﷺ : " لا ينام " ليس نفياً صِرفاً، بل هو متضمن لإثبات كمال الضد، وهو كمال الحياة والقيومية كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ، كما أنَّ في نفي الظلم إثبات كمال العدل، وفي نفي اللغوب ـ وهو التعب ـ إثبات كمال القوة والقدرة، وفي نفي العجز إثبات كمال القوة
стр. 100
والقدرة وهكذا، فكلُّ نفي في القرآن والسنة يتعلق بصفات الله جل وعلا ليس نفياً صِرفاً، وإنما هو متضمن إثبات كمال الضد.
والكلمة الثانية: " يخفض القسط ويرفعه " والقسط: الميزان الذي توزن به الأعمال والأقوال والصحائف، وسمي الميزان قسطاً لأنَّه به يكون القسط ـ الذي هو العدل ـ، ووزن الأمور بدقة وسوية وإنصاف.
" يخفض القسط ويرفعه " أي بيده ﵎ الميزان، وبيده ﵎ العدل. وفي الحديث الآخر، يقول النبي ﷺ :"إنَّ يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنَّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ١.
وفي هذا الحديث: إبطال لكلِّ تأويل قيل في يد الله ﵎؛ لأنه ذكر اليمين وأنها ملأى لا يغيضها نفقة، ثم ذكر اليد الأخرى. فهل يقال: قدرته الأخرى أو قوته الأخرى!!
الكلمة الثالثة قال: " يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل " وهذا بمعنى الحديث الآخر المتفق عليه ٢، وهو قول النبي ﷺ :"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ـ وهو أعلم بهم ـ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".
стр. 101
وهذان الحديثان: من أنواع أدلة العلو، فقوله عزوجل: " يعرجون إليه "، و"يرفع إليه " دالان على علو الله سبحانه؛ لأن الرفع والعروج والصعود إنما يكون إلى أعلى.
ونظير هذا قول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١، وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٢.
" يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل " عمل الليل قبل النهار أي: في صلاة الفجر. وعمل النهار قبل الليل أي: في صلاة العصر. والله جل وعلا وكَّل بهذه المهمة ملائكة يتعاقبون في الناس، تنزل جماعة وتصعد أخرى، يتعاقبون ويتناوبون، ويأخذ كلُّ واحد العقبى من الآخر في هذه المهمة.
ولا شك أنَّ الإيمان بهذا يحرك في الإنسان حب العمل، والإقبال على الله ﵎. ولو تأمل العبد في هذا التعاقب واستحضره ما نام عن صلاة الفجر، بل يقبل على الطاعات ويجتهد فيها حتى ترفع أعماله إلى الله وقد كُتب فيها عنه خير، فكيف يليق بمسلم يعلم أن الملائكة يعرجون إلى الله ويخبرونه بحاله ـ وهو أعلم به ولكن اقتضت حكمته ذلك ـ أن ينام عن صلاة الفجر، ثم تصعد الملائكة وتخبر عنه بهذه الحال: تفريط وتضييع لما أمر الله ﵎ به وأوجبه عليه.
فعلى طالب العلم أن يراعي هذا الجانب عند دراسة العقيدة، وعليه أن يجتهد في أن تحرك قلبه ويعالج بها تقصيره، فإنَّه إذا أحسن تأملها واستحضارها كان لها ـ بإذن الله تعالى ـ أثر عليه وعلى سلوكه وعمله وإقباله على طاعة ربه ﵎.
стр. 102
الكلمة الرابعة: " حجابه النار "، وفي بعض ألفاظ الحديث: " حجابه النور "، ولعله تردد من بعض الرواة. قال ابن القيم ﵀:" النور الذي احتجب به سمي نوراً وناراً، كما وقع التردد في لفظه في الحديث الصحيح: حديث أبي موسى الأشعري وهو قوله: " حجابه النور أو النار "، فإنَّ هذه النار هي نور، وهي التي كلَّم الله كليمه موسى فيها، وهي نار صافية لها إشراق بلا إحراق. فالأقسام ثلاثة: إشراق بلا إحراق، كنور القمر. وإحراق بلا إشراق، وهي نار جهنم فهي سوداء محرقة لا تضيء. وإشراق بإحراق، وهي هذه النار المضيئة، وكذلك نور الشمس له الإشراق والإحراق، فهذا في الأنوار المشهودة المخلوقة. وحجاب الرب ﵎ نور وهو نار" ١.
فحجابه النور أو النار كلاهما يؤدي إلى معنى واحد.
" لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كلَّ شيء أدركه بصره " سبحات جمع سبحة، وهي البهاء والحسن والجمال، أي: جمال وجهه وحسنه وبهاؤه ﵎.
فوصف النبي ﷺ وجه الله بأنَّ له سبحات، وأيضاً أضاف إليه البصر فقال: " أدركه بصره "، ومعلوم أنَّ بصر الله تعالى ينتهي إلى رؤية كلِّ المبصرات وجميع المرئيات، فهو ﵎ يرى كلَّ شيء، ولا يغيب عن بصره شيء، دقيق الأمور وجليلها، صغيرها وكبيرها، يرى ﵎ دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في ظلمة الليل، ويرى جريان الدم في عروقها، ويرى كلَّ جزء من أجزائها.
стр. 103
فهل يمكن أن يخطر بقلب مؤمن يقرأ هذا الحديث ويفهمه ويتأمله أن هذا الوجه العظيم كوجه الإنسان؟! هل هناك عاقل عنده شيء من العقل، يقرأ هذا الحديث ثم يقول بكلِّ حماقة ووقاحة وتفاهة لو أثبتنا لله وجهاً حقيقياً للزم من ذلك أن يكون كوجه الإنسان؟! سبحان الله عما يصفون.
فهذا يبين تفاهة عقول المعطلة ومرض صدورهم، فالذي يصل إلى هذا المستوى فما أجهله، ولا أضل عقلاً منه، ولا أضل عن سواء السبيل.
نظير ذلك في اليد، يقولون: لو أثبتنا لله يداً حقيقة للزم أن تكون مثل أيدينا، فمن يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١، كيف يخطر بباله هذه اليد؟ أعني يد المخلوق إلا إذا كان أجهل الناس، وأذهبهم عقلاً، وأقلهم بصيرة، وأضلهم عن سواء السبيل.
وسبب التأويل هو هذا الفهم، فالمعطلة والمؤولة عندما يقرءون هذه الأحاديث لا يفهمون منها إلا هذا الذي في الشاهد، فمثلاً هنا " سبحات وجهه " يقولون: نحن لا نعقل وجهاً إلا ما نراه في الشاهد، فيقيسون وجه الله العظيم بوجه الإنسان، ثم يبنون عليه تعطيل صفة الوجه أو تأويلها أو تفويض معناها لله.
وامتن الله على أهل السنة وأكرمهم بأن سلِموا من هذا التشبيه فسلِم لهم معتقدهم. وكلُّ من خالف أهل السنة فهو واقع في التشبيه لا محالة، بل إنَّ التشبيه هو سبب البلاء المنتشر والضلال الواقع في الأسماء والصفات، فإنَّه لما قام في نفوسهم، وظنوا أنَّه هو مدلول النص، انتقلوا إما إلى التفويض أو التعطيل أو التأويل، كلٌّ بحسب معتقده، كما قال صاحب الجوهرة:
стр. 104
وكلُّ نص أوهم التشبيه ... أوله أو فوض ورم تنزيهاً
فكلُّ من خالف أهل السنة في الصفات فهو مريض، وأمراضهم متنوعة، لكنَّ جرثومة المرض عند الجميع واحدة، وهي التشبيه، فولَّدت عند بعضهم تفويضاً، وعند البعض تعطيلاً، وعند البعض تأويلاً.
ولهذا فإنَّ المؤول والمعطل والمفوض كلهم مشبهة، وسبب ما وقعوا فيه من تفويض أو تأويل أو تعطيل هو التشبيه الذي وقعوا فيه أولاً.
والشاهد من الحديث: قوله: " سبحات وجهه "، ففيه إثبات الوجه صفة لله ﵎ على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته.
" ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ رواه مسلم " الآية في سورة النمل: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي نودي موسى ﵇، والذي ناداه هو الله ﵎.
" ثم قرأ ": مَنْ يقرأ هذا السياق الذي ذكره المصنف لا يخطر بباله إلا أنَّ الذي قرأ هذه الآية هو الرسول ﷺ ، لكنْ في هذا السياق خطئان:"
الأول: نسبة هذه الزيادة لمسلم، وهي ليست موجودة فيه، فقد أخرج مسلم الحديث في صحيحه من ثلاثة طرق، وانتهى الحديث عنده عند الكلمات الأربعة بدون " ثم قرأ " ١، وإنما وقعت في بعض مصادر التخريج الأخرى ٢.
الثاني: أن قارئ الآية ـ كما في مصادر التخريج ـ ليس هو النبي ﷺ ، وإنما هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود راوي الحديث عن أبي موسى الأشعري، فأبو عبيدة لما روى الحديث قرأ هذه الآية كاملة؛ لما فيها من شاهد عليه. وهذا يكثر
стр. 105
عند الصحابة والتابعين عقب الحديث، يقولون: واقرءوا إن شئتم، فيذكرون آية فيها شاهد لمعنى من المعاني الواردة في الحديث.
ولعل هذا الخطأ من النساخ والله أعلم.
ثم ختم المصنف ﵀ الكلام عن هذه الصفة بقوله: " فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها والتسليم، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات "
" فهذه صفة " الإشارة إلى صفة الوجه التي مر بعض أدلتها.
" ثابتة بنص الكتاب " كما سبق بعض الأدلة من الكتاب على ذلك.
" وخبر الصادق الأمين " كما مرت بعض الأحاديث الدالة على ذلك.
" فيجب الإقرار بها والتسليم " أي يجب على كلِّ مسلم أن يقر بمدلول هذه الآيات والأحاديث، وهو أنَّ لله تعالى وجهاً يليق بجلاله وكماله.
" كسائر الصفات الثابتة " هذا الكلام فيه إشارة واضحة إلى قاعدة معروفة عند أهل السنة في باب الصفات، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ١ وغير واحد من أهل العلم قبله، منهم الإمام الحافظ عبد الغني في سياقه هذا، وهي: أنَّ باب الصفات واحد، والقول فيها واحد، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فالقول في الوجه كالقول في سائر الصفات.
" بواضح الدلالات " إذا ثبتت الصفة بدليل واضح، فليس أمام المسلم إلا التسليم والإقرار، هذا هو منهج أهل السنة في هذه الصفة، وفي جميع صفات الله ﵎.
стр. 106
[صفة النزول]
" وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا "
شرع المؤلف ﵀ هنا في الكلام على صفة النزول، وهي صفة فعلية من صفات الله جل وعلا متعلقة بمشيئته سبحانه، دل عليها حديث رسول الله ﷺ ، وقد نص غير واحد من أهل العلم، منهم ابن عبد البر ١، وشيخ الإسلام ابن تيمية ٢، وابن القيم ٣، والذهبي"٤ على أنَّ هذا الحديث متواتر.
وممن نصَّ على تواتره أيضاً الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، حيث صدَّر كلامه على هذه الصفة بقوله: " وتواترت الأخبار " فهو ممن قرر أن حديث النزول حديث متواتر، وأكده في نهاية كلامه على هذه الصفة، حيث أورد جمعاً من الصحابة ممن رووا هذا الحديث عن رسول الله ﷺ .
والنزول عند أهل السنة والجماعة حق، والقول فيه كالقول في سائر الصفات، فهم يقولون: إنَّ الرب ينزل إلى سماء الدنيا كما أخبر بذلك رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يخوضون في نزوله بتكييف أو تمثيل أو تعطيل، بل يثبتون لله نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه، لا يشبه نزول المخلوقين.
وما يلزم في نزول المخلوق من النقص والحاجة والافتقار ليس بلازم
стр. 107
للنزول عندما يضاف إلى الرب سبحانه، فإنَّ ما يضاف إلى الرب ﵎ يخصه ويليق بجلاله وكماله، وما يضاف إلى المخلوق يخصه ويليق بضعفه ونقصه كما سبق تقريره.
وإثبات أهل السنة للنزول ـ وسائر الصفات ـ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف؛ فإنَّه لم يأت في النصوص ذكر كيفية صفات الله ﵎، وإنما جاء فيها الإخبار عنه سبحانه بذكر صفاته ونعوت كماله؛ فأخبرنا النبي ﷺ أنَّ الله ﵎ ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل. فلا سبيل إلى الخوض في معرفة كيفية صفاته، بل الواجب قطع الطمع عن إدراكها، ومن خاض في طلب معرفتها فقد خاض في أمر لا سبيل إلى نيله وتحصيله.
ولما ذكر المصنف ﵀ أنَّ الأحاديث في هذه الصفة صحيحة متواترة، بيَّن موقف المسلم صاحب السنة من هذه النصوص، فقال:
" فيجب الإيمان به والتسليم له " هذا هو الموقف، يجب على المسلم أن يؤمن بنزول الله إلى السماء الدنيا؛ لثبوته في الأحاديث الصحيحة المتواترة، وأن يتلقاه بالقبول والتسليم.
" وترك الاعتراض عليه " أي: وأن لا يقابل ذلك بالانتقاد والاعتراض، إذ كيف يليق بمسلم أن ينتقد أو يعترض على ما ثبت عن الرسول الكريم ﷺ .
" وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول "
هذه هي المحترزات التي سبقت الإشارة إليها، والتي يجب على المسلم أن يحترز منها عند إثباته الصفات لله ﵎، وأن يحذر تمام الحذر من
стр. 108
الوقوع فيها، وهي: التكييف والتمثيل والتأويل والتعطيل.
" ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول " التنزيه في صفات الله ﵎ مطلوب، فواجب على المسلم أن ينزه الله ﵎ عمَّا لا يليق به، فينَزَّه سبحانه عن النقائص والعيوب، وعن أن يقال في شيء من صفاته إنها تشبه صفات المخلوقين.
أما تنزيه المبتدعة فهو باطل؛ لأنه تعطيل للصفات وعدم إثبات لها، ولهذا كان من تسبيحات بعضهم قوله: سبحان المنزه عن الصفات. فهم ينزهون الله تعالى عما يليق به؛ فينزهونه عن النزول، وهو صفة ثابتة لله تليق به، أضافها إليه رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وهكذا القول في الاستواء واليد وجميع الصفات، فلا يجوز أن ننزهه تنزيهاً يفضي إلى نفي اليد، ولا يجوز أن ننزهه تنزيهاً يترتب عليه نفي الاستواء.
ولهذا فإن التسبيح الذي ينفي عن الله صفاته ليس هو في الحقيقة تسبيحاً، وإنما هو تعطيل للصفات، قال ابن هشام ﵀:"ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات"١. وقال ابن رجب ـ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ٢ ـ:"سبِّحه بما حمد به نفسه، إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود، كما أنَّ تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات"٣ هذا هو التنزيه الذي يذمه المصنف، والسلف عموماً.
فهذه الكلمة " ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول "كلمة دقيقة ومتينة جداً، وخصوم المصنف ﵀ في زمانه لما شنَّعوا عليه عند ولاة الأمر، شنعوا
стр. 109
عليه بكلمات في كتابه، منها هذه الكلمة ١ التي تبين أساس الخلل الذي وقعوا فيه؛ فقد أتى على الشيء الذي يتشبثون به لتعطيل الصفات فنبه عليه، ورد على المعطلة الذين يوهمون الناس أنهم منزهة لله ﵎، فكشف حقيقة أمرهم، وجلَّى واقع حالهم.
قال الحافظ ابن رجب:"أما قوله: " ولا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول " فإن صح هذا عنه ٢ فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه، أو بصره، ونحو ذلك"٣.
لما قرر المصنف ﵀ هذه الخلاصة بدأ يورد الأدلة الدالة على نزول الرب ﵎ فقال:
" فروى أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:"ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر"وفي لفظ:"ينزل الله ""
عندما تتأمل هذا الحديث تجد أنَّ النبي ﷺ أسند فيه النزول إلى الرب، فقال: " ينزل ربنا "، وفي بعض ألفاظ الحديث كما نبه المصنف " ينزل الله "، والحديث كما تقدم حديث متواتر، ومعنى هذا أنَّ عدداً كبيراً من الصحابة سمعوه من النبي ﷺ ، وكلُّ واحد منهم سمعه من النبي ﷺ بهذا
стр. 110
اللفظ: " ينزل ربنا " فلو كان الذي ينزل غير الله: إما الملَك، أو الرحمة، أو الأمر، أو غير ذلك مما يدعيه معطلة هذه الصفة، لكان اللائق بنصح النبي ﷺ وبيانه وفصاحته أن يقول ـ في كلِّ مرة ـ: ينزل ملَك ربنا، أو يقول: تنزل رحمة ربنا، أو يقول ذلك على أقل تقدير في بعض المرات حتى يحمل هذا على هذا. أما أن يسمع الجميع منه هذا الحديث بلفظ: " ينزل ربنا "، وهو يقصد أن الذي ينزل غير الله، إما ملَك الله أو رحمته أو أمره، فلا يمكن ذلك؛ فإنَّ الخطاب بهذه الطريقة وهذا الأسلوب فيه تعمية على الناس، وهو أشبه بالألغاز والأحاجي منه بالنصح والبيان.
فهل يُعقَل أن يقول مدرس لطلابه: جاء الأستاذ. وهو يقصد: جاء أخوه؟ أو يقول: جاء الطالب. وهو يقصد: جاء والد الطالب. ولا يكون في كلامه أيُّ قرينة يفهم منها السامع أن الذي جاء والد الطالب، ويريد أن يفهم المخاطبون أن الذي جاء هو والد الطالب. هل هذا يكون بياناً وإيضاحاً؟!
عددٌ كبير من الصحابة يصلون إلى ثمانية وعشرين صحابياً ـ كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ ١ ـ يقول لهم النبي ﷺ : " ينزل ربنا " " ينزل الله "، كلُّهم يسمعونه بهذا اللفظ، وهو عند هؤلاء المتكلمين يقصد أن الذي ينزل هو الملَك.
أيليق بنصح النبي ﷺ إذا كان الذي ينزل الملك أو الرحمة، وليس الرب ـ أن يقول لهذا العدد الكبير من الصحابة، وفي أوقات مختلفة: ينزل ربنا. والذي ينزل غير الله؟! هذا يتنافى مع كمال نصح النبي ﷺ ، بل فيه طعن في نصحه ﷺ .