- أ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله ذي النعم الكثيرة المتوالية، والتي يجب على العباد أن يشكروه عليها بعبادته وطاعته، ومن أعظم نعمه على هذه الأمة أن أرسل إليها أفضل رسله، وهو نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله ﷺ والذي ما ترك خيراً إلا دل الأمة عليه وأمر به , ولا ترك أمراً فيه ضرر عليها أو يؤدي بها إلى الضلال والانحراف إلا حذرها منه , حتى ترك أمته على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك , ولهذا يجب على كل مسلم ومسلمة أن يحب الله تعالى وأن يحب نبيه محمدًا ﷺ أكثر مما يحب نفسه ووالديه وأولاده وأمواله وأي شيء آخر , كما يجب على المسلمين أن يتأسوا بهذا النبي المبارك, فيعملوا بجميع أوامره , ويجتنبوا جميع ما حذر منه , وألا يقدموا على سنته قول أو اجتهاد أحد من البشر كائناً من كان , وهذا هو العلامة الظاهرة لمحبة الله تعالى ومحبة نبيه ورسوله محمد ﷺ , قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
стр. 2
- ب -
أما بعد:
فهذا كتاب يتناول موضوعات عقدية مهمة , هي:
١ - أهم خصائص العقيدة الإسلامية.
٢ - وسطيَّة العقيدة الإسلامية.
٣ - التوحيد.
٤ - نواقض التوحيد.
٥ - منقصات التوحيد.
٦ - الولاء والبراء.
وقد أسميته "تسهيل العقيدة الإسلامية"، وصدَّرته بتعريف وشرح لبعض المصطلحات العقدية المهمة , ليسهل على القارئ فهمها عند مروره عليها في ثنايا هذا الكتاب.
وتوخَّيتُ في كتابته سهولة العبارة , ووضوح الأسلوب , وتناول أكثر مسائل الموضوعات السابقة على وجه التفصيل والبيان , معضداً جميع ما أذكر بالأدلة الشرعية من الكتاب , والسنة الصحيحة , والإجماع , وذلك ليكون مناسباً ومفيداً للطلبة في المرحلة الجامعية وما يعادلها من المعاهد الشرعية المتخصصة , وطلبة الدورات الشرعية في داخل هذه البلاد وخارجها , ومن هو في مستواهم.
كما أنني توسَّعتُ في حواشي هذا الكتاب وذكرت فيها بعض التفصيلات التي رأيت أن في ذكرها في المتن تطويلاً له , كما ذكرت
стр. 3
- جـ -
فيها نقولات توثيقية عن علماء من المذاهب الأربعة ومن أقوال السلف والأئمة المجتهدين , لتكون هذه الحواشي مرجعاً لمن يريد التوسع في هذه الموضوعات العقدية المهمة من الأساتذة والمتخصصين وغيرهم.
وقد حرصت على نشر جميع أبواب وفصول هذا الكتاب في مجلات علمية محكمة على شكل بحوث مستقلة , وذلك للاستفادة من مراجعة الفاحصين المتخصصين لهذه البحوث , فقمت بتجزئة أبوابه وفصوله إلى ستة بحوث.
وهذه هي أسماء هذه البحوث مبيَّناً أمام كل بحث المجلة التي قامت بإجراءات نشره:
١ - التوحيد والشرك الأكبر - مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٢ - الكفر الأكبر - مجلة جامعة أم القرى.
٣ - النفاق الأكبر - مجلة جامعة أم القرى.
٤ - الوسائل التي تؤدي إلى الشرك الأكبر - مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٥ - منقصات التوحيد - مجلة البحوث الإسلامية التابعة لهيئة كبار العلماء بالمملكة.
٦ - الولاء والبراء - مجلة البحوث الإسلامية.
стр. 4
- د -
كما قمت بنشر التمهيد في مجلة "الجندي المسلم" التابعة لوزارة الدفاع والطيران بالمملكة في حلقات متتابعة.
هذا وقد تفضل مشكوراً بقراءة هذا الكتاب وإتحافي ببعض الفوائد والملحوظات العلمية والطباعية عددٌ من المشايخ وطلاب العلم المتخصصين في العقيدة الإسلامية، ومنهم:
١ - أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل الأستاذ بقسم العقيدة بكلية أصول الدين بالرياض.
٢ - د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف , الأستاذ بقسم العقيدة بكلية أصول الدين بالرياض.
٣ - د. فهد بن سليمان الفهيد , وكيل قسم العقيدة بكلية أصول الدين بالرياض.
فلهم جميعاً ولغيرهم ممن راجع هذا الكتاب أو بعض فصوله جزيل الشكر والتقدير.
كما أشكر كل من تفضَّل بإتحافي بفائدة أو فوائد علمية أثناء تأليف هذا الكتاب , وأخصُّ منهم بالذكر فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك الأستاذ بكلية أصول الدين بالرياض سابقاً , الذي أفادني بفوائد عقدية مهمة جداً , وفضيلة الشيخ د. عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الأستاذ بكلية أصول الدين بالرياض والذي قرأت عليه بعض فصول هذا الكتاب , وأسأل الله أن يثيبهم جميعاً على ذلك أجزل الثواب.
стр. 5
- هـ -
ولا أنسى أن أشير إلى ما أفادني به شيخاي: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز- ﵀, وفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ من فوائد عقدية مهمة أثناء تأليف هذا الكتاب , فأسأل الله أن يثيبهما وكلَّ مَنْ شارك في مراجعة هذا السِّفْر أعظم الأجر وأن يغفر لي ولهم جميع الذنوب، وأن ينجينا من عذاب القبر ومن أهوال القيامة ومن عذاب النار.
وفي ختام هذه المقدمة آمل من كل من كان لديه أي اقتراح يتعلق بهذا الكتاب سواء كان طلب إضافة مبحث معين, أو التوسع في موضوع من المواضيع التي بحثت , أو طلب اختصار الكلام على مسألة معينة , أو أي ملحوظة أو فائدة مناسبة، أن لا يتردد في إتحافي بذلك على صندوق البريد ٣٢٤٥٤ ورمزه ١١٤٢٨ الرياض.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قاله وكتبه
عبد الله بن عبد العزيز الجبرين
كلية المعلمين بالرياض - قسم الدراسات الإسلامية -
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التمهيد
ويشتمل على ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقدية، وتعريفها.
ونبدأ هذه المصطلحات بذكر تعريف العقيدة نفسها.
١ - فالعقيدة في اللغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والإيثاق والثبوت والإحكام"١".
وفي الاصطلاح: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها"٢" مما هو من أصول الدين.
وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم "السنة"، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة، لأن العقيدة الصحيحة وهي عقيدة أهل السنة والجماعة مستمدة من سنة النبي ﷺ ، التي هي مبينة للقرآن.
стр. 7
وقد ألَّف بعض السلف كتباً في العقيدة أسموها "السنة"، ومنها كتاب "السنة" للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وغيرهما"١".
كما أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "أصول الدين"، وذلك أن ملة النبي ﷺ تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفة العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها، وتسمى "فرعية"، أو "فروع"، فهي كالفرع لعلم العقيدة، لأن العقيدة أشرف الطاعات، ولأن صحتها شرط في قبول العبادات العملية"٢"، فإذا فسدت العقيدة لم تقبل العبادة، وبطل أجرها،
стр. 8
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [الزمر] .
قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: " أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم"١" - وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين "الفقه
стр. 9
الأكبر" - وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه ... ".
هذا وقد أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "الفقه الأكبر"، وذلك لأن العقيدة هي أصل الدين، والفقه العملي - الذي يسمى "الفقه الأصغر" - فروعه، كما سبق.
وقد ألّف الإمام أبوحنيفة رسالة في العقيدة أسماها "الفقه الأكبر"١".
٢- أهل السنة والجماعة:
هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة"٢".
وهم: المتمسكون بالعقيدة الصحيحة الخالية من شوائب البدع
стр. 10
والخرافات وهي العقيدة التي كان عليها رسول الله ﷺ واتفق عليها أصحابه ﵃ "١".
وقد سُمُّوا "أهل السنة" لعملهم بمقتضى سنة النبي ﷺ المبينة للقرآن، عملاً بقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ ""٢"، فهم يعلمون أن هدي النبي ﷺ خير الهدي، فقدموه على هدي من سواه.
وسُمُّوا "الجماعة" لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي ﷺ ، وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهم قد اجتمعوا على الحق، وعلى عقيدة الإسلام الخالية من الشوائب"٣". وأيضاً فقد سمى النبي ﷺ الفرقة
стр. 11
الناجية المتبعة لسنته وطريقة أصحابه - وهم أهل السنة والجماعة"١" - سماهم "الجماعة"، فقد ثبت عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال النبي ﷺ : " إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ"٢" بصاحبه ... ""٣".
стр. 12
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام له: "ولهذا وصفت الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة""١".
وهذه التسمية "أهل السنة والجماعة" وصف صادق يميز أهل العقيدة الصحيحة وأتباع الرسول ﷺ عن الفرق الضالة التي تسير على غير هدي النبي ﷺ ، فمن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من عقول البشر وعلم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فيقدمونها على كلام الله وسنة رسول الله ﷺ ، فيردون النصوص الشرعية الثابتة أو يؤولونها لمجرد أن عقولهم القاصرة لم تقبل أو لم تستسغ ما دلت عليه هذه النصوص. ومن هذه الفرق: الفلاسفة، والقدرية، والماتوريدية, والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين قلدوا الجهمية في بعض آرائهم.
ومن الفرق الضالة من يأخذ عقيدته من آراء مشايخهم وأئمتهم
стр. 13
المبنية في كثير من الأحيان على الهوى، كالصوفية والرافضة وغيرهم، فيقدمون كلامهم على كلام الله وكلام رسوله محمد ﷺ .
كما أن هذه الفرق منها من تنتسب إلى من أسسها وأنشأ أصولها العقديَّة، كالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، وكالأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري - وإن كان الأشعري رجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة"١"، لكن مقلِّدوه استمروا على عقيدته المنحرفة التي رجع عنها -، والأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، وغيرهم.
ومن هذه الفرق من تنتسب إلى بعض آرائها العقدية الضالة، أو إلى بعض أفعالها السيئة، كالروافض نسبة إلى رفضهم إمامة أبي بكر وعمر وتبرؤهم منهما، والقدرية نسبة إلى نفي القدر، والخوارج نسبة إلى الخروج على الولاة، وغيرهم"٢".
فعصم الله أهل السنة من الانتساب والاتباع لغير سنة المعصوم من
стр. 14
الخطأ والزلل رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ ، المؤيد بالوحي من السماء، والذي لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى "السنة""١".
وقد سأل رجلٌ الإمامَ مالك بن أنس، فقال: من أهل السنة يا أبا عبد الله؟ فقال: "الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا رافضي، ولا قدري""٢".
وقد أطلق بعض العلماء على أهل السنة اسم "أصحاب الحديث" أو "أهل الحديث"، وذلك لأنهم اهتموا بأحاديث النبي ﷺ رواية ودراية"٣"، واتبعوا ما جاءت به من العقائد والأحكام"٤".
و"الحديث" و"السنة" لفظان معناهما متقارب.
стр. 15
وأهل السنة كذلك هم الفرقة المنصورة"١" إلى قيام الساعة"٢"، الذين ذكرهم النبي ﷺ بقوله: " لن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة " رواه البخاري ومسلم، وغيرهما"٣".
وهم الفرقة الناجية"٤" المذكورة في حديث معاوية الذي سبق ذكره قريباً، وغيره.
стр. 16
٣- السلف:
السلف في اللغة: الجماعة المتقدمون: يقال: سلَف يسلُف أي مضى، وسلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون"١".
وفي الاصطلاح: هم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم وسار على طريقتهم من أئمة الدين من أهل القرون الثلاثة المفضلة"٢".
٤- الخَلَف:
الخلف في اللغة: المتأخر، وكل من يجيء بعد من مضى"٣".
وفي الاصطلاح: من انحرف عن طريقة النبي ﷺ وأصحابه في باب العقائد من أهل البدع والأهواء كالخوارج والرافضة، وكأهل الكلام الذين قدموا العقل على النصوص الشرعية: كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية
стр. 17
والمرجئة وغيرهم"١".
وأهل السنة والجماعة يسيرون على منهج السلف، الذين في مقدمهم أصحاب النبي ﷺ ، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، امتثالاً لقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " "٢"، ولأن النبي ﷺ لما سُئل عن الفرقة الناجية قال: " من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ""٣"، كما أنهم ينتسبون إلى مذهب السلف، ولذلك يقال
стр. 18
لمن يتبع مذهب السلف "سلفي" "١"، أو "على عقيدة السلف الصالح""٢" أو "من اتباع السلف الصالح" "٣"، وهذه التسمية موافقة في المعنى لتسميتهم بـ"أهل السنة" لأن عقيدة السلف الصالح أصحاب النبي ﷺ ومن سار على نهجهم هي ما كان عليه النبي ﷺ ، كما سبق في الحديث.
أما من سار على منهج الخلف، فيقال له "خلفي""٤"، و "الخلف" يقرون بهذه التسمية، بل إن كثيراً منهم يجترئ فيفضل مذهب الخلف على مذهب السلف"٥" الذين في مقدمتهم أصحاب النبي ﷺ ، وهذا اعتراف صريح منهم بمخالفة طريقتهم لطريقة أصحاب النبي ﷺ ،
стр. 19
والتي كان عليها رسول الله ﷺ ، وكفى بهذا اعترافاً بالانحراف عن العقيدة الصحيحة"١".
المسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية.
الخصائص: جمع خصيصة.
والخصيصة: هي الصفة الحسنة التي يتميّز بها الشيء ولا يشاركه فيها غيره.
وخصائص العقيدة الإسلامية كثيرة، نكتفي بذكر ثلاث منها:
١- أنها عقيدة غيبية:
الغيب: ما غاب عن الحس، فلا يدرك بشيء من الحواس الخمس: السمع والبصر واللمس والشم والذوق.
وعليه فإن جميع أمور ومسائل العقيدة الإسلامية التي يجب على العبد أن يؤمن بها ويعتقدها غيبي، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وعذاب القبر ونعيمه، وغير ذلك من
стр. 22
أمور الغيب التي يُعتَمَد في الإيمان بها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقد أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب، فقال في صدر سورة البقرة: ﴿الم*ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية.
٢ - أنها عقيدة شاملة:
ويتضح شمول العقيدة في الأمور الثلاثة الآتية:
الأول: شمول العبادة، فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
فالعبادة تشمل العبادات القلبية، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وتشمل العبادات القولية كالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقراءة القرآن، وتشمل العبادات الفعلية كالصلاة والصوم، والحج، وتشمل العبادات المالية، كالزكاة، وصدقة التطوع.
وتشمل كذلك الشريعة كلها، فإن العبد إذا اجتنب المحرمات، وفعل الواجبات والمندوبات والمباحات مبتغيا بذلك وجه الله تعالى كان فعله ذلك عبادة يثاب عليها. وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الكلام على توحيد الألوهية.
стр. 23
الثاني: أنها تشمل علاقة العبد بربه، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر، وذلك في مباحث التوحيد بأنواعه الثلاثة، وفي مبحث الولاء والبراء، وغيرها.
الثالث: أنها تشمل حال الإنسان في الحياة الدنيا، وفي الحياة البرزخية "القبر"، وفي الحياة الأخروية.
٣- أنها عقيدة توقيفية:
فعقيدة الإسلام موقوفة على كتاب الله، وما صح من سنة رسوله محمد بن عبد الله ﷺ فليست محلاً للاجتهاد، لأن مصادرها توقيفية.
وذلك أن العقيدة الصحيحة لابد فيها من اليقين الجازم، فلابد أن تكون مصادرها مجزوماً بصحتها، وهذا لا يوجد إلا في كتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ .
وعليه فإن جميع المصادر الظنية، كالقياس والعقل البشري لا يصح أن تكون مصادر للعقيدة، فمن جعل شيئاً منها مصدراً للعقيدة فقد جانب الصواب، وجعل العقيدة محلاً للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب.
ولذلك ضل من ضل من أهل الكلام كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، حينما جعلوا العقل مصدراً من مصادر العقيدة، وقدموه على النصوص الشرعية، حتى أصبح القرآن والسنة عندهم تابعين للعقل البشري، وهذا
стр. 24
انحراف عن الصراط المستقيم، واستهانة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتلاعب بعقيدة الإسلام، حيث جعلوها خاضعة لآراء البشر واجتهاداتهم العقلية.
والحق أن العقل مؤيد للنصوص الشرعية، فالعقل الصريح يؤيد النص الصحيح، ولا يعارضه، وما توهمه المعطلة والمؤولة من التعارض بينهما فهو بسبب قصور عقول البشر، ولذلك فإن ما قد يراه أحدهم متعارضاً قد لا يراه الآخر كذلك، وهكذا"١".
وعليه فإن العقل بعتبر مؤيداً للنصوص الشرعية في باب العقائد وغيرها، وليس مصدراً مستقلاً للعقيدة، فلا يجوز أن يستقل بالنظر في أمور الغيب، ولا فيما لا يحيط به علماً، والبشر لا يحيطون علماً بالله ولا بصفاته، كما قال تعالى ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] "٢".
стр. 25
المسألة الثالثة: وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:
عقيدة أهل السنة والجماعة والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة، أحدهما غلا في هذا الباب والآخر قصر فيه، أحدهما أفرط والثاني فرط، فهي حق بين باطلين: فأهل السنة وسط أي عدول خيار بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم.
وسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطاً فيها بين فرق الأمة:
الأصل الأول: باب العبادات:
توسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين"١".
فالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور
стр. 26
والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها، وكثير منهم يعبد أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يشفعوا له عند الله أو يجلبوا له مرغوباً أو يدفعوا عنه مرهوباً.
والدروز والنصيريون - الذين يسمون العلويون - تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون ... الخ.
أما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم، عملاً بقول النبي ﷺ " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". متفق عليه"١".
وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " "٢"، وقوله ﵊ في خطبته: " أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ". رواه مسلم"٣".
стр. 27
الأصل الثاني: باب أسماء الله وصفاته:
توسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة، وبين الممثلة.
فالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات، كالجهمية.
ومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة.
ومنهم من ينكر أكثر الصفات، ويؤولها كالأشاعرة، اعتماداً منهم على عقولهم القاصرة، وتقديماً لها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيعرضون النصوص الشرعية على عقولهم فما قبلته قبلوه، وما لم تقبله ردوه أو أولوه، واعتبروا ذلك تنزيهاً، فجعلوا النصوص محكوماً عليها، لا حاكمة على غيرها، فيجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويجعلون القرآن والسنة تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن النصوص الشرعية.
ولذلك حكموا بوجوب أشياء، وامتناع أشياء أخرى في حق الله تعالى، لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقاً، وهي باطلة، وعارضوا بها نصوص القرآن وسنة المعصوم ﷺ ، حتى قال قائلهم:
стр. 28
وكلّ نصٍّ أَوهَمَ التشبيها"١" ... أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيهَا"٢"
стр. 29
والممثلة يضربون لله الأمثال، ويدعون أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين، كقول بعضهم: "يد الله كيدي" و "سمع الله كسمعي"تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية، تليق بجلال الله تعالى، ولا تماثل صفات المخلوقين، عملاً بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فأهل السنة يعتمدون على النصوص الشرعية، ويقدمونها على العقول البشرية، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية، وشرطاً في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه
стр. 30
يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضاً، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة، الذين يعيبون العقل، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل، ويُصَدِّقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقة"١".
الأصل الثالث: باب القضاء والقدر
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والجبرية.
فالقدرية نفوا القدر، فقالوا: إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم، بل العباد مستقلون بأفعالهم، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله، وهو المريد له إرادة مستقلة، فأثبتوا خالقاً مع الله سبحانه، وهذا إشراك في الربوبية، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين، فهم "مجوس هذه الأمة".
стр. 31
والجبرية غلوا في إثبات القدر، فقالوا: إن العبد مجبور على فعله، فهو كالريشة في الهواء لا فعل له ولا قدرة ولا مشيئة.
فهدى اللهُ أهلَ السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تُنسب إليهم على جهة الحقيقة، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه، فالله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] . كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]
ومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، ولا يرضى عن الفاسقين، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فمن أطاع أطاع عن بينة واختيار، فيستحق الثواب الحسن، ومن عصى عصى عن بينة واختيار، فيستحق العقاب ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] .
فأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة، وهي:
١- علم الله المحيط بكل شيء، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم.
стр. 32
١ - كتابة الله تعالى لكل ما هوكائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
٢- مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه.
٣- أن الله خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه"١".
وقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله:
علم كتابة مولانا مشيئته ... كذاك خلقٌ وإيجادٌ وتكوين
الأصل الرابع: باب الوعد والوعيد:
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة.
فالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب الخمر كافر مخلد في النار.
стр. 33
والمرجئة غلبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد، فقالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي، وأن الأعمال ليست من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالعاصي كالزاني وشارب الخمر لا يستحق دخول النار"١"، وإيمانه كإيمان أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 34
أما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام، بل هو مسلم ناقص الإيمان، ما دام لم يرتكب شيئاً من المكفرات، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ثم يدخله الجنة، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به.
فالإيمان عند أهل السنة: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية"١".
الأصل الخامس: باب أصحاب النبي ﷺ :
توسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج.
فالشيعة ومنهم الرافضة غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده ﵃ فادعوا أن علياً ﵁
стр. 35
معصوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر، ومن غلاتهم من يدعي ألوهيته.
والخوارج جفوا في حق علي ﵁ فكفروه، وكفروا معاوية بن أبي سفيان ﵄ وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم.
كما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة، فَسَبُّوهم، وقالوا: إنهم كفار، وأنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين، ولا يستثون من الصحابة إلا آل البيت ونفراً قليلاً، قالوا: إنهم من أولياء آل البيت، كما أنهم يشتمون أمهات المؤمنين، وأفاضل الصحابة، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر علانية، لكنهم قد يترضون عنهم ويظهرون موالاتهم لهم تقرباً إلى أهل السنة ومخادعة لهم، لأن من عقائدهم عقيدة التقيّة، فيظهرون لأهل السنة خلاف ما يبطنون"١".
стр. 36
أما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ﷺ ، ويترضون عنهم، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيِّه، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده، ويرون أن أفضلهم أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، ويحبون آل بيت النبي ﷺ "١"، ويرون أن لهم حقان، حق الإسلام، وحق القرابة من
стр. 37
رسول الله ﷺ ، فيوالونهم، ويترضون عنهم"١".
стр. 38
التوحيد
مدخل
...
الباب الأول: التوحيد
التوحيد في اللغة: مصدر وحّد، يوحّد، وهو جعل الشيء واحداً (١) .
وفي الاصطلاح: الإيمان بوجود الله وإفراده بالربوبية والألوهية والإيمان بجميع أسمائه وصفاته (٢) .
وقد فطر الله تعالى بني آدم على الإيمان به تعالى وتوحيده، فالإنسان يولد مؤمناً بوجود الله تعالى، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، فلو ترك على أصل فطرته لنشأ موحداً لله تعالى (٣) .
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] .
وقال النبي ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " رواه البخاري، ومسلم (٤) .
стр. 39
وفي رواية لمسلم: " ما من مولود يولد إلا على هذه الملة ".
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا، أنه قال: " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم ". رواه مسلم (١) .
ولذلك فإن آدم أبا البشر ﵇ وذريته الذين كانوا في زمنه كانوا موحدين، واستمر ذريته من بعده على التوحيد حتى جاء قوم نوح ﵇، فزين لهم الشيطان الشرك ودعاهم إليه فوقعوا فيه.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنواع التوحيد في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله سبحانه في صدر سورة الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلفظة ﴿لِلَّهِ﴾ تثبت توحيد الألوهية، ولفظة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تثبت توحيد الربوبية، وأيضاً قوله تعالى في هذه السورة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يثبت توحيد الأسماء والصفات، وكذلك قوله تعالى في السورة نفسها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يثبت توحيد الربوبية، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يثبت توحيد الألوهية، والآيات في بيان أنواع التوحيد كثيرة جداً، وصريحة في بيان هذه الأنواع، ولهذا فقد ذكر أهل العلم من سلف هذه الأمة ومن كافة المذاهب الأربعة - الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - أنواع التوحيد
стр. 40
الثلاثة (١) ، وهذه الأنواع هي:
١- توحيد الربوبية.
٢ـ توحيد الألوهية (العبودية) .
٣ـ توحيد الأسماء والصفات (٢) .
وسأبيّن كل واحد من هذه الأنواع في فصل مستقل فيما يلي: