أما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ﷺ ، ويترضون عنهم، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيِّه، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده، ويرون أن أفضلهم أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، ويحبون آل بيت النبي ﷺ "١"، ويرون أن لهم حقان، حق الإسلام، وحق القرابة من
стр. 37
رسول الله ﷺ ، فيوالونهم، ويترضون عنهم"١".
стр. 38
التوحيد
مدخل
...
الباب الأول: التوحيد
التوحيد في اللغة: مصدر وحّد، يوحّد، وهو جعل الشيء واحداً (١) .
وفي الاصطلاح: الإيمان بوجود الله وإفراده بالربوبية والألوهية والإيمان بجميع أسمائه وصفاته (٢) .
وقد فطر الله تعالى بني آدم على الإيمان به تعالى وتوحيده، فالإنسان يولد مؤمناً بوجود الله تعالى، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، فلو ترك على أصل فطرته لنشأ موحداً لله تعالى (٣) .
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] .
وقال النبي ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " رواه البخاري، ومسلم (٤) .
стр. 39
وفي رواية لمسلم: " ما من مولود يولد إلا على هذه الملة ".
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا، أنه قال: " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ". رواه مسلم (١) .
ولذلك فإن آدم أبا البشر ﵇ وذريته الذين كانوا في زمنه كانوا موحدين، واستمر ذريته من بعده على التوحيد حتى جاء قوم نوح ﵇، فزين لهم الشيطان الشرك ودعاهم إليه فوقعوا فيه.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنواع التوحيد في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله سبحانه في صدر سورة الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلفظة ﴿لِلَّهِ﴾ تثبت توحيد الألوهية، ولفظة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تثبت توحيد الربوبية، وأيضاً قوله تعالى في هذه السورة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يثبت توحيد الأسماء والصفات، وكذلك قوله تعالى في السورة نفسها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يثبت توحيد الربوبية، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يثبت توحيد الألوهية، والآيات في بيان أنواع التوحيد كثيرة جداً، وصريحة في بيان هذه الأنواع، ولهذا فقد ذكر أهل العلم من سلف هذه الأمة ومن كافة المذاهب الأربعة - الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - أنواع التوحيد
стр. 40
الثلاثة (١) ، وهذه الأنواع هي:
١- توحيد الربوبية.
٢ـ توحيد الألوهية (العبودية) .
٣ـ توحيد الأسماء والصفات (٢) .
وسأبيّن كل واحد من هذه الأنواع في فصل مستقل فيما يلي:
стр. 41
الفصل الأول: توحيد الربوبية
توحيد الربوبية هو: الإيمان بوجود الله، واعتقاد تفرده في أفعاله.
ومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له (١) .
وهو يشتمل على ما يلي:
١- الإيمان بوجود الله تعالى.
٢- الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك (٢) .
وقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم "الرب" أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو
стр. 42
من أدلة الربوبية،كقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكقوله سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وكقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] (١) ، والملكوت: الملك.
وقد أمر الله العباد بالنظر والتفكر في آيات الله الظاهرة من المخلوقات العلوية والسفلية، ليستدلوا بها على ربوبيته .
قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ*وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [لذاريات: ٢٠، ٢١] فأخبر الباري جل وعلا أن في الأرض آيات وعلامات كثيرة تدل على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد خلق فيها من صنوف النبات، والحيوانات، والجبال، والصحارى، والرمال، والبحار، والأنهار، وكذلك مافي خلق الإنسان من الآيات الكثيرة التي تدل على ربوبية الله تعالى، ومن ذلك ما في تركيبه من الحكم في وضع كل عضو من أعضائه في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ومابين بني الإنسان من الاختلاف في اللغات، والألوان، ومابينهم من التفاوت في العقول، والفهوم، والحركات، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما في ابتداء خلق الإنسان من الآيات
стр. 43
العظيمة، إذ كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير، ثم أخرج من بطن أمه صغيراً ضعيف القوى والحركه، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته، حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدن والحصون، ويسافر في أقطار الأرض، ويكتسب ويجمع الأموال، وله فكر، ورأي، وعلم، كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم، وسيرهم، وصرفهم في فنون المعاش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلم، والفكر، والغنى، والفقر، وغير ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] ففي الآية الأولى ذكر الله تعالى توحيد الألوهية، ثم ذكر في الآية التي بعدها الدليل عليه بذكر بعض خصائص الربوبية.
وقد روي عن بعض السلف أنه قال: لما نزلت الآيه الأولى طلب المشركون آية على أنه لا إله إلا الله، فنزلت الآية الثانية.
وقال : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧-٢٠] .
стр. 44
وقد استدل العلماء والحكماء من الموحدين على ربوبية الله بآياته الكونية، ولهم في ذلك أقوال كثيرة، وخطب، وأشعار مشهورة، ومن ذلك قول ابن المعتز:
فيا عجبا كيف يُعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (١)
وهذا النوع من أنواع التوحيد - وهو توحيد الربوبية - لا يكفي وحده
دخول في الإسلام، فقد كان المشركون مقرين به فلم ينفعهم ذلك، ولم يدخلهم في الإسلام، لأنهم مشركون في توحيد الألوهية، لصرفهم بعض أنواع العبادة كالدعاء والذبح والاستغاثة لمعبوداتهم كالأصنام والملائكة وغيرهم (٢) .
قال علامة اليمن الامام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ (٣) :
стр. 45
" الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ، وأنه خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وأنه الرزاق الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (١) [يونس: ٣١] . ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٤- ٨٩] ، وهذا فرعون مع غلوه في كفره، ودعواه أقبح دعوى، ونطقه بالكلمة الشنعاء (٤) ، يقول الله في
стр. 46
حقه، حاكياً عن موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ (١) [الإسراء: ١٠٢] ، وقال إبليس: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر: ٣٦] وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ، وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونهانتهى كلامه ﵀.
وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية (٢) ، فمن أقر بأن الله خالقه من العدم، ومالكه، ورازقه والمنعم عليه بأنواع النعم، التي لا يستطيع العبد إحصاءها، والتي هي مستمرة في جميع الأوقات والأحوال منذ أن يولد إلى أن يموت بل وفيما قبل ذلك، وأنه تعالى المصرف لجميع
стр. 47
أموره المدبر لها يلزمه أن يشكر الله تعالى على ذلك بأن يعبده ، وأن يطيع أوامره، ويجتنب نواهيه، ويحرم عليه أن يشرك معه في عبادته أحداً من خلقه (١) .
ولذلك عاب الله تعالى على المشركين الذين يقرون بتوحيد الربوبية ثم يشركون في عبادة الله، بصرف بعض أنواع العباده كالدعاء والذبح وغيرهما لمعبوداتهم من الأصنام وغيرها، كما في الآيات السابقة التي نقلها الإمام الصنعاني، كقوله سبحانه ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ، وقوله جل وعلا: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ .
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .
فأمر الله تعالى في صدر الآية الأولى جميع الناس بعبادته - وهذا هو أول أمر في القرآن (٢) - ثم ذكر السبب الذي من أجله أوجب على المكلفين عبادته وحده، وهو أنه تعالى ربهم الذي رباهم بأصناف النعم الظاهرة والباطنة، فأوجدهم من العدم، وجعل لهم الأرض فراشاً،
стр. 48
يستقرون عليها، وينتفعون فيها بالأبنية والزراعة والتكسب، وجعل السماء بناء - وهو السقف - وأودع فيها من المنافع ماهو من حاجاتهم، كالشمس والقمر والنجوم، وأنزل من السماء - وهي كل ما علا فوقهم - ماء، فأنبت به الثمرات من الحبوب والفواكه والتمور وغيرها، رزقاً لهم.
ثم نهى في ختام الآية الثانية عن جعل الأنداد لله، وهم الشبهاء والنظراء والشركاء، الذين يعبدون مع الله بصرف شيء من العبادة لهم مع أنهم لم يخلقوا العباد، ولم يرزقوهم، بل هم مخلوقون، مرزوقون، مدبرون، ومن حصل منه من الأولياء والصالحين نفع للعباد فإنما هو بتسخير الله، وتدبيره وإعانته لهم على ذلك، بل إن الله هو خالقهم وخالق أفعالهم، فالله تعالى هو وحده المنعم أولاً وآخراً، وهؤلاء إنما جعلهم الله سببا في وصول هذا الخير إلى العباد، فكيف يعبدونهم مع الله وهم يعلمون أن الله لا شريك له في الربوبية ولا في الألوهية (١) .
فالعبادة هي خالص حق الله تعالى، لا يجوز صرف شيء منها لغيره، كائناً ما كان، ومن صرف شيئاً منها لغيره فقد ظلم وأساء في حق الله تعالى، كما قال سبحانه حكاية عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
стр. 49
ومن أقر بتوحيد الربوبية وجب عليه أن يعبد الله تعالى شكراً له، فمن أقرَّ بأن الله تعالى خالقه ورازقه والمنعم عليه بجميع النعم وجب عليه أن يشكر الله تعالى على ذلك بعبادته وحده دون سواه.
وقد روى الحارث الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ... " فذكر الحديث بطوله، وفيه: " أولهن - أي أول هذه الكلمات - أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم قال له: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل، وأدِّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم، فلا تشركوا به شيئاً " (١) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك ".متفق عليه (٢) .
وهذا التوحيد قد أقر به أكثر الخلق في القديم والحديث، ولم ينكره إلا القليل، ومنهم فرعون وملؤه الذين أنكروا وجود الله بالكلية،
стр. 50
ولذلك جحدوا نبوة موسى ﵇ وما جاء به من الآيات، وهذا في الظاهر، أما في قرارة أنفسهم فهم مُقِرُّون بذلك كله، كما قال الله
تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤] .
وممن أنكره أيضاً: الشيوعيون في العصر الحاضر الذين يقولون " لا إله، والحياة مادة "، وهم إنما يقولون هذا في الظاهر، وإلا فإنهم مقرون بقلوبهم بوجود الله تعالى وربوبيته، ولا أدل على ذلك من أنه لما سقطت وانهارت حكومات روسيا وغيرها من دول أوربا الشرقية التي كانت تحكم بالمذهب الشيوعي رجع أكثر من كان ينتسب إلى الشيوعية ظاهراً إلى أديانهم القديمة كالنصرانية واليهودية وغيرهما.
أما الشرك في هذا النوع من أنواع التوحيد فقد وقع فيه كثير ممن ينتسب إلى الاسلام، ومنهم كثير من الصوفية والرافضة الذين يدعون الأموات فيسألونهم جلب نفع أو دفع ضر، أو يدعون بعض الأحياء ويسألونهم شيئاً لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا كله من الشرك في الربوبية، كما أنه شرك في الألوهية، لأنهم لم يطلبوا من المخلوق جلب نفع أو دفع ضر إلا وهم يعتقدون أنه يستطيع ذلك ويملكه، وهذا فيه نسبة شيء من أفعال الله تعالى لبعض خلقه، وهو شرك في الربوبية (١) .
стр. 51
توحيد الألوهية
مدخل
...
الفصل الثاني: توحيد الألوهية
تمهيد:
توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة (١) .
ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ"توحيد الألوهية"، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ"توحيد العبادة"، و"توحيدة العبودية"و"توحيد الله بأفعال العباد"، و"توحيد العمل"، و"توحيد القصد"، و"توحيد الإرادة والطلب"، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى (٢) .
وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ،
стр. 52
وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام (١) ، وهو يتضمن أنواع التوحيد.
فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات (٢) ، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون
стр. 53
الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.
قال العلامه المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني:"اعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠] أي لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟ .. فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أنداداً" (١) .
وهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشتمله وتدل عليه كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله".
وسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين:
المبحث الأول: شهادة"لا إله إلا الله": معناها - شروطها - أركانها - نواقضها.
المبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها.
стр. 54
شهادة لا إله إلا الله
معناها وفضلها
...
المبحث الأول: شهادة"لا إله إلا الله"
فيه مطلبان:
المطلب الأول: معناها، وفضلها
معنى شهادة"لا إله إلا الله"إجمالاً: لا معبود بحق إلا الله تعالى (١) .
أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى.
قال علامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني:"ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والبراءة من كل معبود دونه" (٢) .
فـ"لا"نافية للجنس. و"إله"اسمها، وخبرها محذوف تقديره"حق".
و"إله"من"أَلَهَ"بالفتح،"يَألَهُ"،"إلاهَةً"، والمعنى"عَبَدَ"،
стр. 55
"يَعبُدُ"،"عِبادةً" (١) .
و"الإلهُ"هو المعبود المطاع، الذي تألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع، والخوف، وتوابع ذلك من بقية أنواع العباده.
واسم"الله"علم على ذات الرب تعالى المقدسة، لا يطلق إلا عليه ، وأصله"إله"حذفت الهمزه، وعوض مكانها"أل"التعريف (٢) .
فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:
الأول:"النفي"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة:"لا إله"فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقاً للعبادة.
الثاني:"الإثبات"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة"إلا الله"فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك
стр. 56
له (١) . فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكراً له على نعمه العظيمة عليهم، كما سبق بيان ذلك مفصلاً عند الكلام على توحيد الربوبية.
فهذه الكلمة هي حقاً: كلمة التوحيد، والعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة، في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة، فبالتزامها والقيام بحقوقها تثقل الموازين، وبه تكون النجاة من النار بعد الورود، والفوز بجنات النعيم، وبعدم التزامها أو التفريط في حقوقها تخف الموازين، ويكون العذاب في القبر، وفي يوم القيامة، وفي نار الجحيم.
وهي حق الله على جميع العباد، وهي أول واجب، وآخر واجب، فهي أول ما يدخل به العبد في الاسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا (٢) .
المطلب الثاني: شروطها ونواقضها
دلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة لكلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، التي سبقت الإشارة إلى بعضها في المطلب السابق، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها، وعصمة دمه وماله وعرضه، ودخول الجنة، وعدم الخلود في النار، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة، بل لابد من توافر جميع شروطها، وانتفاء جميع نواقضها، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها،
стр. 59
من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما، وانتفت مبطلاتها، كالكلام والضحك والأكل والشرب وغيرها، فكذلك هذه الكلمة، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها، وانتفاء نواقضها.
ولذلك لما قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك (١) . ولما قيل للحسن البصري: إن ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
ومن أجل عدم تحقق بعض هذه الشروط لم تنفع هذه الكلمة جميع المنافقين الذين نطقوا بها وفعل كثير منهم بعض شعائر الإسلام الظاهرة.
ويدل على وجوب توفر شروط هذه الكلمة وعلى وجوب انتفاء موانعها على وجه الإجمال قوله ﷺ :" أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى
стр. 60
يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " (١) ، فيدخل في حقها: الإتيان بشروطها، واجتناب نواقضها (٢) .
وقد دلت النصوص الشرعيه على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط، هي:
الشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] .
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك، فلابد أن يؤمن إيماناً جازماً بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا علم اليقين، لا الظن ولا التردد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] .
فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكاً مرتاباً أو متوقفاً في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئاً.
стр. 61
الشرط الثالث: القبول المنافي للرد، فيقبل بقلبه ولسانه جميع مادلت عليه هذه الكلمة، ويؤمن بأنه حق وعدل. قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] .
فمن نطق بهذه الكلمه ولم يقبل بعض مادلت عليه إما كبراً أو حسداً أو لغير ذلك فإنه لا يستفيد من هذه الكلمة شيئاً.
فمن لم يقبل أن تكون العبادة لله وحده، ومن ذلك عدم قبول التحاكم إلى شرعه تكبراً، أو لم يقبل بطلان دين المشركين من عباد الأصنام أو عباد القبور أو اليهود أو النصارى أو غيرهم، فيقول: إن أديانهم صحيحة، فلا يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة من بطلان هذه الأديان الشركية فليس بمسلم.
الشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك، فينقاد بجوارحه، بفعل ما دلت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢] ، ومعنى ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ : ينقاد. ومعنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ : أي موحِّد.
فمن قالها وعرف معناها ولم ينقد للإتيان بحقوقها ولوازمها من عبادة الله والعمل بشرائع الإسلام، ولم يعمل إلا ما يوافق هواه أو ما فيه تحصيل دنياه لم يستفد من هذه الكلمة شيئاً.
стр. 62
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقول هذه الكلمة صدقاً من قلبه، يوافق قلبُه لسانه. قال الله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١- ٣] .
ولذلك لم ينتفع المنافقون من نطقهم بهذه الكلمة، لأن قلوبهم مكذبة بمدلولها، فهم يقولونها كذباً ونفاقاً.
الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك. فلابد من تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] .
فمن أشرك بالله تعالى في أي نوع من أنواع العبادة لم تنفعه هذه الكلمة.
الشرط السابع: المحبة. فلابد أن يحب المسلم هذه الكلمة ويحب ما دلت عليه، ويحب أهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، ويبغض ما ناقض ذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقره: ١٦٥] (١) .
стр. 63
فمن قال: «لا إله إلا الله» ولكنه أبغض ما دلت عليه من عبادة الله وحده لا شريك الله فليس بمسلم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] .
أما نواقض"لا إله إلا الله"، وتسمى"نواقض الإسلام" و"نواقض التوحيد"وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعضهم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض (١) .
وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسة، هي:
١- الشرك الأكبر: وهو أنواع كثيره يأتي الكلام عليها في الفصل الأول من الباب الثاني - إن شاء الله تعالى -.
٢- الكفر الأكبر: وهو أنواع كثيره يأتي الكلام عليها في الفصل الثاني من الباب الثاني - إن شاء الله تعالى-.
٣- النفاق الاعتقادي: وسيأتي الكلام عليه في الفصل الثالث من الباب الثاني - إن شاء الله تعالى-.
стр. 64
العبادة
تعريف العبادة وبيان شمولها
...
المبحث الثاني: العبادة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها:
العبادة في اللغة: قال ابن سيدة:"أصل العبادة في اللغة: التذليل. من قولهم: (طريق معبد) أي مذلل. ومنه أخذ (العبد) لذلته لمولاه. والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني. والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر" (١) .
وقال في الصحاح:"أصل العبودية: الخضوع والذل. والعبادة الطاعة" (٢) .
العبادة في الاصطلاح (٣) :
عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله
стр. 65
ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة (١) .
وهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل:
أولاً: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى (٢) .
стр. 66
ويدخل في العبادات المحضة ما يلي:
١- العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين:
أ –"قول القلب"، وتسمى"اعتقادية"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك.
ب –"عمل القلب"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها.
٢- العبادات القولية.
ومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك.
٣- العبادات البدنية:
ومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك.
٤- العبادات المالية:
ومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها (١) .
стр. 67
ثانياً: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات (١) .
ويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي:
١- فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها.
فإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغياً بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلاً كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب
стр. 68
المشي مبتغياً بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها (١) ، بلا نزاع (٢) .
ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد:" ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك "
متفق عليه (٣) ، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري:" إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة "متفق عليه (٤) ، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلاً منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى ... الخ (٥) .
стр. 69
٢- ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلباً لثواب الله وخوفاً من عقابه وامتثالاً لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها (١) بلا نزاع (٢) .
ومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:" يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " متفق عليه (٣) ، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه
стр. 70
الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى.
٣- فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على طاعة الله، وما أشبه ذلك، كان ذلك عبادة يثاب عليها (١) .
ومما يدل على ذلك عموم حديث سعد وحديث أبي مسعود السابقين، وقول معاذ ﵁ لما قال له أبو موسى الأشعري ﵁: كيف تقرأ القرآن؟ قال:" أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت حزبي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي "رواه البخاري (٢) .
стр. 71
وهذا يدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، وتشمل الدين كله (١) ، ويدل كذلك على أهمية العبادة، ولهذا كانت هي الغايه التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، فالله تعالى خلقهم ليختبرهم في عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه (٢) ، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [تبارك:٢] فكل عاقل من الثقلين منذ أن يبلغ إلى أن يموت فهو في حال امتحان واختبار.
стр. 72
المطلب الثاني: شروط العبادة وأصولها
حقيقة عبادة الله تعالى وأصلها: كمال المحبة له مع كمال الذل والخضوع (٣) .
فمن يحب من لا يخضع له، فليس عابداً له، وكذلك من يخضع
стр. 73
ويذل لمن لا يحبه فليس عابداً له (١) .
وعبادة الله تعالى لا تكون مقبولة ولا مرضية له جل وعلا حتى تستكمل شروطها وأركانها.
شروط العبادة: للعبادة شرطان هما:
الشرط الأول: الإخلاص. وهو: أن يقصد العبد بعبادته وجه الله تعالى دون سواه (٢) .
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .
قال علامة الهند الإمام المحدث صديق حسن الحسيني:"لا خلاف في أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله" (٣) .
وبناء على هذا الشرط فمن أدى العبادة ونوى بها غير وجه الله، كأن يريد مدح الناس، أو يريد مصلحة دنيوية، أو فعلها تقليداً لغيره
стр. 74
دون أن يقصد بعمله وجه الله، أو أراد بعبادته التقرب إلى أحد من الخلق، أو فعلها خوفاً من السلطان أو من غيره، فلا تقبل منه، ولا يثاب عليها، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم (١) .
وإن قصد بالعبادة وجه الله وخالط نيته رياء حبط عمله أيضاً، ولا يعرف عن السلف في هذا خلافاً (٢) .
الشرط الثاني: موافقة شرع الله تعالى (٣) . وذلك بأن تكون العبادة في وقتها وصفتها موافقة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا يزيد في عبادته عملاً أو قولاً لم يرد فيهما، ولا يفعلها في غير وقتها، وكذلك لا يتعبد لله بعبادة لم ترد فيهما، وهذا مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، فلا يعبد الله تعالى إلا بما شرعه على لسان نبيه محمد ﷺ (٤) .
стр. 75
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وقال النبي ﷺ :" من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد "متفق عليه (١) ، وفي رواية لمسلم:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد "، فالآية صريحة في وجوب اتباع النبي ﷺ ، والحديث بروايتيه صريح في تحريم إحداث عبادة لم يأمر بها النبي ﷺ ، ولم ترد في سنته، وتحريم إحداث صفة لعبادة مشروعة، لأن ذلك ليس عليه أمره ﷺ ، وليس من سنته.
أصول العبادة:
عبادة الله ﵎ يجب أن ترتكز على أصول ثلاثة، وهي المحبة، والخوف، والرجاء، فيعبد المسلم ربه محبة له، وخوفاً من عقابه، ورجاء لثوابه، ولذلك قال بعض السلف:"من عَبَدَ اللهَ بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن" (٢) ، وقد أسمى بعض العلماء هذه الأصول"أركاناً" (٣) ، وسأتكلم عليها بشيء من الاختصار فيما يلي: