وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث: " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " "١"، وفي حديث آخر: " لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ""٢"، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصاً من لم ينكر عليه عمله فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عموماً" "٣".
النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في الأفعال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرقى الشركية"٤".
стр. 387
الرُّقى في اللغة: جمع رقية، والاسم منه "رقيا"، يقال: رقيته، أرقيه، رَقياً، والمرة "رقية""١".
وفي الاصطلاح: الأمور التي يعوَّذ بها لرفع البلاء أو دفعه"٢".
والرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه"٣"، أو يعيذه
стр. 388
منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالباً يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي"١"، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يُصبُّ على بدنه"٢"،
стр. 389
وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض"١".
стр. 390
والرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرُّقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم على جوازها في الجملة"١".
стр. 391
ويشترط في هذه الرقية أيضاً أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة"١"، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى"٢".
والدليل على استحباب الرقية في حق المرقي"١": ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى
стр. 394
فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"١".
стр. 395
والدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان لي خال يرقي من
стр. 396
العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " "١".
النوع الثاني: الرُّقى المحرمة
ومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر"٢"، وإن اعتمد عليها اعتماداً كلياً حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة"٣".
стр. 397
والدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ : " إن الرقى والتمائم والتولة"١" شرك " "٢"، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: " أعرضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك "رواه مسلم"٣".
ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى"٤"، أو كانت من
стр. 398
كافر كتابي أو غيره"١".
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأفعال: التمائم الشركية
التمائم في اللغة: جمع تميمة, وهي في الأصل خرزة كانت تُعلّق
стр. 399
على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها"١"، وكأنّ العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب"٢".
وفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه"٣".
ومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهّال على أولادهم يعتقدون أنها سبب
стр. 400
لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير"١"، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو
стр. 401
تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ"محمد " عقداً للعلاج من بعض الأمراض"١"، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض.
وهذه التمائم كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله ﷺ : " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ""٢"، ولقوله ﷺ : " من علق تميمة فقد أشرك ""٣"، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيراً في
стр. 402
الشفاء"١"، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد
стр. 403
سواه جل وعلا"١".
لكن إن اعتقد متخذ هذه التمائم أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلّق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً"٢"، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.
ويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية "الرقى" في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها"٣"، والأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:
стр. 404
١- أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم"١"، ولم يأتِ
стр. 405
حديث واحد في استثناء شيء منها"١".
٢- أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها"٢"
٣- أن في تعليقها تعريضاً للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار
стр. 406
الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة"١".
٤- سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلُّق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الأخرى المقطوع بتحريمها من التمائم الشركية وغير الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين"٢".
стр. 407
النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله
الحلف في اللغة: مصدر حلَف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويُسمى "اليمين"؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه"١"، ويُسمّى أيضاً "القسم""٢".
والحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّراً بحرف من حروف القسم.
стр. 408
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى"١" مصدراً بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تا لله"٢"، واختلفوا فيما عدا ذلك"٣".
стр. 409
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله"١"، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ : " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، وإلا فليصمت " متفق عليه"٢"، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبياً أم ولياً أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب"٣"، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ :
стр. 410
" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ""١"، ولأن الحلف فيه تعظيم
стр. 411
للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائناً من كان"١"، فقد جعله شريكاً لله في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به "٢".
стр. 412
وهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير"١"، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي
стр. 413
حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتاً، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى"١".
стр. 414
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ"الواو".
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها"١" بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر
стр. 415
من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها"١"، كأن يقال: "ما شاء الله وشئت"، أو يقال: "هذا من بركات الله وبركاتك"، أو يقال: "ما لي إلا الله وأنت"، أو يقال: "أرجو الله وأرجوك"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ [البقرة:٢٢] قال ابن عباس ﵄: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص "٢"، وقول
стр. 416
الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها "فلان"، فإن هذا كله به شرك""١"، وما روته قتيلة بنت صيفي ﵂ أن يهودياً أتى النبي ﷺ ، فقال: "إنكم
стр. 417
تندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة"، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت"١". فأقر النبي ﷺ هذا اليهودي على تسمية هذا العطف شركاً، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن
стр. 418
ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ"الواو" ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر"١".
стр. 419
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء
الاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سَقياً، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السُّقيا، والمراد: إنزال الغيث"١"، والسين والتاء في "الاستسقاء" تدل على الطلب، أي طلب السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة "استفعل"تدل على الطلب غالباً"٢".
والأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجماً، كنجم الثريا، ونجم الحوت"٣".
فالاستسقاء بالأنواء: أن يُطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم،
стр. 420
فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث "١".
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقداً أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جلّ وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع"٢".
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقداً أن الله جعل هذا النجم سبباً في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر"٣"؛ لأنه
стр. 421
جعل ما ليس بسبب سبباً"١"، فالله تعالى لم يجعل شيئاً من النجوم سبباً في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
١- ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا ". قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ "٢"، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تُكذّبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى"٣".
стр. 422
٢- ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل"١"، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب " "٢". وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر"٣".
стр. 423
٣- ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً: "أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ""١".
هذا وإذا قال المسلم: "مُطرنا بنوء كذا وكذا "ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم"٢"، معتقداً أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالاً ولا تسبباً فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم"٣".
وقيل: مكروه"٤". وقيل: مباح"٥"، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي
стр. 424
تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: "مطرنا بفضل الله ورحمته"، أو يقول: "هذه رحمة الله"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول: "هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا"، أو يقول: "مطرنا في نوء كذا" "١"، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول "مطرنا بنوء كذا "أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
١- أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقاً بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفراً بالله تعالى، وإيماناً بالكوكب"٢".
стр. 425
٢- أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يُؤدي بجُهَّالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء"١".
٣- أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد"٢".
٤ - أن فيه استبدالاً للفظ المندوب إليه شرعاً في هذه الحال، وهو قول: " مطرنا بفضل الله ورحمته "بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبّهٌ بالمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم"٣".