ب- تبرك ممنوع:
وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:
١- تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به – وهو المخلوق – يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالاً"١"؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال:" البركة من الله ""٢"، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.
٢- تبرك بدعي: وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقداً أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو
стр. 282
سنة"١"، ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً، فهو من الشرك الأصغر"٢"؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر"٣" كما سيأتي بيانه.
وهذا القسم من التبرك – وهو التبرك البدعي – ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: التبرك الممنوع بالأولياء والصالحين:
وردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي ﷺ ، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك"٤".
стр. 283
أما غير النبي ﷺ من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم"١"، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁ ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره ﷺ من الصالحين"٢" دليل صريح على عدم مشروعيته.
стр. 284
وعليه فإن من تبرك بذات أو آثار أحد من الصالحين غير النبي ﷺ قد عصى الله تعالى، وعصى نبيه محمداً ﷺ ، وأعطى هذه الخاصية التي خص بها ربنا جل وعلا نبيه ﷺ لغيره من البشر، وسواهم بالنبي ﷺ في ذلك، فسوى عموم الأولياء والصالحين بخير البشر وسيد ولد آدم ﷺ ، وهذا فيه هضم لحقه ﷺ ، ودليل على نقص محبته ﵊ في قلب هذا المتبرك"١".
ومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:
أ) التمسح بهم"٢" ولبس ثيابهم أو الشرب بعد شربهم طلباً للبركة.
ب) تقبيل قبورهم"٣"، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلباً للبركة، وقد
стр. 285
حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن هذا كله منهي عنه"١"، وذكر أبو حامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة ٥٠٥هـ، وغيره من علماء
стр. 286
الشافعية والحنفية أن هذه الأفعال من عادات النصارى"١"، وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن استلام القبور تبركاً كبيرة من كبائر
стр. 287
الذنوب"١".
ج) عبادة الله عند قبورهم تبركاً بها، معتقداً فضل التعبد لله تعالى عندها، وأن ذلك سبب لقبول هذه العبادة، وسبب لاستجابة الدعاء، وسيأتي الكلام على هذا النوع بشيء من التفصيل في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
стр. 288
النوع الثاني: التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.
ومن أمثلة هذه الأشياء:
١- الأماكن التي مر بها النبي ﷺ ، أو تعبد لله فيها اتفاقاً من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه ﷺ كان موجوداً في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.
ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات"١"، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي ﷺ ولد فيه - مع أنه مختلف في مكان ولادته ﵊ اختلافاً كثيراً – ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك – مع أن كثيراً من ذلك لم يثبت -.
فلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج
стр. 289
ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.
ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئاً من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما"١" ولا أن أحداً منهم
стр. 290
قصدها للتعبد لله فيها"١".
стр. 291
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى "رواه البخاري ومسلم"١"، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو ثاني
стр. 292
الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيََعاً"١"، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض""٢".
стр. 293
فهذا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي ﷺ :" إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ""١". وقال عنه النبي ﷺ وعن أبي بكر ﵄:" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ""٢"، وهو – أي قول عمر السابق - يدل على التحذير من التبرك بالأماكن التي مر بها أو تعبد فيها نبينا ﷺ دون قصد لها، وعلى عدم مشروعية قصد هذه الأماكن للتعبد لله فيها، وعلى هذا أجمع سلف هذه الأمة وكل من سار على طريقتهم"٣" لما سبق؛ ولأن ذلك من المحدثات التي لا دليل عليها.
стр. 294
٢- التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلاً، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبياً نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبياً اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصاً اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلباً للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب"١"، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.
стр. 295
ولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره محرم بإجماع أهل العلم"١"، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس
стр. 296
لها أصل في الشرع"١"، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر"٢"، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ :" الله
стр. 297
أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٨] ، ثم قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم ""١".
فلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليداً للمشركين أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة تقليداً لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبه بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشرك الأصغر"٢".
стр. 298
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركاً، حتى مقام إبراهيم الخليل – ﵇ – لا يشرع تقبيله مطلقاً مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه – ﵇، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم"١".
ومسح الحجر الأسود وتقبيله وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي ﷺ ، ولذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر الأسود:"إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"رواه البخاري ومسلم"٢".
стр. 299
كما أنه يجب قطع الأشجار وهدم الآبار والعيون، وإزالة الأحجار التي يتبرك بها العامة"١"، حسماً لمادة الشرك، كما فعل عمر –﵁– حين قطع شجرة بيعة الرضوان"٢".
стр. 300
٣- التبرك ببعض الليالي والأيام التي يقال: إنها وقعت فيها أحداث عظيمة، كالليلة التي يقال إنها حصل فيها الإسراء والمعراج، ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل في الفصل الخامس من هذا الباب عند الكلام على البدعة إن شاء الله تعالى.
النوع الثالث: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة:
وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كماء زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.
والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها"١"، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان أو الأماكن أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها
стр. 301
أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي ﷺ وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته"١"،
стр. 302
ومثله أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو بجمعه والاحتفاظ به.
ومما يدل أيضاً على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت في صحيح البخاري عن ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم: عمر بن الخطاب ﵁ والذي قال عنه النبي ﷺ :" إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه ""١"، وقال ﷺ عنه وعن أبي بكر:" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ""٢"، أنه قال ﵁ لما قبَّل الحجر الأسود:"إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي
стр. 303
صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"رواه البخاري ومسلم"١"، فقول عمر هذا صريح في أن تقبيل الحجر الأسود إنما هو اتباع للنبي ﷺ ، فالمسلم يفعله تعبداً لله تعالى، واقتداءً بخير البرية ﷺ ، وليس من باب التبرك في شيء"٢".
وإذا كان هذا في شأن الحجر الأسود الذي هو أفضل الكعبة، فغيره من الأماكن والأشياء الفاضلة أولى، فيتعبد المسلم فيها بما ورد في الشرع ولا يزيد عليه.
ومما يدل كذلك على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس ﵄– أنه أنكر على من استلم أركان الكعبة الأربعة؛ لأن النبي ﷺ لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني. رواه البخاري"٣"، وما ثبت عن الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير – ﵄ – من الإنكار على من مسح مقام إبراهيم"٤".
стр. 304
وفي ختام الكلام على هذا الموضوع – أي التبرك البدعي – أقول: إن هذا النوع من التبرك من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولذلك لما عصى الله تعالى بعض المسلمين بفعل التبرك البدعي أدى ذلك بكثير منهم إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالوقوع في التبرك الشركي، أو بالوقوع في نوع آخر من أنواع الشرك الأكبر.
وقد نقل ابن إسحاق صاحب المغازي وغيره ما يدل على أن سبب وقوع العرب في الشرك هو تعظيم حجارة حرم مكة والتبرك بها"١"، بل قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي عند كلامه على التبرك:" العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ في جهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله
стр. 305
قطع عمر – ﵁ – الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ ، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية حسبما ذكره أهل السير""١"، وهذا يدل أيضاً على تحريم جميع أنواع التبرك الممنوع.
стр. 306
المبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها، وإسراجها، وبناء الغرف فوقها، وبناء المساجد عليها، وعبادة الله عندها .
وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن هذه الأمور كلها، ومنها:
١- ما رواه جندب بن عبد الله – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس"٢" وهو يقول:" ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك "رواه مسلم"٣".
стр. 307
٢- ما رواه ابن مسعود – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:" إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد ""١".
٣ - ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عباس ﵃ – قالا:"لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه"٢"، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:" لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا. قالت عائشة ﵂:"ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي"٣"، أن يتخذ مسجداً". رواه البخاري ومسلم"٤".
٤- ما رواه أبو الهياج الأسدي – ﵀ – قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁:" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أنْ لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ". رواه مسلم.
٥- ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ – قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه مسلم"٢".
стр. 310
ولهذه الأحاديث شواهد كثيرة من أحاديث جمع من الصحابة بلغت حد التواتر"١".
ومعنى اتخاذ القبور مساجد: بناء المساجد عليها، ويدخل فيه أيضاً جعلها مكاناً للصلاة ولو لم يبن عليها أو بينها مسجد، ويشمل السجود
стр. 313
على القبر، ويشمل الصلاة إليه وجعله في قبلة المصلي، ويشمل قصد الصلاة والدعاء والذكر عنده"١".
وقد وردت أحاديث فيها النص على النهي عن هذه الأمور بخصوصها، ومنها:
١- ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تصلوا إلى القبور "٢" ولا تجلسوا عليها "رواه مسلم"٣".
стр. 314
٢- ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ – أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها"١".
٣- ما رواه ابن عباس مرفوعاً:" لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر ""٢".
وورد في الأحاديث أيضاً النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيداً، والعيد المكاني هو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة"٣".
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني
стр. 315
حيث كنتم ""١"، وإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر"٢".
ولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي ﷺ وتنوع الوعيد الوارد
стр. 316
فيها"١" فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها"٢".
كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعاً أكثر من شبر"١" أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما"٢"، وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها"٣".
стр. 320
كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر"١"، وقال