Полный текст (605 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فيها"١" فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها"٢".
الحواشي
(١) "١" قال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في رسالة:"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص٢٧،٢٨:"إن رفع القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها قد لعن رسول الله ﷺ فاعله تارة، كما تقدم، وتارة قال: " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فدعا عليهم بأن يشتد غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية. وذلك ثابت في الصحيح. وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث من يهدمه، وتارة جعله من فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: " لا تتخذوا قبري وثناً "، وتارة قال: " لا تتخذوا قبري عيداً " "أي موسماً يجتمعون فيه"، كما صار يفعله كثير من عباد القبور، يجعلون لمن يعتقدون من الأموات أوقاتاً معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم ينسكون لها المناسك، ويعكفون عليها".
"٢" قال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليماني في أول رسالة"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص١٧:"اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ – إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها – كما يأتي بيانه – ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين".
وروى ابن سعد ٦/١٠٨ بإسناد حسن عن التابعي الجليل عمرو بن شرحبيل أنه قال: "لا ترفعوا جدثي – أي القبر – فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك". وصححه الألباني في تحذير الساجد ص٩٨، وقال الإمام الشافعي في الأم، باب ما يكون بعد الدفنстр. 317
.......................................................................................
الحواشي
(١) ١/٢٧٨:"وأكره أن يبنى على القبر مسجد، أو يصلى إليه، وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء، وأكره هذا للسنة والآثار"، والكراهة عند السلف يراد بها التحريم، وهذا هو معناها الذي استعملت فيه في القرآن والسنة، كما في قوله تعالى بعد ذكره لجملة من عظائم الذنوب: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ، وينظر: إعلام الموقعين ١/٣٩-٤٣.
وقال الحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٥٩،٦٠:"فأما بناء المساجد عليها وإشعال القناديل والشموع أو السرج، فصرح عامة علماء الطوائف بالنهي عن ذلك ولا ريب في القطع بتحريمه".
وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته ١/٦٠١:"أما البناء عليه فلم أر من اختار جوازه". وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعلم خلافاً بين العلماء المعروفين في تحريم إسراج القبور، ولا في تحريم اتخاذ المساجد عليها وبينها. ينظر: مجموع الفتاوى ٣/٣٩٨، و٢٢/١٩٤ و٢٤/٣٠٢، و٢٦/١٥٣، و٢٧/٤٤٨،٤٩٥، و٣١/٤٥، ٦٠، الاقتضاء ص٧٤٧، الاختيارات: الجنائز ص٨.
وقال الإمام البركوي الحنفي المتوفى سنة ٩٨١هـ في زيارة القبور ص٦ عند كلامه على أحكام القبور:"وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها".
وقال الإمام النووي الشافعي المتوفى سنة "٦٧٦هـ" في المجموع في الجنائز ٥/٣١٦: "اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهوراً بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث"وسيأتي النقل عن بعض علماء الشافعية أن هذا من كبائر الذنوب قريباً إن شاء الله.стр. 318
...............................................................................
الحواشي
(١) وقال الإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة في الآثار ٢/١٩١ عند كلامه على أحكام القبر: "نكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجد ... وهو قول أبي حنيفة"وقال العيني الحنفي في البناية ٣/٣٠٣:"وكره أبو حنيفة أن يبنى على القبر أو يصلى إليه، أو يصلى بين القبور"وإذا أطلق الإمام أبو حنيفة الكراهة فمراده كراهة التحريم، وعند محمد وأبي يوسف بمعنى المحرم كما نص على ذلك علماء الحنفية. ينظر: تكملة فتح القدير لابن الهمام، أول كتاب الكراهية ١٠/٤، وينظر أصله الهداية للمرغيناني الحنفي المطبوع معه.
وقال الإمام القرطبي المالكي المتوفى سنة "٦٧١هـ" في تفسير الآية ٢١ من الكهف ١٠/٣٧٩،٣٨٠:"اتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز"ثم ذكر الأحاديث التي فيها النهي عن ذلك، ثم قال:"قال علماؤنا: وهذا يحرِّم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد"وقال ابن عبد البر المالكي الأندلسي المتوفى سنة "٤٦٣هـ" في التمهيد ١/١٢٨ بعد ذكره لحديث عائشة في ذكر كنيسة الحبشة السابق:"هذا يحرِّم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد".
وقال في المنتهى وشرحه في الفقه الحنبلي: الجنائز ١/٣٥٣:"ويحرم إسراجها – أي القبور – ويحرم التخلي على القبور وبينها، ويحرم جعل مسجد عليها وبينها".
وينظر: بدائع الصنائع ١/٣٢٠، وتبيين الحقائق ١/٢٤٦، والتيسير، باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر ص٢٨٨-٢٩٠، ورسالتا"عمارة القبور" و"البناء على القبور"للمعلمي اليماني.стр. 319
كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعاً أكثر من شبر"١" أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما"٢"، وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها"٣".
الحواشي
(١) "١" أما رفع التراب إلى مقدار شبر فهو جائز؛ لما روى ابن حبان "٦٦٣٥"، والبيهقي ٣/٤١٠ أن قبر النبي ﷺ رُفع قدر شبر. وإسناده حسن.
قال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ٢/٢٠٩:"ويسنم قدر شبر، وقيل: قدر أربع أصابع، وما ورد في الصحيح من حديث علي: أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، محمول على ما زاد على التسنيم"، وينظر: المجموع ٥/٢٩٦، ٢٩٧.
"٢" ينظر التعليق المذكور قبل التعليق السابق.
"٣" ينظر التعليق المذكور قبل التعليقين السابقين.
وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في إصلاح المساجد الباب الرابع ص ٢١٠:
"وقال في شرح الإقناع: من نذر إسراج بئر أو مقبرة أو جبل أو شجرة أو نذر له أو لسكانه أو المضافين إلى ذلك المكان لم يجز الوفاء به إجماعا".
وقال البركوي الحنفي المتوفي سنة "٩١٨"هـ في زيارة القبور ص٦عند ذكره لإيقاد السرج عند القبور: " صرح الفقهاء بتحريمه ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن ينذر للقبور لا شمع ولا زيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به بالإتفاق ولا يوقف عليه شيئا لأجل ذلك فإن هذا الوقف لا يصح ولا يحل إثباته وتنفيذه" وقال الرومي الحنفي المتوفي سنة "١٠٤٣"هـ في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٦٦: "يجب إزالة كل قنديل وسرج وشمع أوقدت على القبور لأن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله ﷺ فكل ما لعن رسول الله ﷺ فهو من الكبائر ولهذا قالстр. 320
كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر"١"، وقال
الحواشي
(١) العلماء لا يجوز أن ينذر للقبور الشمع ولا الزيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به ".
"١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٧٧٥:"فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو غيره، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأجل أحاديث أخر".
وفي الاختيارات لشيخ الإسلام أيضاً ص٤٤:"عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم – أي الإمام أحمد وأصحابه – يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر الواحد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا يجوز الصلاة فيه – أي المسجد الذي قبلته إلى القبر – حتى يكون بين الحائط – أي حائط المسجد – وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم أنه منصوص أحمد".
وقال شيخ الإسلام في رسالة"الجواب الباهر في زور المقابر"كما في مجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٤٨، ٤٢٤:"والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقاً، بخلافстр. 321
كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها"١".
وأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد"٢"، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صورة القبر من المسجد،
الحواشي
(١) مسجده ﷺ ، فإن الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أسس على التقوى، وكانت حرمته في حياته ﷺ وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه، ... فإنها أدخلت بعد انقراض عصر الصحابة ... وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه، وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ ، فدخلت الحجرة فيه ضرورة، مع كراهة من كره ذلك من السلف".
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري ٢/٤٤٢ بعد ذكره رواية لحديث عائشة في لعن من اتخذ القبور مساجد، وفي آخرها زيادة:"يحرم ذلك على أمته"قال:"وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى". وينظر التعليق الآتي عند ذكر حكاية الإجماع على أن الذهاب إلى القبور للتعبّد لله عندها من البدع.
"١" ينظر: مجموع الفتاوى ٣/٣٩٨، وفتح الباري للحافظ ابن رجب ٢/٣٩٩. وقال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لأحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة، وبعد نقله قول ابن حزم: إن الأحاديث في ذلك متواترة ج٢ص١٣٧: "أحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الإمام لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول: أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان، لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة".
"٢" قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٢٢/١٩٤، ١٩٥:"اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر ... وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غيّرстр. 322
وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها"١".
الحواشي
(١) إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديداً، وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه".
وقال ابن عبد الباقي في شرح الموطأ كما في التيسير ص٢٩٥:"روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك أن يدفن الميت في المسجد".
وقال الحافظ العراقي الشافعي كما في فيض القدير للمناوي ٥/٢٤٧: "لو بنى مسجداً بقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط، لمخالفته لمقتضى وقفه مسجداً".
وقال مرعي الحنبلي المقدسي في دليل الطالب ١/١٧٧:"ويحرم إسراج المقابر، والدفن في المساجد، وفي ملك الغير، ويُنبش"
"١"قال الحافظ السيوطي الشافعي المتوفى سنة "٩١١هـ" في الأمر بالاتباع ص٦١:"فهذه المساجد المبنية على القبور يتعين إزالتها، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف".
وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي المتوفى سنة "١٠٤٣هـ" كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٦٦:
"المساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض، وكذا القباب التي بنيت على القبور يجب هدمها؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ومخالفته، وكل بناء أسس على معصية الرسول ﷺ ومخالفته فهو بالهدم أولى من مسجد الضرار؛ لأنه ﵊ نهى عن البناء على القبور، ولعن المتخذين عليها مساجد، فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما نهى عنه رسول الله ﷺ ولعن فاعله".стр. 323
وأجمعوا أيضاً على أن الذهاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى
الحواشي
(١) وجاء في فتاوى الإمام النووي الشافعي ص٤٦ ما نصه:"مسألة: مقبرة مسبلة للمسلمين بني إنسان فيها مسجداً وجعل فيها محراباً، هل يجوز ذلك؟ وهل يجب هدمه؟
الجواب: لا يجوز له ذلك، ويجب هدمه؟ ". وقال الإمام النووي أيضاً في شرح مسلم ٧/٣٧، ٣٨:"قال الشافعي في الأم: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله - أي في الحديث -:" ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ".
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي في شرح المنهاج كما في روح المعاني ٨/٢٢٦:"وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام أخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح".
وقال الإمام القرطبي المالكي المتوفى سنة ٦٧١هـ في تفسيره ١٠/٣٨١ بعد ذكره لحديث علي:" ولا قبراً مشرفاً إلا سويته "، قال:"قال علماؤنا: ظاهرة منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة، وقد قال به بعض أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد ﷺ ... وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، تشبهاً بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام، والتسنيم في القبر ارتفاعه قدر شبر". وينظر: التعليق السابق، والتعليق السابق عند ذكر حكاية الإجماع على تحريم الصلاة في المسجد الذي بُني على قبر.стр. 324
عندها"١"، أو بغير ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها"٢".
الحواشي
(١) "١" قال العلامة محمد بن بشير السهسواني الهندي في صيانة الإنسان ص٢٦٥:"المقصود من الدعاء الذي ينهى عنه عند القبر هو الدعاء الذي يقصد زيارة القبر لأجله، ويظن أن الدعاء عند القبر مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته لأجل طلب حوائجه، وأما الدعاء لنفسه عند القبر بالعافية وعدم حرمان الأجر وعدم الفتنة تبعاً للدعاء لأصحاب القبور والترحم عليهم والاستغفار لهم فلا ينهى عنه أحد من المسلمين".
"٢" ينظر: مجموع الفتاوى ١/٣٥٤، و٢٣/٢٢٤، و٢٤/٣١٨،٣٢٠، و٢٦/١٤٦-١٥٦، و٢٧/٢٢، ١١٥،١٣٠-١٥٢، ١٨٠،٣٨٠،٤٨٨،٤٩٥، واقتضاء الصراط المستقيم ص٦٨٠-٦٨٧، وص٧٦٢-٧٧٥، وص٨٢٧، الصارم المنكي ص١٠٩،١٧٨، ١٧٩، رحلة الصديق ص١٥٣.
وروى ابن حزم في المحلى ٤/٣٢ النهي والتغليظ على الصلاة في المقبرة أو عند القبر عن جمع من الصحابة، ثم قال:"فهؤلاء عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة".
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عمن يأتي إلى قبر نبي أو غيره من الصلحاء ثم يدعو في كشف كربته، فأجاب كما في مجموع الفتاوى ٢٧/١٥١،١٥٢:"الحمد لله رب العالمين، ليس ذلك بسنة بل هو بدعة، لم يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا من أئمة الدين الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، ولا أمر بذلك ولا استحبه: لا رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا أئمة الدين، بل لا يعرف هذا عن أحد من أهل العلم والدين من القرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ : من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا من أهل الحجاز، ولا من اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا المغرب، ولا خراسان، وإنما أحدث بعد ذلك،стр. 325
.................................................................................
الحواشي
(١) ومعلوم أن كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله ﷺ ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم فإنه يكون من البدع المنكرات.. فمن اتخذ عملاً من الأعمال عبادة وديناً وليس ذلك في الشريعة واجباً ولا مستحباً فهو ضال باتفاق المسلمين".
وقال الإمام النووي في المجموع ٥/٣١٦،٣١٧:"قال الشافعي والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحاً أو غيره. قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام أبو الحسن الزعفراني – ﵀: ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركاً به وإعظاماً له، للأحاديث"، وقال الملا علي القاري الحنفي في المرقاة ٢/٣٧٢ عند شرحه لحديث"لا تصلوا إلى القبور"قال:"ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه حقيقة لكفر المعظِّم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم".
وقال الحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٦٣ عند كلامه على أحكام القبور:"فأما إن قصد الإنسان الصلاة عندها، أو الدعاء لنفسه في مهامه وحوائجه متبركاً بها راجياً للإجابة عندها فهذا عين المحادة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه وشرعه، وابتداع دين لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين المتبعين آثاره وسننه".
وقال البركوي الحنفي في"زيارة القبور"ص٦:"وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها – أي على القبور – والصلاة إليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، ونص أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة وإن أطلقت الكراهة لكن ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم، إحساناً للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله والنهي عنه".стр. 326
وأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقرباً إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم"١".
وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب"٢".
الحواشي
(١) وحكى إسماعيل بن إسحاق المالكي والقاضي عياض المالكي كما في صيانة الإنسان للسهسواني ص٢٦٠، ٢٦٢ عن الإمام مالك أنه قال:"لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي"، وقال المناوي الشافعي في فيض القدير ٦/٤٠٧ عند شرحه لحديث:" لا تصلوا إلى قبر ولا على قبر "قال:"إن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة، فهي مكروهة كراهة تحريم" انتهى كلامه ملخصاً، وينظر التعليق المذكور بعد التعليق الآتي.
"١" قال الكناني الشافعي في هداية السالك: الزيارة ٣/١٣٩١:"ولا يجوز أن يطاف بقبره ﷺ ، ولا ببناء غير الكعبة الشريفة بالاتفاق". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٦/١٤٦ عند كلامه على زيارة قبر النبي ﷺ :"واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها، وإذا قال في سلامه: السلام عليك يا رسول الله، يا نبي الله، يا خيرة الله من خلقه، ويا أكرم الخلق على ربه، يا إمام المتقين، فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي ﷺ ، ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة"وينظر أيضاً: مجموع الفتاوى ٢/٥٢١، و٤/٥٢١، و٢٦/١٤٩، الصارم المنكي ص٢١٤، ٢١٥.
"٢" قال الهيتمي الشافعي في الزواجر عن اقتراف الكبائر " الكبيرة ٩٣-٩٨ج١ ص١٤٨،١٤٩":"الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذстр. 327
وحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر"١".
الحواشي
(١) القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها"ثم ذكر الأحاديث التي فيها النهي عن هذه الأمور ولعن فاعلها، ثم قال:"تنبيه: عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من هذه الأحاديث، ووجه أخذ اتخاذ القبر مسجداً منها واضح؛ لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا، ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً ... وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث المذكورة لما علمت" انتهى كلامه – ﵀ – بحروفه مختصراً. وقد نقل الألوسي الحنفي كلام الهيتمي هذا مقراً له مستحسناً له في تفسيره روح المعاني ٨/٢٢٥،٢٢٦.
"١" قال البركوي الحنفي المتوفى سنة ٩٨١هـ في"زيارة القبور"ص٢٢ عند كلامه على مفاسد الغلو في القبور:"ومنها السفر إليها مع التعب الأليم والإثم العظيم، فإن جمهور العلماء قالوا: السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول رب العالمين، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك قربة وطاعة فقد خالف السنة والإجماع – أي الإجماع على عدم الاستحباب – ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد – أي اعتقاد أن السفر مستحب – يحرم بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك".
وينظر: مجموع الفتاوى ٤/٥٢٠، و٢٦/١٥٠، و٢٧/١٣-٣٨٥، الصارم المنكي ص١٠٩، ٢١٩،٢٢٠، رحلة الصديق إلى البيت العتيق، لصدّيق حسن خان البخاري،стр. 328
فيجب على المسلم الذي يريد لنفسه السلامة البعد عن هذه البدع المحرمة التي نهى عنها النبي ﷺ وغلظ على من فعلها، كما ابتعد عنها جميع سلف هذه الأمة اتباعاً منهم للنبي ﷺ ، واجتناباً لما نهى عنه"١".
الحواشي
(١) الباب الخامس ص١٣٩-١٥٠.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/٣٠٨:"علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفاً لإجماعهم، والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين: هل هو حرام أو جائز غير مستحب، فاستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع، وليس من علماء المسلمين من قال: يستحب السفر لزيارة القبور".
قلت: والعمدة في تحريم السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة حديث:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ". متفق عليه، وقد أجاد محدث الشام الألباني ﵀ في بيان أن المراد من الحديث النهي عن السفر إلى بقعة سوى المساجد الثلاثة، وأيضاً قد ثبت الإنكار من أبي بصرة وابن عمر على من أراد السفر إلى جبل الطور بسيناء، واستدلا على ذلك بهذا الحديث، وأقر أبو هريرة أبا بصرة على ذلك بسكوته، فهؤلاء ثلاثة من الصحابة يرون المنع من ذلك، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، وقد قال بتحريم السفر إلى القبور أيضاً من المتأخرين علماء من كافة المذاهب من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ينظر: فتح الباري لابن حجر: شرح حديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ٣/٦٥، وحجة الله البالغة للدهلوي الحنفي ١/١٩٢، والجنائز للألباني ص٢٨٥-٢٩٣، وتنظر المراجع المذكورة أول هذا التعليق.
"١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٧٦٢:"ولم يكن على عهد الصحابة والتابعينстр. 329
................................................................................
الحواشي
(١) وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلاً، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي، لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره. وينظر المرجع نفسه ص٧٦٩، ومجموع الفتاوى ٢٧/٨١،٤٦٦، الصارم المنكي ص١٠٩، الدرر السنية ١/٣٠٥، ٣٠٦.
وقال علامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني في حاشيته"العدة"على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد في الجنائز شرح الحديث الحادي عشر ٣/٢٥٨، ٢٥٩: "وكان البناء على القبور رأي الجاهلية ودأبهم، ولهذا أخرج مسلم وأصحاب السنن عن أبي الهياج الأسدي عن علي ﵁ أنه قال له: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .... فإن قلتَ: ما هذا البلاء الذي عم الدنيا فلا تجد بلدة من بلاد الإسلام غالباً إلا فيها قباب ومشاهد مجصصة مفضضة مبني عليها، ويسرجون عليها الشموع والقناديل بحيث إنها تضاهي كنائس أهل الكتاب أو تنيف عليها؟ . قلتُ: هذا يفعله الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وهل يفعل هذا إلا ملوك الدنيا وأساطين الظلم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل؟ وهل فعله الصحابة بقبره ﷺ ، وهو أشرف قبر على وجه الأرض؟ بل كان قبره ﷺ كما رواه أبو داود وغيره عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: دخلت على عائشة – ﵂ – فقلت: يا أمه، اكشفي لي عنстр. 330
وعليه فمن أصر على فعل شيء من هذه الأمور المحرمة أو دعا إلى فعلها فقد عرّض نفسه لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.
والبعد عن هذه الأمور التي حذر منها نبينا – ﵊ – علامة على محبته ﷺ ، وفعلها محادة له – ﵊ – ومخالفة لسنته ورد لها"١".
الحواشي
(١) قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. وكذلك لم يفعله أمير المؤمنين بقبر سيدة نساء العالمين فاطمة بنت سيد المرسلين، ولا فعله الحسنان بقبر أبيهما أمير المؤمنين ﵇، ولا يعلم عن أحد من أئمة الدين وصالحي عباد الله فعل ذلك".
وقال الصنعاني أيضاً في المرجع السابق ٣/٢٦١:"التحقيق أن قبره ﷺ لم يعمر عليه المسجد لأنه موضع مستقل قبل بناء المسجد بدفنه ﷺ ، فلم يصدق عليه أنه جعل قبره مسجداً أو وثناً يعبد، بل قد أجاب الله دعاءه فدفن في بيته وفي منزله الذي يملكه أو تملكه زوجه عائشة، وكان المسجد أقرب شيء إليه، ثم لما وسع المسجد لم يخرج ﷺ عن بيته ولا جعل بيته مسجداً، بل غايته أنه اتصل المسجد به اتصالاً أشد مما كان، فالذي يصدق عليه أنه اتخذ مسجداً إنما هو أن يدفن الميت في مسجد مسبل أو في مباح ثم يعمر عليه مسجد".
وينظر فيما يتعلق بمسجد النبي ﷺ أيضاً التعليق السابق المذكور بعد تخريج الحديث الثالث من أحاديث النهي عن رفع القبور والبناء عليها، وينظر: كتاب"المشاهد المعصومية"للمعصومي الحنفي ص٢٨٠، ٢٩٢.
"١" فهو ﷺ لشدة حرصه على استقامة أمته على الحق حثهم عند وفاته على الحرص على بعضстр. 331
ـ...................................................................................
الحواشي
(١) الأمور المهمة في الإسلام كعمود الإسلام: الصلاة، وحذرهم من فعل بعض الأمور التي توقعهم في الشرك، وهو اتخاذ القبور مساجد، كما أن لهذا التحذير علة أخرى أيضاً أشار إليها ابن حجر الشافعي في الفتح ١/٥٣٢ عند شرحه لحديث عائشة السابق، فقال:"وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره، كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم".
وقال علامة العراق محمود الألوسي البغدادي الحنفي في تفسيره "روح المعاني"في تفسير الآية "٢١" من سورة الكهف ٨/٢٢٥-٢٢٨:"استُدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء، واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد"ثم ذكر الأحاديث التي فيها النهي عن هذه الأمور، وأقوال بعض العلماء في تحريمها وكونها من كبائر الذنوب، وقولهم بوجوب هدم ما بني على القبور، ثم ذكر عدم صحة الاستدلال بهذه الآية على بناء المساجد على القبور، ثم قال:"وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة، والآثار الصريحة معولاً على الاستدلال بهذه الآية، فإن ذلك في الغواية غاية، وفي قلة النُّهى نهاية، ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر، وتعليق القناديل عليها، والصلاة إليها، والطواف بها، واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة، إلى غير ذلك محتجاً بهذه الآية الكريمة، وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيداً، وجعله إياهم في توابيت من ساج ومقيساً البعض على البعض، وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ ، وإبتداع دين لمстр. 332
كما أن في فعل هذه الأمور المحرمة في السنة تقديم لأقوال المشايخ وعادات الآباء والأجداد على سنة الحبيب محمد بن عبد الله ﷺ ، وفعل لما يبغضه ﵊ أشد البغض، ولذلك حذر منه عند فراقه للدنيا أشد التحذير وغلظ على من فعله"١"، وعليه فمن فعل ذلك وأصر عليه بعد
الحواشي
(١) يأذن به الله . ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ في قبره – ﵊ – وهو أفضل قبر على وجه الأرض، والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه – ﵊ – فتتبع ذلك وتأمل ما هنا وما هناك والله يتولى هداك".
وقال البركوي الحنفي في زيارة القبور ص١٩، ٢٠: "ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له بحيث لا يجتمعان أبداً، فإنه ﵇ نهى عن الصلاة إلى القبور وهم يخالفونه ويصلون عندها، ونهى عن اتخاذ المساجد عليها وهم يخالفونه ويبنون عليها مساجد ويسمونها مشاهد، ونهى عن إيقاد السرج عليها وهم يخالفونه ويوقدون عليها القناديل والشموع، بل يوقفون لذلك أوقافاً، وأمر بتسويتها وهم يخالفونه ويرفعونها من الأرض كالبيت، ونهى عن تجصيصها والبناء عليها، وهم يخالفونه ويجصصونها ويعقدون عليها القباب، ونهى عن اتخاذها عيداً، وهم يخالفونه ويتخذونها عيداً، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد وأكثر، والحاصل أنهم مناقضون لما أمر به الرسول ﷺ ، ونهى عنه، ومحادون لما جاء به"وينظر: معارج الألباب لحسين النعمي اليماني ص٥٤.
"١" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦٨٠:"فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبورстр. 333
علمه بنهي النبي ﷺ عنه، ولعنه لمن فعل ذلك عند فراق هذه الحياة لحرصه الشديد على بُعد أمته عنه، فذلك علامة على استهانته بسنة النبي ﷺ وعدم مبالاته بمخالفتها، وهذا أكبر برهان على نقص محبته للنبي ﷺ ، كما أن فعل ذلك من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في أصحاب القبور والتعلق بهم حتى يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة"١".
الحواشي
(١) الأنبياء والصالحين متبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ من أن الصلاة عند القبر – أي قبر كان – لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلاً، بل مزية شر"، وينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/٤٤١، ٤٤٢، وينظر كلام الحافظ السيوطي الذي سبق نقله في التعليق المذكور قريباً عند حكاية الإجماع على تحريم الطواف بالقبور تقرباً إلى الله تعالى.
"١" ذكر شيخ الإسلام في الاقتضاء ٢/٦٧٨،٦٧٩،٧٧٦ أن هذه العلة – وهي خوف الوقوع في الشرك الأكبر – علة صحيحة للنهي عن اتخاذ القبور مساجد باتفاق العلماء. وينظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٩٢، و١٩/٤١، و٢١/٣٢١-٣٢٣، و٢٧/٤٨٨،٤٨٩.
وقال الإمام الشافعي في الأم ٢/٢٧٨:"كره - أي النبي ﷺ والله أعلم أن يعظمه أحد من المسلمين – يعني يتخذ قبره مسجداً – ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده". وقال الحافظ السيوطي الشافعي في الأمر بالاتباع ص٦٢:"المقصود الأكبر بالنهي إنما هو مظنة اتخاذها أوثاناً، كما ورد عن الإمام الشافعي، وهذه العلةстр. 334
..............................................................................
الحواشي
(١) التي لأجلها نهى الشارع ﷺ هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه".
وقال الإمام النووي الشافعي في شرح مسلم ٥/١٣:"قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية".
وقد ذكر الحافظ ابن القيم الحنبلي في إغاثة اللهفان ص١٨٨، ١٨٩ ما رواه ابن جرير عن مجاهد من عكوف قوم نوح على قبر اللات، وما قاله غير واحد من السلف من أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، ثم قال ابن القيم: "فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات إنما كان من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها".
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني ٣/٤٤١:"وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها".
وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص٦٨٠:"وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي أوقعت كثيراً من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فلأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها – أي عند القبور – ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم منстр. 335
فيؤدي ذلك إلى أن القبر وثناً يُعبد من دون الله"١".
ولذلك لما سَنَّ العُبيديون المنتسبون إلى التشيع في مصر وغيرها سنة سيئة؛ وذلك ببناء المساجد والقباب والمشاهد على القبور، وكانوا أول من أحدثها في ديار الإسلام"٢" تقليداً لليهود والنصارى"٣" انتشر وكثر الغلو في القبور.
الحواشي
(١) يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال". وينظر: تفسير الإمام القرطبي ١٠/٣٨٠، والصارم المنكي ص٤٥٩، وزيارة القبور للبركوي الحنفي ص٢٧-٣٢، والسيل الجرار للشوكاني: الجنائز ١/٣٦٧، ٣٦٨، والتيسير، باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً، ودلائل التوحيد للقاسمي ص١٠٦.
"١" قال الشيخ حسين بن محمد المغربي في شرح بلوغ المرام لابن حجر بعد ذكره لأحاديث لعن من اتخذ القبور مساجد، قال:"وهذه الأخبار المعبر عنها باللعن والتشبيه بقوله: لا تجعلوا قبري وثناً يعبد من دون الله. تفيد التحريم للعمارة والتزيين والتجصيص ووضع الصندوق المزخرف ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه والتمسح بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، فكان في المنع عن ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام من جلب المصالح ودفع المفاسد، سواء كانت بأنفسها أو باعتبار ما تفضي إليه". انتهى، وقد نقل كلامه هذا الإمام الصنعاني في سبل السلام ٢/٢١٤ ثم قال:"وهذا كلامٌ حسن".
"٢" ينظر: مجموع الفتاوى ٢٧/١٦٧، ١٧٤،٤٦٥،٤٦٦.
"٣" سبق ذكر الأحاديث التي فيها بيان أن هذا من فعل اليهود والنصارى، وقال الإمامстр. 336
_________
الطحاوي الحنفي المتوفى سنة "٣٢١هـ" كما في مختصر اختلاف العلماء للجصاص الحنفي المتوفى سنة "٣٧٠هـ" ١/٤٠٧:
"قال الليث: بنيان القبور ليس من حال المسلمين، وإنما هو من حال النصارى".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/٤٦١،٤٦٢:"والذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصارى حتى أني لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظّميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حيث بينت له فساد ذلك، وأجبته عما يدعيه من الحجة،... وكان من آخر ما خاطبت به النصراني أن قلت له: أنتم مشركون، وبينت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها،. قال لي: نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح، فيتعلقون بالشباك الذي عليه ونحو ذلك. فقلت له: وهذا أيضاً من الشرك، ليس هذا من دين المسلمين وإن فعله الجهال، فأقر أنه شرك.. وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة ولكم سيد وسيدة: لنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة، فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم، ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر".
وقال الألباني في تحذير الساجد ص١٢٤:"قرأت مقالاً في مجلة المختار عدد مايو ١٩٥٨م تحت عنوان "الفاتيكان المدينة القديمة المقدسة" يصف فيه كاتبه"رونالد كارلوس بيتي"كنيسة بطرس في هذه المدينة فيقول ص٤٠:"إن كنيسة القديس بطرس، وهي أكبر كنيسة من نوعها في العالم المسيحي، تقوم على ساحة مكرسة
стр. 337
ثم إنه لما تبع كثيرٌ من المسلمين العبيديين في بناء القبور، وجعلوا المقابر مكاناً للصلاة والدعاء"١"، أدى بهم ذلك إلى عبادة المقبورين من دون الله، فأصبحوا يستغيثون بهم، ويطلبون منهم كشف الكربات، وجلب النفع"٢"، ويطوفون بقبورهم تقرباً إليهم، ويذبحون عندها تقرباً إليهم،
الحواشي
(١) للعبادة منذ سبعة عشر قرناً، إنها قائمة على قبر القديس نفسه، وتحت أرضيتها يقع تيه من المقابر الأثرية".
"١" قال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليماني في آخر رسالة"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"ص٣٩،٤٠ رداً على من قال من أئمة الزيدية وغيرهم: إنه يصح بناء المساجد على قبور أهل الفضل والصلاح، قال: "ثم انظر كيف يصح استثناء أهل الفضل برفع القباب على قبورهم، وقد صح عن النبي ﷺ كما قدمناه أنه قال: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً. ثم لعنهم بهذا السبب. فكيف يسوغ من مسلم أن يستثني أهل الفضل بفعل هذا المحرم الشديد على قبورهم، مع أن أهل الكتاب الذين لعنهم الرسول ﷺ وحذر الناس ما صنعوا لم يعمروا المساجد إلا على قبور صلحائهم. ثم هذا رسول الله ﷺ سيد البشر وخير الخليقة وخاتم الرسل، وصفوة الله من خلقه ينهى أمته أن يجعلوا قبره مسجداً أو وثناً أو عيداً، وهو القدوة لأمته ... فإن كان هذا محرماً منهياً عنه، ملعوناً فاعله في قبر رسول الله ﷺ ، فما ظنك بقبر غيره من أمته؟ ".
"٢" قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في دلائل التوحيد ص١٠٨:"وهذا علي ﵁ يقول لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها. وعلى هذا النهج الواضح من المحافظةстр. 338
وهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة"١".
الحواشي
(١) على التوحيد سار السلف الصالح وأئمة الهدى من بعدهم، لم يسمحوا لأحد أن يخرق سياج التوحيد، أو يستبيح بيضته، حتى نبتت طوائف الشيعة والمتصوفة، فأعملوا فيه معاول هدمهم بغلوهم في أئمتهم وشيوخهم وتقديسهم للمشاهد والمزارات، وتبركهم بالآثار والمخلفات، وسجودهم على العتبات وتقديمهم النذور والقربانات. وما زال الأمر يستفحل والخطر يشتد حتى وصل إلى ما نشاهده الآن في معظم بلاد الإسلام من إقامة القباب على القبور، وإنشاء المقاصير حولها وتزيينها بالزخارف وفرشها بالبسط، وإيقاد السرج عليها ووضع صناديق النذور عندها، وفتحها للزائرين والزائرات يحجون إليها ويرتكبون عندها كثيراً من الأعمال الشركية، كالطواف والتقبيل ووضع النذور والتوسل والمناجاة وذبح القرابين، وإقامة المهرجانات الجاهلية التي يسمونها الاحتفالات، إلى غير ذلك مما يخالف عقيدة الإسلام، وينقض الإيمان".
"١" قال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في رسالة "شرح الصدور بتحريم رفع القبور" بعد ذكره للاعتقاد الشركي بأن أصحاب القبور ينفعون ويضرون، قال ص٣٠-٣٢: "لا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زيّنه الشيطان للناس من رفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين. فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستور الرائعة والسرج المتلألئة، وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشد وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا اللهстр. 339
..............................................................................
الحواشي
(١) سبحانه. فيصير في عداد المشركين.
وقد يحصل له هذا الشرك بأول رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند أول زورة له إذ لا بد أن يخطر بباله أن هذه العناية البالغة من الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلا لفائدة يرجونها منه، إما دنيوية أو أخروية، فيستصغر نفسه بالنسبة إلى من يراه من أشباه العلماء زائراً لذلك القبر وعاكفاً عليه ومتمسحاً بأركانه، وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهولون عليهم الأمر، ويصنعون أموراً من أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يفطن له من كان من المغفلين، وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في الناس، ويكررون ذكرها في مجالسهم وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض ويتلقاها من يحسن الظن بالأموات، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في بلية عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميت بكرائم أموالهم، ويحبسون على قبره من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم، لاعتقادهم أنهم ينالون بجاه ذلك الميت خيراً عظيماً، وأجراً كبيراً، ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة، وطاعة نافعة، وحسنة متقبلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم على ذلك القبر. فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل، وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب لينالوا جانباً من الحطام من أموال الطغام الأغتام. وبهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الإبليسية، تكاثرت الأوقاف على القبور، وبلغت مبلغاً عظيماً، حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه لبلغ ما يقتاته أهلстр. 340
.....................................................................................
الحواشي
(١) قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء، وكلها من النذر في معصية الله". انتهى كلام الإمام الشوكاني – ﵀.
وقال الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني اليماني في تطهير الاعتقاد:"الشبهة السابعة"ص٥٢:"هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب – بل كل من يعمرها – هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم، أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير، أو شيخ، أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به، ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم فيأتي من بعدهم فيجد قبراً قد شيّد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وارخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل وأنزل بفلان الضرر، وبفلان النفع، حتى يغرسوا في جبلته كل باطل".
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليماني في"الدر النضيد"ص٤٦، ٤٧:"ولا شك أن علة النهي عن جعل القبور مساجد، وعن تسريجها وتجصيصها ورفعها وزخرفتها هي ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة، وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيراً في طبائع غالب العوام ينشأ عنه التعظيم والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئاً مما يتعلق بالأحياء، وبهذا السبب اعتقد كثير من الطوائف الإلهية في أشخاص كثيرة"،стр. 341
بل وصل الحال بسبب الغلو في القبور وتقديم الصدقات والقرابين لها أن قام كثير من المرتزقة والدجاجلة بإقامة مشاهد، وبناء مساجد على بعض القبور، وزعموا أن هذه القبور لبعض الأنبياء، أو لبعض الصحابة وآل البيت، كذباً وزوراً"١"، بل وصل الحال بسبب كثرة الكذب والدجل
الحواشي
(١) ثم ذكر قصتين حصل في كل منهما تأثير تعظيم بعض المخلوقين في قلوب بعض العامة، حتى ظن أن هذا المعظم هو الله تعالى. وينظر: المشاهدات المعصومية للشيخ محمد سلطان المعصومي الحنفي ص٢٨١.
"١" مع أنه لا يعرف بالتحديد مكان قبر نبي سوى نبينا محمد ﷺ ، وفي قبر إبراهيم ﵇ خلاف، وكذلك قبور أكثر الصحابة وأكثر التابعين لا تعرف أماكنها بالتحديد، لأن الصحابة والتابعين ما كانوا يحرصون على معرفة أماكن قبور الأنبياء السابقين، ولا غيرهم من الصالحين، بل كانوا يخفون قبور من يخشون الافتتان بقبورهم، كما فعل الصحابة بقبر النبي ﷺ كما سبق بيانه عند تخريج الحديث الثالث في النهي عن رفع القبور والبناء عليها، وكما فعل الصحابة ﵃ – بأمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ حيث دفنوه في قصر الإمارة بالكوفة، فخفي موضع قبره على الناس، والرافضة يعظمون قبراً بالنجف يظنونه قبره، وهو قبر المغيرة بن شعبة ﵁، وكما فعلوا لما فتحوا تستر فوجدوا جثمان رجل يقال: إنه دانيال، وإنه نبي، وقيل: رجل صالح، وكان الكفار يتوسلون به عند الاستسقاء، فحفر الصحابة له بالنهار ثلاثة عشر قبراً، ودفنوه في أحدها بالليل، وسووا القبور ليخفوا قبره. والقصة رواها يونس بن بكير كما في الاقتضاء ص٦٨٦، ومجموع الفتاوى ٢٧/٢٧٠، وإغاثة اللهفان ص٢٠٥، والبداية والنهاية ٢/٣٧٦ بإسناد رجاله رجال الصحيح، وقد صححстр. 342
في ذلك أن جعل للحسين بن علي ﵄ – ثلاثة قبور، وقد أجمع العلماء من أهل السير وغيرهم على أن القبر المنسوب إليه في القاهرة غير صحيح"١"، ووصل الحال أيضاً إلى أن جعل للجيلاني مائة قبر في العالم الإسلامي"٢".
وهذا كله يُبيِّن خطر التساهل فيما حذرنا نبينا محمد ﷺ منه ونهانا عنه، ويبين لنا أهمية التمسك بسنة النبي ﷺ وأنه يجب تقديمها على اجتهادات البشر وآرائهم، وما تميل إليه نفوسهم.
وبالجملة فإن من دعا الناس إلى الغلو في القبور فقد دعا الناس إلى خلاف ما دعا إليه رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ ، وإلى خلاف ما دعا إليه جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، وقد دعاهم أيضاً إلى ما هو سبب في وقوعهم فيما يبغضه النبي ﷺ ويبغضه جميع أولياء الله تعالى من الشرك
الحواشي
(١) إسناده الحافظ ابن كثير، وقد ذكر نعيم في الفتن "٣٧" وابن كثير للقصة ولدفنه متابعة وطرقاً أخرى تؤيد الرواية السابقة. وينظر مجموع الفتاوى ٢٧/٢٧٠،٢٧١، ٤٤٤-٤٩٤، تاريخ الإسلام للذهبي"عهد الراشدين"ص٦٥١.
"١" أحد هذه القبور في كربلاء بالعراق، والثاني بالشام، والثالث هذا الذي بالقاهرة، ينظر: الفتاوى ٢٧/٤٤٤-٤٩٤، الاستغاثة ص٥٠٠-٥٠٤.
"٢" ينظر: تصحيح الدعاء ص١٠٢.стр. 343
والكفر، والذي أرسل جميع رسل الله تعالى من أجل محاربته"١".
الحواشي
(١) "١" وليس لمن دعا إلى هذه الأمور المبتدعة دليل واحد يعتمدون عليه، لذلك تجدهم يتعلقون بشبه ضعيفة كقصة أصحاب الكهف، مع أن جميع الروايات التي يحتجون بها في تفسير الطبري من طريق محمد بن حميد، وهو متهم بالكذب، كما أنها مجرد حكاية فعل أهل الغلبة لا غير، ومع ذلك يقدمون ذلك على سنة الحبيب ﷺ ، ولهم شبه أوهى من هذه أجاب عنها أهل العلم، فالواجب على المسلم أن ينقاد لسنة النبي ﷺ وألا يبحث عن الشبه لرد سنة خير الخلق ﷺ .
وكثير ممن يغلو في القبور ببناء المساجد عليها، والتعبد لله عندها، وغير ذلك عمدتهم قول بعض المتأخرين الذين أباحوا هذه الأمور المحرمة خطأ وزللاً، تأثراً بما أحدث العبيديون والرافضة من الغلو في القبور، واعتماداً على أحاديث مكذوبة ونصوص من المتشابه، فيردون بها الأحاديث الصحيحة الصريحة.
قال البركوي الحنفي بعد ذكره للأحاديث الواردة في زيارة القبور وما ورد فيها من مشروعية الدعاء للميت عند زيارة القبور في رسالة"زيارة القبور"ص٣٧-٣٩:"فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعاً وعشرين سنة، وهذه سنة الخلفاء الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين، فبدل أهل البدع والضلال قولاً غير الذي قيل لهم، فإنهم بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه أو بالدعاء به، وبدلوا الشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحساناً إلى الميت وإلى الزائر سؤال الميت، والإقسام به على الله تعالى، وخصصوا تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وجعلوا حضور القلب وخشوعه عندها أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى والدعاء بهم والدعاء عند قبورهم مشروعاً عملاً صالحاً، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يظفر به الخلوف الذين يقولون ما لاстр. 344
.................................................................................
الحواشي
(١) يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.. فإن كنت في شك من هذا فانظر هل يمكن بشراً على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها. فضلاً أن يصلوا عندها ويسألوا الله تعالى بأصحابها ويسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد منها في ذلك.
كلا، لا يمكنهم ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا بكثير من ذلك عن الخلوف التي خلفت من بعدهم، ثم كلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين ولا عن الصحابة والتابعين حرف واحد من ذلك، بل فيها من خلاف ذلك كثير كما سبق من الأحاديث المرفوعة التي من جملتها قوله ﵊: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً أي فحشاً. وأي فحش أعظم من الشرك عندها قولاً وفعلاً. وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها، ومن ذلك ما في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رأى أنس بن مالك ﵁ يصلي عند القبر، فقال: القبر القبر". انتهى كلامه ﵀. وأثر عمر هذا رواه البخاري في الصلاة "فتح١/٥٢٣" تعليقاً. ووصله عبد الرزاق "١٥٨١" بإسناد حسن، رجاله رجال الصحيحين، وزاد في آخره قال ثابت: فكان أنس بن مالك يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور، وللأثر طرق أخرى عند ابن حجر في التغليق ٢/٢٢٩، ٢٣٠، وعند غيره. وصحح بعضها الألباني في التحذير ص٢٦، وينظر: عمدة القاري ٤/١٧٢.
والآثار عن السلف في النهي عن التبرك بالقبور وفي النهي عن الغلو فيها بالبناء أو غيرهстр. 345
...................................................................................
الحواشي
(١) كثيرة جداً. ينظر بعضها في مصنف عبد الرزاق ١/٤٠٤-٤٠٧، و٥/٥٠٢-٥٠٧، مصنف ابن أبي شيبة: الجنائز ٣/٣٣٤-٣٤٢، سنن البيهقي ٢/٤٣٥، المحلى: الجنائز ٥/١٣٣،١٣٤، تحذير الساجد ص٨٨-٩٨.
ومما ينبغي التنبه له أن الشيطان يعمل جاهداً على تزيين الباطل والشرك ليوقع بني آدم فيه، وليجعلهم يستمرون عليه، ولذلك تجد الشياطين كثيراً ما تتمثل في صور الآدميين لإعانة من يحاربون الحق ويقعون في الشرك، كما تمثل لقريش لما خرجوا لحرب النبي ﷺ في بدر في صورة سراقة بن مالك، وشجعهم على حرب النبي ﷺ ، وقد ورد في ذلك روايات كثيرة عن ابن عباس وغيره رواها ابن جرير وغيره في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
وثبت في الأحاديث الصحيحة أنه سيتمثل في آخر الزمان للأعراب في صور آبائهم عند خروج المسيح الدجال فيدعوهم إلى اتباع هذا الدجال الخبيث فيتبعونه، وثبت في وقائع كثيرة في أزمان متباعدة ومتقاربة أن الشيطان يتمثل لمن يغلون في القبور في صورة الميت فيقضي لهم بعض ما يطلبون، وأيضاً قد يستدرجهم الله تعالى فيحقق لهم بعض ما يدعون به عند القبور أو يطلبون من الموتى، فيحمل هذا كله هؤلاء الجهال ومن يسمع أخبارهم على زيادة الغلو في الموتى والاستمرار في ذلك، واعتقاد أنهم ينفعون ويضرون. ينظر: الفتن لنعيم بن حماد شيخ البخاري ٢/٥٣٠-٥٥٧، مصنف عبد الرزاق ١١/٣٩١-٤٠٣، مجموع الفتاوى ١/٨٢،٨٣، ١٦٨،١٧٥،٣٥٠، ٣٥٩-٣٦٥стр. 346
..................................................................................
الحواشي
(١) و١٠/٢٩٣،٤١٦، و١٧/٤٥٧-٤٦٠، و١٩/٤١،٤٢، الاستغاثة ص٣٣٨، ٥٠٦، الاقتضاء ص٦٩١-٧٠٨، إغاثة اللهفان ص٢١٦، الدر النضيد للشوكاني ص٩٣، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص١٩٧ نقلاً عن جلاء العينين للألوسي الحنفي.
وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٦٨،٣٦٩:"والذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها – أي بالقبور – أمور منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله – تعالى – به رسوله من تحقيق التوحيد، وقطع أسباب الشرك، فالذين قل نصيبهم من ذلك إذا دعاهم الشيطان إلى الفتنة بها ولم يكن لهم ما يبطل دعوته استجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا منه بقدر ما معهم من العلم. ومنها أحاديث مكذوبة وضعها على رسول الله ﷺ أشباه عبّاد الأصنام القبورية، وهي تناقض ما جاء به في دينه، كحديث: إذا تحيّرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور. وحديث: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وحديث: لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه. وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها أشباه عباد الأصنام من القبورية، وراجت على الجهال والضُلاّل، والله – تعالى – إنما بعث رسوله لقتال من حسن ظنه بالأحجار والأشجار. فإنه – ﵇ – جنب أمته الفتنة بالقبور بكل طريق. ومنها حكايات حكيت عن أهل تلك القبور، أن فلاناً استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها. وفلان نزل به فاستدعى صاحب ذلك القبر، فكشف ضره، وفلان دعاه في حاجة فقضيت حاجته، وعند السدنة والقبوريين شيء من ذلك يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ما يضرها، لا سيما من كان مضطراً يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه كراهةстр. 347
بل إن من دعا الناس إلى الغلو في القبور قد دعاهم إلى أن يكونوا أعداء لرسول الله ﷺ ولجميع أولياء الله تعالى ومحاربين لطريقتهم، وهم يظنون أنهم يوالونهم"١".
الحواشي
(١) ما، فإذا سمع أحد أن قبر فلان ترياق مجرب، يميل إليه فيذهب إليه ويدعو عنده، بحرقة وذلة وانكسار، فيجيب الله – تعالى – دعوته لما قام بقلبه من الذلة والانكسار، لا لأجل القبر، فإنه لو دعا كذلك في الحانة والحمام والسوق لأجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيراً في إجابة تلك الدعوة، ولا يعلم أن الله – تعالى – يجيب المضطر ولو كان كافراً". وينظر: الاقتضاء ص٧٤٨،٧٤٩، إغاثة اللهفان ص١٩٣، ٢١٤.
"١" فهم يظنون أنهم بهذا العمل يوالون الأنبياء والصالحين والأولياء الذين غلوا في قبورهم بالبناء عليها والتبرك بها بالدعاء والصلاة والذبح عندها والطواف بها، وغير ذلك من البدع التي أحدثها الجهال، ثم تلقاها من قل علمه وتلاعب به الشيطان، وهم في الحقيقة إنما عملوا بما يبغضه جميع أولياء الله ويحاربونه، لأنه معصية لله تعالى، ولنبيه ﷺ .
قال البركوي الحنفي المتوفى سنة "٩٨١هـ" في زيارة القبور بعد ذكره لنهي النبي ﷺ عن الغلو في القبور ص١٢، ١٣:"أبى أكثر الناس إلا عصياناً لأمره وارتكاباً لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين ... وتعظيم الأولياء والصالحين ومحبتهم إنما يكون باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها واتخاذها أوثاناً، فإن من اقتفى آثارهم كان سبباً لتكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وإياهم من ذلك الأجر، فأي تعظيم واحترام في هذا؟ "، وقال ﵀ أيضاً في المرجع نفسه ص٥٢:"وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب، فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام، كما قال السلف من الصحابةстр. 348
والمسلم الذي يبتغي لنفسه النجاة من عذاب الله يجب عليه أن يختار طريق أنبياء الله وأوليائه على طريق من خالف دعوتهم وهو يحسب أنه يحسن صنعاً"١".
الحواشي
(١) والتابعين، فإن الشيطان ينصب لهم قبر رجل معظم يعظمه الناس ثم يجعله وثناً يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيداً، وجعله وثناً، فقد تنقصه وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته، ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه أمر بما أمر به الله تعالى ورسوله، ونهى عما نهى عنه الله ورسوله".
وقال الشيخ شمس الدين الأفغاني في جهود علماء الحنفية ص٥٥٧-٥٦٠:"إن علماء الحنفية قد صرحوا بأن أهل التوحيد الذين لا يغالون في الأنبياء والأولياء من عهد رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة في الحقيقة هم المعظمون للرسل الموقرون لهم، العارفون بحقوقهم، القائمون بما يجب لله وما يجب لعباده من الحقوق، فهم ليسوا بأهل شرك بهم، ولا أهل المعصية لهم، ولا نبذوا أوامرهم، ولا تركوا ما جاءوا به من الحق، فهم أهل التوحيد لله تعالى، وأهل طاعة رسول الله ﷺ ، وأهل الإخلاص لله، فتركهم الاستغاثة بهم عند الكربات، وترك الطواف بقبورهم عند الملمات هو عين التعظيم لهم، وتركهم النذور لهم، وترك السجود لهم، وترك الغلو فيهم هو عين التوقير لهم". انتهى كلامه وقد أحال على غاية الأماني للألوسي الحنفي.
"١" هذا هو حال كثير من الدعاة إلى الغلو في القبور وتعظيمها، وبعضهم قد يكون هدفه الحظوظ الدنيوية من جمع المال، والحصول على مكانة بين أتباعه ونحو ذلك. ولذلك تجدهم يكذبون في نسبة بعض القبور إلى بعض الصالحين الذين لهم مكانة في قلوب المسلمين، كالحسين بن علي وغيره من آل البيت، بل ربما ينسبون بعض القبور إلى بعضстр. 349
.................................................................................
الحواشي
(١) الأنبياء كذباً وزوراً، ليكثر الجهال من النذور والصدقات والذبائح عند قبورهم.
قال علامة اليمن محمد بن علي الشوكاني في الدر النضيد ص٩٣، ٩٤: "واعلم أن ما حررنا وقررنا من أن كثيراً مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركاً، قد يخفى على كثير من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير وشبّ عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه ويندب الناس إليه. وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة، وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوامّ الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً. وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات، ويجملون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فينبهر الزائر، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم، وتكالبهم على القرب من الميت، والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات، ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر.
فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن، يظن الإنسان مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ماстр. 350
هذا، وهناك وسائل أخرى تؤدي إلى الشرك الأكبر غير هذه الوسائل الثلاث، يأتي بعضها عند الكلام على البدعة في الفصل الخامس من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
الحواشي
(١) تعلمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول ذلك أنكره، ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه، لأنه يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات، إلى كونه من أقبح المقبحات، وأكبر المحرمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودبّ فيه الأخلاف، وتعاودته العصور، وتناوبه الدهور، وهكذا كل شيء يقلد الناس فيه أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة. وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية، بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك، ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا لها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل مكروه، ومزّقوا عرضه بكل لسان". انتهى كلامه ﵀.стр. 351
الشرك الأصغر
تعريفه وحكمه
...
الفصل الثاني: الشرك الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه
سبق تعريف الشرك في اللغة عند الكلام على تعريف الشرك الأكبر.
أما تعريفه في الاصطلاح، فهو: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر"١".
الحواشي
(١) "١" ويمكن أن يقال: هو كل قول أو عمل بالقلب أو الجوارح جعل العبد فيه نداً لله تعالى، ولم تصل هذه الندية إلى إخراج صاحبها من الملة. وهذا التعريف أسلم من جهة عدم استعمال لفظ المعرف في التعريف، ولكن الأول أوضح. أما تعريفه بأنه: "كل ما ورد تسميته شركاً ولم يصل إلى درجة الشرك الأكبر". فهو غير جامع، وكذلك تعريفه بأنه "كل ما يؤي إلى الشرك"غير مانع، لأنه يدخل فيه كثير من البدع والمعاصي التي ليست من الشرك الأصغر، كالتصوير لغير التعظيم، فهو وسيلة للشرك، ولكن ليس فيه نوع إشراك حتى يكون شركاً، ومثله التساهل بالصلاة عند القبر من غير تعظيم له ولا قصد للصلاة عنده، وغير ذلك مما ليس فيه عند فعله نوع إشراك من الفاعل له فلا يدخل في الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه إشراك أصلاً. وينظر المفردات ص٤٢٥، القول السديد باب الخوف من الشرك، وباب الذبح ص٣٤، ٥٩،стр. 352
أما حكمه فيتلخص فيما يأتي:
١- أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد"١".
الحواشي
(١) حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد ص٥٠، فتاوى اللجنة الدائمة ١/٥١٧. وقد أطلق بعض العلماء الشرك الأصغر على جميع المعاصي؛ لأن فيها اتباعاً للهوى، وتقديماً له على طاعة الله تعالى، مُستدلين بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] . ينظر: مجموع الفتاوى ١٠/٢١٦، ٢١٧، ٢٦١، ٢٦٢، تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب ص٢٦-٣٠، الدين الخالص ١/١٦٢-١٧١، معارج القبول ص٤٢٤، ٤٣٣، القول المفيد ١/٦١.
وقد ذهب كثير من المفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس ﵄ إلى أن الآية السابقة في المشرك الذي يعبد ما تهواه نفسه من معبودات، فما استحسن من شيء عبده. ينظر تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير الشوكاني للآية السابقة، وينظر مجموع الفتاوى ١٠/٥٩٢، تجريد التوحيد ص٤٦. وهذا القول هو الأقرب، وعليه فإن المعاصي لا يدخل منها في الشرك الأصغر إلا ما كان فيه نوع إشراك لمخلوق آخر. والله أعلم.
"١" والدليل على هذا قوله ﷺ لما رأى في يد رجل حلقة من صفر: " ما هذه؟ " قال: من الواهنة. قال: " انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مِتَ وهي عليك ما أفلحت أبداً "، وسيأتي تخريجه عند الكلام على التمائم. ويؤيد هذا قول ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً". وسيأتي تخريجهстр. 353
_________
عند الكلام على الحلف بغير الله، فجعل الحلف بالله كاذباً الذي هو من كبائر الذنوب أخف من الحلف بغيره صادقاً؛ لأنه من الشرك الأصغر. وينظر مجموع الفتاوى ١/٢٠٤، الفروع: الأيمان ٦/٣٤٠، إعلام الموقعين: فصل بعض الكبائر "آخر الكتاب ٤/٤٠٣"، وآخر كتاب التخويف من النار لابن رجب: فصل في ذكر أول من يدخل النار "ص٢٥٠"، كتاب التوحيد باب من الشرك لبس الحلقة، الدرر السنية ١/١٨٥، و٢/١٨٩، و١١/٤٩٦، تيسير العزيز الحميد "ص٥٣٠".
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشرك الأصغر لا يغفر إذا مات العبد وهو لم يتب منه، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] . لكن أجيب عن هذا الاستدلال بأمرين:
١ - أن الآيتين في الشرك الأكبر؛ لأنهما وردتا في ضمن آيات تتحدث عن المشركين والمنافقين وأهل الكتاب.
٢- أن الآيات الأخرى في كتاب الله تعالى والتي رتب فيها الحكم على وصف الشرك لم يختلف أهل العلم في أن المراد به في هذه الآيات الشرك الأكبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] ، وكقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، فكذلك آيتا النساء. وهذا هو الأقرب. وينظر: تلخيص الاستغاثة "ص١٤٨"، مدارج السالكين ١/٣٠٨، ٣٦٨، ٣٧٣، الدرر السنية ٢/١٨٥، الدين الخالص ١/٣٨٧، ٣٨٨، قرة عيون الموحدين ص٤٦، التوضيح عن توحيد الخلاق ص٤١٥، ٤١٦، رسالة "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة"للعبّاد ص١٩٤، ١٩٥.
стр. 354
٢- أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام"١"، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الخروج من دين الإسلام.
٣ - أنه إذا صاحب العمل الصالح أبطل ثوابه"٢"، كما في الرياء وإرادة الإنسان الدنيا وحدها بعمله الصالح، والدليل قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ". رواه مسلم"٣".
الحواشي
(١) "١" ينظر: مدارج السالكين ١/٣٧٣، الدرر السنية ١/٢٠٠، وسيأتي عند ذكر أنواع الشرك الأصغر بيان ذلك.
"٢" وفي المسألة تفصيل يأتي عند الكلام على الرياء – إن شاء الله تعالى -.
"٣" صحيح مسلم "٢٩٨٥"، وله شاهد رواه النسائي "٣١٤٠" عن أبي أمامة أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر؟ . فقال ﷺ : "لا شيء له"فأعادها ثلاث مرار، يقول رسول الله ﷺ : " لا شيء له ". ثم قال: " إن الله – لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه ". وإسناده حسن. وقد صححه جمع من أهل العلم، وقد توسعت في تخريجه في رسالة النية، برقم "١٤".стр. 355
المبحث الثاني أنواع الشرك الأصغر:
للشرك الأصغر أنوع كثيرة، أشهرها:
النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرياء
الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه"١".
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم"٢".
الحواشي
(١) "١" ويقال: أريته العمل إراءة، ورئاء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ، فالياء في "رياء"مقلوبة عن همزه. ينظر بصائر ذوي التمييز ٣/١١٦، القاموس المحيط "مادة رئاء".
"٢" وينظر الرعاية ص٢٠٩، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص١٦٠، الإحياء ٣/٣١٤، تفسير القرطبي للآية ٣٦ من سورة النساء ٥/١٨١، وتفسيره للآية ١٤٢ من سورة النساء ٥/٤٢٢، وتفسيره للآية الأخيرة من سورة الكهف ١١/٧١،следующие страницы →